زاد المسير في علم التفسير - ج ٣

المؤلف:

أبي الفرج عبدالرحمن ابن علي ابن الجوزي


المحقق: عبدالرزاق المهدي
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الكتاب العربي
🚘 نسخة غير مصححة

قدرته ، فقال : إذن لا يقبل الله منك ما كنت على دينك ، فقال : يا إبراهيم ، لا أستطيع ترك ملكي ، ولكن سوف أذبح له ، فذبح القربان وكفّ عن إبراهيم.

قال المفسّرون : ومعنى : «كوني بردا» أي : ذات برد ، «وسلاما» أي : سلامة. (وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً) وهو التّحريق بالنار (فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ) وهو أنّ الله تعالى سلّط البعوض عليهم حتى أكل لحومهم وشرب دماءهم ، ودخلت واحدة في دماغ نمرود حتى أهلكته ، والمعنى : أنهم كادوه بسوء. فانقلب السّوء عليهم. قوله تعالى : (وَنَجَّيْناهُ) أي : من نمرود وكيده (وَلُوطاً) وهو ابن أخي إبراهيم ، وهو لوط بن هاران بن تارخ ، وكان قد آمن به ، فهاجرا من أرض العراق إلى الشّام. وكانت سارة مع إبراهيم في قول وهب. وقال السّدّيّ : إنما هي ابنة ملك حرّان ، لقيها إبراهيم فتزوّجها على أن لا يغيّرها ، وكانت قد طعنت على قومها في دينهم.

فأمّا قوله تعالى : (إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها) ، ففيها قولان : أحدهما : أنها أرض الشّام ، وهذا قول الأكثرين. وبركتها : أنّ الله تعالى بعث أكثر الأنبياء منها ، وأكثر فيها الخصب والثّمار والأنهار. والثاني : أنها مكّة ، رواه العوفيّ عن ابن عباس. والأول أصحّ.

قوله تعالى : (وَوَهَبْنا لَهُ) يعني : إبراهيم (إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً). وفي معنى النّافلة قولان : أحدهما : أنها بمعنى الزّيادة ، والمراد بها : يعقوب خاصّة ، فكأنه سأل واحدا ، فأعطي اثنين ، وهذا مذهب ابن عباس ، وقتادة ، وابن زيد ، والفرّاء. والثاني : أنّ النّافلة بمعنى العطيّة ، والمراد بها : إسحاق ويعقوب ، وهذا مذهب مجاهد ، وعطاء. قوله تعالى : (وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ) يعني : إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، قال أبو عبيدة : «كلّ» يقع خبره على لفظ الواحد ، لأنّ لفظه لفظ الواحد ، ويقع خبره على لفظ الجميع ، لأنّ معناه معنى الجميع.

قوله تعالى : (وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً) أي : رؤوسا يقتدى بهم في الخير (يَهْدُونَ بِأَمْرِنا) أي : يدعون الناس إلى ديننا بأمرنا إيّاهم بذلك (وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ) قال ابن عباس : شرائع النبوّة. وقال مقاتل : الأعمال الصالحة ، (وَإِقامَ الصَّلاةِ) قال الزّجّاج : حذف الهاء من إقامة الصلاة قليل في اللغة ، تقول : أقام إقامة ، والحذف جائز ، لأنّ الإضافة عوض من الهاء.

(وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥))

قوله تعالى : (وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً) قال الزّجّاج : انتصب «لوط» بفعل مضمر ، لأنّ قبله فعلا ، فالمعنى : وأوحينا إليهم وآتينا لوطا. وذكر بعض النّحويين أنه منصوب على «واذكر لوطا» ، وهذا جائز لأنّ ذكر إبراهيم قد جرى ، فحمل لوط على معنى : واذكر. قال المفسّرون : لمّا هاجر لوط مع إبراهيم ، نزل إبراهيم أرض فلسطين ونزل لوط بالمؤتفكة على مسيرة يوم وليلة أو نحو ذلك من إبراهيم ، فبعثه الله نبيّا. فأمّا «الحكم» ففيه قولان : أحدهما : أنه النبوّة ، قاله ابن عباس. والثاني : الفهم والعقل ، قاله مقاتل ، وقد ذكرنا فيه أقوالا في سورة يوسف (١). وأمّا «القرية» ها هنا ، فهي سدوم ، والمراد أهلها ،

__________________

(١) سورة يوسف : ٢٢.

٢٠١

والخبائث : أفعالهم المنكرة ، فمنها إتيان الذّكور ، وقطع السبيل ، إلى غير ذلك ممّا قد ذكره الله عزوجل عنهم في مواضع (١). قوله تعالى : (وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا) أي : بإنجائه من بينهم.

(وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧))

قوله تعالى : (وَنُوحاً) المعنى : واذكر نوحا ، وكذلك ما يأتيك من ذكر الأنبياء (إِذْ نادى) أي : دعا على قومه (مِنْ قَبْلُ) أي : من قبل إبراهيم ولوط. فأمّا الكرب العظيم! فقال ابن عباس : هو الغرق وتكذيب قومه. قوله تعالى : (وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ) أي : منعناه منهم أن يصلوا إليه بسوء ، وقيل : «من» بمعنى «على».

(وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ (٨٢))

قوله تعالى : (وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ) وفيه قولان : أحدهما : أنه كان عنبا ، قاله ابن مسعود ، ومسروق ، وشريح. والثاني : كان زرعا ، قاله قتادة. (إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ) قال ابن قتيبة : أي : رعت ليلا ، يقال : نفشت الغنم بالليل ، وهي إبل نفش ونفّاش ونفاش ، والواحد : نافش ، وسرحت وسربت بالنهار. قال قتادة : النّفش بالليل ، والهمل بالنهار. وقال ابن السّكّيت : النّفش : أن تنتشر الغنم بالليل ترعى بلا راع.

الإشارة إلى القصّة

ذكر أهل التّفسير أنّ رجلين كانا على عهد داود عليه‌السلام ، أحدهما صاحب حرث ، والآخر صاحب غنم ، فتفلّتت الغنم فوقعت في الحرث فلم تبق منه شيئا ، فاختصما إلى داود ، فقال لصاحب الحرث : لك رقاب الغنم ، فقال سليمان : أو غير ذلك؟ قال : ما هو؟ قال : ينطلق أصحاب الحرث بالغنم فيصيبون من ألبانها ومنافعها ، ويقبل أصحاب الغنم على الكرم ، حتى إذا كان كليلة نفشت فيه الغنم ، دفع هؤلاء إلى هؤلاء غنمهم ، ودفع هؤلاء إلى هؤلاء كرمهم ، فقال داود : قد أصبت القضاء ، ثم حكم بذلك ، فذلك قوله : (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ) وفي المشار إليهم قولان : أحدهما : داود وسليمان ، فذكرهما بلفظ الجمع ، لأنّ الاثنين جمع ، هذا قول الفرّاء. والثاني : أنهم داود وسليمان والخصوم ، قاله أبو سليمان الدّمشقي. وقرأ ابن مسعود ، وابن عباس ، وابن أبي عبلة : «وكنا لحكمهما» على التثنية. ومعنى «شاهدين» : أنه لم يغب عنّا من أمرهم شيء. (فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ) يعني : القضيّة والحكومة.

__________________

(١) في سورة هود : ٧٨ ، والحجر : ٦٩.

٢٠٢

وإنما كنّى عنها ، لأنه قد سبق ما يدلّ عليها من ذكر الحكم ، (وَكُلًّا) منهما (آتَيْنا حُكْماً) وقد سبق بيانه. قال الحسن : لو لا هذه الآية لرأيت أنّ القضاة قد هلكوا ، ولكنه أثنى على سليمان لصوابه ، وعذر داود باجتهاده.

فصل : قال أبو سليمان الدّمشقي : كان قضاء داود وسليمان جميعا من طريق الاجتهاد ، ولم يكن نصّا ، إذ لو كان نصّا ما اختلفا. قال القاضي أبو يعلى : وقد اختلف الناس في الغنم إذا نفشت ليلا في زرع رجل فأفسدته ، فمذهب أصحابنا أنّ عليه الضمان (١) ، وهو قول الشّافعيّ ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا ضمان عليه ليلا ونهارا ، إلّا أن يكون صاحبها هو الذي أرسلها ، فظاهر الآية يدلّ على قول أصحابنا ، لأنّ داود حكم بالضّمان ، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه. فإن قيل : فقد ثبت نسخ هذا الحكم ، لأنّ داود حكم بدفع الغنم إلى صاحب الحرث ، وحكم سليمان له بأولادها وأصوافها ، ولا خلاف أنه لا يجب على من نفشت غنمه في حرث رجل شيء من ذلك ؛ قيل : الآية تضمّنت أحكاما ، منها وجوب الضّمان وكيفيّته ، فالنّسخ حصل على كيفيّته ، ولم يحصل على أصله ، فوجب التّعلّق به.

(٩٩٢) وقد روى حرام بن محيّصة عن أبيه : أنّ ناقة للبراء دخلت حائط رجل فأفسدت ، فقضى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم على أهل الأموال حفظها بالنهار ، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل.

____________________________________

(٩٩٢) صحيح. أخرجه أحمد ٥ / ٤٣٦ وابن أبي شيبة ٩ / ٤٣٥ ـ ٤٣٦ وابن الجارود ٧٩٦ والبيهقي ٨ / ٣٤٢ من طريق ابن عيينة عن الزهري عن ابن المسيب وحرام بن محيصة به. وأخرجه مالك ٢ / ٧٤٧ والشافعي ٢ / ١٠٧ والطحاوي ٣ / ٢٠٣ والدار قطني ٣ / ١٥٦ وابن ماجة ٢٣٣٢ كلهم عن الزهري عن حرام بن سعد بن محيصة به. وهو مرسل صحيح. وأخرجه الشافعي ٢ / ١٠٧ وأحمد ٤ / ٢٩٥ وأبو داود ٣٥٧٠ والطحاوي ٣ / ٢٠٣ والحاكم ٢ / ٤٧ والدار قطني ٣ / ١٥٥ والبيهقي ٨ / ٣٤١ من طرق عن الأوزاعي عن الزهري عن حرام بن محيصة عن البراء ، وفيه إرسال لكن يشهد لمرسل ابن المسيب المتقدم ، ويرقى به إلى درجة الحسن. وورد موصولا ، أخرجه عبد الرزاق ١٨٤٣٧ وأحمد ٥ / ٤٣٦ وأبو داود ٣٥٦٩ والدار قطني ٣ / ١٥٤ والبيهقي ٨ / ٣٤٢ كلهم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه به. ورجاله ثقات ، لكن أعله ابن عبد البر كما نقل ابن التركماني في «الجوهر النقي» ٨ / ٣٤٢ بأنه أنكر على عبد الرزاق ذكره ـ عن أبيه ـ ونقل ابن عبد البر عن أبي داود قوله : لم يتابع عبد الرزاق على قوله : عن أبيه. والصحيح أنه توبع ، فقد أخرجه الدار قطني ٣ / ١٥٥ من طريق الشافعي عن أيوب بن سويد عن الأوزاعي عن الزهري عن حرام عن أبيه.

الخلاصة : ورد موصولا ومرسلا ، ومرسل ابن المسيب وحده يحتج به الأئمة الأربعة. كيف وقد توبع ، تابعه حرام بن محيصة ، وورد أيضا موصولا ، فهو صحيح إن شاء الله تعالى ، وقد صححه ابن العربي.

ـ وانظر ما ذكره الشيخ شعيب في «الإحسان» ١٣ / ٣٥٤ ـ ٣٥٧. وانظر «أحكام القرآن» ١٤٩٧ بتخريجنا.

__________________

(١) جاء في «المغني» مسألة : «وما أفسدت البهائم بالليل من الزرع فهو مضمون على أهلها ، وما أفسدت من ذلك نهارا ، لم يضمنوه». قال العلامة الموفق في شرحه : يعني إذا لم تكن يد أحد عليها ، فإن كان صاحبها معها أو غيره فعليه ضمان ما أتلفته من نفس أو مال ، وإن لم تكن يد أحد عليها ، فعلى مالكها ضمان ما أفسدته من الزرع ليلا دون النهار. وهذا قول مالك والشافعي وأكثر فقهاء الحجاز ، وقال الليث يضمن مالكها ما أفسدته ليلا أو نهارا بأقل الأمرين من قيمتها أو قدر ما أتلفته. وقال أبو حنيفة لا ضمان عليه بحال اه ملخصا.

٢٠٣

قوله تعالى : (وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ) تقدير الكلام : وسخّرنا الجبال يسبّحن مع داود. قال أبو هريرة : كان إذا سبّح أجابته الجبال والطّير بالتّسبيح والذّكر ، وقال غيره : كان إذا وجد فترة ، أمر الجبال فسبّحت حتى يشتاق هو فيسبّح. قوله تعالى : (وَكُنَّا فاعِلِينَ) أي : لذلك. قال الزّجّاج : المعنى : وكنّا نقدر على ما نريده.

قوله تعالى : (وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ) في المراد باللّبوس قولان : أحدهما : الدّروع ، وكانت قبل ذلك صفائح ، وكان داود أوّل من صنع هذه الحلق وسرد ، قاله قتادة. والثاني : أنّ اللّبوس : السلاح كلّه من درع إلى رمح ، قاله أبو عبيدة. وقرأ أبو المتوكّل ، وابن السّميفع : «لبوس» بضم اللام. قوله تعالى : (لِتُحْصِنَكُمْ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وحمزة ، والكسائيّ : «ليحصنكم» بالياء. وقرأ ابن عامر ، وحفص عن عاصم : «لتحصنكم» بالتاء. وروى أبو بكر عن عاصم : «لنحصنكم» بالنون خفيفة. وقرأ أبو الدّرداء ، وأبو عمران الجوني ، وأبو حيوة : «لتحصّنكم» بتاء مرفوعة وفتح الحاء وتشديد الصاد. وقرأ ابن مسعود ، وأبو الجوزاء ، وحميد بن قيس : «لتحصّنكم» بتاء مفتوحة مع فتح الحاء وتشديد الصاد مع ضمّها. وقرأ أبو رزين العقيلي ، وأبو المتوكّل ، ومجاهد : «لنحصّنكم» بنون مرفوعة وفتح الحاء وكسر الصاد مع تشديدها. وقرأ معاذ القارئ ، وعكرمة ، وابن يعمر ، وعاصم الجحدريّ ، وابن السّميفع : «ليحصنّكم» بياء مرفوعة وسكون الحاء وكسر الصاد مشدّدة النون. فمن قرأ بالياء ، ففيه أربعة أوجه : قال أبو عليّ الفارسيّ : أن يكون الفاعل اسم الله ، لتقدم معناه ويجوز أن يكون اللباس ، لأنّ اللبوس بمعنى اللّباس من حيث كان ضربا منه ، ويجوز أن يكون داود ، ويجوز أن يكون التّعليم ، وقد دلّ عليه «علّمناه». ومن قرأ بالتاء ، حمله على المعنى ، لأنه الدّرع. ومن قرأ بالنون ، فلتقدّم قوله : «وعلّمناه». ومعنى (لِتُحْصِنَكُمْ) : لتحرزكم وتمنعكم (من بأسكم) يعني : الحرب.

قوله تعالى : (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ) وقرأ أبو عبد الرّحمن السّلمي ، وأبو عمران الجوني ، وأبو حيوة الحضرميّ : «الرّياح» بألف مع رفع الحاء. وقرأ الحسن ، وأبو المتوكّل ، وأبو الجوزاء : بالألف ونصب الحاء ، والمعنى : وسخّرنا لسليمان الرّيح (عاصِفَةً) أي : شديدة الهبوب (تَجْرِي بِأَمْرِهِ) يعني : بأمر سليمان (إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها) وهي أرض الشّام ، وقد مرّ بيان بركتها في هذه السّورة (١) والمعنى : أنها كانت تسير به إلى حيث شاء ، ثم تعود به إلى منزله بالشّام.

قوله تعالى : (وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ) علمنا أنّ ما نعطي سليمان يدعوه إلى الخضوع لربّه. قوله تعالى : (وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ) قال أبو عبيدة : «من» تقع على الواحد والاثنين والجميع من المذكّر والمؤنّث. قال المفسّرون : كانوا يغوصون في البحر ، فيستخرجون الجواهر ، (وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ) قال الزّجّاج : معناه : سوى ذلك : (وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ) أن يفسدوا ما عملوا. وقال غيره : أن يخرجوا عن أمره.

(وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (٨٤) وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ

__________________

(١) سورة الأنبياء : ٧٢.

٢٠٤

وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦))

قوله تعالى : (وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ) أي : دعا ربه (أَنِّي) وقرأ أبو عمران الجوني : «إني» بكسر الهمزة ، (مَسَّنِيَ الضُّرُّ) وقرأ حمزة : «مسّني» بتسكين الياء ، أي : أصابني الجهد ، (وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) أي : أكثرهم رحمة ، وهذا تعريض منه بسؤال الرّحمة إذ أثنى عليه بأنه الأرحم وسكت.

الإشارة إلى قصّته

ذكر أهل التّفسير (١) أنّ أيوب عليه‌السلام كان أغنى أهل زمانه ، وكان كثير الإحسان. فقال إبليس : يا ربّ سلّطني على ماله وولده ـ وكان له ثلاثة عشر ولدا ـ فإن فعلت رأيته كيف يطيعني ويعصيك ، فقيل له : قد سلّطتك على ماله وولده ، فرجع إبليس فجمع شياطينه ومردته ، فبعث بعضهم إلى دوابّه ورعاته ، فاحتملوها حتى قذفوها في البحر ، وجاء إبليس في صورة قيمه ، فقال : يا أيوب ألا أراك تصلّي وقد أقبلت ريح عاصف فاحتملت دوابّك ورعاتها حتى قذفتها في البحر؟ فلم يردّ عليه شيئا حتى فرغ من صلاته ، ثم قال : الحمد لله الذي رزقني ثم قبله منّي ، فانصرف خائبا ، ثم أرسل بعض الشياطين إلى جنانه وزروعه ، فأحرقوها ، وجاء فأخبره ، فقال مثل ذلك ، فأرسل بعض الشياطين فزلزلوا منازل أيوب وفيها ولده وخدمه ، فأهلكوهم ، وجاء فأخبره ، فحمد الله ، وقال لإبليس وهو يظنّه قيّمه في ماله : لو كان فيك خير لقبضك معهم ، فانصرف خائبا ، فقيل له : كيف رأيت عبدي أيوب؟ قال : يا ربّ سلّطني على جسده فسوف ترى ، قيل له قد سلّطتك على جسده فجاء فنفخ في إبهام قدميه ، فاشتعل فيه مثل النار ، ولم يكن في زمانه أكثر بكاء منه خوفا من الله تعالى ، فلمّا نزل به البلاء لم يبك مخافة الجزع ، وبقي لسانه للذّكر ، وقلبه للمعرفة والشّكر ، وكان يرى أمعاءه وعروقه وعظامه ، وكان مرضه أنه خرج في جميع جسده ثآليل كأليات الغنم ووقعت به حكّة لا يملكها ، فحكّ بأظفاره حتى سقطت ، ثم بالمسوح ، ثم بالحجارة ، فأنتن جسمه وتقطّع ، وأخرجه أهل القرية فجعلوا له عريشا على كناسة ، ورفضه الخلق سوى زوجته ، واسمها رحمة بنت إفراييم بن يوسف بن يعقوب ، فكانت تختلف إليه بما يصلحه. وروى أبو بكر القرشيّ عن الليث بن سعد ، قال : كان ملك يظلم الناس ، فكلّمه في ذلك جماعة من الأنبياء ، وسكت عنه أيّوب لأجل خيل كانت له في سلطانه ، فأوحى الله إليه : تركت كلامه من أجل خيلك؟! لأطيلنّ بلاءك. واختلفوا في مدّة لبثه في البلاء على أربعة أقوال :

(٩٩٣) أحدها : ثماني عشرة سنة ، رواه أنس بن مالك عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

____________________________________

(٩٩٣) غريب. أخرجه البزار ٢٣٥٧ «كشف» وأبو يعلى ٣٦١٧ وابن حبان ٢٨٩٨ والحاكم ٢ / ٥٨١ والطبراني «الطوال» ٤٠ وأبو نعيم ٣ / ٣٧٤ ـ ٣٧٥ من حديث أنس ، ورجاله رجال البخاري ومسلم ، وقال الحاكم على شرطهما! ، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي ١٣٨٠٠ : رجال البزار رجال الصحيح اه. وقال أبو نعيم : غريب من حديث الزهري لم يروه إلا عقيل ، ورواته متفق على عدالتهم. ومع ذلك استغربه ابن كثير في «تفسيره» ٣ /

__________________

(١) هذا الخبر بطوله ، من أساطير الإسرائيليين وترّهاتهم وافتراءاتهم ، وكل ذلك باطل ، وليعلم أن علماء العقيدة قد نصوا على أن الأنبياء لا يمرضون أمراضا منفرة تحطّ من قدرهم ، فهذه أخبار لو لم يذكرها المفسرون لكان أولى ، فتنبه والله أعلم.

٢٠٥

والثاني : سبع سنين ، قاله ابن عباس ، وكعب ، ويحيى بن أبي كثير. والثالث : سبع سنين وأشهر ، قاله الحسن. والرابع : ثلاث سنين ، قاله وهب.

وفي سبب سؤاله العافية ستة أقوال : أحدها : أنه اشتهى إداما ، فلم تصبه امرأته حتى باعت قرونا من شعرها ، فلما علم ذلك قال : «مسّني الضّر» ، رواه الضّحّاك عن ابن عباس. والثاني : أنّ الله تعالى أنساه الدعاء مع كثرة ذكره الله ، فلمّا انتهى أجل البلاء ، يسّر الله له الدعاء ، فاستجاب له ، رواه العوفيّ عن ابن عباس. والثالث : أنّ نفرا من بني إسرائيل مرّوا به ، فقال بعضهم لبعض : ما أصابه هذا إلّا بذنب عظيم ، فعند ذلك قال : «مسّني الضّر» ، قاله نوف البكاليّ. فقال عبد الله بن عبيد بن عمير : كان له أخوان ، فأتياه يوما فوجدا ريحا (١) ، فقالا : لو كان الله علم منه خيرا ما بلغ به كلّ هذا ، فما سمع شيئا أشدّ عليه من ذلك ، فقال : اللهمّ إن كنت تعلم أنّي لم أبت ليلة شبعان وأنا أعلم مكان جائع فصدّقني ، فصدّق وهما يسمعان ، ثم قال : اللهمّ إن كنت تعلم أنّي لم ألبس قميصا وأنا أعلم مكان عار فصدّقني ، فصدّق وهما يسمعان ، فخرّ ساجدا ، ثم قال : اللهمّ لا أرفع رأسي حتى تكشف ما بي ، فكشف الله عزوجل ما به. والرابع : أنّ إبليس جاء إلى زوجته بسخلة ، فقال : ليذبح أيوب هذه لي وقد برأ ، فجاءت فأخبرته ، فقال : لئن شفاني الله لأجلدنّك مائة جلدة ، أمرتني أن أذبح لغير الله؟! ثم طردها عنه ، فذهبت ، فلمّا رأى أنه لا طعام له ولا شراب ولا صديق ، خرّ ساجدا وقال : «مسّني الضّر» ، قاله الحسن. والخامس : أنّ الله تعالى أوحى إليه وهو في عنفوان شبابه : إنّي مبتليك ، قال : يا ربّ ، وأين يكون قلبي؟ قال : عندي ، فصبّ عليه من البلاء ما سمعتم ، حتى إذا بلغ البلاء منتهاه ، أوحى إليه أني معافيك ، قال : يا ربّ ، وأين يكون قلبي؟ قال : عندك ، قال : «مسّني الضّر» ، قاله إبراهيم بن شيبان القرميسي فيما حدّثنا به عنه. والسادس : أنّ الوحي انقطع عنه أربعين يوما ، فخاف هجران ربّه ، فقال : «مسّني الضّر» ، ذكره الماوردي.

فإن قيل : أين الصبر ، وهذا لفظ الشّكوى؟ فالجواب : أنّ الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر ، وإنما المذموم الشّكوى إلى الخلق ، ألم تسمع قول يعقوب : (إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ) (٢). قال سفيان بن عيينة : وكذلك من شكا إلى الناس ، وهو في شكواه راض بقضاء الله ، لم يكن ذلك جزعا ، ألم تسمع قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لجبريل في مرضه :

(٩٩٤) «أجدني مغموما» و «أجدني مكروبا».

____________________________________

٢٣٩. وانظر «البداية والنهاية» ١ / ٢٢٢ ـ ٢٢٣ و «الإحسان» ٢٨٩٨. وانظر «تفسير الشوكاني» ١٦٣٦ بتخريجنا ، والراجح وقفه ، والله أعلم.

(٩٩٤) ضعيف. أخرجه ابن سعد في «الطبقات» ٢ / ١٩٨ ـ ١٩٩ والبيهقي في «الدلائل» ٧ / ٢٦٧ ـ ٢٦٨ من طريقين عن جعفر بن محمد عن أبيه ، وفي إسناد ابن سعد من لم يسمّ ، وهو مرسل. وأخرجه البيهقي في «الدلائل» ٧ / ٢١٠ ـ ٢١١ من طريق الحسن بن علي عن محمد بن علي مرسلا. وأخرجه الطبراني في «الكبير» ٢٨٩٠ من طريق علي بن الحسن عن أبيه. وذكره الهيثمي في «المجمع» ٩ / ٣٤ ح ١٤٢٦١ وقال : وفيه عبد الله بن

__________________

(١) هذا مفترى ، قبح الله من وضعه ، وهو من افتراءات اليهود.

(٢) سورة يوسف : ٨٦.

٢٠٦

(٩٩٥) وقوله : «بل أنا وا رأساه».

قوله تعالى : (وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ) يعني : أولاده (وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ) فيه أربعة أقوال :

أحدها : أنّ الله تعالى أحيا له أهله بأعيانهم ، وآتاه مثلهم معهم في الدنيا ، قاله ابن مسعود ، والحسن ، وقتادة. وروى أبو صالح عن ابن عباس : كانت امرأته ولدت له سبعة بنين وسبع بنات ، فنشروا له ، وولدت له امرأته سبعة بنين وسبع بنات. والثاني : أنهم كانوا قد غيّبوا عنه ولم يموتوا ، فآتاه إياهم في الدنيا ومثلهم معهم في الآخرة ، رواه هشام عن الحسن. والثالث : آتاه الله أجور أهله في الآخرة ، وآتاه مثلهم في الدنيا ، قاله نوف ، ومجاهد. والرابع : آتاه أهله ومثلهم معهم في الآخرة ، حكاه الزّجّاج.

قوله تعالى : (رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا) أي : فعلنا ذلك به رحمة من عندنا ، (وَذِكْرى) أي : عظة (لِلْعابِدِينَ) قال محمّد بن كعب : من أصابه بلاء فليذكر ما أصاب أيّوب ، فليقل : إنه قد أصاب من هو خير مني.

قوله تعالى : (وَذَا الْكِفْلِ) اختلفوا هل كان نبيّا ، أم لا؟ على قولين (١) : أحدهما : أنه لم يكن نبيّا ، ولكنه كان عبدا صالحا ، قاله أبو موسى الأشعريّ ، ومجاهد. ثم اختلف أرباب هذا القول في علّة تسميته بذي الكفل على ثلاثة أقوال : أحدها : أنّ رجلا كان يصلّي كلّ يوم مائة صلاة فتوفّي ، فكفل بصلاته ، فسمّي : ذا الكفل ، قاله أبو موسى الأشعريّ. والثاني : أنه تكفّل للنبيّ بقومه أن يكفيه أمرهم ويقيمه ويقضي بينهم بالعدل ففعل ، فسمّي : ذا الكفل ، قاله مجاهد. والثالث : أنّ ملكا قتل في يوم ثلاثمائة نبي ، وفرّ منه مائة نبيّ ، فكفلهم ذو الكفل يطعمهم ويسقيهم حتى أفلتوا ، فسمي ذا الكفل ، قاله ابن السّائب. والقول الثاني : أنه كان نبيّا ، قاله الحسن ، وعطاء. قال عطاء : أوحى الله تعالى إلى نبيّ من الأنبياء : إني أريد قبض روحك ، فاعرض ملكك على بني إسرائيل ، فمن تكفّل لك بأنه يصلّي الليل

____________________________________

ميمون القداح ، وهو ذاهب الحديث.

(٩٩٥) صحيح. أخرجه البخاري ٥٦٦٦ والبيهقي في «الدلائل» ٧ / ١٦٨ من حديث عائشة. وأخرجه ابن ماجة ١٤٦٥ وأحمد ٦ / ٢٢٨ وعبد الرزاق ٩٧٥٤ وابن حبان ٦٥٨٦ والبيهقي ٣ / ٣٩٦ وفي «الدلائل» ٧ / ١٦٨ من وجه آخر من حديث عائشة أيضا. وقال البوصيري في «الزوائد» إسناده رجال ثقات.

وتمامه في البخاري : قال القاسم بن محمد : قالت عائشة وا رأساه فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك» فقالت عائشة : وا ثكلاه والله إني لأظنك تحبّ موتي ولو كان ذلك لظللت آخر يومك معرّسا ببعض أزواجك فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أنا وا رأساه لقد هممت ـ أو أردت ـ أن أرسل إلى أبي بكر وابنه وأعهد أن يقول القائلون ، أو يتمنّى المتمنّون ، ثم قلت : يأبى الله ويدفع المؤمنون ـ أو يدفع الله ويأبى المؤمنون ـ».

__________________

(١) قال الطبري رحمه‌الله ٩ / ٧٤ : وليس في واحد من هذين القولين من وصف نبي الله يونس صلوات الله عليه شيء إلا وهو دون ما وصفه به بما وصفه الذين قالوا : ذهب مغاضبا لقومه ، لأن ذهابه عن قومه مغاضبا لهم ، وقد أمره الله تعالى بالمقام بين أظهرهم ، ليبلغهم رسالته ، ويحذّرهم بأسه وعقوبته ، على تركهم الإيمان به ، والعمل بطاعته لا شك أن فيه ما فيه ، ولو لا أنه قد كان أتى ما قاله الذين وصفوه بإتيان الخطيئة ، لم يكن الله تعالى ذكره ليعاقبه العقوبة التي ذكرها في كتابه ، ويصفه بالصفة التي وصفه بها ، فيقول لنبيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم (وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ).

٢٠٧

لا يفتر ، ويصوم النهار لا يفطر ، ويقضي بين الناس ولا يغضب ، فادفع ملكك إليه ، ففعل ذلك ، فقام شابّ فقال : أنا أتكفّل لك بهذا ، فتكفّل به ، فوفى ، فشكر الله له ذلك ، ونبّأه ، وسمّي : ذا الكفل.

(٩٩٦) وقد ذكر الثّعلبيّ حديث ابن عمر عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في الكفل : «أنه كان رجلا لا ينزع عن ذنب ، وأنه خلا بامرأة ليفجر بها ، فبكت ، وقالت : ما فعلت هذا قطّ ، فقام عنها تائبا ، ومات من ليلته ، فأصبح مكتوبا على بابه : قد غفر الله للكفل» ؛ والحديث معروف ، وقد ذكرته في «الحدائق» ، فجعله الثّعلبيّ أحد الوجوه في بيان ذي الكفل ، وهذا غلط ، لأنّ ذلك اسمه الكفل ، والمذكور في القرآن : ذو الكفل ، ولأنّ الكفل مات في ليلته التي تاب فيها ، فلم يمض عليه زمان طويل يعالج فيه الصبر عن الخطايا ، وإذا قلنا : إنه نبيّ ، فإنّ الأنبياء معصومون عن مثل هذا الحال. وذكرت هذا لشيخنا أبي الفضل بن ناصر ، فوافقني ، وقال : ليس هذا بذاك.

قوله تعالى : (كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ) أي : على طاعة الله وترك معصيته ، (وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا) في هذه الرّحمة ثلاثة أقوال : أحدها : أنها الجنة ، وقاله ابن عباس. والثاني : النبوّة ، قاله مقاتل. والثالث : النّعمة والموالاة ، حكاه أبو سليمان الدّمشقي.

(وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨))

قوله تعالى : (وَذَا النُّونِ) يعني : يونس بن متّى. والنّون : السّمكة ؛ أضيف إليها لابتلاعها إيّاه. قوله تعالى : (إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً) قال ابن قتيبة : المغاضبة : مفاعلة ، وأكثر المفاعلة من اثنين ، كالمناظرة

__________________

(٩٩٦) ضعيف. أخرجه الترمذي ٢٤٩٦ وأحمد ٢ / ٢٣ والحاكم ٤ / ٢٥٤ ح ٧٦٥١ من حديث ابن عمر. صححه الحاكم! ووافقه الذهبي! وكذا صححه أحمد شاكر في «المسند»!

مع أن مداره على سعد مولى طلحة ، وهو مجهول كما في «التقريب».

وأخرجه ابن حبان ٣٨٧ عن عبد الله الرازي عن سعيد بن جبير عن ابن عمر ، وهذا إسناد ظاهره الحسن ، لكنه معلول. وقال الترمذي عقب روايته : حديث حسن ، ورواه غير واحد عن الأعمش فرفعوه.

ورواه بعضهم فلم يرفعه ، ورواه أبو بكر بن عياش فأخطأ فيه ، فقال : عن سعيد بن جبير عن ابن عمر ، وهو غير محفوظ اه. وهو كما قال الترمذي رحمه‌الله. وهذا الحديث إنما يعرف بسعد مولى طلحة ، وهو مجهول. وهناك علة أخرى ، وهي الاضطراب في المتن. ففي «مسند أحمد» و «سنن الترمذي» و «المستدرك» ، «كان الكفل» ، وعند ابن حبان «كان ذو الكفل» وعند ابن حبان «سمعته أكثر من عشرين مرة» وعند غيره «سبع مرات» وهذه الرواية تدل على وهنه. فلو كرره النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم عشرين مرة أو سبع مرات لرواه عدد من الصحابة. ولحمله جماعة من التابعين. كيف ولم يروه سوى رجل مجهول. فالخبر واه ، وقد استغربه ابن كثير في «تفسيره» ٣ / ٢٤١ لكنه ذكر أنه لم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة ، والصواب أن الترمذي قد رواه كما تقدم. وقال الحافظ ابن كثير في «تاريخه» ١ / ٢٢٦ : غريب جدا. وفي إسناده نظر ، فإن سعدا قال أبو حاتم : لا أعرفه إلا بحديث واحد. ووثقه ابن حبان ولم يرو عنه سوى عبد الله الرازي اه. وقد ورد نحو هذه القصة في خبر الثلاثة الذين أطبق عليهم الغار. ومما يدل على وهن هذا الحديث أن الكفل هذا أو «ذا الكفل» مات في الليلة التي تاب فيها ، فكيف ذلك والآية وصفت إياه بالصبر؟! فتنبه والله أعلم. وانظر «تفسير ابن كثير» عند هذه الآية بتخريجي ، وانظر «تفسير الشوكاني» ١٦٣٧ بتخريجنا. والله الموفق.

٢٠٨

والمجادلة والمخاصمة ، وربما تكون من واحد ، كقولك : سافرت ، وشارفت الأمر ، وهي ها هنا من هذا الباب. وقرأ أبو المتوكّل ، وأبو الجوزاء ، وعاصم الجحدريّ ، وابن السّميفع : «مغضبا» بإسكان الغين وفتح الضاد من غير ألف.

واختلفوا في مغاضبته لمن كانت؟ على قولين (١) : أحدهما : أنه غضب على قومه ، قاله ابن عباس ، والضّحّاك. وفي سبب غضبه عليهم ثلاثة أقوال : أحدها : أنّ الله تعالى أوحى إلى نبيّ يقال له : شعيا : أن ائت فلانا الملك ، فقل له يبعث نبيّا أمينا إلى بني إسرائيل ، وكان قد غزا بني إسرائيل ملك ، وسبا منهم الكثير ، فأراد النبيّ والملك أن يبعثا يونس إلى ذلك الملك ليكلّمه حتى يرسلهم ، فقال يونس لشعيا : هل أمرك الله بإخراجي؟ قال : لا ، قال : فهل سمّاني لك؟ قال : لا ، قال : فهاهنا غيري من الأنبياء ، فألحّوا عليه ، فخرج مغاضبا للنبيّ والملك ولقومه ، هذا مرويّ عن ابن عباس ؛ وقد زدناه شرحا في سورة يونس (٢). والثاني : أنه عانى من قومه أمرا صعبا من الأذى والتّكذيب ، فخرج عنهم قبل أن يؤمنوا ضجرا ، وما ظنّ أنّ هذا الفعل يوجب عليه ما جرى من العقوبة ، ذكره ابن الأنباري. وقد روي عن وهب بن منبّه ، قال : لمّا حملت عليه أثقال النبوّة ، ضاق بها ذرعا ولم يصبر ، فقذفها من يده وخرج هاربا. والثالث : أنه لمّا أوعدهم العذاب ، فتابوا ورفع عنهم ، قيل له : ارجع إليهم ، فقال : كيف أرجع فيجدوني كاذبا؟ فانصرف مغاضبا لقومه ، عاتبا على ربّه. وقد ذكرنا هذا في سورة يونس. والثاني : أنه خرج مغاضبا لربّه ، قاله الحسن ، وسعيد بن جبير ، والشّعبيّ ، وعروة ، وقال : المعنى : مغاضبا من أجل ربّه ، وإنما غضب لأجل تمرّدهم وعصيانهم. وقال ابن قتيبة : كان مغيظا عليهم لطول ما عاناه من تكذيبهم ، مشتهيا أن ينزل العذاب لهم فعاقبه الله على كراهيته العفو عن قومه.

قوله تعالى : (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) وقرأ يعقوب : «يقدّر عليه» بضمّ الياء وتشديد الدال وفتحها. وقرأ سعيد بن جبير ، وأبو الجوزاء ، وابن أبي ليلى : «يقدر» بياء مرفوعة مع سكون القاف وتخفيف الدال وفتحها. وقرأ أبو عمران الجوني : «يقدر» بياء مفتوحة وسكون القاف وكسر الدال خفيفة. وقرأ الزّهريّ ، وابن يعمر ، وحميد بن قيس : «نقدّر» بنون مرفوعة وفتح القاف وكسر الدال وتشديدها. ثم فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أن لن نقضي عليه بالعقوبة ، رواه العوفيّ عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد ، وقتادة ، والضّحّاك. قال الفرّاء : معنى الآية : فظنّ أن لن نقدّر عليه ما قدّرنا من العقوبة ، والعرب تقول : قدر ، بمعنى : قدّر ، قال أبو صخر :

ولا عائدا ذاك الزّمان الذي مضى

تباركت ما تقدر يكن ولك الشّكر (٣)

أراد : ما تقدّر ، وهذا مذهب الزّجّاج.

__________________

(١) قال الطبري رحمه‌الله في «تفسيره» ٩ / ٧٦ : وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك عندي ، قول من قال : عني به : فظنّ يونس أن لن نحبسه ونضيّق عليه عقوبة له على مغاضبة ربه وذلك من قولهم قدرت على فلان : إذا ضيقت عليه ، كما قال الله جل ثناؤه (وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللهُ).

ووافقه ابن كثير في «تفسيره» ٣ / ٢٤٢.

(٢) سورة يونس : ٩٨.

(٣) البيت في «شرح أشعار الهذليين» ٢ / ٩٥٨.

٢٠٩

والثاني : فظنّ أن لن نضيّق عليه ، قاله عطاء. قال ابن قتيبة : يقال فلان مقدّر عليه ، ومقتّر عليه ، ومنه قوله تعالى : (فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ) (١) أي ضيّق عليه فيه. قال النقاش : والمعنى فظن أن يضيقه عليه الخروج ، فكأنّه ظنّ أنّ الله تعالى قد وسّع عليه إن شاء أن يقيم وإن شاء أن يخرج ، ولم يؤذن له في الخروج. والثالث : أنّ المعنى : أفظنّ أنه يعجز ربّه فلا يقدر عليه ، رواه عوف عن الحسن. وقال ابن زيد وسليمان التّيميّ : المعنى أفظنّ أن لن نقدر عليه ؛ فعلى هذا الوجه يكون استفهاما قد حذفت ألفه ؛ وهذا الوجه يدلّ على أنه من القدرة ، ولا يتصوّر إلّا مع تقدير الاستفهام ، ولا أعلم له وجها إلّا أن يكون استفهام إنكار تقديره : ما ظنّ عجزنا فأين يهرب منّا؟!

قوله تعالى : (فَنادى فِي الظُّلُماتِ) فيها ثلاثة أقوال (٢) : أحدها : أنه ظلمة البحر ، وظلمة بطن الحوت وظلمة الليل ، قاله سعيد بن جبير وقتادة والأكثرون. والثاني : أنّ حوتا جاء فابتلع الحوت الذي هو في بطنه فنادى في ظلمة حوت ثم في ظلمة حوت ثم في ظلمة البحر ، قاله سالم بن أبي الجعد. والثالث : أنها ظلمة الماء وظلمة معى السّمكة وظلمة بطنها ، قاله ابن السّائب.

(٩٩٧) وقد روى سعد بن أبي وقّاص عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «إنّي لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلّا فرّج الله عنه ، كلمة أخي يونس : فنادى في الظّلمات أن لا إله إلّا أنت ، سبحانك إنّي كنت من الظّالمين». قال الحسن : وهذا اعتراف من يونس بذنبه وتوبة من خطيئته.

قوله تعالى : (فَاسْتَجَبْنا لَهُ) أي : أجبناه (وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِ) أي : من الظّلمات (وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) إذا دعونا. وروى أبو بكر عن عاصم أنه قرأ : «نجّي المؤمنين» بنون واحدة مشدّدة الجيم ؛ قال الزّجّاج : وهذا لحن لا وجه له ، وقال أبو عليّ الفارسيّ : غلط الرّاوي عن عاصم ، ويدلّ على هذا إسكانه الياء من «نجّي» ونصب «المؤمنين» ولو كان على ما لم يسمّ فاعله ما سكّن الياء ، ولرفع «المؤمنين».

(وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً

____________________________________

(٩٩٧) حسن. أخرجه النسائي في «اليوم والليلة» ٦٦٠ وابن السني ٣٤٥ بإسناد ضعيف. وأخرجه الترمذي ٣٥٠٥ والحاكم ١ / ٥٠٥ من حديث سعد بن أبي وقّاص ، من وجه آخر ، وإسناده حسن ، وصححه الحاكم ، ووافقه الذهبي ، وكذا الألباني في صحيح سنن الترمذي ، وورد من وجه آخر مطولا وله قصة أخرجه أحمد ١٤٦٤ وقال الهيثمي ١١١٧٦ : رجاله رجال الصحيح سوى إبراهيم بن محمد ، وهو ثقة. فهذه الطرق تتأيد بمجموعها. فالحديث حسن إن شاء الله. وانظر «تفسير الشوكاني» ١٦٣٨ بتخريجنا.

__________________

(١) سورة الفجر : ١٦.

(٢) قال الطبري رحمه‌الله في «تفسيره» ٩ / ٧٧ : والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله تعالى ذكره أخبر عن يونس أنه ناداه في الظلمات ، ولا شك أنه قد عني بإحدى الظلمات : بطن الحوت وبالأخرى : ظلمة البحر ، وفي الثالثة اختلاف ، ولا دليل يدلّ على أي ذلك من أي ، فلا قول في ذلك أولى بالحق من التسليم لظاهر التنزيل.

٢١٠

وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (٩٠) وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (٩١) إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ (٩٤))

قوله تعالى : (لا تَذَرْنِي فَرْداً) أي : وحيدا بلا ولد (وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ) أي : أفضل من بقي حيّا بعد ميت. قوله تعالى : (وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ) فيه ثلاثة أقوال (١) : أحدها : أصلحت للولد بعد أن كانت عقيما ، قاله ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وقتادة. والثاني : أنه كان في لسانها طول ، وهو : البذاء ، فأصلحت ، قاله عطاء وقال السّدّيّ : كانت سليطة فكفّ عنه لسانها. والثالث : أنه كان خلقها سيّئا ، قاله محمّد بن كعب. قوله تعالى : (إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ) أي : يبادرون في طاعة الله. وفي المشار إليهم قولان : أحدهما : زكريّا ، وامرأته ، ويحيى. والثاني : جميع الأنبياء المذكورون في هذه السّورة. قوله تعالى : (وَيَدْعُونَنا) وقرأ ابن مسعود ، وابن محيصن : «ويدعونا» بنون واحدة. قوله تعالى : (رَغَباً وَرَهَباً) أي : رغبا فيما عندنا ، ورهبا منّا ؛ وقرأ الأعمش : «رغبا ورهبا» بضم الرّاءين وجزم الغين والهاء ، وهما لغتان مثل النّحل ، والنّحل ، والسّقم ، والسّقم (وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ) أي : متواضعين.

قوله تعالى : (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها) فيه قولان : أحدهما : أنه مخرج الولد ، والمعنى منعته مما لا يحلّ. وإنما وصفت بالعفاف لأنها قذفت بالزّنا. والثاني : أنه جيب درعها. ومعنى الفرج في اللغة : كلّ فرجة بين شيئين ، وموضع جيب درع المرأة مشقوق ، فهو يسمّى فرجا. وهذا أبلغ في الثناء عليها ، لأنها إذا منعت جيب درعها ، فهي لنفسها أمنع.

قوله تعالى : (فَنَفَخْنا فِيها) أي : أمرنا جبريل ، فنفخ في درعها ، فأجرينا فيها روح عيسى كما تجري الريح بالنّفخ. وأضاف الرّوح إليه إضافة الملك ، للتّشريف والتّخصيص (وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً) قال الزّجّاج : لمّا كان شأنهما واحدا ، كانت الآية فيهما آية واحدة ، وهي ولادة من غير فحل. وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة : «آيتين» على التثنية.

قوله تعالى : (إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ) قال ابن عباس : المراد بالأمّة ها هنا : الدّين ، وفي المشار إليهم قولان : أحدهما : أنهم أمّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو معنى قول مقاتل. والثاني : أنهم الأنبياء عليهم‌السلام ، قاله أبو سليمان الدّمشقي. ثم ذكر أهل الكتاب ، فذمّهم بالاختلاف ، فقال تعالى : (وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ) أي : اختلفوا في الدّين ، (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ) أي : شيئا من الفرائض وأعمال البرّ (فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ) أي : لا نجحد ما عمل ، قاله ابن قتيبة ، والمعنى : أنه يقبل منه ويثاب عليه

__________________

(١) قال الطبري رحمه‌الله في «تفسيره» ٩ / ٧٩ : والصواب أن يقال : إنّ الله أصلح لزكريا زوجه بأن جعلها ولودا حسنة الخلق ، لأن كل ذلك من معاني إصلاحه إياها ، ولم يخصص الله جل ثناؤه بذلك في كتابه ولا على لسان رسوله ، فهو على العموم. واختار ابن كثير رحمه‌الله في «تفسيره» ٢ / ٢٤٤ الأول وقال : وهو الأظهر من السياق.

٢١١

(وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ) ذلك بأمر الحفظة أن يكتبوه ليجازيه به.

(وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (٩٥) حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ (٩٧) إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨) لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ (١٠٠))

قوله تعالى : (وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم : «وحرام» بألف. وقرأ حمزة والكسائيّ وأبو بكر عن عاصم : «وحرم» بكسر الحاء من غير ألف ، وهما لغتان. يقال : حرم وحرام. وقرأ معاذ القارئ وأبو المتوكّل وأبو عمران الجوني : «وحرم» بفتح الحاء وسكون الراء من غير ألف والميم مرفوعة منوّنة. وقرأ سعيد بن جبير : «وحرم» بفتح الحاء وسكون الراء وفتح الميم وكسر الراء من غير تنوين ولا ألف. وقرأ سعيد بن المسيب وأبو مجلز وأبو رجاء : «وحرم» بفتح الحاء وضمّ الراء ونصب الميم من غير ألف. وفي معنى قوله تعالى : (وَحَرامٌ) قولان:

أحدهما : واجب ، قاله ابن عباس ، وأنشدوا في معناه :

فإنّ حراما لا أرى الدّهر باكيا

على شجوه إلّا بكيت على عمرو (١)

أي : واجب. والثاني : أنه بمعنى العزم ، قاله سعيد بن جبير. وقال عطاء : حتم من الله ، والمراد بالقرية : أهلها.

ثم في معنى الآية أربعة أقوال (٢) : أحدها : واجب على قرية أهلكناها أنهم لا يتوبون ، رواه عكرمة عن ابن عباس. والثاني : واجب عليها أنها إذا أهلكت لا ترجع إلى دنياها ، هذا قول قتادة ؛ وقد روي عن ابن عباس نحوه. والثالث : أنّ «لا» زائدة ؛ والمعنى : حرام على قرية مهلكة أنهم يرجعون إلى الدنيا ، قاله ابن جريج ، وابن قتيبة في آخرين. والرابع : أنّ الكلام متعلّق بما قبله ، لأنه لمّا قال : «فلا كفران لسعيه» أعلمنا أنه قد حرّم قبول أعمال الكفّار ؛ فمعنى الآية : وحرام على قرية أهلكناها أن يتقبّل منهم عمل ، لأنهم لا يتوبون ، هذا قول الزّجّاج.

فإن قيل : كيف يصحّ أن يحرّم على الإنسان ما ليس من فعله ، ورجوعهم بعد الموت ليس إليهم؟

__________________

(١) البيت لعبد الرحمن بن جمانة المحاربي الجاهلي. كما في «اللسان» ـ حرم ـ.

ونسب للخنساء في «البحر المحيط» ٦ / ٣١٤ و «تفسير القرطبي» ١١ / ٢٩٧ ولا يوجد البيت في ديوانها.

(٢) قال القرطبي رحمه‌الله في «تفسيره» ١١ / ٢٩٨ : قال النحاس : والآية مشكلة ومن أحسن ما قيل فيها وأجلّه ما رواه عكرمة عن ابن عباس في قول الله عزوجل : (وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها) قال وجب أنهم لا يرجعون ؛ قال لا يتوبون. قال أبو جعفر : واشتقاق هذا بيّن في اللغة وشرحه : أن معنى حرّم الشيء حظر ومنع منه ، كما أن معنى أحل أبيح ولم يمنع منه. وقيل : في الكلام إضمار أي وحرام على قرية حكمنا باستئصالها ، أو بالختم على قلوبها أن يتقبل منها عمل لأنهم لا يرجعون أي لا يتوبون ، قاله الزجاج وأبو علي ، وهذا هو معنى قول ابن عباس.

٢١٢

فالجواب : أنّ المعنى : منعوا من ذلك فلا يقدرون عليه كما يمنع الإنسان من الحرام وإن قدر عليه ، فكان التّشبيه بالتّحريم للحالتين من حيث المنع.

قوله تعالى : (حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ) وقرأ ابن عامر : «فتّحت» بالتشديد ، والمعنى : فتح الرّدم عنهم (وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ) قال ابن قتيبة : من كلّ نشز من الأرض وأكمة (يَنْسِلُونَ) من النّسلان : وهو مقاربة الخطو مع الإسراع كمشي الذّئب إذا بادر ، والعسلان مثله. وقال الزّجّاج : الحدب : كلّ أكمة ، و «ينسلون» يسرعون. وقرأ أبو رجاء العطارديّ ، وعاصم الجحدريّ : «ينسلون» بضمّ السين. وفي قوله تعالى : (وَهُمْ) قولان : أحدهما : أنه إشارة إلى يأجوج ومأجوج ، قاله الجمهور. والثاني : إلى جميع الناس ، فالمعنى : وهم يحشرون إلى الموقف ، قاله مجاهد. والأوّل أصحّ.

فإن قيل : أين جواب «حتى»؟ ففيه قولان : أحدهما : أنه قوله تعالى : (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُ) والواو في قوله تعالى : «واقترب» زائدة ، قاله الفرّاء. قال : ومثله : (حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها) (١) وقوله تعالى : (فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ) (٢) ، المعنى : ناديناه. وقال عبد الله بن مسعود : الساعة من الناس بعد يأجوج ومأجوج ، كالحامل المتمّ ، لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولدها ليلا أو نهارا. والثاني : أنه قول محذوف في قوله : (يا وَيْلَنا) ، فالمعنى : حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج واقترب الوعد ، قالوا : يا ويلنا. قال الزّجّاج : هذا قول البصريّين. فأمّا (الْوَعْدُ الْحَقُ) فهو القيامة.

قوله تعالى : (فَإِذا هِيَ) في «هي» أربعة أقوال : أحدها : أنّ «هي» كناية عن الأبصار ، والأبصار تفسير لها ، كقول الشاعر :

لعمرو أبيها لا تقول ظعينتي

ألا فرّ عنّي مالك بن أبي كعب

فذكر الظّعينة ، وقد كنّى عنها في «لعمرو أبيها». والثاني : أنّ «هي» ضمير فصل وعماد ، ويصلح في موضعها «هو» ، ومثله قوله : (إِنَّهُ أَنَا اللهُ) (٣) وقوله : (فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ) (٤) ، وأنشدوا :

بثوب ودينار وشاة ودرهم

فهل هو مرفوع بما ها هنا رأس

ذكرهما الفرّاء. والثالث : أن يكون تمام الكلام عند قوله : «هي» على معنى : فإذا هي بارزة واقفة ، يعني : من قربها ، كأنها آتية حاضرة ، ثم ابتدأ فقال : (شاخِصَةٌ) ، ذكره الثّعلبيّ. والرابع : أنّ «هي» كناية عن القصة ، والمعنى : القصة أنّ أبصارهم شاخصة في ذلك اليوم ، ذكره عليّ بن أحمد النّيسابوريّ.

قال المفسّرون : تشخص أبصار الكفار من هول يوم القيامة ، ويقولون : (يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا) أي : في الدنيا (فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا) أي : عن هذا (بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ) أنفسنا بكفرنا ومعاصينا. ثم خاطب أهل مكّة ، فقال : (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) يعني : الأصنام (حَصَبُ جَهَنَّمَ) وقرأ عليّ بن أبي طالب ، وأبو العالية ، وعمر بن عبد العزيز : «حطب» بالطاء. وقرأ ابن عباس ، وعائشة وابن

__________________

(١) سورة الزمر : ٧٣.

(٢) سورة الصافات : ١٠٣ و ١٠٤.

(٣) سورة النمل : ٩.

(٤) سورة الحج : ٤٦.

٢١٣

السّميفع : «حضب» بالضاد المعجمة المفتوحة. وقرأ عروة ، وعكرمة ، وابن يعمر ، وابن أبي عبلة : «حضب جهنم» بإسكان الضاد المعجمة. وقرأ أبو المتوكّل ، وأبو حيوة ، ومعاذ القارئ «حضب» بكسر الحاء مع تسكين الضاد المعجمة. وقرأ أبو مجلز ، وأبو رجاء ، وابن محصين : «حصب» بفتح الحاء ويصاد غير معجمة ساكنة. قال الزّجّاج : من قرأ «حصب جهنم» فمعناه : كلّ ما يرمى به فيها ، ومن قرأ «حطب» فمعناه : ما توقد به ، ومن قرأ بالضاد المعجمة ، فمعناه : ما تهيج به النار وتذكى به ، قال ابن قتيبة : الحصب : ما ألقي فيها ، وأصله من الحصباء ، وهو الحصى ، يقال : حصبت فلانا ؛ إذا رميته حصبا ، بتسكين الصاد ، وما رميت به فهو حصب ، بفتح الصاد.

قوله تعالى : (أَنْتُمْ) يعني : العابدين والمعبودين (لَها وارِدُونَ) أي : داخلون. (لَوْ كانَ هؤُلاءِ) يعني : الأصنام (آلِهَةً) على الحقيقة (ما وَرَدُوها) فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنه إشارة إلى الأصنام ، والمعنى : لو كانوا آلهة ما دخلوا النار. والثاني : أنه إشارة إلى عابديها ، فالمعنى : لو كانت الأصنام آلهة ، منعت عابديها دخول النار. والثالث : أنه إشارة إلى الآلهة وعابديها ، بدليل قوله تعالى : (وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ) يعني : العابد والمعبود.

قوله تعالى : (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ) قد شرحنا معنى الزّفير في سورة هود (١) وفي علّة كونهم لا يسمعون ثلاثة أقوال :

(٩٩٨) أحدها : أنه يوضع في مسامعهم مسامير من نار ، ثم يقذفون في توابيت من نار مقفلة عليهم ، رواه أبو أمامة عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في حديث طويل. وقال ابن مسعود : إذا بقي في النار من يخلّد فيها جعلوا في توابيت من نار ، ثم جعلت تلك التّوابيت في توابيت أخرى ، فلا يسمعون شيئا ، ولا يرى أحدهم أنّ في النار أحدا يعذّب غيره.

والثاني : أنّ السّماع أنس ، والله لا يحبّ أن يؤنسهم ، قاله عون بن عمارة.

والثالث : إنما لم يسمعوا لشدّة غليان جهنّم ، قاله أبو سليمان الدّمشقي.

(إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (١٠٢) لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣) يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (١٠٤) وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ (١٠٦) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧))

____________________________________

(٩٩٨) لم أقف عليه ، وهو واه ، فالمتن منكر ، لا يصح مرفوعا. وورد عن سويد بن غفلة موقوفا ، أخرجه البيهقي في «البعث» ٥٩٢. وورد عن ابن مسعود قوله أيضا ، وهو اللفظ الآتي. أخرجه الطبري ٢٤٨٢٩.

الخلاصة : المرفوع لا يصح ، والصحيح موقوف.

__________________

(١) سورة هود : ١٠٦.

٢١٤

قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى)

(٩٩٩) سبب نزولها أنه لمّا نزلت : «إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم» شقّ ذلك على قريش ، وقالوا : شتم آلهتنا ، فجاء ابن الزّبعرى ، فقال : ما لكم؟ قالوا : شتم آلهتنا ، قال : وما قال؟ فأخبروه ، فقال : ادعوه لي ، فلمّا دعي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : يا محمّد ، هذا شيء لآلهتنا خاصّة ، أو لكلّ من عبد من دون الله؟ قال : «لا ، بل لكلّ من عبد من دون الله» ، فقال ابن الزّبعرى : خصمت وربّ هذا البيت ، ألست تزعم أنّ الملائكة عباد صالحون ، وأنّ عيسى عبد صالح ، وأنّ عزيرا عبد صالح ، فهذه بنو مليح يعبدون الملائكة ، وهذه النّصارى تعبد عيسى ، وهذه اليهود تعبد عزيرا ، فضجّ أهل مكّة ، فنزلت هذه الآية ، قاله ابن عباس. وقال الحسين بن الفضل : إنما أراد بقوله : (وَما تَعْبُدُونَ) الأصنام دون غيرها ، لأنه لو أراد الملائكة والناس ، لقال : «ومن» وقيل : «إنّ» بمعنى : «إلّا» ، فتقديره : إلّا الذين سبقت لهم منّا الحسنى ، وهي قراءة ابن مسعود ، وأبي نهيك ، فإنهما قرءا : «إلا الذين». وروي عن عليّ بن أبي طالب أنه قرأ هذه الآية ، فقال : أنا منهم ، وأبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وطلحة ، والزّبير ، وسعد ، وعبد الرحمن.

وفي المراد «بالحسنى» قولان : أحدهما : الجنّة ، قاله ابن عباس ، وعكرمة. والثاني : السعادة ، قاله ابن زيد. قوله تعالى : (أُولئِكَ عَنْها) أي : عن جهنّم ، وقد تقدّم ذكرها (مُبْعَدُونَ) والبعد : طول المسافة ، والحسيس : الصوت تسمعه من الشيء إذا مرّ قريبا منك ، قال ابن عباس : لا يسمع أهل الجنة حسيس أهل النار إذا نزلوا منازلهم من الجنّة.

قوله تعالى : (لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ) وقرأ أبو رزين وقتادة ، وابن أبي عبلة ، وابن محيصن ، وأبو جعفر الشّيزريّ عن الكسائيّ : «لا يحزنهم» بضمّ الياء وكسر الزاي.

وفي الفزع الأكبر أربعة أقوال : أحدها : أنه النّفخة الآخرة ، رواه العوفيّ عن ابن عباس ؛ وبهذه النّفخة يقوم الناس من قبورهم ، ويدلّ على صحة هذا الوجه قوله تعالى : (وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ). والثاني : أنه إطباق النار على أهلها ، رواه سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، وبه قال الضّحّاك. والثالث : أنه ذبح الموت بين الجنة والنار ، وهو مرويّ عن ابن عباس أيضا ، وبه قال ابن جريج. والرابع : أنه حين يؤمر بالعبد إلى النار ، قاله الحسن البصريّ.

وفي مكان تلقّي الملائكة لهم قولان : أحدهما : إذا قاموا من قبورهم ، قاله مقاتل. والثاني : على أبواب الجنة ، قاله ابن السّائب.

قوله تعالى : (هذا يَوْمُكُمُ) فيه إضمار : «يقولون» هذا يومكم (الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) فيه

____________________________________

(٩٩٩) أخرجه الواحدي ٦١٦ والطبراني ١٢ / ١٥٣ عن ابن عباس ، وفيه عاصم بن بهدلة ، وهو صدوق يخطئ.

وأخرجه الطبري ٢٤٨٣٥ مطولا عن ابن إسحاق مرسلا. وقال ابن كثير رحمه‌الله في «تفسيره» ٣ / ٢٥١ : وهذا الذي قاله ابن الزبعرى خطأ كبير ، لأن الآية إنما نزلت خطابا لأهل مكة في عبادتهم الأصنام التي هي جماد لا تعقل ، ليكون ذلك تقريعا وتوبيخا لعابديها ، ولهذا قال : (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) فكيف يورد على المسيح والعزير ونحوهما ممن له عمل صالح ، ولم يرض بعبادة من عبده ، وعوّل ابن جرير في «تفسيره» في الجواب على أن «ما» لما لا يعقل عند العرب. وقد أسلم ابن الزبعرى بعد ذلك.

٢١٥

الجنّة. قوله تعالى : (يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ) وقرأ أبو العالية ، وابن أبي عبلة ، وأبو جعفر : «تطوى» بتاء مضمومة «السماء» بالرفع ؛ وذلك بمحو رسومها ، وتكدير نجومها ، وتكوير شمسها ، (كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) قرأ الجمهور : «السّجلّ» بكسر السين والجيم وتشديد اللام. وقرأ الحسن ، وأبو المتوكّل ، وأبو الجوزاء ، ومحبوب عن أبي عمرو : «السّجل» بكسر السين وإسكان الجيم خفيفة. وقرأ أبو السّمّال كذلك ، إلّا أنه فتح الجيم. قوله تعالى : (لِلْكُتُبِ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر : «للكتاب». وقرأ حمزة ، والكسائيّ ، وحفص عن عاصم : «للكتب» على الجمع.

وفي السّجلّ أربعة أقوال (١) : أحدها : أنه ملك ، قاله عليّ بن أبي طالب ، وابن عمر ، والسّدّيّ.

(١٠٠٠) والثاني : أنه كاتب كان لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس.

والثالث : أنّ السّجلّ بمعنى : الرجل ، روى أبو الجوزاء عن ابن عباس ، قال : السّجل : هو الرجل. قال شيخنا أبو منصور اللغوي : وقد قيل : «السّجلّ» بلغة الحبشة : الرجل.

والرابع : أنه الصّحيفة. رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد ، والفرّاء وابن قتيبة. وقرأت على شيخنا أبي منصور ، قال : قال أبو بكر ، يعني ـ ابن دريد ـ : السّجلّ : الكتاب ، والله أعلم ؛ ولا ألتفت إلى قولهم : إنه فارسيّ معرّب ، والمعنى : كما يطوى السّجلّ على ما فيه من كتاب. و «اللام» بمعنى «على». وقال بعض العلماء : المراد بالكتاب : المكتوب ، فلمّا كان المكتوب ينطوي بانطواء

____________________________________

(١٠٠٠) باطل ، أخرجه أبو داود ٢٩٣٥ والنسائي ٣٥٥ والطبري ٢٤٨٤٩ والبيهقي ١٠ / ١٢٦ كلهم عن نوح بن قيس عن يزيد بن كعب عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس به. وهذا إسناد ضعيف يزيد بن كعب مجهول ، قال الذهبي في «الميزان» لا يدرى من ذا أصلا. وأبو الجوزاء أوس بن عبد الله ثقة لكنه يرسل كثيرا ، ولم يصرّح بسماع أو تحديث. وأخرجه ابن عدي ٧ / ٦٦٢ والبيهقي ١٠ / ١٢٦ والطبراني ٢ / ١٧٠ ح ١٢٧٩٠ من طريق يحيى بن عمرو بن مالك عن أبيه عن أبي الجوزاء عن ابن عباس ، وإسناده ضعيف جدا.

لأجل يحيى بن عمرو ، فقد كذبه حماد بن زيد. وأخرجه النسائي ٣٥٦ عن نوح عن عمر بن مالك به ، وهو منقطع بين نوح وعمرو ، ولعل نوحا أسقطه عمدا. وبكل حال الخبر واه جدا وليس بشيء. أخرجه الخطيب ٨ / ١٧٥ من حديث حمدان بن سعيد عن عبد الله بن نمير عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر به. وهذا خير باطل لا أصل له ، والحمل فيه على حمدان بن سعيد ، فقد اتهمه الذهبي بهذا الحديث ، فقال : أتى بخبر كذب اه.

ومما يدل على أنه كذب هو كون من فوقه رجال البخاري ومسلم. فلو كان هذا الحديث عن نافع أو عبيد الله لرواه مالك والبخاري وغيرهم من الأئمة. لكنه إسناد مصنوع مركب. وقد حكم بوضع هذا الحديث كل من الإمام المزي والذهبي وابن كثير وسبقهم الطبري. وليس في الصحابة من اسمه «السجل» وإن أورده أبو نعيم وابن مندة فإنهما يرويان الموضوع وكتبهما مشحونة بذلك ، وممن حكم بوضعه شيخ الإسلام ابن تيمية ، ووافقه الإمام ابن القيم. راجع عون المعبود ٨ / ١٥٤ وتفسير ابن كثير ٣ / ٢٥٢ و «تفسير الشوكاني» ١٦٤٧ و ١٦٤٨ و ١٦٤٩ بتخريجنا.

__________________

(١) قال الطبري رحمه‌الله في «تفسيره» ٩ / ٩٥ : وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب : قول من قال : السّجل في هذا الموضع : الصحيفة ، لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب ، ولا يعرف لنبينا كاتب كان اسمه السجل ، ولا في الملائكة ملك ذلك اسمه. وكتّاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم كانوا معروفين. ووافقه ابن كثير وقال : وقد صدق رحمه‌الله في ذلك ، وهو من أقوى الأدلة على نكارة هذا الحديث.

٢١٦

الصّحيفة ، جعل السّجل كأنه يطوي الكتاب.

ثم استأنف ، فقال تعالى : (كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) الخلق ها هنا مصدر ، وليس بمعنى المخلوق. وفي معنى الكلام أربعة أقوال :

أحدها : كما بدأناهم في بطون أمّهاتهم حفاة عراة غرلا ، كذلك نعيدهم يوم القيامة.

(١٠٠١) روي عن ابن عباس ، عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «يحشر الناس يوم القيامة عراة حفاة غرلا كما خلقوا ، ثم قال : (كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد.

والثاني : أنّ المعنى : إنا نهلك كلّ شيء كما كان أوّل مرّة ، رواه العوفيّ عن ابن عباس.

والثالث : أنّ السماء تمطر أربعين يوما كمنيّ الرجال ، فينبتون بالمطر في قبورهم ، كما ينبتون في بطون أمّهاتهم ، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والرابع : أنّ المعنى : قدرتنا على الإعادة كقدرتنا على الابتداء ، قاله الزّجّاج.

قوله تعالى : (وَعْداً) قال الزّجّاج : هو منصوب على المصدر ، لأنّ قوله تعالى : «نعيده» بمعنى : وعدنا هذا وعدا ، (إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ) أي : قادرين على فعل ما نشاء. وقال غيره : إنّا كنّا فاعلين ما وعدنا.

قوله تعالى : (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ) فيه أربعة أقوال (١) :

أحدها : أنّ الزّبور جميع الكتب المنزّلة من السماء ، و «الذّكر» : أمّ الكتاب الذي عند الله ، قاله سعيد بن جبير في رواية ، ومجاهد ، وابن زيد ، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية ابن جبير ، فإنه قال : الزّبور : التّوراة والإنجيل والقرآن ، والذّكر : الذي في السماء. والثاني : أنّ الزّبور : الكتب ، والذّكر : التّوراة ، رواه العوفيّ عن ابن عباس. والثالث : أنّ الزّبور : القرآن ، والذّكر : التّوراة والإنجيل ، قاله سعيد بن جبير في رواية. والرابع : أنّ الزّبور : زبور داود ، والذّكر : ذكر موسى ، قاله الشّعبيّ.

وفي الأرض المذكورة ها هنا ثلاثة أقوال : أحدها : أنها أرض الجنة ، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وبه قال الأكثرون. والثاني : أرض الدنيا ، وهو منقول عن ابن عباس أيضا. والثالث : الأرض المقدّسة ، قاله ابن السّائب.

____________________________________

(١٠٠١) صحيح. أخرجه البخاري ٣٣٤٩ و ٤٦٢٥ و ٤٦٢٦ و ٤٧٤٠ ومسلم ٢٨٦٠ ح ٥٨ والترمذي ٢٤٢٥ والنسائي ٤ / ١١٤ و ١١٧ وأحمد ١ / ٢٢٣ و ٢٢٩ و ٢٣٥ و ٢٥٣ والدارمي ٢ / ٣٢٦ وأبو يعلى ٢٥٧٨ من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إنكم تحشرون حفاة عراة غرلا». ثم قرأ : (كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ، وَعْداً عَلَيْنا ، إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ) وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم. وإن أناسا من أصحابي أخذ بهم ذات الشمال ، فأقول : أصحابي ، أصحابي. فيقال : إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم ، فأقول لكم كما قال العبد الصالح : (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ) إلى قوله (الْحَكِيمُ).

__________________

(١) قال الطبري رحمه‌الله ٩ / ٩٨ : وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب في ذلك : ما قاله سعيد بن جبير ومجاهد ، ومن قال بقولهما في أن معناه : ولقد كتبنا في الكتب من بعد أم الكتاب الذي كتب الله كل ما هو كائن فيه ، قبل خلق السموات والأرض ، وذلك أن الزبور هو الكتاب. يقال منه : زبرت الكتاب وزبرته : إذا كتبته ، وإن كل كتاب أنزله الله إلى نبي من أنبيائه فهو ذكر.

٢١٧

وفي قوله تعالى : (يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) ثلاثة أقوال : أحدها : أنهم أمّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وفي رواية : ترث أمّة محمّد أرض الدنيا بالفتوح. والثاني : بنو إسرائيل ، قاله ابن السّائب. والثالث : أنه عامّ في كلّ صالح ، قاله بعض فقهاء المفسّرين.

قوله تعالى : (إِنَّ فِي هذا) يعني : القرآن (لَبَلاغاً) أي : لكفاية ؛ والمعنى : أنّ من اتّبع القرآن وعمل به ، كان القرآن بلاغه إلى الجنة. وقوله تعالى : (لِقَوْمٍ عابِدِينَ) قال كعب : هم أمّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وسلم الذين يصلّون الصّلوات الخمس ويصومون شهر رمضان. قوله تعالى : (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) قال ابن عباس : هذا عامّ للبرّ والفاجر ، فمن آمن به تمّت له الرّحمة في الدنيا والآخرة ، ومن كفر به صرفت عنه العقوبة إلى الموت والقيامة. وقال ابن زيد : هو رحمة لمن آمن به خاصّة.

(قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (١١١) قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١١٢))

قوله تعالى : (فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) قال ابن عباس : فهل أنتم مخلصون له العبادة؟ قال أهل المعاني : هذا استفهام بمعنى الأمر.

قوله تعالى : (فَإِنْ تَوَلَّوْا) أي : أعرضوا ولم يؤمنوا (فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ) في معنى الكلام قولان : أحدهما : نابذتكم وعاديتكم وأعلمتكم ذلك ، فصرت أنا وأنتم على سواء قد استوينا في العلم بذلك ، وهذا من الكلام المختصر ، قاله ابن قتيبة. والثاني : أعلمتكم بالوحي إليّ لتستووا في الإيمان به ، قاله الزّجّاج. قوله تعالى : (وَإِنْ أَدْرِي) أي : وما أدري (أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ) بنزول العذاب بكم. (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ) وهو ما يقولونه للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم (مَتى هذَا الْوَعْدُ) (١) ، و (ما تَكْتُمُونَ) إسرارهم أنّ العذاب لا يكون.

قوله تعالى : (لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ) في هاء «لعلّه» قولان (٢) : أحدهما : أنها ترجع إلى ما آذنهم به ، قاله الزّجّاج. والثاني : إلى العذاب ؛ فالمعنى : لعلّ تأخير العذاب عنكم فتنة ، قاله ابن جرير ، وأبو سليمان الدّمشقي. ومعنى الفتنة ها هنا : الاختبار ، (وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ) أي : تستمتعون إلى انقضاء آجالكم. وقل رب وروى حفص عن عاصم : (قالَ رَبِّ احْكُمْ) قرأ أبو جعفر : «ربّ احكم» بضمّ الباء.

__________________

(١) سورة يس : ٤٨.

(٢) قال ابن كثير رحمه‌الله في «تفسيره» ٣ / ٢٥٥ : وقوله : (وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ) ، أي : هو واقع لا محالة ، ولكن لا علم لي بقربه ولا ببعده ، وقوله (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ) أي : وما أدري لعل هذا فتنة لكم ومتاع إلى حين. قال ابن جرير : لعل تأخير ذلك عنكم فتنة لكم ، ومتاع إلى أجل مسمّى.

وحكاه عن ابن عباس والله أعلم. (قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِ) أي : افصل بيننا وبين قومنا المكذبين بالحق وقوله (وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) على ما يقولون ويفترون من الكذب ، ويتنوعون في مقامات التكذيب والإفك والله المستعان عليكم في ذلك.

٢١٨

وروى زيد عن يعقوب : «ربّي» بفتح الياء «أحكم» بقطع الهمزة وفتح الكاف ورفع الميم. ومعنى «احكم بالحق» أي : بعذاب كفّار قومي الذي نزوله حقّ ، فحكم عليهم بالقتل في يوم بدر وفيما بعده من الأيام ؛ والمعنى على هذا : افصل بيني وبين المشركين بما يظهر به الحقّ. ومعنى (عَلى ما تَصِفُونَ) أي : من كذبكم وباطلكم. وقرأ ابن عامر ، والمفضّل عن عاصم : «يصفون» بالياء. فإن قيل : فهل يجوز على الله أن يحكم بغير الحقّ؟ فالجواب : أنّ المعنى : احكم بحكمك الحقّ ، كأنه استعجل النّصر عليهم ، والله أعلم بالصواب.

٢١٩

سورة الحجّ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ (٢) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٤))

فصل في نزولها (١) : روى أبو صالح عن ابن عباس أنها مكّيّة كلّها ، غير آيتين نزلتا بالمدينة : قوله سبحانه وتعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ) ، والّتي تليها (٢) وفي رواية أخرى عن ابن عباس أنها مدنيّة إلّا أربع آيات نزلت بمكّة ، وهي قوله تعالى : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ) إلى آخر الأربع (٣). وقال عطاء بن السّائب : نزلت بمكّة إلّا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة : (هذانِ خَصْمانِ) واللتان بعدها (٤) وقال أبو سليمان الدّمشقي : أوّلها مدنيّ إلى قوله تعالى : (وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) (٥) وسائرها مكّيّ. وقال الثّعلبيّ : هي مكيّة غير ست آيات نزلت بالمدينة ، وهي قوله تعالى : (هذانِ خَصْمانِ) إلى قوله تعالى : (الْحَمِيدِ) (٦). وقال هبة الله بن سلامة : هي من أعاجيب سور القرآن ، لأنّ فيها مكيّا ، ومدنيّا ، وحضريّا ، وسفريّا ، وحربيّا ، وسلميّا ، وليليّا ، ونهاريّا ، وناسخا ، ومنسوخا. فأمّا المكّيّ ، فمن رأس الثلاثين منها إلى آخرها. وأما المدنيّ ، فمن رأس خمس وعشرين إلى رأس ثلاثين. وأما الليليّ ، فمن أوّلها إلى آخر خمس آيات. وأما النّهاريّ ، فمن رأس خمس آيات. إلى رأس تسع. وأما السّفريّ ، فمن رأس تسع إلى اثنتي عشرة. وأما الحضريّ ، فإلى رأس العشرين ، نسب إلى المدينة ، لقرب مدّته.

قوله تعالى : (اتَّقُوا رَبَّكُمْ) أي : احذروا عقابه (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ) الزّلزلة : الحركة على الحالة الهائلة. وفي وقت هذه الزّلزلة قولان (٧) : أحدهما : أنها يوم القيامة بعد النّشور.

__________________

(١) قال القرطبي رحمه‌الله في «تفسيره» ١٢ / ٥ : وقال الجمهور : السورة مختلطة ، منها مكي ومنها مدني. وهذا هو الأصح ، لأن الآيات تقتضي ذلك ، لأن «يا أيها الناس» مكي و «يا أيها الذين آمنوا» مدني.

(٢) سورة الحج : ١٢ ، ١٣.

(٣) سورة الحج : ٥٣ ـ ٥٧.

(٤) سورة الحج : ٢٠ ـ ٢٢.

(٥) سورة الحج : ٢٤ ، ٢٥.

(٦) سورة الحج : ٣٨.

(٧) قال الطبري رحمه‌الله في «تفسيره» ٩ / ١٠٥ : والصواب من القول في ذلك : ما صح به الخبر عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ وهو حديث أبي سعيد الخدري ـ.

٢٢٠