زاد المسير في علم التفسير - ج ٣

المؤلف:

أبي الفرج عبدالرحمن ابن علي ابن الجوزي


المحقق: عبدالرزاق المهدي
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الكتاب العربي
🚘 نسخة غير مصححة

والثاني : أنه ضغطة القبر حتى تختلف أضلاعه فيه ، رواه عطاء عن ابن عباس. والثالث : شدّة عيشه في النار ، رواه الضّحّاك عن ابن عباس ، وبه قال الحسن ، وقتادة ، وابن زيد. قال ابن السّائب : وتلك المعيشة من الضّريع والزّقّوم. والرابع : أنّ المعيشة الضّنك : كسب الحرام ، روى الضّحّاك عن ابن عباس قال : المعيشة الضّنك : أن تضيق عليه أبواب الخير فلا يهتدي لشيء منها ، وله معيشة حرام يركض فيها. قال الضّحّاك : فهذه المعيشة هي الكسب الخبيث ، وبه قال عكرمة. والخامس : أنّ المعيشة الضّنك : المال الذي لا يتّقي الله صاحبه فيه ، رواه العوفيّ عن ابن عباس.

فخرج في مكان المعيشة ثلاثة أقوال : أحدها : القبر. والثاني : الدنيا. والثالث : جهنّم.

وفي قوله تعالى : (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى) قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم : «أعمى» «حشرتني أعمى» بفتح الميمين ، وقرأ حمزة ، والكسائيّ ، وأبو بكر عن عاصم بكسرهما. وقرأ نافع بين الكسر والفتح. ثم في هذا المعنى للمفسّرين قولان : أحدهما : أعمى البصر ، روى أبو صالح عن ابن عباس قال : إذا أخرج من القبر خرج بصيرا ، فإذا سيق إلى المحشر عمي. والثاني : أعمى عن الحجّة ، قاله مجاهد ، وأبو صالح. قال الزّجّاج : معناه : فلا حجّة له يهتدي بها ، لأنه ليس للناس على الله حجّة بعد الرّسل.

قوله تعالى : (كَذلِكَ) أي : الأمر كذلك كما ترى (أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها) أي : فتركتها ولم تؤمن بها ، وكما تركتها في الدنيا تترك اليوم في النار (وَكَذلِكَ) أي : وكما ذكرناه (نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ) أي : أشرك (وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ) من عذاب الدنيا ومن عذاب القبر (وَأَبْقى) لأنه يدوم.

(أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (١٢٨) وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (١٣٠))

قوله تعالى : (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ) أي : أفلم يتبيّن لكفّار مكّة إذا نظروا آثار من أهلكنا من الأمم ؛ وكانت قريش تتّجر وترى مساكن عاد وثمود وفيها علامات الهلاك ، فذلك قوله تعالى : (يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ). وروى زيد عن يعقوب : «أفلم نهد» بالنون.

قوله تعالى : (وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ) في تأخير العذاب عن هؤلاء الكفّار إلى يوم القيامة ، وقيل : إلى يوم بدر ، وقيل : إلى انقضاء آجالهم (لَكانَ لِزاماً) أي : لكان العذاب لزاما ، أي : لازما لهم. واللّزام : مصدر وصف به العذاب. قال الفرّاء وابن قتيبة : في هذه الآية تقديم وتأخير ، والمعنى : ولو لا كلمة وأجل مسمّى لكان لزاما.

قوله تعالى : (فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ) أمر الله تعالى نبيّه بالصّبر على ما يسمع من أذاهم إلى أن يحكم الله فيهم ، ثم حكم فيهم بالقتل ، ونسخ بآية السّيف إطلاق الصّبر.

قوله تعالى : (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) أي : صلّ له بالحمد له والثّناء عليه (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) يريد الفجر (وَقَبْلَ غُرُوبِها) يعني : العصر (وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ) الآناء : السّاعات ، وقد بيّنّاها في آل عمران (١) ،

__________________

(١) سورة آل عمران : ١١٣.

١٨١

(فَسَبِّحْ) أي : فصل.

وفي المراد بهذه الصّلاة أربعة أقوال : أحدها : المغرب والعشاء ، رواه أبو صالح عن ابن عباس ، وبه قال قتادة. والثاني : جوف الليل ، رواه العوفيّ عن ابن عباس. والثالث : العشاء ، قاله مجاهد ، وابن زيد. والرابع : أوّل الليل وأوسطه وآخره ، قاله الحسن.

قوله تعالى : (وَأَطْرافَ النَّهارِ) المعنى : وسبّح أطراف النهاء. قال الفرّاء : إنّما هما طرفان ، فخرجا مخرج الجمع ، كقوله تعالى : (إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) (١).

وللمفسّرين في المراد بهذه الصّلاة ثلاثة أقوال : أحدها : أنها الظّهر ، قاله قتادة ؛ فعلى هذا ، إنما قيل لصلاة الظّهر : أطراف النّهار ، لأنّ وقتها عند الزّوال ، فهو طرف النّصف الأوّل النصف الثاني. والثاني : أنها صلاة المغرب وصلاة الصّبح ، قاله ابن زيد ؛ وهذا على أنّ الفجر في ابتداء الطّرف الأوّل ، والمغرب عند انتهاء الطّرف الثاني. والثالث : أنها الفجر والظّهر والعصر ؛ فعلى هذا يكون الفجر من الطّرف الأوّل ، والظّهر والعصر من الطّرف الثاني ، حكاه الفرّاء.

قوله تعالى : (لَعَلَّكَ تَرْضى) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وحمزة ، وحفص عن عاصم : «ترضى» بفتح التاء. وقرأ الكسائيّ ، وأبو بكر عن عاصم بضمّها. فمن فتح ، فالمعنى : لعلّك ترضى ثواب الله الذي يعطيك. ومن ضمّها ، ففيه وجهان : أحدهما : لعلّك ترضى بما تعطى. والثاني : لعلّ الله أن يرضاك.

(وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢))

قوله تعالى : (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ).

(٩٨٢) سبب نزولها ، ما روى أبو رافع مولى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : نزل ضيف برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فدعاني فأرسلني إلى رجل من اليهود يبيع طعاما ، فقال : قل له : إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «بعني كذا وكذا من الدّقيق ، أو أسلفني إلى هلال رجب» فأتيته فقلت له ذلك ، فقال اليهوديّ : والله لا أبيعه ولا أسلفه إلّا برهن ، فأتيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأخبرته ، فقال : «والله لو باعني أو أسلفني لقضيته ، وإنّي لأمين في السّماء أمين في الأرض ، اذهب بدرعي الحديد إليه» ، فنزلت هذه الآية تعزية له في الدنيا. قال أبيّ بن كعب : من لم يتعزّ بعزاء الله تقطّعت نفسه حسرات على الدنيا. وقد مضى تفسير هذه الآية في آخر سورة الحجر (٢).

____________________________________

(٩٨٢) إسناده ضعيف ، والمتن منكر. أخرجه الواحدي في «أسباب النزول» ٦١٥ من طريق روح عن موسى بن عبيدة الربذي عن يزيد عن عبد الله بن قسيط عن أبي رافع به. وفيه موسى بن عبيدة الربذي ، ضعيف ليس بشيء.

وأخرجه الطبري ٢٤٤٥٥ من طريق موسى بن عبيدة بالإسناد السابق مختصرا. وأخرجه الطبري ٢٤٤٥٦ من وجه آخر من حديث أبي رافع ، وفيه الحسين بن داود ، وهو ضعيف. ثم إن السورة مكية كما تقدم في مطلعها ، وأما الخبر فمدني. وانظر «فتح القدير» ١٦١٦.

__________________

(١) سورة التحريم : ٤.

(٢) سورة الحجر : ٨٨.

١٨٢

قوله تعالى : (زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا) وقرأ ابن مسعود ، والحسن ، والزّهريّ ، ويعقوب : «زهرة» بفتح الهاء. قال الزّجّاج : وهو منصوب بمعنى «متّعنا» ، لأنّ معنى «متّعنا» : جعلنا لهم الحياة الدنيا زهرة ، (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) أي : لنجعل ذلك فتنة لهم. وقال ابن قتيبة : لنختبرهم. قال المفسّرون : زهرة الدنيا : بهجتها وغضارتها وما يروق النّاظر منها عند رؤيته ، وهو من زهرة النبات وحسنه. قوله تعالى : (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى) فيه قولان : أحدهما : أنه ثوابه في الآخرة. والثاني : القناعة.

قوله تعالى : (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ) قال المفسّرون : المراد بأهله : قومه ومن كان على دينه ، ويدخل في هذا أهل بيته (١). قوله تعالى : (وَاصْطَبِرْ عَلَيْها) أي : واصبر على الصّلاة (لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً) أي : لا نكلفك رزقا لنفسك ولا لخلقنا ، إنما نأمرك بالعبادة ورزقك علينا ، (وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى) أي : وحسن العاقبة لأهل التّقوى. وكان بكر بن عبد الله المزنيّ إذا أصاب أهله خصاصة قال : قوموا فصلّوا ، ثم يقول : بهذا أمر الله تعالى ورسوله ، ويتلو هذه الآية.

(وَقالُوا لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٣٣) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى (١٣٥))

قوله تعالى : (وَقالُوا) يعني : المشركين (لَوْ لا) أي : هلّا (يَأْتِينا) محمّد (بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ) أي كآيات الأنبياء ، نحو النّاقة والعصا (أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ) قرأ نافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم : «تأتهم» بالتاء. وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائيّ وأبو بكر عن عاصم : «يأتهم» بالياء.

قوله تعالى : (بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى) أي : أولم يأتهم في القرآن بيان ما في الكتب من أخبار الأمم التي أهلكناها لمّا سألوا الآيات ثم كفروا بها ، فما يؤمّنهم أن تكون حالهم في سؤال الآيات كحال أولئك؟! (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ) يعني : مشركي مكّة (بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ) في الهاء قولان : أحدهما : أنها ترجع إلى الكتاب ، قاله مقاتل. والثاني : إلى الرّسول ، قاله الفرّاء.

قوله تعالى : (لَقالُوا) يوم القيامة (رَبَّنا لَوْ لا) أي : هلّا (أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً) يدعونا إلى طاعتك (فَنَتَّبِعَ آياتِكَ) أي : نعمل بمقتضاها (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَ) بالعذاب (وَنَخْزى) في جهنّم. وقرأ ابن عباس ، وابن السّميفع ، وأبو حاتم عن يعقوب : «نذلّ» «ونخزى» برفع النون فيهما ، وفتح الذال. (قُلْ) لهم يا محمّد : (كُلٌ) منّا ومنكم (مُتَرَبِّصٌ) أي : نحن نتربّص بكم العذاب في الدنيا ، وأنتم تتربّصون بنا الدّوائر (فَتَرَبَّصُوا) أي : فانتظروا (فَسَتَعْلَمُونَ) إذا جاء أمر الله (مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِ) أي : الدّين المستقيم (وَمَنِ اهْتَدى) من الضّلالة ، أنحن ، أم أنتم؟ وقيل : هذه منسوخة بآية السّيف ، وليس بشيء.

__________________

(١) قال الإمام الموفق رحمه‌الله في «المغني» ٢ / ٣٥٠ : ويؤدب الغلام على الطهارة والصلاة إذا تمت له عشر سنين. وهذا الأمر والتأديب في حق الصبي لتمرينه على الصلاة ، كي يألفها ويعتادها والأصل في ذلك قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «علّموا الصبي الصلاة ابن سبع سنين واضربوه عليها ابن عشر».

١٨٣

سورة الأنبياء

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧) وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠))

وهي مكّيّة بإجماعهم من غير خلاف نعلمه.

قوله عزوجل : (اقْتَرَبَ) افتعل ، من القرب ، يقال : قرب الشيء ، واقترب. وهذه الآية نزلت في كفّار مكّة. وقال الزّجّاج : اقترب للناس وقت حسابهم. قيل : اللام في قوله (لِلنَّاسِ) بمعنى : «من». والمراد بالحساب : محاسبة الله لهم على أعمالهم. وفي معنى قربه قولان : أحدهما : أنه آت ، وكلّ آت قريب. والثاني : لأنّ الزمان ـ لكثرة ما مضى وقلّة ما بقي ـ قريب.

قوله تعالى : (وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ) أي : عمّا يفعل الله بهم ذلك اليوم (مُعْرِضُونَ) عن التأهّب له. وقيل : «اقترب للناس» عامّ ، والغفلة والإعراض خاصّ في الكفّار ، بدلالة قوله تعالى : (ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) ، وفي هذا الذّكر ثلاثة أقوال : أحدها : أنه القرآن ، قاله ابن عباس ؛ فعلى هذا تكون الإشارة بقوله : (مُحْدَثٍ) إلى إنزاله له ، لأنه أنزل شيئا بعد شيء. والثاني : أنه ذكر من الأذكار ، وليس بالقرآن ، حكاه أبو سليمان الدّمشقي. وقال النّقّاش : هو ذكر من رسول الله ، وليس بالقرآن. والثالث : أنه رسول الله ، بدليل قوله في سياق الآية : (هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) ، قاله الحسن بن الفضل.

قوله تعالى : (إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) قال ابن عباس : يستمعون القرآن مستهزئين.

١٨٤

قوله تعالى : (لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) أي : غافلة عمّا يراد بهم. قال الزّجّاج : المعنى : إلّا استمعون لاعبين لاهية قلوبهم ؛ ويجوز أن يكون منصوبا بقوله : «يلعبون». وقرأ عكرمة ، وسعيد بن جبير ، وابن أبي عبلة : «لاهية» بالرفع.

قوله تعالى : (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى) أي : تناجوا فيما بينهم ، يعني المشركين. ثم بيّن من هم فقال : (الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي : أشركوا بالله. و «الذين» في موضع رفع على البدل من الضمير في «وأسرّوا» ثم بيّن سرّهم الذي تناجوا به فقال : (هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) أي : آدميّ ، فليس بملك ، وهذا إنكار لنبوّته. وبعضهم يقول : «أسرّوا» ها هنا بمعنى : أظهروا ، لأنه من الأضداد.

قوله تعالى : (أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ) أي : أفتقبلون السحر (وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) أنه سحر؟! يعنون أنّ متابعة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وسلم متابعة السّحر. (قالَ رَبِّي) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم : «قل ربي». وقرأ حمزة ، والكسائيّ ، وحفص عن عاصم : «قال ربّي» ، وكذلك هي في مصاحف الكوفيين ، وهذا على الخبر عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : يعلم القول ، أي : لا يخفى عليه شيء يقال في السماء والأرض ، فهو عالم بما أسررتم. (بَلْ قالُوا) ، قال الفرّاء : ردّ ب (بَلْ) على معنى تكذيبهم ، وإن لم يظهر قبله الكلام بجحودهم ، لأنّ معناه الإخبار عن الجاحدين ، وأعلم أنّ المشركين كانوا قد تحيّروا في أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فاختلفت أقوالهم فيه ، فبعضهم يقول : هذا الذي يأتي به سحر ، وبعضهم يقول : أضغاث أحلام ، وهي الأشياء المختلطة ترى في المنام ؛ وقد شرحناها في يوسف (١) ، وبعضهم يقول : افتراه ، أي : اختلقه ، وبعضهم يقول : هو شاعر فليأتنا بآية كالناقة والعصا ، فاقترحوا الآيات التي لا إمهال بعدها.

قوله تعالى : (ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ) يعني : مشركي مكّة (مِنْ قَرْيَةٍ) وصف القرية ، والمراد أهلها ، والمعنى : أنّ الأمم التي أهلكت بتكذيب الآيات ، لم يؤمنوا بالآيات لمّا أتتهم ، فكيف يؤمن هؤلاء؟! وهذه إشارة إلى أنّ الآية لا تكون سببا للإيمان ، إلّا أن يشاء الله.

قوله تعالى : (وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالاً) هذا جواب قولهم : «هل هذا إلّا بشر مثلكم». قوله تعالى : (نُوحِي إِلَيْهِمْ) قرأ الأكثرون : «يوحى» بالياء. وروى حفص عن عاصم : «نوحي» بالنون. وقد شرحنا هذه الآية في النّحل (٢).

قوله تعالى ؛ (وَما جَعَلْناهُمْ) يعني الرّسل (جَسَداً) قال الفرّاء : لم يقل : أجسادا ، لأنه اسم الجنس. قال مجاهد : وما جعلناهم جسدا ليس فيهم روح. قال ابن قتيبة : ما جعلنا الأنبياء قبله أجسادا لا تأكل الطعام ولا تموت فنجعله كذلك. قال المبرّد وثعلب جميعا : العرب إذا جاءت بين الكلام بجحدين ، كان الكلام إخبارا ، فمعنى الآية : إنما جعلناهم جسدا ليأكلوا الطعام. قال قتادة : المعنى : وما جعلناهم جسدا إلّا ليأكلوا الطعام.

قوله تعالى : (ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ) يعني : الأنبياء أنجزنا وعدهم الذي وعدناهم بإنجائهم وإهلاك مكذّبيهم (فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ) وهم الذين صدّقوهم (وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ) يعني : أهل الشّرك ؛ وهذا

__________________

(١) سورة يوسف : ٤٤.

(٢) سورة النحل : ٤٣.

١٨٥

تخويف لأهل مكّة. ثم ذكر منّته عليهم بالقرآن فقال : (لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ) ، وفي ثلاثة أقوال (١) : أحدها : فيه شرفكم ، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني : فيه دينكم ، قاله الحسن ، يعني : فيه ما تحتاجون إليه من أمر دينكم. والثالث : فيه تذكرة لكم لما تلقونه من رجعة أو عذاب ، قاله الزّجّاج. قوله تعالى : (أَفَلا تَعْقِلُونَ) ما فضّلتكم به على غيركم.

(وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (١٢) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (١٣) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (١٤) فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ (١٥))

ثم خوّفهم فقال : (وَكَمْ قَصَمْنا) قال المفسّرون واللغويون : معناه : وكم أهلكنا ، وأصل القصم : الكسر. قوله تعالى : (كانَتْ ظالِمَةً) ؛ أي : كافرة ، والمراد : أهلها. (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا) أي : رأوا عذابنا بحاسّة البصر (إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ) أي : يعدون ، وأصل الرّكض : تحريك الرّجلين ، يقال : ركضت الفرس : إذا أعديته بتحريك رجليك فعدا.

قوله تعالى : (لا تَرْكُضُوا) قال المفسّرون : هذا قول الملائكة لهم : (وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ) ، أي : إلى نعمكم التي أترفتكم ، وهذا توبيخ لهم. وفي قوله : (لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ) قولان : أحدهما : تسألون من دنياكم شيئا ، استهزاء بهم ، قاله قتادة. والثاني : تسألون عن قتل نبيّكم ، قاله ابن السّائب. فلمّا أيقنوا بالعذاب (قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) بكفرنا ، (فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ) أي : ما زالت تلك الكلمة التي هي «يا ويلنا إنّا كنّا ظالمين» قولهم يردّدونها. (حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً) بالعذاب ، وقيل : بالسيوف (خامِدِينَ) ، أي : ميّتين كخمود النار إذا طفئت.

(وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ َيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (٢٠) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤))

قوله تعالى : (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ) أي : لم نخلق ذلك عبثا ، إنما خلقناهما دلالة على قدرتنا ووحدانيّتنا ليعتبر الناس بخلقه ، فيعلموا أنّ العبادة لا تصلح إلّا لخالقه ، لنجازي أولياءنا ، ونعذّب أعداءنا.

قوله تعالى : (لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً) في سبب نزولها قولان : أحدهما : أنّ المشركين لمّا قالوا :

__________________

(١) قال الطبري ٩ / ٨ : عنى بالذكر في هذا الموضع الشرف ، وذلك أنه شرف لمن اتبعه وعمل بما فيه.

١٨٦

الملائكة بنات الله والآلهة بناته ، نزلت هذه الآية ، قاله أبو صالح عن ابن عباس (١). والثاني : أنّ نصارى نجران قالوا : إنّ عيسى ابن الله ، فنزلت هذه الآية ، قاله مقاتل (٢).

وفي المراد باللهو ثلاثة أقوال (٣) : أحدها : الولد ، رواه أبو صالح عن ابن عباس ، وبه قال السّدّيّ. قال الزّجّاج : المعنى : لو أردنا أن نتّخذ ولدا ذا لهو نلهى به. والثاني : المرأة ، رواه عطاء عن ابن عباس ، وبه قال الحسن ، وقتادة. والثالث : اللعب ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس.

قوله تعالى : (لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا) قال ابن جريج : لاتّخذنا نساء وولدا من أهل السماء ، لا من أهل الأرض. قال ابن قتيبة : وأصل اللهو : الجماع ، فكنّي عنه باللهو ، كما كنّي عنه بالسّرّ ، والمعنى : لو فعلنا ذلك لاتّخذناه من عندنا ، لأنكم تعلمون أنّ ولد الرجل وزوجته يكونان عنده ، لا عند غيره. وفي قوله تعالى : (إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ) قولان : أحدهما : أنّ (أَنْ) بمعنى «ما» ، قاله ابن عباس ، والحسن ، وقتادة. والثاني : أنها بمعنى الشّرط. قال الزّجّاج : والمعنى : إن كنّا نفعل ذلك ، ولسنا ممّن يفعله ؛ قال : والقول الأول قول المفسّرين ، والثاني : قول النّحويين ، وهم يستجيدون القول الأول أيضا ، لأنّ «إن» تكون في موضع النّفي ، إلّا أنّ أكثر ما تأتي مع اللام ، تقول : إن كنت لصالحا ، معناه : ما كنت إلّا صالحا.

قوله تعالى : (بَلْ) أي : دع ذاك الذي قالوا ، فإنه باطل (نَقْذِفُ بِالْحَقِ) أي : نسلّط الحقّ وهو القرآن (عَلَى الْباطِلِ) وهو كذبهم (فَيَدْمَغُهُ) قال ابن قتيبة : أي : يكسره ، وأصل هذا إصابة الدّماغ بالضّرب ، وهو مقتل (فَإِذا هُوَ زاهِقٌ) أي : زائل ذاهب. قال المفسّرون : والمعنى : إنّا نبطل كذبهم بما نبيّن من الحق حتى يضمحلّ ، (وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) أي : من وصفكم الله بما لا يجوز (وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) يعني : هم عبيده وملكه (وَمَنْ عِنْدَهُ) يعني : الملائكة. وفي قوله : (وَلا يَسْتَحْسِرُونَ) ثلاثة أقوال : أحدها : لا يرجعون ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني : لا ينقطعون ، قاله مجاهد. وقال ابن قتيبة : لا يعيون ، والحسر : المنقطع الواقف إعياء وكلالا. والثالث : لا يملّون ، قاله ابن زيد.

قوله تعالى : (لا يَفْتُرُونَ) قال قتادة : لا يسأمون. وسئل كعب : أما يشغلهم شأن؟ أما تشغلهم حاجة؟ فقال للسائل : يا ابن أخي ، جعل لهم التّسبيح كما جعل لكم النّفس ، ألست تأكل وتشرب وتقوم وتجلس وتجيء وتذهب وتتكلّم وأنت تتنفّس؟! فكذلك جعل لهم التّسبيح. ثم إنّ الله تعالى عاد إلى توبيخ المشركين فقال : (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ) لأنّ أصنامهم من الأرض هي ، سواء كانت من ذهب أو فضّة أو خشب أو حجارة (هُمْ) يعني : الآلهة (يُنْشِرُونَ) أي : يحيون الموتى. وقرأ الحسن :

__________________

(١) لا يصح عن ابن عباس ، أبو صالح ضعيف ، وراويته الكلبي ، وهو ممن يضع الحديث.

(٢) باطل. عزاه المصنف لمقاتل ، وهو ممن يضع الحديث ، والسورة مكية ، وإنما قدم نصارى نجران في المدينة.

(٣) قال الطبري رحمه‌الله ٩ / ١١ : لو أردنا أن نتخذ زوجة وولدا لاتخذنا ذلك من عندنا ، ولكنا لا نفعل ذلك ، ولا يصلح لنا فعله ، ولا ينبغي ، لأنه لا يكون لله ولد ولا صاحبة. وقال ابن كثير رحمه‌الله ٣ / ٢٢١ : فنزه نفسه عن اتخاذ الولد مطلقا ، لا سيما عما يقولون من الإفك والباطل ، من اتخاذ عيسى ، أو عزير ، أو الملائكة سبحان الله عما يقولون علوا كبيرا.

١٨٧

«ينشرون» بفتح الياء وضمّ الشين. وهذا استفهام بمعنى الجحد ، والمعنى : ما اتّخذوا آلهة تنشر ميتا. (لَوْ كانَ فِيهِما) يعني : السماء والأرض (آلِهَةٌ) يعني : معبودين (إِلَّا اللهُ) قال الفرّاء : سوى الله. وقال الزّجّاج : غير الله.

قوله تعالى : (لَفَسَدَتا) أي : لخربتا وبطلتا وهلك من فيهما ، لوجود التّمانع بين الآلهة ، فلا يجري أمر العالم على النّظام ، لأنّ كلّ أمر صدر عن اثنين فصاعدا لم يسلم من الخلاف.

قوله تعالى : (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) أي : عمّا يحكم في عباده من هدي وإضلال ، وإعزاز وإذلال ، لأنه المالك للخلق ، والخلق يسألون عن أعمالهم ؛ لأنهم عبيد يجب عليهم امتثال أمر مولاهم. ولمّا أبطل عزوجل أن يكون إله سواه من حيث العقل بقوله : (لَفَسَدَتا) ، أبطل ذلك من حيث الأمر فقال : (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) وهذا استفهام إنكار وتوبيخ (قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ) على ما تقولون ، (هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ) يعني : القرآن خبر من معي على ديني ممّن يتّبعني إلى يوم القيامة بما لهم من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية (وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي) يعني : الكتب المنزّلة ، والمعنى : هذا القرآن ، وهذه الكتب التي أنزلت قبله ، فانظروا هل في واحد منها أنّ الله أمر باتّخاذ إله سواه؟ فبطل بهذا البيان جواز اتّخاذ معبود غيره من حيث الأمر به ، قال الزّجّاج : قيل لهم : هاتوا برهانكم بأنّ رسولا من الرّسل أخبر أمّته بأنّ لهم إلها غير الله!. قوله تعالى : (بَلْ أَكْثَرُهُمْ) يعني : كفّار مكّة (لا يَعْلَمُونَ الْحَقَ) وفيه قولان : أحدهما : أنه القرآن ، قاله ابن عباس. والثاني : التوحيد ، قاله مقاتل (فَهُمْ مُعْرِضُونَ) عن التّفكّر والتّأمّل وما يجب عليهم من الإيمان.

(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩))

قوله تعالى : (مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي) قرأ حمزة ، والكسائيّ ، وحفص عن عاصم : «إلا نوحي» بالنون ؛ والباقون بالياء. قوله تعالى : (وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً) في القائلين لهذا قولان : أحدهما : أنهم مشركو قريش ، قاله ابن عباس. وقال ابن إسحاق : القائل لهذا النّضر بن الحارث. والثاني : أنهم اليهود قالوا : إنّ الله صاهر الجنّ فكانت منهم الملائكة ، قاله قتادة. فعلى القولين ، المراد بالولد : الملائكة ، وكذلك المراد بقوله : (بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ) ، والمعنى : بل عباد أكرمهم الله واصطفاهم ، (لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ) ، أي : لا يتكلّمون إلّا بما يأمرهم به. وقال ابن قتيبة : لا يقولون حتى يقول ، ثم يقولون عنه ، ولا يعملون حتى يأمرهم. قوله تعالى : (يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) أي : ما قدّموا من الأعمال (وَما خَلْفَهُمْ) ما هم عاملون ، ولا يشفعون يوم القيامة ، وقيل : لا يستغفرون في الدنيا (إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى) أي : لمن رضي عنه ، (وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ) أي : من خشيتهم منه ، فأضيف المصدر إلى المفعول ، (مُشْفِقُونَ) أي : خائفون. وقال الحسن : يرتعدون. (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ) أي : من الملائكة. قال الضّحّاك

١٨٨

في آخرين : هذه خاصة لإبليس ، لم يدع أحد من الملائكة إلى عبادة نفسه سواه ؛ قال أبو سليمان الدّمشقي : وهذا قول من قال : إنه من الملائكة ، فإنّ إبليس قال ذلك للملائكة الذين هبطوا معه إلى الأرض ، ومن قال : إنه ليس من الملائكة ، قال : هذا على وجه التّهديد ، وما قال أحد من الملائكة ذلك.

(أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣))

قوله تعالى : (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي : أولم يعلموا. وقرأ ابن كثير : «ألم ير الذين كفروا» بغير واو بين الألف واللام ، وكذلك هي في مصاحف أهل مكّة ، (أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما) قال أبو عبيدة : السّموات جمع ؛ والأرض واحدة ، فخرجت صفة لفظ الجمع على لفظ صفة الواحد والعرب تفعل هذا إذا أشركوا بين الجمع وبين واحد ؛ والرّتق مصدر يوصف به الواحد والاثنان والجمع والمذكّر والمؤنث سواء ، ومعنى الرّتق : الذي ليس فيه ثقب. قال الزّجّاج : المعنى : كانتا ذواتي رتق ، فجعلناهما ذوات فتق ، وإنما لم يقل : «رتقين» لأنّ الرّتق مصدر. وللمفسّرين في المراد به ثلاثة أقوال : أحدها : أنّ السموات كانت رتقا لا تمطر ، وكانت الأرض رتقا لا تنبت ، ففتق هذه بالمطر ، وهذه بالنبات ، رواه عبد الله بن دينار عن ابن عباس ، وبه قال عطاء ، وعكرمة ، ومجاهد في رواية ، والضّحّاك في آخرين. والثاني : أنّ السموات والأرض كانتا ملتصقتين ، ففتقهما الله تعالى ، رواه العوفيّ عن ابن عباس ، وبه قال الحسن ، وسعيد بن جبير ، وقتادة. والثالث : أنّه فتق من الأرض ستّ أرضين فصارت سبعا ، ومن السماء ستّ سموات فصارت سبعا ، رواه السّدّيّ عن أشياخه ، وابن أبي نجيح عن مجاهد.

قوله تعالى : (وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ) وقرأ معاذ القارئ وابن أبي عبلة وحميد بن قيس : «كلّ شيء حيّا» بالنصب. وفي هذا الماء قولان : أحدهما : أنه الماء المعروف ، والمعنى : جعلنا الماء سببا لحياة كلّ حيّ ، قاله الأكثرون. والثاني : أنه النّطفة ، قاله أبو العالية.

قوله تعالى : (وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ) قد فسّرناه في سورة النّحل (١). قوله تعالى : (وَجَعَلْنا فِيها) أي : في الرّواسي (فِجاجاً) ، قال أبو عبيدة : هي المسالك. قال الزّجّاج : الفجاج جمع فجّ ، وهو كلّ منخرق بين جبلين ، ومعنى (سُبُلاً) طرقا. قال ابن عباس : جعلنا من الجبال طرقا كي تهتدوا إلى مقاصدكم في الأسفار. قال المفسّرون. وقوله : (سُبُلاً) تفسير للفجاج ، وبيان أنّ تلك الفجاج نافذة مسلوكة ، فقد يكون الفجّ غير نافذ. (وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً) أي : هي للأرض كالسّقف. وفي معنى (مَحْفُوظاً) قولان : أحدهما : بالنّجوم من الشياطين ، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني : محفوظا من الوقوع إلّا بإذن الله ، قاله الزّجّاج.

__________________

(١) سورة النحل : ١٥.

١٨٩

قوله تعالى : (وَهُمْ) يعني : كفّار مكّة (عَنْ آياتِها) أي : شمسها وقمرها ونجومها ، قال الفرّاء : وقرأ مجاهد : «عن آيتها» فوحّد ، فجعل السماء بما فيها آية ؛ وكلّ صواب.

قوله تعالى : (كُلٌ) يعني : الطوالع (فِي فَلَكٍ) قال ابن قتيبة : الفلك : مدار النجوم الذي يضمّها ، وسمّاه فلكا ، لاستدارته ، ومنه قيل : فلكة المغزل ، وقد فلك ثدي المرأة. قال أبو سليمان : وقيل : إنّ الفلك ـ كهيئة السّاقية من ماء ـ مستديرة دون السماء وتحت الأرض ، فالأرض وسطها والشمس والقمر والنجوم والليل والنهار يجرون في الفلك ، وليس الفلك يديرها. ومعنى «يسبحون» : يجرون. قال الفرّاء : لمّا كانت السّباحة من أفعال الآدميين ، ذكرت بالنون ، كقوله : (رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ) (١) لأنّ السّجود من أفعال الآدميين.

(وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٣٥) وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (٣٦))

قوله تعالى : (وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ) سبب نزولها أنّ ناسا قالوا : إنّ محمّدا لا يموت ، فنزلت هذه الآية ، قاله مقاتل. ومعنى الآية ما خلّدنا قبلك أحدا من بني آدم ؛ والخلد : البقاء الدّائم. (أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ) يعني مشركي مكّة ، لأنهم قالوا : (نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ) (٢). قوله تعالى : (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ) قال ابن زيد : نختبركم بما تحبّون لننظر كيف شكركم ، وبما تكرهون لننظر كيف صبركم. قوله تعالى : (وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ) قرأ ابن عامر : «ترجعون» بتاء مفتوحة. وروى ابن عباس عن أبي عمرو : «يرجعون» بياء مضمومة. وقرأ الباقون ترجعون بتاء مضمومة. قوله تعالى : (وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا) قال ابن عباس : يعني المستهزئين ، وقال السّدّيّ : نزلت في أبي جهل ، مرّ به رسول الله ، فضحك وقال : هذا نبيّ بني عبد مناف. و (إِنْ) بمعنى «ما» ، ومعنى (هُزُواً) مهزوءا به (أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ) أي : يعيب أصنامكم ، وفيه إضمار «يقولون» ، (وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ) وذلك أنهم قالوا : ما نعرف الرّحمن ، فكفروا بالرّحمن.

(خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤١))

قوله تعالى : (خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ) وقرأ أبو رزين العقيلي ، ومجاهد ، والضّحّاك ؛ «خلق الإنسان» بفتح الخاء واللام ونصب النون. وهذه الآية نزلت حين استعجلت قريش بالعذاب.

وفي المراد بالإنسان ها هنا ثلاثة أقوال : أحدها : النضر بن الحارث ، وهو الذي قال : (اللهُمَّ إِنْ

__________________

(١) سورة يوسف : ٤.

(٢) سورة الطور : ٤٠.

١٩٠

 كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ) (١) ، رواه عطاء عن ابن عباس. والثاني : آدم عليه‌السلام ، قاله سعيد بن جبير ، والسّدّيّ في آخرين. والثالث : أنه اسم جنس ، قاله عليّ بن أحمد النّيسابوري ؛ فعلى هذا يدخل النّضر بن الحارث وغيره في هذا وإن كانت الآية نزلت فيه.

فأمّا من قال : أريد به آدم ، ففي معنى الكلام قولان : أحدهما : أنه خلق عجولا ، قاله الأكثرون. فعلى هذا يقول : لمّا طبع آدم على هذا المعنى ، وجد في أولاده ، وأورثهم العجل. والثاني : خلق بعجل ، استعجل بخلقه قبل غروب الشمس من يوم الجمعة ، وهو آخر الأيام الستة ، قاله مجاهد. فأمّا من قال : هو اسم جنس ، ففي معنى الكلام قولان : أحدهما : خلق عجولا ؛ قال الزّجّاج : خوطبت العرب بما تعقل ، والعرب تقول للذي يكثر منه اللعب : إنما خلقت من لعب ، يريدون المبالغة في وصفه بذلك. والثاني : أنّ في الكلام تقديما وتأخيرا ، والمعنى : خلقت العجلة في الإنسان ، قاله ابن قتيبة.

قوله تعالى : (سَأُرِيكُمْ آياتِي) فيه قولان : أحدهما : ما أصاب الأمم المتقدّمة ؛ والمعنى : أنكم تسافرون فترون آثار الهلاك في الماضين ، قاله ابن السّائب. والثاني : أنها القتل ببدر ، قاله مقاتل. قوله تعالى : (فَلا تَسْتَعْجِلُونِ) أثبت الياء في الحالتين يعقوب.

قوله تعالى : (وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ) يعنون : القيامة. (لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) جوابه محذوف ، والمعنى : لو علموا صدق الوعد ما استعجلوا ، (حِينَ لا يَكُفُّونَ) أي : لا يدفعون (عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ) إذا دخلوا (وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ) لإحاطتها بهم (وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) أي : يمنعون مما نزل بهم ، (بَلْ تَأْتِيهِمْ) يعني : الساعة (بَغْتَةً) فجأة (فَتَبْهَتُهُمْ) تحيّرهم ؛ وقد شرحنا هذا عند قوله : (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) (٢) (فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها) أي : صرفها عنهم ، ولا هم يمهلون لتوبة أو معذرة. ثم عزّى نبيّه ، فقال : (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) أي : كما فعل بك قومك (فَحاقَ) أي : نزل (بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ) أي : من الرّسل (ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) يعني : العذاب الذي كانوا استهزءوا به.

(قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣) بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (٤٤) قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٤٦))

قوله تعالى : (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ) المعنى : قل لهؤلاء المستعجلين بالعذاب : من يحفظكم من بأس الرّحمن إن أراد إنزاله بكم؟ وهذا استفهام إنكار ، أي : لا أحد يفعل ذلك ، (بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ) أي : عن كلامه ومواعظه (مُعْرِضُونَ) لا يتفكّرون ولا يعتبرون. (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ

__________________

(١) سورة الأنفال : ٣٢.

(٢) سورة البقرة : ٢٥٨.

١٩١

دُونِنا) فيه تقديم وتأخير ، وتقديره : أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم؟ وها هنا تمّ الكلام. ثمّ وصف آلهتهم بالضّعف ، فقال : (لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ) والمعنى : من لا يقدر على نصر نفسه عمّا يراد به ، فكيف ينصر غيره؟! قوله تعالى : (وَلا هُمْ) في المشار إليهم قولان : أحدهما : أنهم الكفّار ، وهو قول ابن عباس. والثاني : أنهم الأصنام ، قاله قتادة. وفي معنى (يُصْحَبُونَ) أربعة أقوال : أحدها : يجارون ، رواه العوفيّ عن ابن عباس. قال ابن قتيبة : والمعنى : لا يجيرهم منّا أحد ، لأنّ المجير صاحب لجاره. والثاني : يمنعون ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث : ينصرون ، قاله مجاهد. والرابع : لا يصحبون بخير ، قاله قتادة.

ثم بيّن اغترارهم بالإهمال ، فقال : (بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ) يعني أهل مكّة (حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ) فاغترّوا بذلك ، (أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها) قد شرحناه في الرّعد (١) (أَفَهُمُ الْغالِبُونَ) أي : مع هذه الحال ، وهو نقص الأرض ، والمعنى : ليسوا بغالبين ، ولكنّهم المغلوبون. (قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ) أي : أخوفكم (بِالْوَحْيِ) أي : بالقرآن ، والمعنى : إنني ما جئت به من تلقاء نفسي ، إنما أمرت فبلّغت. (وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ) وقرأ ابن عامر : «ولا تسمع» بالتاء مضمومة «الصّمّ» نصبا. وقرأ ابن يعمر ، والحسن : «ولا يسمع» بضمّ الياء وفتح الميم «الصمّ» بضمّ الميم. شبّه الكفّار بالصمّ الذين لا يسمعون نداء مناديهم ؛ ووجه التشبيه أنّ هؤلاء لم ينتفعوا بما سمعوا ، كالصمّ لا يفيدهم صوت مناديهم. (وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ) أي : أصابتهم (نَفْحَةٌ) قال ابن عباس : طرف. وقال الزّجّاج : المراد أدنى شيء من العذاب ، (لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا) والويل ينادي به كلّ من وقع في هلكة.

(وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧))

قوله تعالى : (وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ) قال الزّجّاج : المعنى : ونضع الموازين ذوات القسط ، والقسط : العدل ، وهو مصدر يوصف به ، يقال : ميزان قسط ، وميزانان قسط ، وموازين قسط. قال الفرّاء : القسط من صفة الموازين وإن كان موحّدا ، كما تقول : أنتم عدل ، وأنتم رضى. وقوله تعالى : (لِيَوْمِ الْقِيامَةِ) و «في يوم القيامة» سواء. وقد ذكرنا الكلام في الميزان في أوّل الأعراف (٢). فإن قيل : إذا كان الميزان واحدا ، فما المعنى بذكر الموازين؟ فالجواب : أنه لمّا كانت أعمال الخلائق توزن وزنة بعد وزنة ، سمّيت موازين.

قوله تعالى : (فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً) أي : لا ينقص محسن من إحسانه ، ولا يزاد مسيء على إساءته (وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ) أي : وزن حبّة. وقرأ نافع : «مثقال» برفع اللام. قال الزّجّاج : ونصب «مثقال» على معنى : وإن كان العمل مثقال حبّة. وقال أبو عليّ الفارسيّ : وإن كان الظّلامة مثقال حبّة ، لقوله تعالى : (فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً»). قال : ومن رفع ، أسند الفعل إلى المثقال ، كما أسند في قوله تعالى : (وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ) (٣).

__________________

(١) سورة الرعد : ٤١.

(٢) سورة الأعراف : ٨.

(٣) سورة البقرة : ٢٨٠.

١٩٢

قوله تعالى : (أَتَيْنا بِها) أي : جئنا بها ، وقرأ ابن عباس ، ومجاهد ، وحميد : «آتينا بها» ممدودة ، أي : جازينا بها. قوله تعالى : (وَكَفى بِنا حاسِبِينَ) قال الزّجّاج : هو منصوب على وجهين أحدهما : التّمييز ؛ والثاني : الحال.

(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠))

قوله تعالى : (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ) فيه ثلاثة أقوال (١) : أحدها : التّوراة التي فرّق بها بين الحلال والحرام ، قاله مجاهد ، وقتادة. والثاني : البرهان الذي فرّق به بين حقّ موسى وباطل فرعون ، قاله ابن زيد. والثالث : النّصر والنّجاة لموسى ، وإهلاك فرعون ، قاله ابن السّائب. قوله تعالى : (وَضِياءً) روى عكرمة عن ابن عباس أنه كان يرى الواو زائدة ؛ قال الزّجّاج : وكذلك قال بعض النّحويين أنّ المعنى : الفرقان ضياء ، وعند البصريّين : أنّ الواو لا تزاد ولا تأتي إلّا بمعنى العطف ، فهي ها هنا مثل قوله تعالى : (فِيها هُدىً وَنُورٌ) (٢) قال المفسّرون : والمعنى أنهم استضاءوا بالتّوراة حتى اهتدوا بها في دينهم. ومعنى قوله تعالى : (وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ) أنهم يذكرونه ويعملون بما فيه. (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) فيه أربعة أقوال : أحدها : يخافونه ولم يروه ، قاله الجمهور. والثاني : يخشون عذابه ولم يروه ، قاله مقاتل. والثالث : يخافونه من حيث لا يراهم أحد ، قاله الزّجّاج. والرابع : يخافونه إذا غابوا عن أعين الناس كخوفهم له إذا كانوا بين الناس ، قاله أبو سليمان الدّمشقي. ثم عاد إلى ذكر القرآن ، فقال : (وَهذا) يعني : القرآن (ذِكْرٌ) لمن تذكّر به ، وعظة لمن اتّعظ (مُبارَكٌ) أي : كثير الخير (أَفَأَنْتُمْ) يا أهل مكّة (لَهُ مُنْكِرُونَ) أي : جاحدون؟! وهذا استفهام توبيخ.

(وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ (٥١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (٥٢) قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (٥٣) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٥٤) قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ (٥٥) قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨))

قوله تعالى : (وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ) أي : هداه (مِنْ قَبْلُ) وفيه ثلاثة أقوال (٣) :

__________________

(١) قال ابن كثير رحمه‌الله في «تفسيره» ٣ / ٢٢٩ : وجامع القول في ذلك أن الكتب السماوية تشتمل على التفرقة بين الحق والباطل ، والهدي والضلال ، والغيّ والرشاد ، والحلال والحرام وعلى ما يحصل نورا في القلوب ، وهداية وخوفا وإنابة وخشية ولهذا قال : (الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ) أي : تذكيرا لهم وعظة.

(٢) سورة المائدة : ٤٤.

(٣) قال القرطبي في «تفسيره» ٧ / ٢٧ : قال النحاس : ومن أحسن ما قيل في هذا ما صح عن ابن عباس أنه قال في قول الله عزوجل : (نُورٌ عَلى نُورٍ) قال : كذلك قلب المؤمن يعرف الله عزوجل ويستدل عليه بقلبه ، فإذا عرفه ازداد نورا على نور ، وكذا إبراهيم عليه‌السلام عرف الله عزوجل بقلبه واستدل عليه بدلائله ، فعلم أن له

١٩٣

أحدها : من قبل بلوغه ، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني : آتيناه ذلك في العلم السّابق ، قاله الضّحّاك عن ابن عباس. والثالث : من قبل موسى وهارون ، قاله الضّحّاك. وقد أشرنا إلى قصة إبراهيم في الأنعام (١). قوله تعالى : (وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ) أي : علمنا أنه موضع لإيتاء الرّشد. ثم بيّن متى آتاه فقال : (إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ) يعني : الأصنام ، والتّمثال : اسم للشيء المصنوع مشبّها بخلق من خلق الله تعالى ، وأصله من مثّلث الشيء بالشيء : إذا شبّهته به ، وفي قوله تعالى : (الَّتِي أَنْتُمْ لَها) أي : على عبادتها (عاكِفُونَ) أي : مقيمون ، فأجابوه أنهم رأوا آباءهم يعبدونها فاقتدوا بهم فأجابهم بأنهم فيما فعلوا وآباءهم في ضلال مبين ، (قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِ). ينون : أجادّ أنت ، أم لاعب؟! قوله تعالى : (لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ) الكيد : احتيال الكائد في ضرّ المكيد. والمفسّرون يقولون : لأكيدنّها بالكسر (بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا) أي : تذهبوا عنها ، وكان لهم عيد في كلّ سنة يخرجون إليه ولا يخلّفون بالمدينة أحدا ، فقالوا لإبراهيم : لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا ، فخرج معهم ، فلمّا كان ببعض الطريق ، قال : إني سقيم ، وألقى نفسه ، وقال سرّا منهم : «وتالله لأكيدنّ أصنامكم» ، فسمعه رجل منهم ، فأفشاه عليه ، فرجع إلى بيت الأصنام ، وكانت ـ فيما ذكره مقاتل بن سليمان ـ اثنين وسبعين صنما من ذهب وفضّة ونحاس وحديد وخشب ، فكسّرها ، ثم وضع الفأس في عنق الصّنم الكبير ، فذلك قوله : (فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً) قرأ الأكثرون : «جذاذا» بضمّ الجيم. وقرأ أبو بكر الصّدّيق ، وابن مسعود ، وأبو رزين ، وقتادة ، وابن محيصن ، والأعمش ، والكسائيّ : «جذاذا» بكسر الجيم. وقرأ أبو رجاء العطاردي ، وأيّوب السّختيانيّ ، وعاصم الجحدريّ : «جذاذا» بفتح الجيم. وقرأ الضّحّاك ، وابن يعمر : «جذاذا» بفتح الجيم من غير ألف. وقرأ معاذ القارئ ، وأبو حيوة ، وابن وثّاب : «جذذا» بضم الجيم منن غير ألف. قال أبو عبيدة : أي : مستأصلين ، قال جرير :

بني المهلّب جذّ الله دابرهم

أمسوا رمادا فلا أصل ولا طرف (٢)

أي : لم يبق منهم شيء ، ولفظ «جذاذ» يقع على الواحد والاثنين والجميع من المذكّر والمؤنّث. وقال ابن قتيبة : «جذاذا» أي : فتاتا ، وكلّ شيء كسرته فقد جذذته ، ومنه قيل للسّويق : الجذيذ. وقرأ الكسائيّ : «جذاذا» بكسر الجيم على أنه جمع جذيذ ، مثل ثقيل وثقال ، وخفيف وخفاف. والجذيذ بمعنى : المجذوذ ، وهو المكسور. (إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ) أي : كسر الأصنام إلّا أكبرها. قال الزّجّاج :

__________________

ربا وخالقا. وقال ابن كثير رحمه‌الله ٣ / ٢٢٩ : يخبر الله تعالى عن خليله إبراهيم أنه آتاه رشده من قبل أي : من صغره ألهمه الحق والحجّة على قومه ، كما قال (وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ) وقوله : (وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ) أي : وكان أهلا لذلك. والرشد الذي أوتيه من صغره ، الإنكار على قومه عبادة الأصنام من دون الله عزوجل. قال الزمخشري في «الكشاف» ٣ / ١٢٢ : ومعنى علمه به : أنه علم منه أحوالا بديعة وأسرارا عجيبة وصفات قد رضيها وأحمدها ، حتى أهله لمخالّته ومخالصته. وفي قوله : (لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) يقبح التقليد والقول المتقبل بغير برهان ، فما أعظم كيد الشيطان للمقلدين حين استدرجهم إلى أن قلدوا آباءهم في عبادة التماثيل ، وهم معتقدون أنهم على شيء ، وجادّون في نصرة مذهبهم ، ومجادلون لأهل الحق عن باطلهم ، وكفى أهل التقليد سبة أن عبدة الأصنام منهم.

(١) سورة الأنعام : ٧٥.

(٢) البيت في ديوانه : ٣٩٠ و «الكامل» : ٥١٠. وفي «اللسان» : طرف القوم : رئيسهم.

١٩٤

جائز أن يكون أكبرها في ذاته ، وجائز أن يكون أكبرها عندهم في تعظيمهم إيّاه ، (لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) ، في هاء الكناية قولان : أحدهما : أنها ترجع إلى الصّنم ، ثم فيه قولان : أحدهما : لعلّهم يرجعون إليه فيشاهدونه ، هذا قول مقاتل. والثاني : لعلّهم يرجعون إليه بالتّهمة ، حكاه أبو سليمان الدّمشقي. والثاني : أنها ترجع إلى إبراهيم. والمعنى : لعلّهم يرجعون إلى دين إبراهيم بوجوب الحجّة عليهم ، قاله الزّجّاج.

(قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (٦٠) قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (٦٢) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣))

فلمّا رجعوا من عيدهم ونظروا إلى آلهتهم (قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ) أي : قد فعل ما لم يكن له فعله ، فقال الذي سمع إبراهيم يقول : «لأكيدن أصنامكم» : (سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ) قال الفرّاء : أي يعيبهم ؛ تقول للرجل : لئن ذكرتني لتندمنّ ، تريد : بسوء.

قوله تعالى : (فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ) أي : بمرأى منهم (١) ، لا تأتوا به خفية. قال أبو عبيدة : تقول العرب إذا أظهر الأمر وشهر : كان ذلك على أعين الناس.

قوله تعالى : (لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) فيه ثلاثة أقوال (٢) : أحدها : يشهدون أنه قال لآلهتنا ما قال ، رواه أبو صالح عن ابن عباس ، وبه قال الحسن ، وقتادة. والثاني : يشهدون أنه فعل ذلك ، قاله السّدّيّ. والثالث : يشهدون عقابه وما يصنع به ، قاله محمّد بن إسحاق.

قال المفسّرون : فانطلقوا به إلى نمرود ، فقال له : (أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (٦٢) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا) غضب أن تعبد معه الصّغار ، فكسرها ، (فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ) من فعله بهم؟! وهذا إلزام للحجّة عليهم بأنهم جماد لا يقدرون على النّطق.

واختلف العلماء في وجه هذا القول من إبراهيم عليه‌السلام على قولين : أحدهما : أنه وإن كان في صورة الكذب ، إلّا أنّ المراد به التّنبيه على أنّ من لا قدرة له ، لا يصلح أن يكون إلها ، ومثله قول الملكين لداود : (إِنَّ هذا أَخِي) ولم يكن أخاه (لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً) (٣) ، ولم يكن له شيء ، فجرى هذا مجرى التّنبيه لداود على ما فعل ، أنه هو المراد بالفعل والمثل المضروب ؛ ومثل هذا لا تسمّيه العرب كذبا. والثاني : أنه من معاريض الكلام ؛ فروي عن الكسائيّ أنه كان يقف عند قوله تعالى : (بَلْ فَعَلَهُ) ويقول : معناه : فعله من فعله ، ثم يبتدئ (كَبِيرُهُمْ هذا). قال الفرّاء : وقرأ بعضهم : «بل فعله»

__________________

(١) قال ابن كثير رحمه‌الله ٣ / ٢٣١ : وقوله : (فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ) أي : على رؤوس الأشهاد في الملأ الأكبر بحضرة الناس كلهم ، وكان هذا هو المقصود الأكبر لإبراهيم أن يبين في هذا المحفل العظيم كثرة جهلهم وقلة عقولهم في عبادة هذه الأصنام ، التي لا تدفع عن نفسها ضرا.

(٢) قال القرطبي رحمه‌الله في «تفسيره» ١١ / ٢٦٢ : (لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) طعنه على آلهتهم ليعلموا أنه يستحق العقاب. قلت : وفي هذا دليل على أنه كان لا يؤاخذ أحد بدعوى أحد.

(٣) سورة ص : ٢٣.

١٩٥

بتشديد اللام ، يريد : بل فلعله كبيرهم هذا. وقال ابن قتيبة : هذا من المعاريض ، ومعناه : إن كانوا ينطقون ، فقد فعله كبيرهم ، وكذلك قوله : (إِنِّي سَقِيمٌ) (١) أي سأسقم ، ومثله : (إِنَّكَ مَيِّتٌ) (٢) أي : ستموت ، وقوله : (لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ) (٣) قال ابن عباس : لم ينس ، ولكنه من معاريض الكلام ، والمعنى : لا تؤاخذني بنسياني ، ومن هذا قصة الخصمين (إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ) (٤) ، ومثله : (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً) (٥) ، والعرب تستعمل التّعريض في كلامها كثيرا ، فتبلغ إرادتها بوجه هو ألطف من الكشف وأحسن من التّصريح. وروي أنّ قوما من الأعراب خرجوا يمتارون ، فلمّا صدروا ، خالف رجل في بعض الليل إلى عكم (٦) صاحبه ، فأخذ منه برّا وجعله في عكمه ، فلما أراد الرّحلة وقاما يتعاكمان ، رأى عكمه يشول ، وعكم صاحبه يثقل ، فأنشأ يقول :

عكم تغشّى بعض أعكام القوم

لم أر عكما سارقا قبل اليوم

فخوّن صاحبه بوجه هو ألطف من التّصريح. قال ابن الأنباري : كلام إبراهيم كان صدقا عند البحث ، ومعنى قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم :

(٩٨٣) «كذب إبراهيم ثلاث كذبات» : قال قولا يشبه الكذب في الظاهر ، وليس بكذب ، قال المصنّف : وقد ذهب جماعة من العلماء إلى هذا الوجه ، وأنه من المعاريض ، والمعاريض لا تذمّ ، خصوصا إذا احتيج إليها.

(٩٨٤) روى عمران بن حصين ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنّ في المعاريض لمندوحة عن

____________________________________

(٩٨٣) صحيح. أخرجه البخاري ٣٣٥٧ ومسلم ٢٣٧١ وأبو داود ٢٢١٢ وأحمد ٢ / ٤٠٣ ـ ٤٠٤ والترمذي ٣١٦٦ وابن حبان ٥٧٣٧ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لم يكذب إبراهيم عليه‌السلام قط إلا ثلاث كذبات. ثنتين في ذات الله. قوله : إني سقيم. وقوله : بل فعله كبيرهم هذا. وواحدة في شأن سارة. فإنه قدم أرض جبار ومعه سارة. وكانت أحسن الناس. فقال لها : إن هذا الجبار ، إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك فإن سألك فأخبريه أنك أختي. فإنك أختي في الإسلام. فإني لا أعلم في الأرض مسلما غيري وغيرك. فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبّار. فأتاه فقال له : لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك. فأرسل إليها فأتي بها. فقام إبراهيم عليه‌السلام إلى الصلاة. فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها. فقبضت يده قبضة شديدة. فقال لها : ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرّك. ففعلت. فعاد. فقبضت أشد من القبضة الأولى. فقال لها مثل ذلك. ففعلت. فعاد. فقبضت أشدّ من القبضتين الأوليين. فقال : ادعي الله أن يطلق يدي. فلك الله أن لا أضرك. ففعلت. وأطلقت يده. ودعا الذي جاء بها فقال له : إنك إنما أتيتني بشيطان. ولم تأتني بإنسان. فأخرجها من أرضي. وأعطها هاجر. قال : فأقبلت تمشي. فلما رآها إبراهيم عليه‌السلام انصرف. فقال لها : مهيم؟ قالت : خيرا. كفّ الله يد الفاجر. وأخدم خادما. قال أبو هريرة : فتلك أمكم يا بني ماء السماء. لفظ مسلم. وأخرجه البخاري ٣٣٥٨ و ٥٠٨٤ والبيهقي ٧ / ٣٦٦ عن أبي هريرة موقوفا.

(٩٨٤) أخرجه القضاعي في «مسند الشهاب» ١٠١١ وأبو الشيخ في «الأمثال» ٢٣٠ والحافظ في «الفتح» ١٠ / ٥٩٤

__________________

(١) سورة الصافات : ٨٩.

(٢) سورة الزمر : ٣٠.

(٣) سورة الكهف : ٧٤.

(٤) سورة ص : ٢١.

(٥) سورة سبأ : ٢٤.

(٦) في «اللسان» : العكم : العدل ما دام فيه المتاع ، وعكم المتاع : شدّه بثوب وهو أن يبسطه ويجعل فيه المتاع ويشدّه ، ويسمّى حينئذ عكما.

١٩٦

الكذب» ، وقال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه : ما يسرّني أنّ لي بما أعلم من معاريض القول مثل أهلي ومالي ، وقال النّخعيّ ، لهم كلام يتكلّمون به إذا خشوا من شيء يدرؤون به عن أنفسهم. وقال ابن سيرين : الكلام أوسع من أن يكذب ظريف.

(٩٨٥) وقد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعجوز : «إنّ الجنّة لا يدخلها العجائز» ، أراد قوله تعالى : (إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً) (١).

(٩٨٦) وروي عنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه كان يمازح بلالا ، فيقول : «ما أخت خالك منك»؟

(٩٨٧) وقال لامرأة : «من زوجك»؟ فسمّته له ، فقال : «الذي في عينيه بياض»؟

(٩٨٨) وقال لرجل : «إنّا حاملوك على ولد ناقة».

(٩٨٩) وقال العباس : ما ترجو لأبي طالب؟ فقال : «كلّ خير أرجوه من ربّي».

____________________________________

وابن عدي في «الكامل» ٣ / ٩٦ والديلمي من حديث عمران بن حصين ، وفيه داود بن الزبرقان قال عنه ابن عدي : هو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم ، وقال في موضع آخر : لا أعلم أحدا رفعه غير داود اه وقال الذهبي في «المغني» : هو متروك. وأخرجه البخاري في «الأدب المفرد» ٨٨٤ عن عمران موقوفا ، وعن عمر مثله ، فالمرفوع وإن كان ضعيفا إلا أنه يتقوى بالموقوف ، والله أعلم ، وانظر «المقاصد الحسنة» ٢٢٧. و «تفسير القرطبي» ٣٦٩٩.

(٩٨٥) ضعيف. بهذا اللفظ وذكر الآية. ورد من مرسل الحسن. وله ثلاث علل : الأولى : الإرسال ، والثانية : المبارك بن فضالة غير قوي ، والثالثة : مراسيل الحسن واهية لأنه كان يحدث عن كل أحد. أخرجه الترمذي في «الشمائل» ٢٤٠ والبغوي في «الأنوار» ٣٢٠ والبيهقي في «البعث» ٣٨٢ عن ابن فضالة عن الحسن.

ـ وله شاهد من حديث عائشة : أخرجه الطبراني في «الأوسط» ٥٥٤١ وأبو نعيم في «صفة الجنة» ٣٩١. من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن ابن طارق عن مسعدة عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عائشة. واسم طارق عند الطبراني «أحمد» أما عند أبي نعيم «محمد». قال الهيثمي في «المجمع» ١٠ / ٤١٩ وفيه مسعدة بن اليسع ، وهو ضعيف. قلت : بل هو ضعيف جدا. قال الذهبي في «الميزان» ٤ / ٩٨ : هالك ، كذبه أبو داود ، وقال أحمد : خرقنا حديثه منذ دهر.

وأخرجه أبو نعيم في «أخبار أصبهان» ٢ / ١٤٢ والبيهقي في (٣٧٩) وأبو الشيخ في «أخلاق النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم» ١٨٦ من طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن عائشة. وليث ضعيف. وذكر ابن حجر في «تخريج الكشاف» ٤ / ٤٦٢ هذه الطرق وقال : كلها ضعيفة. وله شاهد من حديث أنس. أخرجه ابن الجوزي في «الوفاء» كما في «تخريج الإحياء» ٣ / ١٢٩. قال العراقي : وأسنده ابن الجوزي من حديث أنس بسند ضعيف. الخلاصة : لا يصح هذا الحديث بهذا اللفظ مع ذكر الآية الكريمة على أنه مرفوع ، والله أعلم.

(٩٨٦) لم أره مسندا بعد ، فلينظر.

(٩٨٧) ضعيف ، عزاه الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء» ٣ / ١٢٩ للزبير بن بكر في كتاب «الفكاهة والمزاح» عن زيد بن أسلم به ، وهذا مرسل ، فهو ضعيف.

(٩٨٨) صحيح ، أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» ٢٦٨ وأبو داود ٤٩٩٨ والترمذي ١٩٩٢ والبغوي في «الأنوار» ٣١٦ من حديث أنس بن مالك قال : جاء رجل إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يستحمله. فقال : «إنا حاملوك على ولد الناقة» قال : يا رسول الله! وما أصنع بولد الناقة؟ فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «وهل تلد الإبل إلا النوق». وإسناده صحيح.

(٩٨٩) ضعيف. أخرجه ابن سعد في «الطبقات» ١ / ١٠٠ بسند حسن عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث به مرسلا ،

__________________

(١) سورة الواقعة : ٣٥.

١٩٧

(٩٩٠) وكان أبو بكر حين خرج من الغار مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا سأله أحد : من هذا بين يديك؟ يقول : هاد يهديني.

(٩٩١) وكانت امرأة ابن رواحة قد رأته مع جارية له ، فقالت له : وعلى فراشي أيضا؟! فجحد ، فقالت له : فاقرأ القرآن ، فقال :

وفينا رسول الله يتلو كتابه

إذا انشقّ مشهور من الصّبح طالع

يبيت يجافي جنبه عن فراشه

إذا استثقلت بالكافرين المضاجع

فقالت : آمنت بالله وكذّبت بصري ، فأتى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأخبره ، فضحك وأعجبه ما صنع.

وعرض شريح ناقة ليبيعها فقال له المشتري : كيف لبنها؟ قال : احلب في أيّ إناء شئت ، قال : كيف الوطاء؟ قال : افرش ونم ، قال : كيف نجاؤها (١)؟ قال : إذا رأيتها في الإبل عرفت مكانها ، علّق سوطك وسر ، قال : كيف قوّتها؟ قال : احمل على الحائط ما شئت ؛ فاشتراها فلم ير شيئا ممّا وصف ، فرجع إليه ، فقال : لم أر فيها شيئا ممّا وصفتها به ، قال : ما كذبتك ، قال : أقلني ، قال : نعم. وخرج شريح من عند زياد وهو مريض ، فقيل له : كيف وجدت الأمير؟ قال : تركته يأمر وينهى ، فقيل له : ما معنى يأمر وينهى؟ قال : يأمر بالوصيّة ، وينهى عن النّوح. وأخذ محمد بن يوسف حجرا المداريّ فقال : العن عليّا ، فقال : إنّ الأمير أمرني أن ألعن عليّا محمد بن يوسف ، فالعنوه ، لعنه الله. وأمر بعض الأمراء صعصعة بن صوحان بلعن عليّ ، فقال : لعن الله من لعن الله ولعن عليّ ، ثم قال : إنّ هذا الأمير قد أبى إلّا أن ألعن عليّا ، فالعنوه ، لعنه الله. وامتحنت الخوارج رجلا من الشّيعة ، فجعل يقول : أنا من عليّ ومن عثمان بريء. وخطب رجل امرأة وتحته أخرى ، فقالوا : لا نزوّجك حتى تطلّق امرأتك! فقال : اشهدوا أنّي قد طلّقت ثلاثا ، فزوّجوه ، فأقام مع المرأة الأولى ، فادّعوا أنه قد طلّق ، فقال : أما تعلمون أنه كان تحتي فلانة فطلّقتها ، ثم فلانة فطلّقتها. ثم فلانة فطلّقتها؟ قالوا : بلى ، قال : فقد طلّقت ثلاثا (٢). وحكي أنّ رجلا عثر به الطّائف ليلة ، فقال له : من أنت؟ فقال :

____________________________________

والمرسل من قسم الضعيف.

(٩٩٠) ضعيف. أخرجه البيهقي في «الدلائل» ٢ / ٤٨٩ من طريق أبي معشر عن أبي وهب مولى أبي هريرة عن أبي هريرة به مرفوعا ، وهو طرف حديث. وإسناده ضعيف لضعف أبي معشر ، واسمه نجيح السندي.

(٩٩١) لم أره مسندا بهذا اللفظ.

__________________

(١) في «اللسان» : نجأ الشيء : أصابه بالعين. والنّجأة : شدة النظر.

(٢) قال الإمام الموفق رحمه‌الله في «المغني» ١٠ / ٣٧٨ : مسألة : ولو قيل له : ألك امرأة؟ فقال : لا. وأراد به الكذب ، لم يلزمه شيء. ولو قال : قد طلقتها. وأراد به الكذب ، لزمه الطلاق. وقد طلقت. لأن لفظ الطلاق صريح ، يقع به الطلاق من غير نية. وإن قال خليتها أو أبنتها افتقر إلى النية ؛ لأنه كناية لا يقع به الطلاق من غير نية. وإن قيل له : أطلقت امرأتك؟ فقال : نعم. أو قيل له : امرأتك طالق؟ فقال : نعم. طلقت امرأته ، وإن لم ينو. وهذا الصحيح من مذهب الشافعي ، واختيار المزني لأن نعم صريح الجواب. والجواب الصريح للفظ الصريح صريح. وإن قيل له : طلّقت امرأتك؟ فقال : قد كان بعض ذلك. ثم قال : إنما أردت أنّي طلقتها في نكاح آخر. دين فيما بينه وبين الله تعالى ، فأما في الحكم ، فإن لم يكن ذلك وجد منه ، لم يقبل ، لأنه لا يحتمل ما قاله. وإن كان وجد ، فعلى وجهين.

١٩٨

أنا ابن الذي لا ينزل الدّهر قدره

وإن نزلت يوما فسوف تعود

ترى الناس أفواجا إلى ضوء ناره

فمنهم قيام حولها وقعود

فظنّ الطّائف أنه ابن بعض أشراف البصرة ، فلمّا أصبح سأل عنه ، فإذا هو ابن باقلّائي. ومثل هذا كثير.

(فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٧))

قوله تعالى : (فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ) فيه قولان : أحدهما : رجع بعضهم إلى بعض. والثاني : رجع كلّ منهم إلى نفسه متفكّرا.

قوله تعالى : (فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) فيه خمسة أقوال : أحدها : حين عبدتم من لا يتكلّم ، قاله ابن عباس. والثاني : حين تتركون آلهتكم وحدها ، وتذهبون ، قاله وهب بن منبّه. والثالث : في عبادة هذه الأصاغر مع هذا الكبير ، روي عن وهب أيضا. والرابع : لإبراهيم حين اتّهمتموه والفأس في يد كبير الأصنام ، قاله ابن إسحاق ، ومقاتل. والخامس : أنتم ظالمون لإبراهيم حين سألتموه ، وهذه أصنامكم حاضرة ، فاسألوها ، ذكره ابن جرير.

قوله تعالى : (ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ) وقرأ أبو رزين العقيلي ، وابن أبي عبلة ، وأبو حيوة : «نكسوا» برفع النون وكسر الكاف مشدّدة. وقرأ سعيد بن جبير ، وابن يعمر ، وعاصم الجحدريّ : «نكسوا» بفتح النون والكاف مخفّفة. قال أبو عبيدة : «نكسوا» : قلبوا ، تقول : نكست فلانا على رأسه ؛ إذا قهرته وعلوته.

ثم في المراد بهذا الانقلاب ثلاثة أقوال (١) : أحدها : أدركتهم حيرة ، فقالوا : (لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ) ، قاله قتادة. والثاني : رجعوا إلى أوّل ما كانوا يعرفونها به من أنها لا تنطق ، قاله ابن قتيبة. والثالث : انقلبوا على إبراهيم يحتجّون عليه بعد أن أقرّوا به ولاموا أنفسهم في تهمته ، قاله أبو سليمان. وفي قوله : (لَقَدْ عَلِمْتَ) إضمار «قالوا» ، وفي هذا إقرار منهم بعجز ما يعبدونه عن النّطق ، فحينئذ توجّهت لإبراهيم الحجّة ، فقال موبّخا لهم : (أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ) أي : لا يرزقكم ولا يعطيكم شيئا (وَلا يَضُرُّكُمْ) إذا لم تعبدوه ، وفي هذا حثّ لهم على عبادة من يملك النّفع والضّرّ ، (أُفٍّ لَكُمْ) قال الزّجّاج : معناه : النّتن لكم ؛ فلمّا لزمتهم الحجّة غضبوا ، فقالوا : (حَرِّقُوهُ). وذكر في التفسير أنّ نمرود استشارهم ، بأيّ عذاب أعذّبه ، فقال رجل : حرّقوه ، فخسف الله به الأرض ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة.

__________________

(١) قال الطبري رحمه‌الله ٩ / ٤١ : وقال بعض أهل العربية : معنى ذلك : ثم رجعوا عما عرفوا من حجة إبراهيم ، فقالوا : لقد علمت ما هؤلاء ينطقون. وإنما اخترنا القول الذي قلنا في معنى ذلك ، لأن نكس الشيء على رأسه : قلبه على رأسه ، وتصير أعلاه أسفله ، ومعلوم أن القوم لم يقلبوا على رؤوسهم ، وأنهم إنما نكست حجتهم ، فأقيم الخبر عنهم ، مقام الخبر عن حجتهم. فنكس الحجة لا شك ، إنما هو احتجاج المحتجّ على خصمه بما هو حجة لخصمه.

١٩٩

(قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٦٨) قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ (٦٩) وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ (٧٣))

قوله تعالى : (وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ) أي : بتحريقه ، لأنّه يعيبها (إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) أي : ناصريها.

الإشارة إلى القصّة

ذكر أهل التفسير أنهم حبسوا إبراهيم عليه‌السلام في بيت ثم بنوا له حيرا طول جداره ستون ذراعا إلى سفح جبل منيف ، ونادى منادي الملك : أيّها الناس احتطبوا لإبراهيم ، ولا يتخلّفنّ عن ذلك صغير ولا كبير ، فمن تخلّف ألقي في تلك النار ، ففعلوا ذلك أربعين ليلة ، حتى إن كانت المرأة لتقول : إن ظفرت بكذا لأحتطبنّ لنار إبراهيم ، حتى إذا كاد الحطب يساوي رأس الجدار سدّوا أبواب الحير وقذفوا فيه النار ، فارتفع لهبا ، حتى إن الطائر ليمرّ بها فيحترق من شدّة حرّها ، ثم بنوا بنيانا شامخا ، وبنوا فوقه منجنيقا ، ثم رفعوا إبراهيم على رأس البنيان ، فرفع إبراهيم رأسه إلى السماء ، فقال : اللهمّ أنت الواحد في السماء ، وأنا الواحد في الأرض ، ليس في الأرض أحد يعبدك غيري ، حسبي الله ونعم الوكيل ؛ فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة : ربّنا إبراهيم يحرق فيك ، فائذن لنا في نصرته ؛ فقال : أنا أعلم به ، وإن دعاكم فأغيثوه ؛ فقذفوه في النار وهو ابن ست عشرة سنة ، وقيل : ست وعشرين ، فقال : «حسبي الله ونعم الوكيل». فاستقبله جبريل ، فقال : يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال : أمّا إليك ، فلا ، قال جبريل : فسل ربّك ، فقال : «حسبي من سؤالي علمه بحالي» (١) ، فقال الله عزوجل : (يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ) ، فلم تبق نار على وجه الأرض يومئذ إلّا طفئت وظنّت أنها عنيت. وزعم السّدّيّ أن جبريل هو الذي ناداها. وقال ابن عباس : لو لم يتبع بردها سلاما لمات إبراهيم من بردها ، قال السدي : فأخذت الملائكة بضبعي (٢) إبراهيم فأجلسوه على الأرض ، فإذا عين من ماء عذب ، وورد أحمر ، ونرجس ، قال كعب ووهب : فما أحرقت النار من إبراهيم إلّا وثاقه ، وأقام في ذلك الموضع سبعة أيام ، وقال غيرهما : أربعين أو خمسين يوما ، فنزل جبريل بقميص من الجنة وطنفسة (٣) من الجنة ، فألبسه القميص ، وأجلسه على الطّنفسة وقعد معه يحدّثه. وإنّ آزر أتى نمرود فقال : ائذن لي أن أخرج عظام إبراهيم فأدفنها ، فانطلق نمرود ومعه الناس ، فأمر بالحائط فنقب ، فإذا إبراهيم في روضة يهتزّ وثيابه تندى ، وعليه القميص وتحته الطّنفسة والملك إلى جنبه ، فناداه نمرود : يا إبراهيم إنّ إلهك الذي بلغت قدرته هذا لكبير ، هل تستطيع أن تخرج؟ قال : نعم ، فقام إبراهيم يمشي حتى خرج ، فقال : من الذي رأيت معك؟ قال : ملك أرسله إليّ ربّي ليؤنسني ، فقال نمرود : إنّي مقرّب لإلهك قربانا لما رأيت من

__________________

(١) هذا من الإسرائيليات ، وهو معارض بكتاب الله فإن الله أمر عباده أن يسألوه في السراء والضراء.

(٢) في «اللسان» : الضّبع : وسط العضد بلحمه يكون للإنسان وغيره.

(٣) في «اللسان» الطّنفسة : النّمرقة فوق الرجل ، وقيل : البساط الذي له خمل رقيق.

٢٠٠