تراثنا ـ العدد [ 68 ]

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

تراثنا ـ العدد [ 68 ]

المؤلف:

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم


الموضوع : مجلّة تراثنا
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ٠
ISBN: 1016-4030
الصفحات: ٢٧٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

ووثّقه يحيىٰ بن معين (١) .

وعن أحمد بن حنبل : « ما أقرب الأجلح من فطر بن خليفة » (٢) ، و « فطر » ثقة عند أحمد (٣) .

وقال عمرو بن علي الفلّاس : « مستقيم الحديث ، صدوق » (٤) .

وقال العجلي : « كوفي ثقة » (٥) .

وقال يعقوب بن سفيان الفسوي : « ثقة ، حديثه ليّن » (٦) .

وقال ابن عدي : « هو عندي مستقيم الحديث ، صدوق » (٧) .

وقال ابن حجر : « صدوق شيعي » (٨) .

بقي أمران :

١ ـ إنّ علماء الشيعة إنّما يحتجّون علىٰ أهل السُنّة بما يرويه رجالهم الموثّقون من قِبَل كبار علماء الجرح والتعديل ، كما يرىٰ القارئ الكريم ، وليس لأحدٍ أنْ يطالب علماء الشيعة بالاحتجاج بمَن لم يرد في حقّه أيّ جرحٍ وقدح ؛ إذْ ليس في رجالهم من اتّفق كلّهم اجمعون علىٰ توثيقه ، فإنّ البخاري نفسه ـ وهو صاحب أصحّ الكتب عندهم ـ قد قدح فيه غير

__________________

(١) تهذيب التهذيب ١ / ١٦٦ ، تهذيب الكمال ٣١ / ٥٤٩ .

(٢) تهذيب الكمال ٢ / ٢٧٧ ، تهذيب التهذيب ١ / ١٦٦ .

(٣) تهذيب التهذيب ٨ / ٢٧١ .

(٤) تهذيب التهذيب ١ / ١٦٦ .

(٥) تهذيب الكمال ٢ / ٢٧٧ ، تهذيب التهذيب ١ / ١٦٦ .

(٦) تهذيب التهذيب ١ / ١٦٦ .

(٧) تهذيب التهذيب ١ / ١٦٦ .

(٨) تقريب التهذيب ١ / ٤٩ .

٤١
 &

واحدٍ من أئمّتهم ، حتّىٰ ذكره الحافظ الذهبي في كتابه في الضعفاء ودافع عنه (١) .

٢ ـ إنّ التشيّع والرفض لا يمنع من قبول الراوي عند المحقّقين منهم ، كابن حبّان ، والذهبي ، وٱبن حجر العسقلاني وغيرهم ، وقد حقّقنا ذلك في بحوثنا المتقدّمة ، ونكتفي هنا بإيراد كلام الحافظ أبي حاتم ابن حبّان بترجمة « جعفر بن سليمان » ، فإنّه قال :

« جعفر بن سليمان . . . روى عنه ابن المبارك وأهل العراق ، ومات في رجب سنة ١٧٨ ، وكان يبغض الشيخين ؛ حدّثنا الحسن بن سفيان ، حدّثنا إسحاق بن أبي كامل ، ثنا جرير بن يزيد بن هارون ـ بين يدي أبيه ـ قال : بعثني أبي إلىٰ جعفر بن سليمان الضبعي ، فقلت له : بلغنا أنّك تسبّ أبا بكر وعمر . قال : أمّا السبّ فلا ، ولكنّ البغض ما شئت . قال : وإذا هو رافضي مثل الحمار .

قال أبو حاتم : وكان جعفر بن سليمان من الثقات المتقنين في الروايات ، غير أنّه كان ينتحل الميل إلىٰ أهل البيت ، ولم يكن بداعيةٍ إلىٰ مذهبه . .

وليس بين أهل الحديث من أئمّتنا خلاف في أنّ الصدوق المتقن إذا كان فيه بدعة ولم يكن يدعو إليها أنّ الاحتجاج بأخباره جائز ، فإذا دعا إلىٰ بدعته سقط الاحتجاج بأخباره ، ولهذه العلّة تركنا حديث جماعة ممّن كانوا ينتحلون البدع ويدعون إليها وإنْ كانوا ثقات ، وٱحتججنا بأقوامٍ ثقات انتحالهم سوء غير أنّهم لم يكونوا يدعون إليه . وٱنتحال العبد بينه وبين ربّه

__________________

(١) المغني في الضعفاء ٢ / ٢٦٨ .

٤٢
 &

إن شاء عذّبه عليه وإنْ شاء غفر له . وعلينا قبول الروايات عنهم إذا كانوا ثقات علىٰ حسب ما ذكرنا في غير موضع من كتبنا » (١) .

هذا بالنسبة إلىٰ السند باختصار .

* وأمّا الدلالة :

فقد ذكر السيّد ـ رحمه الله ـ في الجواب عمّا يقال من كون « الوليّ » مشتركاً لفظيّاً ما نصّه :

« ذكرتم في جملة معاني الوليّ : إنّ كلّ من ولي أمر أحد فهو وليّه ، وهذا هو المقصود من الوليّ في تلك الأحاديث ، وهو المتبادر عند سماعها ، نظير قولنا : ولي القاصر أبوه وجدّه لأبيه ، ثمّ وصي أحدهما ، ثمّ الحاكم الشرعي ؛ فإنّ معناه أنّ هؤلاء هم الّذين يلون أمره ويتصرّفون بشؤونه .

والقرائن علىٰ إرادة هذا المعنىٰ من الوليّ في تلك الأحاديث لا تكاد تخفىٰ علىٰ أُولي الألباب ؛ فإنّ قوله صلّیٰ الله عليه وآله وسلّم : « وهو وليّكم بعدي » ظاهر في قصر هذه الولاية عليه ، وحصرها فيه (٢) ، وهذا يوجب تعيين المعنىٰ الذي قلناه ، ولا يجتمع مع إرادة غيره ؛ لأنّ النصرة والمحبّة والصداقة ونحوها غير مقصورة علىٰ أحد ، والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض . .

وأيّ ميزة أو مزية أراد النبيّ إثباتها في هذه الأحاديث لأخيه ووليّه ، إذا كان معنىٰ الوالي غير الذي قلناه ؟!

__________________

(١) كتاب الثقات ٦ / ١٤٠ .

(٢) لأنّ معنىٰ قوله : « وهو وليّكم بعدي » أنّه هو لا غيره وليّكم بعدي .

٤٣
 &

وأيّ أمرٍ خفيّ صدع النبيّ في هذه الأحاديث ببيانه ، إذا كان مراده من الوليّ : النصير أو المحبّ أو نحوهما ؟!

وحاشا رسول الله صلّیٰ الله عليه وآله وسلّم أن يهتمّ بتوضيح الواضحات ، وتبيين البديهيات . .

إنّ حكمته البالغة ، وعصمته الواجبة ، ونبوّته الخاتمة لأعظم ممّا يظنّون .

علىٰ أنّ تلك الأحاديث صريحة في أنّ تلك الولاية إنّما تثبت لعليّ بعد النبيّ صلّیٰ الله عليه وآله وسلّم ، وهذا يوجب تعيين المعنىٰ الذي قلناه ، ولا يجتمع مع إرادة النصير والمحبّ وغيرهما ؛ إذ لا شكّ باتّصاف عليّ بنصرة المسلمين ومحبّتهم وصداقتهم منذ ترعرع في حجر النبوّة ، وٱشتدّ ساعده في حضن الرسالة ، إلىٰ أن قضىٰ نحبه عليه السلام ، فنصرته ومحبّته وصداقته للمسلمين غير مقصورة علىٰ ما بعد النبيّ صلّىٰ الله عليه وآله وسلّم ، كما لا يخفىٰ .

وحسبك من القرائن علىٰ تعيين المعنىٰ الذي قلناه ، ما أخرجه الإمام أحمد في ص ٣٤٧ من الجزء الخامس من مسنده ، بالطريق الصحيح عن سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس ، عن بريدة ، قال : غزوت مع عليّ اليمن فرأيت منه جفوة ، فلمّا قدمت علىٰ رسول الله صلّىٰ الله عليه [ وآله ] وسلّم ذكرت عليّاً فتنقّصته ، فرأيت وجه رسول الله يتغيّر ، فقال : يا بريدة ! ألست أوْلىٰ بالمؤمنين من أنفسهم ؟!

قلت : بلىٰ يا رسول الله .

قال : من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه . انتهىٰ .

وأخرجه الحاكم في ص ١١٠ من الجزء الثالث من المستدرك ،

٤٤
 &

وصحّحه علىٰ شرط مسلم . .

وأخرجه الذهبي في تلخيصه مسلّماً بصحّته علىٰ شرط مسلم أيضاً .

وأنت تعلم ما في تقديم قوله : « ألست أوْلىٰ بالمؤمنين من أنفسهم ؟! » من الدلالة علىٰ ما ذكرناه . .

ومن أنعم النظر في تلك الأحاديث وما يتعلّق بها لا يرتاب في ما قلناه . والحمد لله » .

أقول :

ومن القرائن : الحديث الذي استدلّ به السيّد ـ وأغفله المعترض ـ أنّ النبيّ قال لعليّ : « سألت الله فيك خمساً » ؛ فإنّه حديث واضحٌ في الدلالة علىٰ المطلوب ، وقد رواه عدّة من أعلام القوم ، كالرافعي والخطيب البغدادي وغيرهما . . .

ونحن نورده من كتاب الرافعي ، فإنّه قال بترجمة « إبراهيم بنّ محمّد الشهرزوري » :

« إبراهيم بن محمّد بن عبيد بن جهينة ، أبو إسحاق الشهرزوري : ذكر الخليل الحافظ : إنّه كان يدخل قزوين مرابطاً ، وأنّه سمع بالشام ومصر والعراق ، وروىٰ بقزوين الكتاب الكبير للشافعي ، سمعه منه : أبو الحسين القطّان ، وأبو داود سليمان بن يزيد . .

قال : وأدركت من أصحابه : علي بن أحمد بن صالح ، ومحمّد بن الحسين بن فتح كيسكين .

وروىٰ أبو إسحاق عن هارون بن إسحاق الهمداني ، وعن عبيد الله ابن سعيد بن كثير بن عفير ، والربيع بن سليمان .

٤٥
 &

وسمع بقزوين : أبا حامد أحمد بن محمّد بن زكريا النيسابوري .

وحدّث بقزوين سنة ٢٩٨ فقال :

ثنا عبيد الله بن سعيد بن كثير بن عفير ، ثنا إبراهيم بن رشيد أبو إسحاق الهاشمي الخراساني ، حدّثني يحيىٰ بن عبد الله بن حسين بن حسن بن عليّ بن أبي طالب ، حدّثني أبي ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن عليّ رضي الله عنه ، عن النبيّ صلّىٰ الله عليه [ وآله ] وسلّم ، قال :

سألت الله ـ يا عليّ ! ـ فيك خمساً ، فمنعني واحدةً وأعطاني أربعاً ، سألت الله أن يجمع عليك أُمّتي فأبىٰ علَيّ ، وأعطاني فيك : أنّ أوّل من تنشقّ عنه الأرض يوم القيامة أنا وأنت معي ، معك لواء الحمد ، وأنت تحمله بين يديّ ، تسبق به الأوّلين والآخرين ، وأعطاني أنّك أخي في الدنيا والآخرة ، وأعطاني أن بيتي مقابل بيتك في الجنّة ، وأعطاني أنّك وليّ المؤمنين بعدي » (١) .

فهذا الحديث من جملة القرائن لحديث المؤاخاة ، ولحديث الولاية ، وفيه عدّة من خصائص أمير المؤمنين عليه السلام ، منها : كونه عليه الصلاة والسلام وليّ المؤمنين بعد رسول الله صلّیٰ الله عليه وآله وسلّم ، فيدلُّ لفظ « الولاية » علىٰ مرتبةٍ ومنقبة ليست لأحدٍ بعد رسول الله ، فليس معناها « النصرة » وغيرها من معاني « الوليّ » بناءً علىٰ كونه مشتركاً لفظيّاً .

ترجمة الرافعي :

ثمّ إنّ الرافعي ـ الراوي للحديث المذكور ـ المتوفّىٰ سنة ٦٢٣ هـ ، من كبار الأئمّة الأعلام من أهل السُنّة :

__________________

(١) التدوين بذكر أهل العلم بقزوين ٢ / ١٢٦ .

٤٦
 &

قال الذهبي : « كان مع براعته في العلم صالحاً زاهداً ذا أحوالٍ وكرامات ونسك وتواضع » (١) .

وقال اليافعي : « الإمام الكبير ، العلّامة البارع الشهير ، الجامع بين العلوم والأعمال الصالحات ، والزهد والعبادات والتصانيف المفيدات النفيسات . . . ومن كراماته : أنّه أضاءت له شجرة في بيته لمّا انطفأ السراج الذي يستضيئ به عند كتبه بعض مصنّفاته » (٢) .

وقال الأسنوي : « كان إماماً في الفقه والتفسير والحديث والأُصول وغيرها ، طاهر اللسان ، في تصنيفه كثير الأدب شديد الاحتراز في المنقولات » (٣) .

وهكذا قال غيرهم . .

وهل يبقىٰ كلام بعد هذا في ثبوت الحديث ودلالته يا منصفون ؟ ! !

ثمّ إنّ السُنّة الثابتة والقرآن الكريم متصادقان دائماً ، وهنا نجد « حديث الولاية » متصادقاً مع « آية الولاية » في الدلالة علىٰ مطلوبنا ؛ ولذا أشار السيّد في نهاية البحث إلىٰ تلك الآية ، وسنوضّح كيفية الاستدلال بها ، ونتعرّض هناك لشبهة اشتراك لفظ « الوليّ » مرّةٌ أُخرىٰ .

للبحث صلة . . .

__________________

(١) سير أعلام النبلاء ٢٢ / ٢٥٢ .

(٢) مرآة الجنان ٤ / ٥٦ .

(٣) طبقات الشافعية ١ / ٢٨١ .

٤٧
 &

عدالة الصحابة (٨)

الشيخ محمّد السند

واقعتان خطيرتان في الصحبة أهل العقبة ـ المظاهرة

يشير القرآن الكريم في سورة التوبة ( براءة ) وسورة التحريم إلىٰ تصاعد حدّة العداء للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لدى جماعة ممّن كان معه وممّن يحيط به ، وكذلك كتب الحديث والسيَر والتواريخ ، وقد بلغ هذا العداء ذروته بتدبيرهم محاولتين للفتك به صلى‌الله‌عليه‌وآله :

* الأُولىٰ :

في رجوعه من تبوك عند العقبة ، ومدبّريها عُرفوا بـ : أهل العقبة . .

قال تعالىٰ : ( وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّـهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ) (١) .

__________________

(١) سورة التوبة ( براءة ) ٩ : ٦٥ ـ ٦٦ .

٤٨
 &

وقال تعالىٰ في السورة نفسها أيضاً : ( يَحْلِفُونَ بِاللَّـهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّـهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ) (١) . .

قال الطبرسي في مجمع البيان في ذيل الآيات الأُولىٰ : « قيل : نزلت في اثني عشر رجلاً وقفوا علىٰ العقبة ليفتكوا برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عند رجوعه من تبوك ، فأخبر جبرئيل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك وأمره أن يرسل إليهم ويضرب وجوه رواحلهم ، وعمّار كان يقود دابّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وحذيفة يسوقها ، فقال لحذيفة : اضرب وجوه رواحلهم ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّه فلان وفلان . حتّىٰ عدّهم كلّهم .

فقال حذيفة : ألا تبعث إليهم فتقتلهم ؟!

فقال : أكره أن تقول العرب لمّا ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم .

عن ابن كيسان .

وروي عن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام مثله ، إلّا أنّه قال : ائتمَروا بينهم ليقتلوه ، وقال بعضهم لبعض : إن فطن نقول : إنّا كنّا نخوض ونلعب ، وإن لم يفطن نقتله » .

وفي ذيل الآيات اللاحقة قال : « وقيل : نزلت في أهل العقبة ؛ فإنّهم ائتمروا في أن يغتالوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في عقبة عند مرجعهم من تبوك وأرادوا أن يقطعوا انساع راحلته ، ثمّ ينخسوا به ، فأطلعه الله تعالىٰ علىٰ

__________________

(١) سورة التوبة ( براءة ) ٩ : ٧٤ .

٤٩
 &

ذلك ، وكان من جملة معجزاته ؛ لأنّه لا يمكن معرفة مثل ذلك إلّا بوحي من الله تعالىٰ . .

فسار رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في العقبة وعمّار وحذيفة معه ، أحدهما يقود ناقته والآخر يسوقها ، وأمر الناس كلّهم بسلوك بطن الوادي ، وكان الّذين همّوا بقتله اثني عشر رجلاً أو خمسة عشر رجلاً علىٰ الخلاف فيه ، عرفهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وسمّاهم بأسمائهم واحداً واحداً .

عن الزجّاج والواقدي والكلبي ، والقصّة مشروحة في كتاب الواقدي . .

وقال الباقر عليه‌السلام : كانت ثمانية منهم من قريش وأربعة من العرب » (١) .

وقال الزمخشري في ذيل الآية ٧٤ : « أقام رسول الله صلّىٰ الله عليه [ وآله ] وسلّم في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن ، ويعيب المنافقين فيسمع من معه منهم ، منهم الجلاس بن سويد . . . ـ إلىٰ أن قال : ـ فتاب الجلاس وحسنت توبته .

( وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ ) : وأظهروا كفرهم بعد إظهارهم الإسلام .

( وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ) : وهو الفتك برسول الله صلّىٰ الله عليه [ وآله ] وسلّم ، وذلك : عند مرجعه من تبوك تواثق خمسة عشر منهم علىٰ أن يدفعوه عن راحلته إلىٰ الوادي إذا تسنّم العقبة بالليل ، فأخذ عمّار بن ياسر بخطام راحلته يقودها وحذيفة خلفها يسوقها ، فبينما هما كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الإبل وبقعقعة السلاح ، فالتفت فإذا قوم متلثّمون ، فقال : إليكم إليكم يا أعداء الله ، فهربوا » (٢) .

__________________

(١) مجمع البيان ـ للطبرسي ـ ٥ / ٧٠ ـ ٧٨ .

(٢) الكشّاف ـ للزمخشري ـ ٢ / ٢٩١ .

٥٠
 &

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتاب الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشّاف في ذيل كلام الزمخشري المتقدّم : « أخرجه أحمد من حديث أبي الطفيل ، قال : لمّا قفل رسول الله صلّىٰ الله عليه [ وآله ] وسلّم من غزوة تبوك أمر منادياً ينادي لا يأخذنّ العقبة أحد ، فإنّ رسول الله صلّىٰ الله عليه [ وآله ] وسلّم يسير وحده . .

فكان النبيّ صلّىٰ الله عليه [ وآله ] وسلّم يسير وحذيفة رضي‌الله‌عنه يقود به ، وعمّار رضي‌الله‌عنه يسوق به ، فأقبل رهط متلثّمين علىٰ الرواحل حتّىٰ غشوا النبيّ صلّىٰ الله عليه [ وآله ] وسلّم ، فرجع عمّار فضرب وجوه الرواحل ، فقال النبيّ صلّىٰ الله عليه [ وآله ] وسلّم لحذيفة : قُد قُد . فلحقه عمّار فقال : سُق سُق . حتّىٰ أناخ ، فقال لعمّار : هل تعرف القوم ؟!

فقال : لا ، كانوا متلثّمين ، وقد عرفت عامّة الرواحل .

فقال : أتدري ما أرادوا برسول الله ؟!

قلت : الله ورسوله أعلم .

فقال : أرادوا أن يمكروا برسول الله فيطرحوه من العقبة .

فلمّا كان بعد ذلك وقع بين عمّار رضي‌الله‌عنه وبين رجل منهم شيء ممّا يكون بين الناس ، فقال : أنشدكم الله ، كم أصحاب العقبة الّذين أرادوا أن يمكروا برسول الله صلّىٰ الله عليه [ وآله ] وسلّم ؟!

فقال : ترىٰ أنّهم أربعة عشر ، فإن كنت فيهم فهم خمسة عشر . .

ومن هذا الوجه رواه الطبراني والبزّار ، وقال : روي من طريق عن حذيفة ، وهذا أحسنها وأصلحها إسناداً .

ورواه ابن إسحاق في المغازي ، ومن طريقه البيهقي في الدلائل ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرّة ، عن أبي البختري ، عن حذيفة بن اليمان ،

٥١
 &

قال : كنت آخذاً بخطام ناقة رسول الله صلّىٰ الله عليه [ وآله ] وسلّم أقود به ، وعمّار رضي‌الله‌عنه يسوق الناقة حتّىٰ إذا كنّا بالعقبة وإذا اثني عشر راكباً قد اعترضوه فيها ، قال : فانتهت إلىٰ رسول الله صلّىٰ الله عليه [ وآله ] وسلّم فصرخ بهم فولّوا مدبرين » (١) .

وقال الفخر الرازي في تفسيره الكبير ـ بعد أن ذكر أسباباً أُخرىٰ لنزول هذه الآيات ـ : « قال القاضي : ( يبعد أن يكون المراد من الآية هذه الوقائع ؛ وذلك لأنّ قوله : ( يَحْلِفُونَ بِاللَّـهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ ) إلىٰ آخر الآية ، كلّها صيغ الجموع ، وحمل صيغة الجمع علىٰ الواحد ، خلاف الأصل .

فإن قيل : لعلّ ذلك الواحد قال في محفل ورضي به الباقون .

قلنا : هذا أيضاً خلاف الظاهر ؛ لأنّ إسناد القول إلىٰ من سمعه ورضي به خلاف الأصل . .

ثمّ قال : بلىٰ الأوْلىٰ أن تُحمل هذه الآية علىٰ ما روي : أنّ المنافقين همّوا بقتله عند رجوعه من تبوك ، وهم خمسة عشر تعاهدوا أن يدفعوه عن راحلته إلىٰ الوادي إذا تسنّم العقبة بالليل ، وكان عمّار بن ياسر آخذاً بالخطام علىٰ راحلته وحذيفة خلفها يسوقها ، فسمع حذيفة وقع أخفاف الإبل وقعقعة السلاح ، فالتفت فإذا قوم متلثّمون ، فقال : إليكم إليكم يا أعداء الله ، فهربوا . .

والظاهر أنّهم لمّا اجتمعوا لذلك الغرض ، فقد طعنوا في نبوّته ونسبوه إلىٰ الكذب والتصنع في إدّعاء الرسالة ، وذلك هو قول كلمة الكفر .

__________________

(١) ذيل الكشّاف ٢ / ٢٩٢ .

٥٢
 &

وهذا القول اختيار الزجّاج ) .

فأمّا قوله : ( وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ ) ، فلقائل أن يقول : إنّهم أسلموا ، فكيف يليق بهم هذا الكلام ؟! والجواب من وجهين :

الأوّل : المراد من الإسلام : الذي هو نقيض الحرب ؛ لأنّهم لمّا نافقوا ، فقد أظهروا الإسلام ، وجنحوا إليه ، فإذا جاهروا بالحرب ، وجب حربهم .

والثاني : أنّهم أظهروا الكفر بعد أن أظهروا الإسلام .

وأمّا قوله : ( وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ) ، المراد : إطباقهم علىٰ الفتك بالرسول ، والله تعالىٰ أخبر الرسول عليه السلام بذلك حتّىٰ احترز عنهم ، ولم يصلوا إلىٰ مقصودهم . .

ـ إلىٰ أن قال في ذيل الآيات الثلاث التي تتلو الآية المزبورة ـ : اعلم أنّ هذه السورة أكثرها في شرح أحوال المنافقين ، ولا شكّ أنّهم أقسام وأصناف ، فلهذا السبب يذكرهم علىٰ التفصيل » (١) .

أقول :

قد مرّ بنا في الحلقات السابقة (٢) أنّ سورة التوبة ( البراءة ) سمّيت : « الفاضحة » ؛ فعن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عبّاس : سورة التوبة ؟

فقال : التوبة ؟! بل هي الفاضحة ، ما زالت تنزل : « ومنهم . . » حتّىٰ ظننّا أن لن يبقىٰ منّا أحد إلّا ذُكر فيها . .

__________________

(١) التفسير الكبير ـ للرازي ـ ١٦ / ١٣٦ ـ ١٣٨ .

(٢) راجع : الحلقة (٣) من هذا المقال ، المنشورة في تراثنا ، العددان الثالث والرابع [ ٥٩ ـ ٦٠ ] لسنة ١٤٢٠ هـ .

٥٣
 &

وكذلك سمّيت : « المبعثرة » ؛ لأنّها تبعثر عن أسرار المنافقين . .

وسمّيت : « البحوث » ؛ لأنّها تذكر المنافقين وتبحث عن سرائرهم . .

و « المدمدمة » ، أي : المهلكة . .

و « الحافرة » ؛ لأنّها حفرت عن قلوب المنافقين . .

و « المثيرة » ؛ لأنّها أثارت مخازيهم وقبائحهم . .

و « العذاب » ؛ روىٰ عاصم بن زر بن حبيش ، عن حذيفة ، قال : يسمّونها سورة التوبة وهي سورة العذاب (١) .

فترىٰ أن سورة التوبة ( البراءة ) مليئة بالإشارة إلىٰ أقسام المذمومين ممّن كان في عهد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بظاهر الإسلام ، وأبرز ما فيها الكشف عن أفضع عملية حاول جماعة منهم ارتكابها ، وهي الفتك بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله .

والجدير بالانتباه أنّ هذه السورة من أواخر السور نزولاً ؛ فهي نزلت قبيل عام الفتح وعند غزوة تبوك ، وقد صوّرت ـ بتفصيل ـ الأجواء التي كان يعيشها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بالنسبة إلىٰ من حوله .

حذيفة وأمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام أعلم الناس بالمنافقين :

فقد ورد هذا المضمون في الحديث النبوي الشريف (٢) ، وكذلك في عدّة روايات قد مرّت في ما سبق ، وهو بروز الصحابي حذيفة بن اليمان في علمه ومعرفته بالمنافقين ، والظاهر أنّ هذه الواقعة ـ وهي محاولة اغتيال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ـ هي مربض الفرس ، والحادثة العظمىٰ التي أطلعت حذيفة علىٰ

__________________

(١) مجمع البيان ـ للطبرسي ـ ٥ / ٣ ـ ٤ .

(٢) تفسير البرهان ٢ / ٨١٢ سورة التوبة ( براءة ) ط الحديثة ـ قم ، وكذا في مصادر العامّة .

٥٤
 &

رؤوس شبكة النفاق ، ومن المهمّ أن نتتبّع خيوط وتفاصيل الحادثة ؛ لترتسم لنا منظومة هذه الشبكة والمجموعة ، وهل هي من دائرة الصحابة المحيطة بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو من الدائرة المتوسطة ، أو الدوائر البعيدة ؟!

وها هنا ـ في البدء ـ عدّة موارد وتساؤلات مطروحة :

* الأُولىٰ :

ما مرّ من قول ابن كيسان وروايته : أنّ حذيفة قد قال للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله عقب الحادثة : ألا تبعث إليهم فتقتلهم ؟! فأجابه صلى‌الله‌عليه‌وآله : « أكره أن تقول العرب لمّا ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم » ؛ فقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله يفيد أنّ المجموعة التي قامت بهذا التدبير هي من خواصّ الصحابة المحيطين به .

* الثانية :

إنّ في كثير من الروايات لدىٰ الفريقين التعبير عنهم بفلان وفلان و . . . من دون ذكر أسمائهم ؛ فما هذه الحشمة عن ذكر أسمائهم وعدّتهم بكاملها ؟! ولم هذا التحاشي عن التصريح إلىٰ الكناية المبهمة ؟! ومن هم هؤلاء الّذين يتحفّظ عن ذكر أسمائهم ؟! أترىٰ لو كانوا من الأباعد في الصحبة يُتستّر عليهم ؟! أو لو كانوا من المشهورين علناً بالنفاق لكان يتخفّىٰ عليهم ؟!

وهذا مؤشّر مهمّ يضع بصماته علىٰ هذه الجماعة .

* الثالثة :

قول الباقر عليه‌السلام : إنّ ثمانية منهم من قريش وأربعة من العرب .

٥٥
 &

* الرابعة :

إنّه وقع بين عمّار رضي‌الله‌عنه وبين رجل من تلك المجموعة شجار بعد وفاة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأشار عمّار ولمّح بين ملأ من الناس إلىٰ كون ذلك الرجل منهم .

* الخامسة :

إنّ سرّ معرفة حذيفة بالمنافقين وٱختصاصه بهذه المعرفة هو مشاهدته لهذه الواقعة ، وهذا يفيد أنّ أصحاب هذه المجموعة لم يكونوا مشهورين في العلن لدىٰ عامّة المسلمين بأنّهم من المتمرّدين والمنافقين ، بل كانوا يتستّرون في عداوتهم وكيدهم للدين والنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ وإلّا لَما اختصّ حذيفة بمعرفتهم كخصيصة أشاد بها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لحذيفة . .

ولماذا لم تشمل هذه المعرفة أصحاب السقيفة والخلفاء الثلاثة ، بينما اختصّ بها أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام وحذيفة ؟!

* السادسة :

من الملاحظ والملفت للنظر أنّ الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يصطحب علىٰ العقبة إلّا عمّار وحذيفة وسلمان والمقداد ، حسب اختلاف الروايات ، بينما باقي الصحابة ـ كالصاحب في الغار ، وغيره من أصحاب السقيفة ـ لم يكونوا معه صلى‌الله‌عليه‌وآله . .

وستأتي تتمّة للموارد الفاحصة لأوراق هذه الحادثة .

قال السيوطي في الدرّ المنثور :

٥٦
 &

« وأخرج البيهقي في الدلائل عن عروة رضي‌الله‌عنه ، قال : رجع رسول الله صلّىٰ الله عليه [ وآله ] وسلّم قافلاً من تبوك إلىٰ المدينة ، حتّىٰ إذا كان ببعض الطريق مكر برسول الله صلّىٰ الله عليه [ وآله ] وسلّم ناس من أصحابه ، فتآمروا أن يطرحوه من عقبة في الطريق ، فلمّا بلغوا العقبة أرادوا أن يسلكوها معه ، فلمّا غشيهم رسول الله صلّىٰ الله عليه [ وآله ] وسلّم أُخبر خبرهم ، فقال : من شاء منكم أن يأخذ بطن الوادي فإنّه أوسع لكم .

وأخذ رسول الله صلّىٰ الله عليه [ وآله ] وسلّم العقبة وأخذ الناس ببطن الوادي إلّا النفر الّذين مكروا برسول الله صلّىٰ الله عليه [ وآله ] وسلّم لمّا سمعوا ذلك استعدّوا وتلثّموا وقد همّوا بأمر عظيم . .

وأمر رسول الله صلّىٰ الله عليه [ وآله ] وسلّم حذيفة بن اليمان رضي‌الله‌عنه وعمّار بن ياسر رضي‌الله‌عنه فمشيا معه مشياً ، فأمر عمّار أن يأخذ بزمام الناقة وأمر حذيفة يسوقها .

فبينما هم يسيرون إذ سمعوا وكزة القوم من ورائهم قد غشوه فغضب رسول الله صلّىٰ الله عليه [ وآله ] وسلّم وأمر حذيفة أن يردّهم ، وأبصر حذيفة رضي‌الله‌عنه غضب رسول الله صلّىٰ الله عليه [ وآله ] وسلّم فرجع ومعه محجن فاستقبل وجوه رواحلهم فضربها ضرباً بالمحجن ، وأبصر القوم وهم متلثّمون لا يشعروا إنّما ذلك فعل المسافر ، فرعبهم الله حين أبصروا حذيفة رضي‌الله‌عنه وظنّوا أنّ مكرهم قد ظهر عليه فاسرعوا حتّىٰ خالطوا الناس .

فأقبل حذيفة رضي‌الله‌عنه حتّىٰ أدرك رسول الله صلّىٰ الله عليه [ وآله ] وسلّم ، فلمّا أدركه قال : اضرب الراحلة يا حذيفة ، وٱمش أنت يا عمّار .

فاسرعوا حتّىٰ استووا بأعلاها ، فخرجوا من العقبة ينتظرون الناس ، فقال النبيّ صلّىٰ الله عليه [ وآله ] وسلّم لحذيفة : هل عرفت يا حذيفة من

٥٧
 &

هؤلاء الرهط أحداً ؟!

قال حذيفة : عرفت راحلة فلان وفلان ، وقال : كانت ظلمة الليل وغشيتهم وهم متلثّمون .

فقال النبيّ صلّىٰ الله عليه [ وآله ] وسلّم : هل علمتم ما كان شأنهم وما أرداوا ؟!

قالوا : لا والله يا رسول الله

قال : فإنّهم مكروا ليسيروا معي حتّىٰ إذا طلعت في العقبة طرحوني منها .

قالوا : أفلا تأمر بهم يا رسول الله فنضرب أعناقهم .

قال : أكره أن يتحدّث الناس ويقولوا أنّ محمّداً وضع يده في أصحابه . فسمّاهم لهما وقال : اكتماهم » .

ثمّ إنّ السيوطي ذكر رواية البيهقي بطريق آخر ، فيها ذكر أسمائهم ، قال : « وأخرج ابن سعد ، عن نافع بن جبير بن مطعم ، قال : لم يخبر رسول الله صلّىٰ الله عليه [ وآله ] وسلّم بأسماء المنافقين الّذين تحسّوه ليلة العقبة بتبوك غير حذيفة رضي‌الله‌عنه ، وهم اثنا عشر رجلاً ليس فيهم قرشي وكلّهم من الأنصار ومن حلفائهم » .

ثمّ ذكر السيوطي رواية أُخرىٰ عن البيهقي أيضاً في الدلائل ، وذكر سرد الواقعة إلىٰ أن قال : « قلنا : يا رسول الله ! ألا تبعث إلىٰ عشائرهم حتّىٰ يبعث إليك كلّ قوم برأس صاحبهم .

قال : لا ، إنّي أكره أن تحدّث العرب بينها أن محمّداً قاتل بقوم حتّىٰ إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم . ثمّ قال : اللّهمّ ارمهم بالدبيلة .

قلنا : يا رسول الله ! وما الدبيلة ؟

٥٨
 &

قال : شهاب من نار يوضع علىٰ نياط قلب أحدهم فيهلك » (١) .

ويستفاد من هذه الروايات عدّة موارد أُخرىٰ كشواهد مقرّبة إلىٰ معرفة هذه المجموعة ـ مضافاً إلىٰ ما تقدّم ـ .

* السابعة :

قد عبّر الراوي الأخير لهذه الواقعة عن تلك المجموعة بأنّهم : « ناس من أصحابه صلى‌الله‌عليه‌وآله » ، ولا يخفىٰ أنّ التعبير لدىٰ الرواة بوصف الصحبة يخصّ من يتّصل بصحبة وبعلاقة قريبة ، فلم يكن تعبيرهم بلفظ الصحبة عن كلّ من أدرك النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل هو وصف خاص لدىٰ الرواة لخصوص مَن هو ممّن حواليه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، بخلاف أصحاب التراجم والرجال ؛ إذ أنّهم اصطلحوا علىٰ تعاريف عدّة للصحابي ، شملت بعضها كلّ من رأىٰ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وإن لم يروِ عنه ، أو كلّ من أدركه وروىٰ عنه ولو بعض روايات قليلة ، أو حتّىٰ رواية واحدة أو اثنتين . .

فالاستعمال الجاري لدىٰ الرواة أنّهم لا يطلقون لفظ الصحبة إلّا علىٰ الخواصّ ، وممّن هم حواليه علىٰ علاقة متميزة به صلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما في الاستعمال العرفي الدارج حالياً ، فإنّه لا يقال أصحاب فلان إلّا علىٰ من لهم صلة خاصّة بذلك الشخص .

هذا مضافاً إلىٰ قرائن أُخرىٰ في هذه الروايات :

منها : إضافة اللفظ إلىٰ الضمير « من أصحابه » ؛ فإنّه يختلف في الظهور عن تعبير : « من الصحابة » ؛ إذ الأوّل أكثر تخصّصاً .

__________________

(١) الدرّ المنثور ٣ / ٢٥٩ ـ ٢٦٠ .

٥٩
 &

ومنها : أنّهم أرادوا أن يسلكوا العقبة مع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله في بدء الأمر من دون الناس الّذين كانوا يمشون ببطن الوادي ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله لهم ـ بعدما أُخبر خبرهم ـ : « من شاء منكم أن يأخذ بطن الوادي ، فإنّه أوسع لكم » ؛ وهذا يفيد أنّهم ممّن يتعارف مشيه مع الرسول قريب منه في الأسفار والحركة ، وهذه الصفة لا تكون للأباعد .

ومنها : جواب حذيفة ـ عندما سأله النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله عن معرفة الرهط الّذين همّوا بذلك الأمر العظيم ـ بأنّه رأىٰ راحلة فلان وفلان ؛ وهذا يفيد أنّ الرهط هم من وجوه المسلمين ، وممّن لحذيفة خلطة قريبة معهم ، وليسوا من الأباعد كي تخفىٰ رواحلهم ودوابّهم علىٰ حذيفة .

ومنها : قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله ـ عندما طلب منه حذيفة وعمّار قتل الرهط ـ : « إنّي أكره أن يتحدّث الناس ويقولوا أنّ محمّداً وضع يده في أصحابه » ؛ ومنه يتبيّن أنّ الرهط والمجموعة هم ممّن ناصر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بحسب الظاهر ، وكانوا ممّن حوله من الخواصّ الّذين لهم علاقة متميزة به أمام مرأىٰ الناس ، ومن الّذين لا يتوقّع الناس معاداتهم له صلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل كان الإقدام علىٰ قتلهم من قبله صلى‌الله‌عليه‌وآله مستنكراً عند الناس ، وهذا ظاهر في عدم كونهم من أوساط الناس أو من الأباعد .

ومنها : قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله لحذيفة وعمّار لمّا أطلعهم بأسمائهم : « اكتماهم » ؛ فما وجه الأمر بالكتمان لو كان هؤلاء الرهط من أوساط الناس ، ومن حلفاء الأنصار ونحوهم ، كما روىٰ ابن سعد أنّهم لم يكونوا من قريش بل من الأنصار وحلفائهم ؟!

لا ريب أنّ علّة الأمر بالكتمان ظاهرة في كون هؤلاء الرهط هم ممّن يحسب علىٰ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بصحبة خاصّة ، ممّن يؤدّي فضحه وكشفه ـ لا سيّما

٦٠