زاد المسير في علم التفسير - ج ٣

المؤلف:

أبي الفرج عبدالرحمن ابن علي ابن الجوزي


المحقق: عبدالرزاق المهدي
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الكتاب العربي
🚘 نسخة غير مصححة

في القتال. وقال مجاهد : هم ناس خرجوا من مكّة مهاجرين ، فأدركهم كفّار قريش ، فأذن لهم في قتالهم. قال الزّجّاج : معنى الآية : أذن للذين يقاتلون أن يقاتلوا. (بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) أي : بسبب ما ظلموا. ثم وعدهم النّصر بقوله : (وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) ولا يجوز أن تقرأ بفتح «إن» هذه من غير خلاف بين أهل اللغة ، لأنّ «إنّ» إذا كانت معها اللام ، لم تفتح أبدا ، وقوله : (إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ) معناه : أخرجوا لتوحيدهم.

قوله تعالى : (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ) قد فسّرناه في سورة البقرة (١).

قوله تعالى : (لَهُدِّمَتْ) قرأ ابن كثير ، ونافع : «لهدمت» خفيفة ، والباقون بتشديد الدّال.

فأمّا الصّوامع ، ففيها قولان (٢) : أحدهما : أنها صوامع الرّهبان ، قاله ابن عباس ، وأبو العالية ، ومجاهد ، وابن زيد. والثاني : أنها صوامع الصّابئين ، قاله قتادة ، وابن قتيبة.

فأمّا البيع ، فهي جمع بيعة ، وهي بيع النّصارى.

وفي المراد بالصّلوات قولان : أحدهما : مواضع الصّلوات. ثم فيها قولان : أحدهما : أنها كنائس اليهود ، قاله قتادة ، والضّحّاك ، وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغويّ ، قال : قوله تعالى : (وَصَلَواتٌ) هي كنائس اليهود ، وهي بالعبرانيّة «صلوثا». والثاني : أنها مساجد الصّابئين ، قاله أبو العالية. والقول الثاني : أنها الصّلوات حقيقة ، والمعنى : لو لا دفع الله عن المسلمين بالمجاهدين ؛ لانقطعت الصّلوات في المساجد ، قاله ابن زيد.

فأمّا المساجد ، فقال ابن عباس : هي مساجد المسلمين. وقال الزّجّاج : معنى الآية : لو لا دفع بعض الناس ببعض لهدّمت في زمان موسى الكنائس ، وفي زمان عيسى الصّوامع والبيع ، وفي زمان محمّد المساجد.

وفي قوله تعالى : (يُذْكَرُ فِيهَا) قولان : أحدهما : أن الكناية ترجع إلى جميع الأماكن المذكورات ، قاله الضّحّاك. والثاني : إلى المساجد خاصّة ، لأنّ جميع المواضع المذكورة ، الغالب فيها الشّرك ، قاله أبو سليمان الدّمشقي.

قوله تعالى : (وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ) أي : من ينصر دينه وشرعه.

قوله تعالى : (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ) قال الزّجّاج : هذه صفة ناصريه. قال المفسّرون : التّمكين في الأرض : نصرهم على عدوّهم ، والمعروف : لا إله إلّا الله ، والمنكر : الشّرك. قال الأكثرون : وهؤلاء أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال القرظيّ : هم الولاة.

قوله تعالى : (وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ) أي : إليه مرجعها ، لأنّ كلّ ملك يبطل سوى ملكه.

__________________

(١) سورة البقرة : ٢٥.

(٢) قال الطبري رحمه‌الله في «تفسيره» ٩ / ١٦٦ : وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب : قول من قال : معنى ذلك : لهدمت صوامع الرهبان ، وبيع النصارى ، وصلوات اليهود وهي كنائسهم ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم الله كثيرا. لأن هذا هو المستعمل المعروف في كلام العرب.

ووافقه ابن كثير رحمه‌الله في «تفسيره» ٣ / ٢٨٤ وقال : وقال بعض العلماء : هذا ترق من الأقل إلى الأكثر إلى أن ينتهي إلى المساجد ، وهي أكثر عمّارا وأكثر عبّادا ، وهم ذوو القصد الصحيح.

٢٤١

(وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥))

قوله تعالى : (ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ) أي : بالعذاب (فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ) أثبت الياء في «نكير» يعقوب في الحالين ، ووافقه ورش في إثباتها في الوصل ، والمعنى : كيف أنكرت عليهم ما فعلوا من التّكذيب بالإهلاك؟! والمعنى : إنّي أنكرت عليهم أبلغ إنكار ، وهذا استفهام معناه التّقرير.

قوله تعالى : (أَهْلَكْناها) قرأ أبو عمرو : «أهلكتها» بالتاء ، والباقون : «أهلكناها» بالنون.

قوله تعالى : (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ) قرأ ابن كثير ، وعاصم ، وأبو عمرو ، وابن عمر ، وحمزة ، والكسائيّ : «وبئر» مهموز ، وروى ورش عن نافع بغير همز ، والمعنى : وكم بئر معطّلة ، أي : متروكة (١) (وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) فيه قولان : أحدهما : مجصّص ، قاله ابن عباس وعكرمة. قال الزّجّاج : أصل الشّيد الجصّ والنّورة ، وكلّ ما بني بهما أو بأحدهما فهو مشيد. والثاني : طويل ، قاله الضّحّاك ومقاتل. وفي الكلام إضمار ، تقديره : وقصر مشيد معطّل أيضا ليس فيه ساكن.

(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨))

قوله تعالى : (أَفَلَمْ يَسِيرُوا) قال المفسّرون : أفلم يسر قومك في أرض اليمن والشّام (فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها) إذا نظروا آثار من هلك (أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها) أخبار الأمم المكذّبة (فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ) قال الفرّاء : الهاء في قوله : «فإنها» عماد ، والمعنى : أنّ أبصارهم لم تعم ، وإنما عميت قلوبهم (٢). فأمّا قوله تعالى : (الَّتِي فِي الصُّدُورِ) فهو توكيد ، لأنّ القلب لا يكون إلّا في الصّدر ، ومثله : (تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ) (٣) (يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ) (٤) ، (يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ) (٥). قوله تعالى : (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ)

__________________

(١) قال ابن كثير رحمه‌الله في «تفسيره» ٣ / ٢٨٦ : وقوله تعالى : (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ) أي : لا يستقى منها ، ولا يردها أحد بعد كثرة وارديها والازدحام عليها. (وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) قيل المنيف المرتفع وقيل الشديد المنيع الحصين وكل هذه الأقوال متقاربة ، ولا منافاة بينها ، فإنه لم يحم أهله شدة بنائه ولا ارتفاعه ، ولا إحكامه ولا حصانته عن حلول بأس الله به ، كما قال تعالى : (أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) ، النساء : ٧٨.

(٢) قال ابن كثير رحمه‌الله في «تفسيره» ٣ / ٢٨٦ : «وقال ابن أبي الدنيا : قال بعض الحكماء : أحي قلبك بالمواعظ ، ونوره بالفكر ، وموّته بالزهد ، وقوّه باليقين وذلّله بالموت وقرّره بالفناء ، وبصّره فجائع الدنيا ، وحذره صولة الدهر ، وفحش تقلب الأيام ، واعرض عليه أخبار الماضين ، وذكره ما أصاب من كان قبله ، وسر في ديارهم وآثارهم وانظر ما فعلوا ، وأين حلوا وعمّ انقلبوا». وقوله تعالى : (فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) أي : ليس العمى عمى البصر ، وإنما العمى عمى البصيرة ، وإن كانت القوة الباصرة سليمة فإنها لا تنفذ إلى العبر ، ولا تدري ما الخبر.

(٣) سورة البقرة : ١٩٦.

(٤) سورة الأنعام : ٣٨.

(٥) سورة آل عمران : ١٦٧.

٢٤٢

قال مقاتل : نزلت في النّضر بن الحارث القرشيّ. وقال غيره : هو قولهم له : (مَتى هذَا الْوَعْدُ) (١) ونحوه من استعجالهم ، (وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ) في إنزال العذاب بهم في الدنيا ، فأنزله بهم يوم بدر ، (وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ) أي : من أيام الآخرة (كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) من أيام الدنيا ، قرأ عاصم ، وأبو عمرو ، وابن عامر : «تعدّون» بالتاء. وقرأ ابن كثير ، وحمزة ، والكسائيّ : «يعدّون» بالياء.

فإن قيل : كيف انصرف الكلام من ذكر العذاب إلى قوله : «وإنّ يوما عند ربّك»؟ فعنه جوابان : أحدهما : أنهم استعجلوا العذاب في الدنيا ، فقيل لهم : لن يخلف الله وعده في إنزال العذاب بكم في الدنيا. وإنّ يوما من أيام عذابكم في الآخرة كألف سنة من سني الدنيا ، فكيف تستعجلون بالعذاب؟! فقد تضمّنت الآية وعدهم بعذاب الدنيا والآخرة ، هذا قول الفرّاء. والثاني : وإنّ يوما عند الله وألف سنة سواء في قدرته على عذابهم ، فلا فرق بين وقوع ما يستعجلونه وبين تأخيره في القدرة ، إلّا أنّ الله تفضّل عليهم بالإمهال ، هذا قول الزّجّاج.

(قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٥١))

قوله تعالى : (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) يعني به الرزق الحسن في الجنّة.

قوله تعالى : (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا) أي : عملوا في إبطالها (مُعاجِزِينَ) قرأ عاصم ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائيّ : «معجزين» بغير ألف. وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو : «معاجزين» بألف قال الزّجّاج : «معاجزين» أي : ظانّين أنهم يعجزوننا ، لأنهم ظنّوا أنهم لا يبعثون وأنه لا جنّة ولا نار. قال : وقيل في التّفسير : معاجزين : معاندين ، وليس هو بخارج عن القول الأوّل ؛ و «معجزين» تأويلها : أنهم كانوا يعجزون من اتّبع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ويثبّطونهم عنه.

(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥))

قوله تعالى : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ) الآية.

(١٠١٠) قال المفسّرون : سبب نزولها أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا نزلت عليه سورة النّجم قرأها حتى

____________________________________

(١٠١٠) موضوع مفترى. بأسانيد واهية. ورد عن محمد بن كعب القرظي ، أخرجه الطبري ٢٥٣٢٨ وله علل ثلاث : الأولى الإرسال ، والثانية عنعنة ابن إسحاق ، والثالثة فيه يزيد بن زياد المدني ، قال البخاري : لا يتابع على حديثه. وكرره الطبري ٢٥٣٢٧ من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب ومحمد بن قيس معا. وهذا مرسل ـ

__________________

(١) سورة الملك : ٢٥.

٢٤٣

____________________________________

أيضا ، وأبو معشر اسمه نجيح ضعفه النسائي والدار قطني ، وقال البخاري : منكر الحديث ، وضعفه يحيى بن سعيد جدا. وورد من مرسل أبي العالية ، أخرجه الطبري ٢٥٣٣٠. وورد من مرسل سعيد بن جبير ، أخرجه الطبري ٢٥٣٣١ و ٢٥٣٣٢. وورد من مرسل الضحاك ، أخرجه الطبري ٢٥٣٣٤. وورد من مرسل عروة بن الزبير ، أخرجه الطبراني ٥٠٧٨ ، ومع إرساله فيه ابن لهيعة.

قال الهيثمي في «المجمع» ١١١٨٦ : فيه ابن لهيعة ، ولا يحتمل هذا من ابن لهيعة اه. أي لنكارة المتن الذي ساقه ، فإن فيه رجوع بعض من هاجر إلى الحبشة إلى المدينة بسبب هذا الخبر.

ـ وورد عن ابن عباس من طرق ثلاث : الأول : أخرجه ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبى صالح عنه.

وهذا إسناد ساقط مصنوع ، فقد روى الكلبي وأبو صالح عن ابن عباس تفسيرا موضوعا ، وقد أقرّا بالوضع والكذب على ابن عباس. الثاني : أخرجه الطبري ٢٥٣٣٣ بسند فيه مجاهيل عن عطية العوفي ، وهو ضعيف عن ابن عباس ، فهذا إسناد ساقط لا يفرح به. الثالث : أخرجه البزار ٢٢٦٣ «كشف» والضياء في «المختارة» ١ ـ ٢ / ١٢٠ والطبراني ١٢٤٥٠ وفيه أمية بن خالد ، وهو وإن وثقه غير واحد ، فقد نقل الذهبي في «الميزان» ١٠٢٩ عن أحمد أنه لم يحمده ، وذكره العقيلي في «الضعفاء» اه. وقد روى هذا الحديث غير واحد عن ابن جبير ليس فيه ذكر ابن عباس ، وللحديث علة أخرى ، وهي ما قاله البزار حيث قال عقبه : لا نعلمه يروى بإسناد متصل يجوز ذكره إلا بهذا الإسناد ، وأمية بن خالد ثقة مشهور ، وإنما يعرف هذا من حديث الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس اه. والكلبي متروك متهم ، وأبو صالح ساقط ، ولم يدرك ابن عباس ، فلم يصح هذا الطريق عن ابن عباس أيضا ، وعامة روايات هذا الخبر مراسيل لا يحتج بها ، والظاهر أن بعضهم أخذه من بعض لغرابته ، فحدثوا به واشتهر ، وهو خبر باطل مصنوع ، ولو صح لرواه واحد من أصحاب الكتب المعتبرة ، والمسانيد المشتهرة ، ولكن كل ذلك لم يكن وقد اضطربوا في ألفاظه اضطرابا كبيرا ، وزادوا فيه ونقصوا ، وكل ذلك دليل على بطلانه.

وقد ذهب الحافظ ابن حجر في تخريج «الكشاف» ٣ / ١٦٤ ـ ١٦٥ إلى تقوية هذا الحديث ، وكذا السيوطي في «الدر» ٤ / ٦٦١ ، وليس كما قالا ، وقد خالفهما أئمة ثقات أثبات في ذلك. وإليك بيانه : قال الإمام أبو حيان في «البحر» ٦ / ٣٥٢ : سئل ابن إسحاق ـ جامع السيرة النبوية ـ عن هذه القصة ، فقال : هذا من وضع الزنادقة ، وصنف في ذلك كتابا.

وقال الإمام البيهقي : هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل ، ورواتها مطعون عليهم ، وليس في الصحاح ولا التصانيف الحديثية شيء مما ذكروه ، فوجب اطّراحه ، ولذا نزهت كتابي عن ذكره فيه. اه ملخصا.

وقال الحافظ ابن كثير ٣ / ٢٨٨ : وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغرانيق ، ولكنها من طرق كلها مرسلة ، ولم أرها مسندة من وجه صحيح.

وقال العلامة الآلوسي في «روح البيان» ١٧ / ١٨٢ ما ملخصه : قال أبو منصور الماتريدي : هذا الخبر من إيحاء الشيطان إلى أوليائه الزنادقة ، والرسالة بريئة من هذه الرواية.

وقال القاضي عياض : يكفيك أن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ، ولا رواة ثقة يسند سليم متصل.

وقال العلامة الآلوسي : ويكفي في ردها قول الله تعالى في وصف القرآن (لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ) اه.

وقال الإمام الشوكاني في «فتح القدير» ٣ / ٥٤٦ : قال إمام الأئمة ابن خزيمة : إن هذه القصة من وضع الزنادقة.

وقال القاضي عياض في «الشفا» : إن الأمة أجمعت فيما طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء بخلاف ما هو عليه ، لا قصدا ولا عمدا ولا سهوا ولا غلطا.

وقد جمع الألباني رسالة في ذلك وسماها «نصب المجانيق في نسف قصة الغرانيق».

٢٤٤

بلغ قوله : (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) (١) فألقى الشيطان على لسانه : تلك الغرانيق العلى ، وإنّ شفاعتهنّ لترتجى ؛ فلمّا سمعت قريش بذلك فرحوا ، فأتاه جبريل ، فقال : ماذا صنعت؟ تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله ، فحزن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حزنا شديدا ، فنزلت هذه الآية تطييبا لقلبه ، وإعلاما له أنّ الأنبياء قد جرى لهم مثل هذا. قال العلماء المحقّقون : وهذا لا يصحّ ، لأنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم معصوم عن مثل هذا ، ولو صحّ ، كان المعنى أنّ بعض شياطين الإنس قال تلك الكلمات (٢) ، فإنّهم كانوا إذا تلا لغطوا ، كما قال الله عزوجل : (لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ) (٣). قال : وفي معنى «تمنّى» قولان (٤) :

____________________________________

وانظر «فتح القدير» ١٦٨١ و «أحكام القرآن» ١٥١٧ وابن كثير عند هذه الآية.

أخيرا : أورد لك الوجه الصحيح في قصة سورة النجم ، والسجود فيها. وقد ورد في ذلك حديثان الأول حديث ابن عباس : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم سجد في النجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس.

وهذا ثابت عن ابن عباس ، أخرجه البخاري ١٠٧١ و ٤٨٦٢ والترمذي ٥٧٥ وابن حبان ٢٧٦٣ والدار قطني ١ / ٤٠٩. وحديث ابن مسعود ، أخرجه البخاري ١٠٦٧ و ١٠٧٠ و ٣٨٥٣ و ٣٩٧٢ ومسلم ٥٧٦ وأبو داود ١٤٠٦ والنسائي ٢ / ١٦٠ والدارمي ١ / ٣٤٢ وابن حبان ٢٧٦٤ وحديث ابن مسعود أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قرأ سورة النجم فسجد فما بقي أحد من القوم إلا سجد إلا رجل واحد أخذ كفا من حصى ، فوضعه على جبهته ، وقال : يكفيني. قال عبد الله : فلقد رأيته بعد قتل كافرا. فالوارد الصحيح عن ابن عباس هو المتقدم عنه لا ما رواه عنه الضعفاء والهلكى من ذكر الغرانيق ... هذا من ناحية ، ومن ناحية ثانية فالصحيح في هذا المقام هو الوارد عن ابن مسعود فإنه قد أدرك الحادثة وهي مكية ، بخلاف ابن عباس ، فإنه ما حضرها ولا أدركها ، فالصحيح في هذا ما ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه أحد السابقين الأعلام ، وأما ما رواه جماعة من التابعين ، فإنما تلقّاه بعضهم عن بعض واشتهر بسبب غرابته ، وكان الأصلح لهؤلاء رحمهم‌الله أن يأخذوا ذلك عن ابن مسعود ، فتنبه والله الموفق ، وهو حسبنا ، ونعم الوكيل.

__________________

(١) سورة النجم : ١٩ ـ ٢٠.

(٢) قلت الصواب أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما قال ذلك ، ولا زاده الشيطان أيضا بل لا سلطان للشيطان في شيء في شيء من ذلك ، حاشا لله أن يكون للشيطان مدخل على القرآن أو في حال تبليغه ، وما هي إلا روايات عامتها مراسيل ، وكأن بعض الزنادقة حدث بها في عهد التابعين ، فأولع بها هؤلاء فرووها وانتشرت ، والدليل على أن مصدرها رجال مجاهيل لا يعرفون ، هو أنها وردت عن عشرة أو أكثر من التابعين ، ولم يذكر عامتهم من حدثه بها ، فهذا دليل على أن لا أصل لها ، وأنه مفتعلة مصنوعة مزورة ، تروج على من لا علم له ولا دراية ، وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء السبيل ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

(٣) سورة فصلت : ٢٦.

(٤) قال الطبري رحمه‌الله في «تفسيره» ٩ / ١٧٨ : التمني يعني التلاوة والقراءة قاله الضحاك. وهذا القول أشبه بتأويل الكلام ، بدلالة قوله : فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته على ذلك ، لأن الآيات التي أخبر الله جل ثناؤه أنه يحكمها ، لا شك أنها آيات تنزيله ، فمعلوم أن الذي ألقى فيه الشيطان هو ما أخبر الله تعالى ذكره أنه نسخ ذلك منه وأبطله ، ثم أحكمه بنسخه ذلك منه.

فتأويل الكلام إذن : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تلا كتاب الله وقرأ ، أو حدّث وتكلم ، ألقى الشيطان في كتاب الله الذي تلاه وقرأه ، أو في حديثه الذي حدث وتكلم (فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ) يقول الله تعالى : فيذهب الله ما يلقي الشيطان من ذلك على لسان نبيه ويبطله.

٢٤٥

أحدهما : تلا ، قاله الأكثرون ، وأنشدوا :

تمنّى كتاب الله أوّل ليلة

وآخره لاقى حمام المقادر

وقال آخر :

تمنّى كتاب الله آخر ليله

تمنّي داود الزّبور على رسل

والثاني : أنه من الأمنية ، وذلك أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم تمنّى يوما أن لا يأتيه من الله شيء ينفر عنه به قومه ، فألقى الشيطان على لسانه لما كان قد تمنّاه ، قاله محمّد بن كعب القرظي.

قوله تعالى : (فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ) أي : يبطله ويذهبه (ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ) قال مقاتل : يحكمها من الباطل. قوله تعالى : (لِيَجْعَلَ) اللام متعلّقة بقوله : (أَلْقَى الشَّيْطانُ) ، والفتنة ها هنا بمعنى البليّة والمحنة. والمرض : الشّكّ والنّفاق. (وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ) يعني : الجافية عن الإيمان. ثم أعلمه أنهم ظالمون وأنهم في شقاق دائم ، والشّقاق : غاية العداوة.

قوله تعالى : (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) وهو التّوحيد والقرآن ، وهم المؤمنون. وقال السّدّيّ : التّصديق بنسخ الله. قوله تعالى : (أَنَّهُ الْحَقُ) إشارة إلى نسخ ما يلقي الشيطان ؛ فالمعنى : ليعلموا أنّ نسخ ذلك وإبطاله حقّ من الله (فَيُؤْمِنُوا) بالنّسخ (فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ) أي : تخضع وتذلّ. ثم بيّن بباقي الآية أنّ هذا الإيمان والإخبات إنما هو بلطف الله وهدايته ..

قوله تعالى : (فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ) أي : في شكّ. وفي هاء «منه» أربعة أقوال (١) : أحدها : أنها ترجع إلى قوله : تلك الغرانيق العلى. والثاني : أنها ترجع إلى سجوده في سورة النّجم. والقولان عن سعيد بن جبير ، فيكون المعنى : إنهم يقولون : ما باله ذكر آلهتنا ثم رجع عن ذكرها؟! والثالث : أنها ترجع إلى القرآن ، قاله ابن جريج. والرابع : أنها ترجع إلى الدّين ، حكاه الثّعلبيّ. قوله تعالى : (حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ) وفيها قولان : أحدهما : القيامة تأتي من تقوم عليه من المشركين ، قاله الحسن. والثاني : ساعة موتهم ، ذكره الواحدي. قوله تعالى : (أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ) فيه قولان (٢) : أحدهما : أنه يوم بدر ، روي عن ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، والسّدّيّ. والثاني : أنه يوم القيامة ، قاله عكرمة ، والضّحّاك. وأصل العقم في الولادة ، يقال : امرأة عقيم لا تلد ، ورجل عقيم لا يولد له ؛ وأنشدوا :

عقم النّساء فلا يلدن شبيهه

إنّ النّساء بمثله عقم

__________________

(١) قال الطبري رحمه‌الله في «تفسيره» ٩ / ١٨٠ : وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب ، قول من قال : هي كناية من ذكر القرآن الذي أحكم الله آياته وذلك أن ذلك من ذكر قوله (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) أقرب منه من ذكر قوله (فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ) والهاء في قوله أنه من ذكر القرآن ، فإلحاق الهاء في قوله (فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ) بالهاء من قوله (أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) أولى من إلحاقها بما التي في قوله (ما يُلْقِي الشَّيْطانُ) مع بعد ما بينهما.

(٢) قال الطبري رحمه‌الله في «تفسيره» ٩ / ١٨١ : والقول الأول : أنه يوم بدر أولى بتأويل الآية ، لأنه لا وجه لأن يقال : لا يزالون في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة ، أو تأتيهم الساعة ، وذلك أن الساعة هي يوم القيامة ، فإن كان اليوم العقيم أيضا هو يوم القيامة ، فإنما معناه تكرير الساعة مرتين ، باختلاف الألفاظ ، وذلك لا معنى له فأولى التأولين أصحهما معنى ، وهو ما ذكرنا. فتأويل الكلام : أو يأتيهم عذاب يوم عقيم لهم ، فلا ينظر وافيه إلى الليل ، ولا يؤخروا فيه إلى المساء لكنهم يقتلون قبل المساء.

٢٤٦

وسميت الرّيح العقيم بهذا الاسم ، لأنها لا تأتي بالسّحاب الممطر ، فقيل لهذا اليوم : عقيم ، لأنه لم يأت بخير.

فعلى قول من قال : هو يوم بدر في تسميته بالعقيم ثلاثة أقوال : أحدها : أنه لم يكن فيه للكفار بركة ولا خير ، قاله الضّحّاك. والثاني : لأنهم لم ينظروا فيه إلى الليل ، بل قتلوا قبل المساء ، قاله ابن جريج. والثالث : لأنه لا مثل له في عظم أمره ، لقتال الملائكة فيه ، قاله يحيى بن سلام. وعلى قول من قال : هو يوم القيامة ، في تسميته بذلك قولان : أحدهما : لأنه لا ليلة له ، قاله عكرمة. والثاني : لأنه لا يأتي المشركين بخير ولا فرج ، ذكره بعض المفسّرين.

(الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٥٧) وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩))

قوله تعالى : (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ) أي : يوم القيامة (لِلَّهِ) من غير منازع ولا مدّع (يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ) أي : بين المسلمين والمشركين ؛ وحكمه بينهم بما ذكره في تمام الآية وما بعدها. ثم ذكر فضل المهاجرين فقال : (وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) أي : من مكّة إلى المدينة. وفي الرّزق الحسن قولان : أحدهما : أنه الحلال ، قاله ابن عباس. والثاني : رزق الجنّة ، قاله السّدّيّ. قوله تعالى : (ثُمَّ قُتِلُوا) وقرأ ابن عامر : «قتلوا» بالتّشديد قوله تعالى : (لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً) وقرأ نافع بفتح الميم برضوانه يعني : الجنّة. والمدخل يجوز أن يكون مصدرا ، فيكون المعنى : ليدخلنّهم إدخالا يكرمون به فيرضونه ؛ ويجوز أن يكون بمعنى المكان. و «مدخلا» بفتح الميم على تقدير : فيدخلون مدخلا. (وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ) بنيّاتهم (حَلِيمٌ) عنهم.

(ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢))

قوله تعالى : (ذلِكَ) قال الزّجّاج : المعنى : الأمر ذلك ، أي : الأمر ما قصصنا عليكم (وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ) والعقوبة : الجزاء ؛ والأول ليس بعقوبة ، ولكنه سمّي عقوبة ، لاستواء الفعلين في جنس المكروه ، كقوله : (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) (١) لمّا كانت المجازاة إساءة بالمفعول به سمّيت سيّئة ، ومثله : (اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) (٢) قاله الحسن ، ومعنى الآية : من قاتل المشركين كما قاتلوه (ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ) أي : ظلم بإخراجه عن منزله. وزعم مقاتل أنّ سبب نزول هذه الآية أنّ مشركي مكّة لقوا المسلمين لليلة بقيت من المحرّم ، فقاتلوهم ، فناشدهم المسلمون أن لا يقاتلوا في الشهر الحرام ، فأبوا إلّا القتال ،

__________________

(١) سورة الشورى : ٤٠.

(٢) سورة البقرة : ١٥.

٢٤٧

فثبت المسلمون ، ونصرهم الله على المشركين ، ووقع في نفوس المسلمين من القتال في الشّهر الحرام ، فنزلت هذه الآية ، وقال : (إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ) عنهم (غَفُورٌ) لقتالهم في الشهر الحرام (١).

قوله تعالى : (ذلِكَ) أي : ذلك النصر (بِأَنَّ اللهَ) القادر على ما يشاء ، فمن قدرته أنه (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ) لدعاء المؤمنين (بَصِيرٌ) بهم حيث جعل فيهم الإيمان والتّقوى ، (ذلِكَ) الذي فعل من نصر المؤمنين (بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُ) أي : هو الإله الحقّ (وَأَنَّ ما يَدْعُونَ) قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحمزة ، والكسائيّ ، وحفص عن عاصم : «يدعون» بالياء. وقرأ نافع ، وابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم : بالتاء ، والمعنى : وأنّ ما يعبدون (مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ).

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤))

قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً) يعني : المطر (فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) بالنّبات. وحكى الزّجّاج عن الخليل أنه قال : معنى الكلام التّنبيه ، كأنه قال : أتسمع ، أنزل الله من السماء ماء فكان كذا وكذا. وقال ثعلب : معنى الآية عند الفرّاء خبر ، كأنه قال : اعلم أنّ الله ينزّل من السماء ماء فتصبح ، ولو كان استفهاما والفاء شرطا لنصبه.

قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ) أي : باستخراج النّبات من الأرض رزقا لعباده (خَبِيرٌ) بما في قلوبهم عند تأخير المطر. وقد سبق معنى الغنيّ الحميد في سورة البقرة (٢).

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٦٥) وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ (٦٦))

قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ) يريد البهائم التي تركب (وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ) قال الزّجّاج : كراهة أن تقع. وقال غيره : لئلّا تقع (إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) فيما سخّر لهم وفيما حبس عنهم من وقوع السماء عليهم. (وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ) بعد أن كنتم نطفا ميتة (ثُمَّ يُمِيتُكُمْ) عند آجالكم (ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) للبعث والحساب (إِنَّ الْإِنْسانَ) يعني : المشرك (لَكَفُورٌ) لنعم الله إذ لم يوحده.

(لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ (٦٧) وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (٦٨) اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (٧٠))

__________________

(١) واه بمرة. أخرجه ابن أبي حاتم كما في «الدر» ٤ / ٦٦٥ عن مقاتل مرسلا. ومقاتل واه.

(٢) سورة البقرة : ٢٦٧.

٢٤٨

قوله تعالى : (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً) قد سبق بيانه في هذه السّورة (فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ) أي : في الذّبائح ، وذلك أنّ كفّار قريش وخزاعة خاصموا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في أمر الذّبيحة ، فقالوا : كيف تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله؟! يعنون : الميتة.

فإن قيل : إذا كانوا هم المنازعين له ، فكيف قيل : (فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ)؟

فقد أجاب عنه الزّجّاج ، فقال : المراد : النّهي له عن منازعتهم ، فالمعنى : لا تنازعنّهم ، كما تقول للرجل : لا يخاصمنّك فلان في هذا أبدا ، وهذا جائز في الفعل الذي لا يكون إلّا من اثنين ، لأنّ المجادلة والمخاصمة لا تتمّ إلّا باثنين ، فإذا قلت : لا يجادلنّك فلان ، فهو بمنزلة : لا تجادلنّه ، ولا يجوز هذا في قولك : لا يضربنّك فلان وأنت تريد : لا تضربنّه ، ولكن لو قلت : لا يضاربنّك فلان ، لكان كقولك : لا تضاربنّ ، ويدلّ على هذا الجواب قوله : (وَإِنْ جادَلُوكَ).

قوله تعالى : (وَادْعُ إِلى رَبِّكَ) أي : إلى دينه والإيمان به. و «جادلوك» بمعنى : خاصموك في أمر الذّبائح ، (فَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ) من التّكذيب ، فهو يجازيكم به. (اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) أي : يقضي بينكم (فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) من الدّين ، أي : تذهبون إلى خلاف ما ذهب إليه المؤمنون وهذا أدب حسن علّمه الله عباده ليردّوا به من جادل على سبيل التّعنّت ، ولا يجيبوه ، ولا يناظروه.

فصل : قال أكثر المفسّرين : هذا نزل قبل الأمر بالقتال ، ثم نسخ بآية السّيف. وقال بعضهم : هذا نزل في حقّ المنافقين ، كانت تظهر من أقوالهم وأفعالهم فلتات تدلّ على شركهم ، ثم يجادلون على ذلك ، فوكل أمرهم إلى الله تعالى ، فالآية على هذا محكمة.

قوله تعالى : (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ) هذا استفهام يراد به التّقرير ؛ والمعنى قد علمت ذلك (إِنَّ ذلِكَ) يعني ما يجري في السّموات والأرض (فِي كِتابٍ) يعني : اللّوح المحفوظ ، (إِنَّ ذلِكَ) أي : علم الله بجميع ذلك (عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) سهل لا يتعذّر عليه العلم به.

(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢))

قوله تعالى : (وَيَعْبُدُونَ) يعني : كفّار مكّة (ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً) أي : حجّة (وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ) أنه إله ، (وَما لِلظَّالِمِينَ) ، يعني : المشركين (مِنْ نَصِيرٍ) أي : مانع من العذاب. (وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا) يعني القرآن ؛ والمنكر ها هنا بمعنى الإنكار ، فالمعنى : أثر الإنكار من الكراهة ، وتعبيس الوجوه ، معروف عندهم. (يَكادُونَ يَسْطُونَ) أي : يبطشون ويوقعون بمن يتلو عليهم القرآن من شدّة الغيظ ، يقال : سطا عليه ، وسطا به : إذا تناوله بالعنف والشّدة. (قُلْ) لهم يا محمّد : (أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ) أي : بأشدّ عليكم وأكره إليكم من سماع القرآن ، ثم ذكر ذلك فقال : (النَّارُ) أي : هو النار.

(يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) ما قَدَرُوا

٢٤٩

اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤))

قوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ) قال الأخفش : إن قيل : أين المثل؟

فالجواب : أنه ليس ها هنا مثل ، وإنما المعنى : يا أيّها الناس ضرب مثل ، أي : شبّهت بي الأوثان (فَاسْتَمِعُوا) لهذا المثل. وتأويل الآية : جعل المشركون الأصنام شركائي فعبدوها معي فاستمعوا حالها ؛ ثم بيّن ذلك بقوله : (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ) أي : تعبدون (مِنْ دُونِ اللهِ) ، وقرأ ابن عباس ، وأبو رزين ، وابن أبي عبلة : «يدعون» بالياء المفتوحة. وقرأ ابن السّميفع ، وأبو رجاء وعاصم الجحدريّ : «يدعون» بضمّ الياء وفتح العين ، يعني : الأصنام ، (لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً) والذّباب واحد ، والجمع القليل : أذبّة ، والكثير : الذّبّان ، مثل : غراب وأغربة وغربان ؛ وقيل : إنما خصّ الذّباب لمانته واستقذاره وكثرته. (وَلَوِ اجْتَمَعُوا) يعني : الأصنام ؛ (لَهُ) أي : لخلقه ، (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ) يعني : الأصنام. قال ابن عباس : كانوا يطلون أصنامهم بالزّعفران فيجفّ ، فيأتي الذّباب فيختلسه. وقال ابن جريج : كانوا إذا طيّبوا أصنامهم عجنوا طيبهم بشيء من الحلواء ، كالعسل ونحوه ، فيقع عليها الذباب فيسلبها إيّاه ، فلا تستطيع الآلهة ولا من عبدها أن يمنعه ذلك. وقال السّدّيّ : كانوا يجعلون للآلهة طعاما ، فيقع الذّباب عليه فيأكل منه قال ثعلب : وإنما قال : (لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ) فجعل أفعال الآلهة كأفعال الآدميين ، إذا كانوا يعظمونها ويذبحون لها وتخاطب ، كقوله : (يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ) (١) لمّا خاطبهم جعلهم كالآدميين ، ومثله : (رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ) (٢) ، وقد بيّنّا هذا المعنى في (الأعراف) عند قوله تعالى : (وَهُمْ يُخْلَقُونَ) (٣). قوله تعالى : (ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) فيه ثلاثة أقوال (٤) : أحدها : أنّ الطّالب : الصّنم ، والمطلوب : الذّباب ، رواه عطاء عن ابن عباس. والثاني : الطّالب : الذّباب يطلب ما يسلبه من الطّيّب الذي على الصّنم ، والمطلوب : الصّنم يطلب الذّباب منه سلب ما عليه ، روي عن ابن عباس أيضا. والثالث : الطّالب : عابد الصّنم يطلب التّقرّب بعبادته ، والمطلوب : الصّنم ، هذا معنى قول الضّحّاك ، والسّدّيّ.

قوله تعالى : (ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ) أي : ما عظّموه حقّ عظمته ، إذ جعلوا هذه الأصنام شركاء له (إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌ) لا يقهر (عَزِيزٌ) لا يرام.

(اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦))

قوله تعالى : (اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً) كجبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ، (وَمِنَ النَّاسِ) الأنبياء المرسلين ، (إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ) لمقالة العباد (بَصِيرٌ) بمن يتّخذه رسولا.

__________________

(١) سورة النمل : ١٨.

(٢) سورة يوسف : ٤.

(٣) الأعراف : ١٩١.

(٤) قال الطبري رحمه‌الله في «تفسيره» ٩ / ١٨٩ : والصواب من القول في ذلك عندنا ما ذكرته عن ابن عباس من أن معناه : وعجز الطالب وهو الآلهة. أن تستنقذ من الذباب ما سلبها إياه ، وهو الطيب وما أشبهه ، والمطلوب : الذباب.

ووافقه ابن كثير رحمه‌الله في «تفسيره» ٣ / ٢٩٦ وقال : اختاره ابن جرير وهو ظاهر السياق.

٢٥٠

وزعم مقاتل أنّ هذه الآية نزلت حين قالوا : (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا) (١).

قوله تعالى : (يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ) الإشارة إلى الذين اصطفاهم ؛ وقد بيّنّا معنى ذلك في آية الكرسي (٢).

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨))

قوله تعالى : (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) قال المفسّرون : المراد : صلّوا ، لأنّ الصلاة لا تكون إلّا بالرّكوع والسّجود ، (وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ) أي : وحدوه (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ) يريد : أبواب المعروف (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي : لكي تسعدوا وتبقوا في الجنّة.

فصل : لم يختلف أهل العلم في السّجدة الأولى من الحجّ واختلفوا في هذه السّجدة الأخيرة ؛ فروي عن عمر ، وابن عمر ، وعمّار ، وأبي الدّرداء ، وأبي موسى ، وابن عباس ، أنهم قالوا : في الحجّ سجدتان ، وقالوا : فضّلت هذه السّورة على غيرها بسجدتين ، وبهذا قال أصحابنا ، وهو مذهب الشّافعيّ رضي الله عنه. وروي عن ابن عباس أنه قال : في الحجّ سجدة ، وبهذا قال الحسن ، وسعيد بن المسيّب ، وسعيد بن جبير ، وإبراهيم ، وجابر بن زيد ، وأبو حنيفة وأصحابه ، ومالك ؛ ويدلّ على الأوّل.

(١٠١١) ما روى عقبة بن عامر ، قال : قلت : يا رسول الله أفي الحجّ سجدتان؟ قال : «نعم ، ومن

____________________________________

(١٠١١) صدره حسن ، وعجزه ضعيف. أخرجه أبو داود ١٤٠٢ والترمذي ٥٧٨ والدار قطني ١ / ٤٠٨ والحاكم ١ / ٢٢١ وأحمد ٤ / ١٥١ والواحدي في «الوسيط» ٣ / ٢٨١ والبيهقي ٢ / ٣١٧ والبغوي في «التفسير» ٣ / ٢٩٩ من طرق عن ابن لهيعة عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر به. وإسناده ضعيف ، وله علتان : ضعف ابن لهيعة ، وشيخه مشرح قال عنه الحافظ في «التقريب» : مقبول. وقال الذهبي في «الميزان» ٤ / ١١٧ : صدوق لينه ابن حبان ، وقال عثمان بن سعيد عن ابن معين : ثقة ، وقال ابن حبان : يروي عن عقبة مناكير ، لا يتابع عليها ، فالصواب ترك ما انفرد به اه. وعجزه ضعيف ، وهو قوله «فمن لم يسجدها فلا يقرأها» بل هو منكر ، وهو إما من مناكير ابن لهيعة حيث اختلط ، أو من شيخه مشرح ، حيث إن الراوي عنه عند أبي داود ابن وهب ، وهو أحد العبادلة وأيّا كان فعجز الحديث ضعيف منكر ، وقد ضعفه الترمذي بقوله : هذا حديث ليس إسناده بذاك القوي.

ـ وعارضه أحمد شاكر رحمه‌الله فقال : بل هو حديث صحيح ، فإن ابن لهيعة ومشرح ثقتان ...؟! ـ وأما الألباني فذكر الحديث في «ضعيف أبي داود» ٣٠٣ ، وفي ذلك نظر ، فإن لصدره شواهد منها :

ـ حديث عبد الله بن عمرو بن العاص : أخرجه أبو داود ١٤٠١ وابن ماجة ١٠٥٧ والحاكم ١ / ٢٢٣ والبيهقي ٢ / ٧٩ وإسناده ضعيف ، فيه عبد الله بن منين مجهول ، وعنه الحارث بن سعيد العتكي ، لا يعرف. وقال الحاكم عقبه : رواته مصريون ، واحتج الشيخان بأكثر الرواة! وسكت الذهبي! وقال الزيلعي في «نصب الراية» ٢ / ١٨٠ : قال عبد الحق : ابن منين ، لا يحتج به. قال ابن القطان : وذلك لجهالته اه. ومع ذلك يصلح شاهدا لما قبله ، فليس بشديد الضعف ، حيث فيه الجهالة فقط ، ومع ذلك فقد أدخله الألباني في «ضعيف سنن

__________________

(١) سورة ص : ٨٠.

(٢) سورة البقرة : ٢٥٥.

٢٥١

لم يسجدهما فلا يقرأهما».

فصل (١) : واختلف العلماء في عدد سجود القرآن ، فروي عن أحمد روايتان ، إحداهما : أنها أربع عشرة سجدة. وبه قال الشّافعيّ ، والثانية : أنها خمس عشرة ، فزاد سجدة (ص). وقال أبو حنيفة : هي أربع عشرة ، فأخرج التي في آخر (الحجّ) وأبدل منها سجدة ص.

فصل (٢) : وسجود التّلاوة سنّة ، وقال أبو حنيفة : واجب. ولا يصحّ سجود التّلاوة إلّا بتكبيرة الإحرام والسّلام ، خلافا لأصحاب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشّافعيّ. ولا يجزئ الرّكوع عن سجود التلاوة ، وقال أبو حنيفة : يجزئ. ولا يسجد المستمع إذا لم يسجد التّالي ، نصّ عليه أحمد رضي الله عنه. وتكره قراءة السّجدة في صلاة الإخفات ، خلافا للشّافعيّ.

قوله تعالى : (وَجاهِدُوا فِي اللهِ) في هذا الجهاد ثلاثة أقوال (٣) : أحدها : أنه فعل جميع الطاعات ،

____________________________________

أبي داود» ٣٠١؟!

وله شاهد مرسل ، أخرجه أبو داود في «المراسيل» ص ١١٣ عن خالد بن معدان ، ومن طريق أبي داود ، أخرجه البيهقي ٢ / ٣١٧ ونقل عن أبي داود قوله : وقد أسند هذا الحديث ، ولا يصح اه ومراده والله أعلم ، أن هناك من وصل مرسل ابن معدان ، والصواب إرساله. ومع ذلك يصلح شاهدا للموصول المتقدم ، وما قبله.

وقد ورد موقوفا عن جماعة من الصحابة ، أسند ذلك كله الحاكم في «المستدرك» ٢ / ٣٩٠ ـ ٣٩١ والبيهقي ٢ / ٣١٧ ـ ٣١٨ وكذا الدار قطني ١ / ٤٠٨ ـ ٤٠٩ ـ ٤١٠.

فهذه الموقوفات مع المرسل مع الموصول المتقدم تشهد لصدر حديث عقبة دون عجزه ، وترقى به إلى درجة الحسن والله تعالى أعلم. وانظر «أحكام القرآن» ١٥١٩ بتخريجنا.

__________________

(١) قال الترمذي عقب الحديث ٢ / ٤٧٢ : واختلف أهل العلم في هذا ، فروي عن عمرو وابنه أن سورة الحج فضلت بسجدتين. وبه يقول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق ، ورأى بعضهم فيها سجدة ، وهو قول الثوري ومالك وأهل الكوفة اه. والمذهب الأول هو الراجح فإن مستندهم حديثان موصولان يقوي أحدهما الآخر مع مرسل أضف إلى ذلك موقوفات عن جماعة من الصحابة ، والله الموفق.

(٢) قال الإمام الموفق رحمه‌الله في «المغني» ٢ / ٣٥٩ : سجود التلاوة سنة مؤكدة ، وليس بواجب ومن ترك فلا شيء عليه وإذا سجد للتلاوة فعليه التكبير للسجود والرفع منه سواء كان في صلاة أو في غيرها وقال الشافعي : إذا سجد خارج الصلاة كبّر واحدة للافتتاح وأخرى للسجود ، ويرفع يديه عند تكبيرة الابتداء إن كان في غير صلاة وهو قول الشافعي. قال القاضي : وقياس المذهب لا يرفع ويقول في سجوده ما يقول في سجود صلاته. ويسلّم إذا رفع ورأى أحمد أنه واجب وفي رواية ثانية ، لا تسليم فيه ، وبه قال النخعي ، والحسن ، وسعيد بن جبير ويحيى بن وثاب. وروي ذلك عن أبي حنيفة. واختلف قول الشافعي فيه. ويسن السجود للتالي والمستمع ، لا نعلم في هذا خلافا. ويشترط لسجود المستمع أن يكون التالي ممن يصلح أن يكون له إماما. وقال أبو حنيفة : إذا امتنع من السجود لمعارض ، فإذا زال المعارض يسجد. ولا يقوم الركوع مقام السجود ، وقال أبو حنيفة : يقوم مقامه استحبابا. وإذا قرأ السجدة على الراحلة في السفر أومأ بالسجود حيث كان وجهه ، وإن كان ماشيا سجد على الأرض. ولا يسجد إلا وهو طاهر ويعتبر للسجود من الشروط ما يشترط لصلاة النافلة. ولا نعلم في ذلك اختلافا. ويكره اختصار السجود ، وهو أن ينتزع الآيات التي فيها سجود فيقرأها ويسجد فيها أو يقرأ القرآن إلا آيات السجود.

(٣) قال الطبري رحمه‌الله ٩ / ١٩١ : والصواب من القول في ذلك : عني به الجهاد في سبيل الله لأن المعروف من

٢٥٢

هذا قول الأكثرين. والثاني : أنه جهاد الكفّار ، قاله الضّحّاك. والثالث : أنه جهاد النّفس والهوى ، قاله عبد الله بن المبارك. فأمّا حقّ الجهاد ، ففيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنّه الجدّ في المجاهدة ، واستيفاء الإمكان فيها. والثاني : أنه إخلاص النّيّة لله عزوجل. والثالث : أنه فعل ما فيه وفاء لحقّ الله عزوجل.

فصل : وقد زعم قوم أنّ هذه الآية منسوخة ، واختلفوا في ناسخها على قولين : أحدهما : قوله : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) (١). والثاني : قوله : (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (٢) وقال آخرون : بل هي محكمة ، ويؤكّده القولان الأوّلان في تفسير حقّ الجهاد ، وهو الأصحّ ، لأنّ الله تعالى لا يكلّف نفسا إلا وسعها.

قوله تعالى : (هُوَ اجْتَباكُمْ) أي : اختاركم واصطفاكم لدينه. والحرج : الضّيق ، فما من شيء وقع الإنسان فيه إلّا وجد له في الشّرع مخرجا بتوبة أو كفّارة أو انتقال إلى رخصة ونحو ذلك. وروي عن ابن عباس أنه قال : الحرج : ما كان على بني إسرائيل من الإصر والشّدائد ، وضعه الله عن هذه الأمّة. قوله تعالى : (مِلَّةَ أَبِيكُمْ) قال الفرّاء : المعنى : وسّع عليكم كملّة أبيكم ، فإذا ألقيت الكاف نصبت ، ويجوز النّصب على معنى الأمر بها ، لأنّ أول الكلام أمر ، وهو قوله تعالى ؛ (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) والزموا ملّة أبيكم.

فإن قيل : هذا الخطاب للمسلمين ، وليس إبراهيم أبا لكلّهم. فالجواب : أنه إن كان خطابا عامّا للمسلمين ، فهو كالأب لهم ، لأنّ حرمته وحقّه عليكم كحقّ الوالد ، وإن كان الخطاب للعرب خاصّة ، فإبراهيم أبو العرب قاطبة ، هذا قول المفسّرين. والذي يقع لي أنّ الخطاب لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لأنّ إبراهيم أبوه ، وأمّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم داخلة فيما خوطب به رسول الله.

قوله تعالى : (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ) في المشار إليه قولان : أحدهما : أنه الله عزوجل ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، والجمهور ؛ فعلى هذا في قوله : (مِنْ قَبْلُ) قولان. أحدهما : من قبل القرآن سمّاكم بهذا في الكتب التي أنزلها. والثاني : «من قبل» أي : في أمّ الكتاب ، وقوله تعالى : (وَفِي هذا) أي : في القرآن. والثاني : أنه إبراهيم عليه‌السلام حين قال : (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) (٣) ؛ فالمعنى : من قبل هذا الوقت ، وذلك في زمان إبراهيم عليه‌السلام وفي هذا الوقت حين قال : (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً) ، هذا قول ابن زيد.

قوله تعالى : (لِيَكُونَ الرَّسُولُ) المعنى : اجتباكم وسمّاكم ليكون الرّسول يعني محمّدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم (شَهِيداً عَلَيْكُمْ) يوم القيامة أنه قد بلّغكم ؛ وقد شرحنا هذا المعنى في البقرة (٤) إلى قوله : (وَآتُوا الزَّكاةَ). قوله تعالى : (وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ) قال ابن عباس : سلوه أن يعصمكم من كلّ ما يسخط. ويكره. وقال الحسن : تمسّكوا بدين الله. وما بعد هذا مشروح في الأنفال (٥).

__________________

الجهاد ذلك ، وهو الأغلب على قول القائل : جاهدت في الله ، وحق الجهاد : استفراغ الطاقة فيه.

(١) سورة البقرة : ٢٨٦.

(٢) سورة التغابن : ١٦.

(٣) سورة البقرة : ١٢٨.

(٤) سورة البقرة : ١٤٣.

(٥) سورة الأنفال : ٤٠.

٢٥٣

سورة المؤمنون

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩) أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١))

سورة المؤمنين مكّيّة في قول الجميع.

(١٠١٢) روى عمر بن الخطّاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «لقد أنزلت علينا عشر آيات من أقامهنّ دخل الجنّة ، ثمّ قرأ : (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)) إلى عشر آيات» ، رواه الحاكم أبو عبد الله في «صحيحه».

(١٠١٣) وروى أبو سعيد الخدريّ عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «إنّ الله تعالى حاط حائط الجنّة

____________________________________

(١٠١٢) ضعيف. أخرجه الترمذي ٣١٧٣ والنسائي في «الكبرى» ١٤٣٩ وأحمد ١ / ٣٤ والحاكم ٢ / ٣٩٢ / ٣٤٧٩ والعقيلي ٤ / ٤٦٠ ـ ٤٦١ والواحدي ٣ / ٢٨٣ من حديث عمر ، ومداره على يونس بن سليم ، وهو مجهول ، فالإسناد ضعيف ، وصوب الترمذي كونه من مرسل الزهري ، وأنه الصحيح. ومع ذلك صححه الحاكم! لكن تعقبه الذهبي بقوله : سئل عبد الرزاق عن شيخه يونس هذا فقال : لا أظنه شيء ، وقال الذهبي في «الميزان» في ترجمة يونس : حدث عنه عبد الرزاق ، ولم يعتمده في الرواية. وأعله العقيلي به ، وقال : لا يتابع عليه ، ولا يعرف إلا به. وقال النسائي : هذا حديث منكر. انظر «أحكام القرآن» ١٥٢٢ بتخريجنا.

(١٠١٣) ضعيف. أخرجه البزار ٣٥٠٨ وأبو نعيم في «حلية الأولياء» ٦ / ٢٠٤ وفي «صفة الجنة» ١ / ١٣٧ / ١٤٠ والبيهقي في «البعث» ٢٣٦ من حديث أبي سعيد وضعفه البزار بقوله : لا نعلم رفعه إلا عدي بن الفضل ، وليس هو بالحافظ ، وكذا ضعفه البيهقي. وجاء في «الميزان» : عدي بن الفضل ، قال ابن معين وأبو حاتم : متروك الحديث ، وقال يحيى : لا يكتب حديثه ، وقال غير واحد : ضعيف اه. فالرجل ضعيف جدا. وله شاهد : أخرجه الحاكم ٢ / ٣٩٢ والبيهقي في «الصفات» ٢ / ٤٧ وأبو نعيم في «صفة الجنة» ١٧ من حديث أنس ، وإسناده ضعيف لضعف علي بن عاصم الواسطي. وذكره الذهبي في «الميزان» بهذا الحديث وحديث آخر ، وقال : هذان باطلان اه. والحديث صححه الحاكم ، وتعقبه الذهبي بقوله : بل ضعيف اه. وله شاهد من حديث ابن عباس ، أخرجه الطبراني في ١١٤٣٩ وفي «الأوسط» ٤٧٦ وأبو نعيم في «صفة الجنة» ١٦.

٢٥٤

لبنة من ذهب ولبنة من فضّة ، وغرس غرسها بيده فقال لها : تكلّمي ، فقالت : قد أفلح المؤمنون ، فقال لها : طوبى لك منزل الملوك».

قال الفرّاء : «قد» ها هنا يجوز أن تكون تأكيدا لفلاح المؤمنين. ويجوز أن تكون تقريبا للماضي من الحال ، لأنّ «قد» تقرّب الماضي من الحال حتى تلحقه بحكمه ، ألا تراهم يقولون : قد قامت الصّلاة ، قبل حال قيامها ، فيكون معنى الآية : إنّ الفلاح قد حصل لهم وإنهم عليه في الحال. وقرأ أبيّ بن كعب ، وعكرمة ، وعاصم الجحدريّ ، وطلحة بن مصرف : «قد أفلح» بضمّ الألف وكسر اللام وفتح الحاء ، على ما لم يسمّ فاعله. قال الزّجّاج : ومعنى الآية : قد نال المؤمنون البقاء الدائم في الخير. ومن قرأ : «قد أفلح» بضمّ الألف ، كان معناه : قد أصيروا إلى الفلاح. وأصل الخشوع في اللغة : الخضوع والتّواضع. وفي المراد بالخشوع في الصّلاة أربعة أقوال : (١) أحدها : أنه النّظر إلى موضع السّجود.

(١٠١٤) روى أبو هريرة قال : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا صلّى رفع بصره إلى السماء ، فنزلت : «الذين هم في صلاتهم خاشعون» فنكس رأسه. وإلى هذا المعنى ذهب مسلم بن يسار ، وقتادة. والثاني : أنه ترك الالتفات في الصّلاة ، وأن تلين كنفك للرجل المسلم ، قاله عليّ بن أبي طالب.

____________________________________

وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» ٥٤٦٨ : رواه الطبراني في الكبير والأوسط بإسنادين أحدهما جيد. وتبعه على ذلك الهيثمي في «المجمع» ١٨٦٣٩ ، وأما ابن كثير ـ رحمه‌الله ـ فأعلّه بضعف رواية بقية عن الحجازيين والمعروف أن إسماعيل بن عياش هو الذي بهذه الصفة ، وإنما علّة الحديث هي أن بقية مدلس ، وقد عنعن ، قال أحمد : توهمت أن بقية ، لا يحدث المناكير إلا عن المجاهيل ، فإذا هو يحدث المناكير عن المشاهير. وللحديث علة أخرى ابن جريج أيضا مدلس ، وقد عنعن ، لكن الحمل فيه على بقية أولى. والله أعلم.

تنبيه : وقع في الأوسط تصريح بقية بالتحديث ، وهو خطأ من شيخ الطبراني أو من هشام بن خالد فإنه كان يجعل ما رواه بقية ب «عن» «حدثنا» توهما ، راجع ذلك في الميزان ، وانظر «تفسير ابن كثير» ٣ / ٢٩٩ والشوكاني ١٦٨٩ بتخريجنا.

(١٠١٤) ضعيف. أخرجه الحاكم ٢ / ٣٩٣ والواحدي في «أسباب النزول» ٦٢٦ كلاهما عن ابن سيرين عن أبي هريرة ، وهو حديث ضعيف. ففي الإسناد أبو شعيب الحراني عن أبيه ، ولم أجد لهما ترجمة. وقال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين لو لا خلاف فيه على محمد ، فقد قيل عنه مرسلا. وصوب الذهبي الإرسال ، وهو كما قال كذا رواه الثقات عند الطبري ، ومع ذلك لا يصح رفعه. فقد أخرجه الطبري عن ابن سيرين قال : كان أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ... ليس فيه ذكر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فالصواب موقوف. وأخرجه الطبري ٢٥٤١٤ بسند صحيح عن ابن سيرين مرسلا ، والمرسل من قسم الضعيف. وكرره ٢٥٤١٦ من وجه آخر عن ابن سيرين قال : نبئت أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ... وهذا ضعيف لجهالة المنبئ لابن سيرين. وانظر «أحكام القرآن» ١٥٢٣ ، و «تفسير الشوكاني» ١٦٩٣ ، والله الموفق.

__________________

(١) قال الطبري رحمه‌الله ٩ / ١٩٨ : الخشوع : التذلل والخضوع ، ولم يكن الله تعالى ذكره دلّ على أن مراده من ذلك معنى دون معنى في عقل ولا خبر ، فكان معلوما أن معنى مراده من ذلك العموم ، وتأويل الكلام على ذلك أنه : والذين هم في صلاتهم متذللون لله بإدامة ما ألزمهم من فرضه وعبادته ، وإذا تذلل لله فيها العبد رؤيت ذلة خضوعه في سكون أطرافه ، وشغله بفرضه وتركه ما أمر بتركه فيها.

٢٥٥

والثالث : أنه السّكون في الصّلاة ، قاله مجاهد ، وإبراهيم ، والزّهري. والرابع : أنه الخوف ، قاله الحسن. وفي المراد باللغو ها هنا خمسة أقوال : أحدها : الشرك ، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني : الباطل ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث : المعاصي ، قاله الحسن. والرابع : الكذب : قاله السدي. والخامس : الشّتم والأذى الذي كانوا يسمعونه من الكفّار ، قاله مقاتل. قاله الزّجّاج : واللغو : كلّ لعب ولهو ، وكلّ معصية فهي مطّرحة ملغاة. فالمعنى ؛ شغلهم الجدّ فيما أمرهم الله به عن اللغو.

قوله تعالى : (لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ) أي : مؤدّون (١) ، فعبّر عن التّأدية بالفعل ، لأنه فعل.

قوله تعالى : (إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ) قال الفرّاء : «على» بمعنى «من». وقال الزّجّاج : المعنى : أنهم يلامون في إطلاق ما حظر عليهم وأمروا بحفظه (٢) ، إلّا على أزواجهم (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) فإنهم لا يلامون. قوله تعالى : (فَمَنِ ابْتَغى) أي : طلب (وَراءَ ذلِكَ) أي : سوى الأزواج والمملوكات (فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ) يعني الجائرين الظّالمين ، لأنهم قد تجاوزوا إلى ما لا يحلّ ، (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ) قرأ ابن كثير : «لأمانتهم» وهو اسم جنس ، والمعنى : للأمانات التي ائتمنوا عليها ، فتارة تكون الأمانة بين العبد وبين ربّه ، وتارة تكون بينه وبين جنسه ، فعليه مراعاة الكلّ. وكذلك العهد. ومعنى (راعُونَ) : حافظون. قال الزّجّاج : وأصل الرّعي في اللغة : القيام على إصلاح ما يتولّاه الرّاعي من كلّ شيء. قوله تعالى : على صلاتهم قرأ ابن كثير ، وعاصم ، وأبو عمرو ، وابن عامر : (صَلَواتِهِمْ) على الجمع. وقرأ حمزة ، والكسائيّ : «صلاتهم» على التّوحيد ، وهو اسم جنس. والمحافظة على الصّلوات : أداؤها في أوقاتها. قوله تعالى : (أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ) ذكر السّدّيّ عن أشياخه أنّ الله تعالى يرفع للكفّار الجنّة ، فينظرون إلى بيوتهم فيها لو أنهم أطاعوا ، ثم تقسم بين المؤمنين فيرثونهم ، فذلك قوله : «أولئك هم الوارثون». وقد شرحنا هذا في الأعراف (٣) عند قوله : (أُورِثْتُمُوها) ، وشرحنا معنى الفردوس في الكهف (٤).

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً

__________________

(١) قال ابن كثير رحمه‌الله في «تفسيره» ٣ / ٣٠٠ : وقوله : (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ) الأكثرون على أن المراد بالزكاة ها هنا زكاة الأموال ، مع أن هذه الآية مكية ، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة.

والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات الأنصبة. والمقادير الخاصة ، وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجبا بمكة ، كما قال تعالى في سورة الأنعام ، وهي مكية (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ). وقد يحتمل أن يكون المراد بالزكاة ها هنا زكاة النفس من الشرك والدنس ، كقوله : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها. وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها) وكقوله (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ. الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ) فصلت : ٦ على أحد القولين في تفسيرها ، وقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مرادا ، وهو زكاة النفوس وزكاة الأموال ، فإنه من جملة زكاة النفوس ، والمؤمن الكامل هو الذي يتعاطى هذا ، وهذا ، والله أعلم.

(٢) قال ابن كثير رحمه‌الله في «تفسيره» ٣ / ٣٠٠ : والذين حفظوا فروجهم من الحرام ، فلا يقعون فيما نهاهم الله عنه من زنا أو لواط ، ولا يقربون سوى أزواجهم التي أحلّها الله لهم ، وما ملكت أيمانهم من السراري ، ومن تعاطى ما أحله الله له فلا لوم عليه ولا حرج ، وقد استدل الإمام الشافعي رحمه‌الله ومن وافقه على تحريم الاستمناء باليد بهذه الآية الكريمة ، قال فهذا الصنيع خارج عن هذين القسمين وقد قال : (فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ).

(٣) سورة الأعراف : ٤٣.

(٤) سورة الكهف : ١٠٧.

٢٥٦

 فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦))

قوله تعالى : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ) فيه قولان : أحدهما : أنه آدم عليه‌السلام. وإنما قيل : «من سلالة» لأنه استلّ من كلّ الأرض ، هذا مذهب سلمان الفارسيّ ، وابن عباس في رواية ، وقتادة. والثاني : أنه ابن آدم ، والسّلالة : النّطفة استلّت من الطّين ، والطّين : آدم عليه‌السلام ، قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال الزّجّاج : والسّلالة : فعالة ، وهي القليل ممّا ينسل ، وكلّ مبنيّ على «فعالة» يراد به القليل ، من ذلك : الفضالة ، والنّخالة ، والقلامة.

قوله تعالى : (ثُمَّ جَعَلْناهُ) يعني : ابن آدم (نُطْفَةً فِي قَرارٍ) وهو الرّحم (مَكِينٍ) أي : حريز ، قد هيّئ لاستقراره فيه. وقد شرحنا في سورة الحجّ (١) معنى النّطفة والعلقة والمضغة.

قوله تعالى : (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وحمزة ، والكسائيّ ، وحفص عن عاصم : «عظاما فكسونا العظام» على الجمع. وقرأ ابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم : «عظما فسكونا العظم» على التّوحيد.

قوله تعالى : (ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ) هذه الحالة السّابعة. قال عليّ رضي الله عنه لا تكون موؤودة حتى تمرّ على التّارات السّبع. وفي محلّ هذا الإنشاء قولان : أحدهما : أنه بطن الأمّ. ثم في صفة الإنشاء قولان : أحدهما : أنه نّفخ الرّوح فيه ، رواه عطاء عن ابن عباس ، وبه قال أبو العالية ، والشّعبيّ ، ومجاهد ، وعكرمة ، والضّحّاك في آخرين. والثاني : أنه جعله ذكرا أو أنثى ، قاله الحسن. والقول الثاني : أنه بعد خروجه من بطن أمّه. ثم في صفة هذا الإنشاء أربعة أقوال : أحدها : أنّ ابتداء ذلك الإنشاء أنه استهلّ ، ثم دلّ على الثّدي ، وعلّم كيف يبسط رجليه إلى أن قعد ، إلى أن قام على رجليه ، إلى أن مشى ، إلى أن فطم ، إلى أن بلغ الحلم ، إلى أن تقلّب في البلاد ، رواه العوفيّ عن ابن عباس. والثاني : أنه استواء الشباب ، قاله ابن عمر ، ومجاهد. والثالث : أنه خروج الأسنان والشّعر ، قاله الضّحّاك ، فقيل له : أليس يولد وعلى رأسه الشّعر؟ فقال : وأين العانة والإبط؟. والرابع : أنه إعطاء العقل والفهم ، حكاه الثّعلبي.

قوله تعالى : (فَتَبارَكَ اللهُ) أي : استحقّ التّعظيم والثّناء. وقد شرحنا معنى «تبارك» في الأعراف (٢) (أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) أي : المصوّرين والمقدّرين. والخلق في اللغة : التّقدير. وجاء في الحديث.

(١٠١٥) أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قرأ هذه الآية وعنده عمر ، إلى قوله تعالى : (خَلْقاً آخَرَ) ، فقال عمر : فتبارك الله أحسن الخالقين ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لقد ختمت بما تكلّمت به يا ابن الخطّاب».

____________________________________

(١٠١٥) ضعيف. أخرجه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن صالح أبي الخليل كما في «الدر» ٥ / ١١ ، وصالح أبو الخليل في عداد تابع التابعين ، فالخبر واه. وأخرجه الطيالسي ٤١ ومن طريقه الواحدي ٦٢٧ وابن

__________________

(١) سورة الحج : ٥.

(٢) سورة الأعراف : ٥٤.

٢٥٧

فإن قيل : كيف الجمع بين قوله : (أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) وقوله : (هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ) (١). فالجواب : أنّ الخلق يكون بمعنى الإيجاد ، ولا موجد سوى الله ، ويكون بمعنى التّقدير ، كقول زهير :

وبعض القوم يخلق ثمّ لا يفري (٢)

فهذا المراد ها هنا ، أنّ بني آدم قد يصوّرون ويقدّرون ويصنعون الشيء ، فالله خير المصوّرين والمقدّرين. وقال الأخفش : الخالقون ها هنا هم الصّانعون ، فالله خير الخالقين.

قوله تعالى : (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ) أي : بعد ما ذكر من تمام الخلق (لَمَيِّتُونَ) عند انقضاء آجالكم. وقرأ أبو رزين العقيلي ، وعكرمة ، وابن أبي عبلة : «لمائتون» بألف. قال الفرّاء : والعرب تقول لمن لم يمت : إنّك مائت عن قليل ، وميت ، ولا يقولون للميت الذي قد مات : هذا مائت ، إنما يقال في الاستقبال فقط ، وكذلك يقال : هذا سيّد قومه اليوم ، فإذا أخبرت أنه يسودهم عن قليل ، قلت : هذا سائد قومه عن قليل ، وكذلك هذا شريف القوم ، وهذا شارف عن قليل ؛ وهذا الباب كلّه في العربية على ما وصفت لك.

(وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (١٧) وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠))

قوله تعالى : (وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ) يعني : السّموات السّبع ، قال الزّجّاج : كلّ واحدة طريقة. وقال ابن قتيبة : إنما سمّيت «طرائق» بالتّطارق ، لأنّ بعضها فوق بعض ، يقال : طارقت الشيء : إذا جعلت بعضه فوق بعض.

قوله تعالى : (وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ) فيه ثلاثة أقوال : أحدها : ما غفلنا عنهم إذ بنينا فوقهم سماء أطلعنا فيها الشمس والقمر والكواكب. والثاني : ما كنّا تاركين لهم بغير رزق ، فأنزلنا المطر. والثالث : لم نغفل عن حفظهم من أن تسقط السماء عليهم فتهلكهم. قوله تعالى : (وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ) يعلمه الله ، وقال مقاتل : بقدر ما يكفيهم للمعيشة.

____________________________________

أبي حاتم كما في «تفسير ابن كثير» ٣ / ٣٠٤ عن أنس عن عمر به ، من حديثه. «وافقت ربي في أربع ...» فذكره منها والوهن فيه فقط في الفقرة الأخيرة وهي ما يتعلق بهذه الآية. وإسناده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان ، وهو ضعيف روى مناكير كثيرة ، ولا يحتج بما ينفرد به.

وأصل الحديث في الصحيحين دون الموافقة المذكورة في هذه الآية. وانظر «تفسير الشوكاني» ١٧٠٠ و «تفسير ابن كثير» ٣ / ٣٠٤ و «تفسير القرطبي» ٤٤٦٠ جميعا بتخريجنا ، ولله الحمد والمنة.

__________________

(١) سورة فاطر : ٣.

(٢) هو جزء من بيت لزهير بن أبي سلمى وتمامه :

ولأنت تفري ما خلقت وبعض

القوم يخلق ثم لا يفري

وهو في «اللسان» ـ خلق ـ و «شرح ديوان زهير» ٩٤.

٢٥٨

قوله تعالى : (وَشَجَرَةً) هي معطوفة على قوله : (جَنَّاتٍ). وقرأ أبو مجلز ، وابن يعمر ، وإبراهيم النّخعيّ : «وشجرة» بالرفع. والمراد بهذه الشّجرة : شجرة الزّيتون.

فإن قيل : لما ذا خصّ هذه الشجرة من بين الشّجر؟ فالجواب من أربعة أوجه :

أحدها : لكثرة انتفاعهم بها ، فذكّرهم من نعمه ما يعرفون ، وكذلك خصّ النّخيل والأعناب في الآية الأولى ، لأنهما كانا جلّ ثمار الحجاز وما والاها ، وكانت النّخيل لأهل المدينة ، والأعناب لأهل الطّائف. والثاني : لأنهم لا يكادون يتعاهدونها بالسّقي ، وهي تخرج الثّمرة التي يكون منها الدّهن. والثالث : أنها تنبت بالماء الذي هو ضدّ النار ، وفي ثمرتها حياة للنار ومادّة لها. والرابع : لأنّ أوّل زيتونة نبتت بذلك المكان فيما زعم مقاتل.

قوله تعالى : (طُورِ سَيْناءَ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، «طور سيناء» مكسورة السين ، وقرأ عاصم ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائيّ ، مفتوحة السين ، وكلّهم مدّها. قال الفرّاء : العرب تقول : سيناء ، بفتح السين في جميع اللغات ، إلّا بني كنانة ، فإنهم يكسرون السّين. قال أبو عليّ : ولا تنصرف هذه الكلمة ، لأنها جعلت اسما لبقعة أو أرض ، وكذلك «سينين» ولو جعلت اسما للمنزل أو للمكان أو نحو ذلك من الأسماء المذكّرة لصرفت ، لأنك كنت قد سمّيت مذكّرا بمذكّر. والطّور : الجبل. وفي معنى «سيناء» خمسة أقوال : أحدها : أنه بمعنى الحسن ، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وقال الضّحّاك : «الطّور» : الجبل بالسّريانيّة ، و «سيناء» : الحسن بالنّبطيّة. وقال عطاء : يريد : الجبل الحسن. والثاني : أنه المبارك ، رواه العوفيّ عن ابن عباس. والثالث : أنه اسم حجارة بعينها ، أضيف الجبل إليها لوجودها عنده ، قاله مجاهد. والرابع : أن طور سيناء : الجبل المشجّر ، قاله ابن السّائب. والخامس : أنّ سيناء : اسم المكان الذي به هذا الجبل ، قاله الزّجّاج ؛ قال الواحدي : وهو أصحّ الأقوال (١) ؛ قال ابن زيد : وهذا هو الجبل الذي نودي منه موسى ، وهو بين مصر وأيلة.

قوله تعالى : (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو : «تنبت» برفع التاء وكسر الباء. وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائيّ بفتح التاء وضمّ الباء. قال الفرّاء : وهما لغتان : نبتت وأنبتت ، وكذلك قال الزّجّاج : يقال : نبت الشّجر وأنبت في معنى واحد ، قال زهير :

رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم

قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل (٢)

قال : ومعنى «تنبت بالدّهن» : تنبت ومعها دهن ، كما تقول : جاءني زيد بالسّيف ، أي : جاءني ومعه السّيف. وقال أبو عبيدة : معنى الآية : تنبت الدّهن ، والباء زائدة ، كقوله : (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ) (٣) وقد بيّنّا هذا المعنى هناك.

قوله تعالى : (وَصِبْغٍ) وقرأ ابن مسعود ، وابن مسعود ، وابن يعمر ، وإبراهيم النّخعيّ ، والأعمش : «وصبغا» بالنّصب. وقرأ ابن السّميفع : «وصباغ» بألف مع الخفض. قال ابن قتيبة : الصّبغ مثل الصّباغ ، كما يقال : دبغ ودباغ ، ولبس ولباس. قال المفسّرون : والمراد بالصّبغ ها هنا : الزّيت ، لأنه

__________________

(١) وهو اختيار الطبري رحمه‌الله في «تفسيره» ٩ / ٢٠٨ وقال : إنه الجبل الذي نودي منه موسى صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو مع ذلك مبارك ، لا أن معنى سيناء معنى مبارك.

(٢) في «اللسان» : القطينة ، سكن الدار.

(٣) سورة الحج : ٢٥.

٢٥٩

يلون الخبز إذا غمس فيه ، والمراد أنه إدام يصبغ به.

(وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢))

قوله تعالى : (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ) وقرأ نافع ، وابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم : «نسقيكم» بفتح النون. وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحمزة ، والكسائيّ ، وحفص عن عاصم : بضمّها. وقد شرحنا هذا في النّحل (١) إلى قوله تعالى : (وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ) يعني : في ظهورها وألبانها وأولادها وأصوافها وأشعارها (وَمِنْها تَأْكُلُونَ) من لحومها وأولادها والكسب عليها. قوله تعالى : (وَعَلَيْها) يعني : الإبل خاصّة (وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) فالإبل تحمل في البرّ والسّفن تحمل في البحر.

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٣٩) قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ (٤٢) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (٤٤))

قوله تعالى : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ) قال المفسّرون : هذا تعزية لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بذكر هذا

__________________

(١) سورة النحل : ٦٦.

٢٦٠