أسرار الآيات

صدر الدين محمّد بن إبراهيم الشيرازي

أسرار الآيات

المؤلف:

صدر الدين محمّد بن إبراهيم الشيرازي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: انتشارات انجمن اسلامى حكمت و فلسفه ايران
المطبعة: چاپخانه وزارت و فرهنگ و آموزش عالى
الطبعة: ٠
الصفحات: ٢٤٦

أحدها ، قوله : (وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) فوصفها بالحسنى من قبل الله مشعر بأنها ليست من قبيل الهيئة العارضة للصوت ، إذ لا شرافة معتد بها لبعض الألفاظ على بعض ، إذ كلها من نوع واحد ، فكما لا فرق بين لفظ الإيمان والكفر والنور والظلمة في الحسن والقبح من حيث إنها هيئات مسموعة ، بل في مدلولاتها ومعانيها التي وضعت هذه الألفاظ بإزائها.

وثانيها ، قوله تعالى : (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) اذ معلوم أن الاسم مما يسبح به لا مما يسبح له.

وثالثها ، أن الذي صار سببا لمزية منزلة آدم ، عليه‌السلام ، على الملائكة لم يكن مجرد حفظ الألفاظ ، بل الاسم هو ما يعرف به حقيقته وحده ، كمفهوم الحيوان الناطق للإنسان ، فقد يكون لشيء واحد في الوجود والهوية والذات مفهومات كثيرة كلها موجودة بوجود واحد ، كالجوهر ، والجسم ، والنامي ، والحساس ، والناطق ، والموجود ، والممكن ، والمتحيز والمتقدر ، والمتمكن ، وغير ذلك في باب الإنسان ، فإنها مع كثرتها بحسب المعنى والمفهوم صارت ذاتا واحدة موجودة بوجود واحد. فالمراد من الاسم في عرف العرفاء هو المعنى المحمول على الذات والفرق بين الاسم والصفة ، كالفرق بين المركب والبسيط بوجه ، فإن الاسم كالأبيض والصفة كالبياض ، والفرق بين العرضي والعرض عند محققي أهل النظر ، أن المأخوذ «لا بشرط شيء» هو العرضي والمأخوذ «بشرط لا شيء» هو العرض ، فالمسمى قد يكون واحدا والأسماء كثيرة وهي محمولات عقلية وليس المراد بها الألفاظ ، لأنها غير محمولة حملا اتحاديا ، وهذه الألفاظ التي هي بإزائها أسماء الأسماء عندهم ، وأما تلك المحمولات فهي بالحقيقة علامات ومعرفات للذات الموسومة بها.

واعلم أن عالم الربوبية عظيم الفسحة جدا ، فيه جميع ما في عالم الإمكان على وجه أعلى وأشرف مع ما يزيد عليها مما استأثره الله بعلمه ، ومن لم يكن عنده علم الأسماء ، تعذر عليه إثبات عالميته تعالى بجميع الموجودات ، لأنها بحسب وجوداتها الخاصة متأخرة عن مرتبة ذاته تعالى ، مع أنه تعالى عالم بجميعها علما مقدما على وجوداتها الإمكانية ، فلو لم يكن الممكنات

٤١

على كثرتها وتفصيلها موجودة بوجود واحد في مرتبة الذات الأحدية ، لم يكن علمه تعالى بخصوصياتها وماهياتها مقدما عليها ثابتا له قبل وجودها.

ومنها ، أنه وقعت الإشارة إلى ما ذكرناه من كيفية علمه بالموجودات من جهة اشتمال أسمائه تعالى على كل شيء ، بقوله تعالى : (فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ : أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) كأنهم حيث لم يحصل لهم العلم بالأسماء ، لم يعرفوا كيفية علمه تعالى بكل خفي وجلي وجزئي وكلي. وسبب اختصاص الإنسان بهذا التعليم دون الملائكة وغيرهم ، أن حقيقة الإنسان مظهر جامع لمظاهر كل الأسماء ، بخلاف غيره من الموجودات ، فإن كل واحد منها مظهر لبعض الأسماء ، كالملائكة للسبوح والقدوس والسلام ونحوها ، والشياطين للمضل والمتكبر ، والعزيز ، والجبار وما يجري مجراها ، والحيوانات مظاهر للسميع والبصير والحي والقدير وأشباهها ، والنار مثلا للقهار ، والهواء للطيف ، والماء للنافع ، والأرض للصبور والأدوية السمية للضار ، والدنيا للأول ، والآخرة للآخر ، وعلى هذا القياس ، فلو لم يكن الإنسان مما يوجد فيه مظاهر جميع الأسماء والصفات لم يكن من شأنه العلم بالأسماء ومعرفة الأشياء كما هي ، والملائكة كل منهم له مقام معلوم ، فالقائم منهم لا يركع والراكع منهم لا يسجد.

ومنها ، إيراد ضمير ذوي العقول في قوله : (أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ) مع أن المراد بها ليس أسماء الملائكة بل الأسماء كلها ، كما دل عليه سياق الآية. ففيه إشعار بما ذهب إليه أساطين الحكماء الأقدمون ، من أن لكل نوع من أنواع الموجودات جوهرا نورانيا عقليا هو كلي ذلك النوع وتمام حقيقته ومثاله القائم عند الله فهي المظاهر الأولى للأسماء الإلهية والصور النوعية الخارجية ، هي المظاهر الثانية ومظاهر المظاهر ، كما بين في مقامه على نحو البيان الحكمي البرهاني ، وليس غرضنا في هذا الكتاب إلا إشارة إجمالية إلى أسرار بعض آيات القرآن. وأما إيراد البراهين على وجه مبسوط مشروح ، فهو موكول إلى سائر كتبنا وتفاسيرنا سيما كتاب الأسفار الأربعة.

فإذا تقرر ما ذكرناه ، فنقول : أسماء الله تعالى بالحقيقة هي المحمولات

٤٢

العقلية المشتملة عليها ذاته الأحدية لا يتعلق بها جعل وتأثير ، بل هي موجودة باللاجعل الثابت للذات ، ولها أحكام ثابتة وآثار لازمة هي مظاهرها ، وربما يطلق عند العرفاء الاسم ويراد بها المظهر لأنه أيضا فرد من معنى ذلك الاسم ، كما في قوله تعالى : (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ) وأليق المجعولات بأن يعرف بها ذاته تعالى ويكون مظاهرا لأسمائه وصفاته ، هي كلمات الله التامات والأرواح العاليات التي هي بمنزلة أشعة نور وجهه وكماله ، ومعرفات جماله وجلاله ، فهي الأسماء الحسنى ، والله اسم للذات الإلهية باعتبار جامعيته لجميع النعوت الكمالية ، وصورته الإنسان الكامل ، وأشير بقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «أوتيت جوامع الكلم» والرحمن هو المقتضي للوجود المنبسط على الكل بحسب ما يقتضيه الحكمة ويحتمله القوابل على وجه البداية ، والرحيم هو المقتضي للكمال المعنوي للأشياء بحسب النهاية ، ولذا قيل : «يا رحمان الدنيا ورحيم الآخرة» بمعنى بسم الله الرحمن الرحيم بالصورة الكاملة الجامعة للرحمة الخاصة والعامة التي مظهر الذات الإلهية والاسم الأعظم مع جميع الصفات. وإلى هذا المعنى أشار النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : «أوتيت جوامع الكلم» وبقوله : «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» إذ الكلمات هي حقائق الموجودات وأعيانها وخصوصا صورها المجردة ، كما سمي عيسى كلمة من الله وسميت المفارقات العقلية كلمات الله التامات ، ومكارم الأخلاق كمالاتها وقواها التي هي مصادر أفعالها ، وجميعها محصورة في الحقيقة الجامعة الإنسانية.

قاعدة

في تعيين الاسم الأعظم ومظهره

لا شك أن الاسم الأعظم ينبغي أن يكون معناه مشتملا على جميع المعاني للأسماء الإلهية على الإجمال ، وكذا مظهره يجب أن يكون حقيقة مشتملة على مجموع حقائق الممكنات التي هي مظاهر الأسماء ولا يصلح من الأسماء

٤٣

لهذه الجمعية الأسمائية إلا اسم الله ، كما ذكر ، وكذلك الحي القيوم ، إلا أن الأول بحسب الوضع العلمي والثاني بحسب الوضع اللقبي ، لاشتماله على جميع معاني الأسماء الإلهية تضمنا أو التزاما ، ولأجل ذلك كل ذكر أو دعاء قيل إن فيه الاسم الأعظم ، فهو مشتمل لا محالة على أحدهما أو عليهما جميعا ، كقوله تعالى : (اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) وإنما قلنا : إن الحي القيوم مشتمل على جميع الصفات الكمالية والنعوت الإلهية ، لأن اسمه الحي مشتمل على جميع الأسماء الذاتية ، فيدل على وجوب الوجود ووجوب الإيجاد ، ومستلزم من الإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام ، والقيوم لكون معناه مبالغة في القيام لإدامة الموجودات على وجه التمام عدة ومدة وشدة ، فهو مشتمل على جميع الأسماء الفعلية كالخالقية والرازقية والكرم والجود واللطف والرأفة والرحمة والعطوفة والإبداع والتكوين والإنشاء والإعادة والتقديم والتأخير والإرسال والإنزال والبعث وغير ذلك من صفات الفعل. فإذا تجلى الباري بعبد بهاتين الصفتين فالعبد يكاشف عند صفة الحي معاني جميع أسمائه وصفاته الجمالية ، وعند تجلي اسمه القيوم معاني أسمائه وصفاته الجلالية ، إذ يرى عنده فناء جميع المخلوقات لأن قوامها وقيامها بقيومية القيوم الحق لا بأنفسهم ، فلا يرى في الوجود إلا الحي القيوم. وأيضا قد تحقق وانكشف من قاعدتنا الممهدة المذكورة في توحيد صفاته ، أن حياته حقيقة الحياة ، وحقيقة الحياة يجب أن يكون حياة كل شيء ، فلو لم يكن كذلك لم يكن حياته صرف الحياة. وكذا قيوميته يجب أن يكون محض حقيقة القيام والإقامة فلا قائم ولا مقيم إلا بقيامه وإقامته ، فهذان الاسمان هما الاسم الأعظم لمن تجلى له ، فمن ذكرهما بلسان العيان لا بلسان البيان فقط ، فقد ذكر الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي أجاب وإذا سئل به أعطى. وكذا الذاكر إذا غاب عن ذاته فعند غيبته عن ذاته وفنائه في عظمة الوحدانية ، بكل اسم دعا ربه يكون الاسم الأعظم. ولذلك لما سئل أبو يزيد عن الاسم الأعظم قال : ليس له حد محدود ، ولكن فرغ بيت قلبك لوحدانيته فإذن كل اسم هو الاسم الأعظم.

٤٤

قال صاحب الفتوحات المكية في الجواب عن أسئلة الحكيم محمد بن علي الترمذي : الاسم الأعظم الذي لا مدلول له سوى عين الجمع وفيه الحي القيوم ، فإن قلت هو الله قلت لا أدري ، فإنه يفعل بالخاصية وهذا اللفظ إنما يفعل بالصدق إذا صار صفة للمتلفظ به ، بخلاف ذلك الاسم. وقال في موضع آخر منها : ومعلوم عند الخاص والعام ، أن ثمة أسماء عاما يسمى الاسم الأعظم وهو في آية الكرسي وأول آل عمران ، ومن الأسماء ما هي حروف مركبة ومنها ما هي كلمات مركبة مثل الرحمن الرحيم هو اسم مركب كبعلبك. واعلم أن الحروف كالعقاقير لها خواص بانفرادها ولها خواص بتركيبها.

قاعدة

في علمه تعالى بذاته وبغيره

كل وجود لا يشوبه عدم ولا يغطيه حجاب وغشاوة ولا التباس ولا يغشاه الظلمات ، فهو مكشوف لذاته حاضر غير غائب عن ذاته ، فيكون ذاته علما وعالما بذاته ومعلوما لذاته ، إذ الوجود والنور شيء واحد ولا حجاب له إلا العدم والقصور ، فكل وجود بحسب سنخه يصلح أن يكون معلوما ، وإنما المانع له ذلك إما العدم والعدمي كالهيولى الأولى لتوغلها في الإبهام ، أو الخلط بالعدم الذي هو أصل الظلمات ، كالجسم وما يحله ، إذ كل جزء من الجسم محجوب عن صاحبه غائب عن جزء آخر ، وكذا كل بعد وحجم وكل ذي بعد وحجم مكاني أو زماني ، كالحركة وما معها حكمه هذا الحكم ، سواء كان بالذات أو بالعرض ، كالسواد والبياض وغيرها من الوضعيات المادية ، فالكل مما لا يتعلق به إدراك ، وإنما المدرك من كل منها صورة أخرى وجودها غير هذا الوجود المادي الوضعي الواقع في جهة من جهات هذا العالم ، فكل ما وجوده وجود صوري غير منقسم الذات إلى أمور منفصل بعضها عن بعض ، فهو معلوم الهوية مدرك الذات بالفعل لا يمكن انسلاب الشعور عن ذاته ، ولا يحتاج في

٤٥

كونه مشعورا به إلى عمل من تجريد أو تلخيص ، بل وجوده وجود إدراكي ، وهو حي بحياة ذاتية ، وهكذا جميع الصور الأخروية سواء كانت محسوسة أو معقولة ، والواجب جل ذكره لكونه بريء الذات عن شوب العدم والجسمية والتركيب والإمكان ، فهو في أعلى مرتبة المدركية والمدركية والعاقلية والمعقولية ، ولأنه مبدأ وجود العقلاء وفياض الصور العلمية على ذواتهم وواهب الروح والحياة على الكل ، فيكون عاقلا لذاته ولسائر الأشياء فإن العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول. قال تعالى : (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) قوله : (وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) وقوله : (لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ) الى قوله : (فِي كِتابٍ مُبِينٍ).

قاعدة

في مراتب علمه تعالى بالأشياء إجمالا وتفصيلا

فمنها ، العناية وهي العلم بالأشياء الذي هو عين ذاته المقدسة ، وهو العقل البسيط لا تفصيل فيه ولا إجمال فوقه. والعناية علم تفصيلي متكثر ، وهي نقش زائد على ذاته تعالى عند أصحاب أرسطاطاليس وأتباعه من المشائين. والتحقيق أنها غير زائدة على الذات وليس لها محل لما أشرنا إليه سابقا من أن حقيقة الوجود يجب أن يكون كل الأشياء على وجه مقدس عقلي وإليه الإشارة بقوله : (وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ).

ومنها ، القلم واللوح ، فالقلم موجود عقلي متوسط بين الله وبين خلقه فيه جميع صور الأشياء على الوجه العقلي ، وهو أيضا عقل بسيط ، إلا أنه دون الحق الأول في البساطة والشرف. وأيضا : الحق الأول واحد حقيقي بسيط من كل وجه والعقول الفعالة متعددة كثيرة. وإلى تلك الأقلام أشار تعالى بقوله : (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) وقوله :

٤٦

(وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) وإنما سمي العقل الفعال قلما ، لأن شأنه تصوير الحقائق في ألواح النفوس وصحائف القلوب ، وبه يستكمل النفوس بالصور العلمية ، ويخرج ذاتها من القوة إلى الفعل ، كما بالأقلام ينتقش الألواح والصحائف ويتصور مادتها بصور الأرقام ونقوش الكتابة.

وأما اللوح ، فهو جوهر نفساني وملك روحاني يقبل العلوم من القلم ، ويسمع كلام الله عنه.

ومنها ، القضاء والقدر ، فالقضاء عبارة عن وجود جميع الموجودات بحقائقها الكلية وصورها العقلية في العالم العقلي مجتمعة ومجملة على سبيل الإبداع ، وتلك مرتبطة بالحق الأول ، موجودة في صقع الإلهية ، لا ينبغي عدها من جملة العالم بمعنى ما سوى الله ، بل الحق أنها معدودة من لوازم ذاته الغير المجعولة ، لأنها صور علمه التفصيلي بما عداه ، ولذلك قال : (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ) فالعالم كله جوده ورحمته وخزائن جوده ورحمته يجب أن يكون قبل الجود والرحمة ، فلو كانت تلك الخزائن من جملة جوده ، أي من مخلوقاته ومقدوراته ، فلا بد لها أيضا من خزائن سابقة عليها ، فظهر أن خزائن الله ليست من جملة المصنوعات والأفاعيل ، بل هي سرادقات نورية ولمعات جمالية وجلالية.

وأما القدر ، فهو قدران : قدر علمي ، وقدر خارجي ، فالأول عبارة عن وجود تلك الأشياء مقدرة مصورة بشخصياتها وجزئياتها في قوة إدراكية ونفس انطباعية. وأما الثاني ، فهو عبارة عن وجودها في موادها الخارجية مفصلة واحدا بعد واحد مرهونة بأوقاتها وأزمنتها ، موقوفة على موادها واستعدادتها ، متسلسلة من غير انقطاع ، كما قال تعالى : (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها) وقال : (وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) وأشار إلى القدر العلمي بقوله (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ) وقوله : (يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ) وسيأتي لك مزيد توضيح وتفصيل لهذا المقام.

٤٧

قاعدة

في أن صدور الأشياء المكونة عن علمه تعالى

فالذي يعقله العاقلون ويعرفه الحكماء الإلهيون في كيفية صدور الأشياء المتجددة عن علمه ، أن الرحمة الإلهية والعناية الربانية لما لم يجز انقطاعها على عدد ، ولم يمكن وقوفها عند حد يبقى وراءه الإمكان الغير المتناهي على القوة والكمون من غير أن يخرج إلى الوجود والظهور ، وعالم الأجسام المادية عالم ضيق قصير الفسحة قليل الوسعة ، إذ لا يسع الصور الغير المتناهية دفعة ، بل المكان الواحد لا يسع الجسمين ولا المادة الواحدة لصورتين في زمان واحد فضلا عن غير المتناهي ، قدر بلطيف قدرته وعلمه زمانا غير منقطع الطرفين ، ومادة ذات قوة انفعالية غير متناهية في الانفعال التجددي ، كما أن الواهب ذو قوة غير متناهية في الفعل ، وحيث لا بد في دوام تجدد الفيض من أمر متجدد الذات ، ضروري الحركة والتغير في ذاته ، فأوجد الباري بوسائط عقلية أشخاصا فلكية دوارة بإذن الله دائمة الدوران لأغراض علوية وغايات قدسية كمالية يتبعها استعدادات وانفعالات غير متناهية في مادة سفلية ينضم إلى فاعل غير متناهي التأثير ، وقابل غير متناهي القبول ، فانفتح بذلك باب نزول البركات وتواتر الرشحات ، وقطرات أمطار الرحمة من بحار خزائن السماوات على الدوام (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها) فتصير الصور كلها موجودة في جميع ذلك الزمان على التعاقب التدريجي واحدة بعد واحدة في موادها الخارجية على نعت الاتصال التعاقبي ، والمادة مستكملة بها. ثم لا يخفى أن أشرف الحوادث وما معها مما يتعلق بالهيولى هي النفوس الإنسية الناطقة ولم يمكن حدوثها إلا مع الأبدان ، ولم يمكن خروج جميع ما هو الممكن منها من القوة إلى الفعل دفعة واحدة ، لأن عددها غير متناه وعدد الأبدان الموجودة معها متناهية ، لوجوب تناهي الأبعاد وجهات

٤٨

اقتضاء العلل متناه أيضا ، فلا بد من وجود مدة غير منقطعة ، وأدوار غير متصرمة ليحصل بحسب الأدوار والحركات واستعدادات القوابل المتعاقبات ، نفوس ناطقة قرنا بعد قرن ونسلا بعد نسل ، ليتم الأزل بالأبد ويكمل البداية بالنهاية ، ولا يصير نعمة الله بتراء ، ولا جوده منقطعا وفضله معطلا. ولذلك قال : (وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً) وقال : (ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ) وقال : (قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي ، لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً).

فإذا تقرر هذا ، فالقضاء كما أشير إليه عبارة عن وجود جميع الموجودات في العالم العقلي ، مجتمعة بعد وجودها في العناية الإلهية مجملة ومحلها القلم. والقدر عبارة عن وجوده التفصيلي في كتاب المحو والإثبات وفي مواد الخارجية الجارية بسواد مداد الهيولى الظلماني ، كما جاء في التنزيل (وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ) إشارة إلى وجودها على النحو البسيط في العناية الإلهية. وقوله : (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ) إشارة إلى وجودها في الخزائن العقلية على سبيل الانحفاظ دائما. وقوله : (وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) إشارة إلى المرتبتين الأخيرتين القدريتين ، فالمتنزل هو القدر الخارجي ، لكونه آخر التنزلات ، والمتقدر المعلوم هو القدر العلمي ، وهو سبب للقدر الخارجي ، كما دلت عليه باء السببية ، فالجواهر العقلية وما معها موجودة في القضاء والقدر مرة واحدة باعتبارين ، والجواهر الجسمانية وما معها موجودة فيهما مرتين. فظهر مما ذكرنا أن علمه تعالى محيط بجميع الأشياء الكلية والجزئية ، لأن كل شيء من لوازم ذاته بوسط أو بغير وسط ، يتأدى إليه بعينه قضاؤه وقدره الذي هو تفصيل قضائه تأديا واجبا ، إذ كل ما لم يجب وجوده أولا لم يوجد أخيرا ، فالعناية الإلهية هي إحاطة علمه البسيط الذي هو نفس وجوده بالكل ، وبالواجب أن يكون عليه الكل ، حتى يكون على غاية الجودة والنظام ، وأبلغ الكمال والتمام وأحسنه ، وبأن ذلك واجب عنه تعالى وعن إحاطة علمه به ، ليكون الموجود على وفق المعلوم على أكمل الوجوه في النظام ، فعلمه سبحانه بكيفية الخير والصواب في ترتيب وجود عالمي الغيب والشهادة هو منبع لفيضان الكل.

٤٩

قاعدة

في شمول قدرته وانبساط وجوده وسعة رحمته على الأشياء

قال تعالى : (وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وقال : (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) وقال : (وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ).

اعلم أن موجودية الممكنات بهوية الحق الأول ، وبه قوام كل شيء وحياة كل حي ، كما أن بالروح الإنساني وهو خارج عن هذا العالم وجود أجزاء البدن وقوام آلاته وقواه ، وبه حياة كل عضو من الأعضاء وحسه وحركته ، إلا أن الروح قد ينفعل عن البدن ويستعين به وبآلاته وأعضائه في تحصيل الكمالات ، بخلاف الباري الأول ، فإنه غني عن العالمين ، وهو مبدأ وجوب وجود الأشياء بذاته ، وهو واسع لها منبسط على كلها ، لما مر أنه بسيط الذات لا يعزب عنه وعن علمه الذي هو عين ذاته شيء ، فالأشياء كلها بالقياس إليه واجبات ، وإن كانت بالقياس إلى أنفسها ممكنات ، فلو فرض شيء من الأشياء مسلوبا عنه تعالى من حيث هو هو ، فحيثية كونه هو غير حيثية كونه ليس بكذا ، وإلا لكان شيء واحد من جهة واحدة هو ولا هو. مثلا لو فرض أن ذاته «ألف» وقد صدق عليه أنه ليس «بب» فنقول حيثية كونه «ألف» هل هي بعينها حيثية كونه ليس «بب» أم لا ، فعلى الثاني يلزم في ذاته شيء دون شيء ، فلم يكن واحدا محضا ، وهذا خلف. وعلى الأول يلزم أن يكون المعقول من كونه ـ ألف ـ هو بعينه المعقول من كونه ليس ـ بب ـ وهو محال ، لأن المعقول من الأول هو الثبوت ، ومن الثاني هو السلب ، ويستحيل أن يكون المعقول من السلب نفس المعقول من الإيجاب وإن كان كل منهما مضافا إلى شيء آخر ، فإن المضاف إليه معناه خارج عن معنى المضاف والإضافه ، فالتخصيص به تخصيص بأمر خارج والتخصيص بالأمر الخارج لا يغير حقيقية الشيء في نفسها ، فإذن لو كان معنى ثبوت ـ ألف ـ بعينه معنى سلب ـ ب ـ لكانت طبيعة الثبوت بعينها طبيعة السلب ، فيكون الشيء غير

٥٠

نفسه وهو محال.

فقد ثبت أن الأول تعالى لكونه بسيط الحقيقة يجب أن يكون كل ـ الأشياء الوجودية على وجه أعلى وأشرف ، ولهذا ورد من الأذكار الشريفة «يا هو يا من هو يا من لا هو إلا هو» فإذا كان هذا هكذا ، فجميع الموجودات آثار ذاته ، فلا قدرة بالحقيقة إلا قدرته ، كما لا وجود إلا لمعة من وجوده. وكما لا ينافي كونه أصل الوجود تعدد الموجودات المصحوبة بالنقائص والإمكانات ، كذا لا ينافي كونه مؤثرا في جميع المقدورات ثبوت الوسائط من القادرين بينه وبين المقدورات ، فإن الإيجاد كالوجود مترتب ذو درجات ومراتب بعضها أعلى وبعضها أدون ، قال تعالى : (أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ ، أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ) ، وقال : (هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ) وقال : (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ) وقال : (أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) وقال : (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ) إشارة إلى أن الأفعال المنسوبة إلى القوى ـ المؤثرة ، كالمصورة في تصوير الأعضاء وتشكيلها ، وكالماء والنار في التسخين والتبريد ، وكالإنسان في أفاعيله الصادرة عنه ، وغير ذلك كلها بالحقيقة صادرة عنه تعالى واقعة بتأثيره مع كمال وحدانيته وفردانيته ، فكل ما هو مقدور ومجعول لفاعل ، فهو من حيث صدوره عن ذلك الفاعل صادر عن الحق تعالى ، كما أن وجود كل ممكن من حيث وجوده شأن من شئون الحق ووجه من وجوهه ، ولذلك نسب الأفعال إليه تعالى من حيث نسب إلى مباديها المباشرة لها كما في قوله : (قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ) وقوله : (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى) وقال أيضا : (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها ، فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ) وفيه دلالة على أن الوجود كله خير ، لكن الخيرات متفاوتة بعضها أشد ، وبعضها أضعف ، فبعضها خير محض لا يشوبه شر بوجه من الوجوه أصلا ، وبعضها مشوب بشر أو شرور قليلة أو كثيرة بالإضافة ، فالخير الذي في عالم الجسم ليس مثل الخير الذي في عالم الروح ، بل عالم الأمر خير كله وعالم الخلق لا يخلو من شر أو شرور ، ومع ذلك خيره غالب على شره ، لأن وجوده خير وعدمه شر

٥١

محض ، والإنسان من جملة المخلوقات ، له أن يسلك سبيل القدس وصراط الحق ويتطور في الأطوار الوجودية ويستبق في الخيرات حتى تزول عنه الشر بالكلية ويدخل في دار السلام ، ولذلك أمر الله لنا في الاستباق في الخيرات والافتراق من الشرور والظلمات والدخول في دار السلام ، كما في قوله تعالى : (ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ) وقال : (اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ).

قاعدة

في تحقيق كلامه تعالى

اعتقادنا في الكلام أنه ليس كما زعمته الأشاعرة من أنه معان نفسية قائمة بذاته تعالى وسموها الكلام النفسي ، ولا كما ذهب إليه المعتزلة من أنه خلق أصوات وحروف دالة على المعاني في جسم من الأجسام ، وإلا لكان كل كلام كلام الله وهو باطل. ولا يكفي تقييده على قصد إعلام الغير من قبل الله ، أو على قصد الإلقاء من عنده ، ولو أريد بغير واسطة فهو غير ممكن وإلا لم يكن أصواتا وحروفا ، بل حقيقة التكلم إنشاء كلمات تامات وإنزال آيات محكمات وأخر متشابهات في كسوة الألفاظ والعبارات ، والكلام قرآن وهو العقل البسيط والعلم الإجمالي ، وفرقان وهو المعقولات التفصيلية ، وهما جميعا غير الكتاب ، لأنهما من عالم الأمر وعالم القضاء ، ومظهرهما وحاملهما القلم واللوح المحفوظ ، والكتاب من عالم الخلق والتقدير ومحله عالم القدر الذهني والقدر العيني ، والأولان غير قابلين للنسخ والتبديل ، لأنهما فوق الزمان والمكان بخلاف الكتاب لأنه موجود زماني ، ومحله لوح قدري نفساني هو لوح المحو والإثبات ، أو مواد خارجي ، وكلاهما متغيران ، والكتاب يدركه كل أحد ، والقرءان (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) من أدناس البشرية. وربما يقال : الكتاب للفرقان فإنه بالنسبة إلى القرءان كتاب منزل ، أو باعتبار أنه منزل أيضا في صورة مكتوبة

٥٢

في لوح القدر ، بل الذي بين أظهرنا كلام منزل من عند رب العالمين ، منزله ـ الأول القلم الرباني ، والثاني اللوح المحفوظ ، والثالث لوح القدر وسماء ـ الدنيا ، والرابع لسان جبرئيل تلقاه الرسول الأمين ، صلى‌الله‌عليه‌وآله ، في جميع المقامات ، تارة أخذه من الله بلا واسطة ملك ، كما قال (ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ، فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ، ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى) وتارة بواسطة جبرئيل (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى) وتارة في مقام غير ذلك المقام الشامخ الإلهي (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى ، عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى ، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ، ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ، لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى) وتارة كان يسمع كلام الله في هذا العالم ـ الحسي ، (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ، وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ). ومن هذا المقام ما كان في أول البعثة في جبل حراء ، أو في جبل فاران ، فأتاه جبرئيل عليه‌السلام بصورة محسوسة وسمع منه (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) كما سمع موسى كلامه تعالى النازل في طور سيناء (إِذْ رَأى ناراً ، فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا ، إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً ، فَلَمَّا أَتاها ، نُودِيَ يا مُوسى ، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ ، فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً ، وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى ، إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي) ومن منازل كلام الله تعالى ما يدون في الكتب والقراطيس ، يبدو لكل أحد ويتكلم به كل متكلم ويقرؤه كل قار ويسمعه كل مستمع ، كما في قوله تعالى (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ) ثم قد اختص محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، من بين سائر الأنبياء عليهم‌السلام بتلقي الوحي والكتاب بأن جاوز مقامات الأنبياء كلها وجاوز منازلهم كلهم في السماوات السبع دون البلوغ إلى مقام الأفق الأعلى أو أدنى ، كما أخبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله عن ليلة الإسراء حيث قال : ورأيت آدم في السماء الأولى ، ويحيى في الثانية ...» إلى أن قال : «ورأيت

٥٣

إبراهيم عليه‌السلام في السماء السابعة» فجاز عن مقاماتهم جميعا إلى كمال القرب وغاية الوصول.

وقال تعالى في حق علماء أمته وأولياء ملته «لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحببته ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي به يسمع ...» وهذا هو حقيقة الوصول والإيصال ، لكن الفرق بين النبي والولي في ذلك أن النبي مستقل بنفسه في السير إلى الله تعالى والوصول إليه ، ويكون حظه في كل مقام بحسب استعداده الأتم الأكمل ، والولي لا يمكنه السير إلا في متابعة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتسليكه إياه في سبيل الله ، كما قال : (قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) ويكون حظه في كل من المقامات بحسب استعداده وقوة فطرته فافهم جدا.

قاعدة

في دوام أمره وخطابه للمكونات

قال الله تعالى : (وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) وقال : (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ولا شك أن إرادته أزلية وتخصيص بعض الأشياء بتعلق الإرادة في أوقاتها المعينة الجزئية عند حضور استعداداتها ، أنما هو لأجل قصور قابلياتها عن القبول الأتم ونقصاناتها الذاتية عن الوجود الدائم ، وإذا كانت الإرادة دائمة فالقول واحد والخطاب دائم ، وإن كان المقول له والمخاطب حادثا متجددا ، وقد أخبر تعالى عن جهل أهل العناد بأنهم الذين لا يعلمون أن الله متكلم بالقول الثابت ، والمتكلمية صفة من صفاته وكل صفة من صفاته واحدة مستمرة ثابتة لم يزل ولا يزال ، إذ لا كثرة ولا زوال في عالم الوحدة ، فكلامه الذي هو أمره متعلق بجميع المكونات أمر التكوين وهو خطاب بكلمة كن ، وهي كلمة وجودية ، فسمعت أعيان المكونات خطابه ودخلت في باب الوجود بأمره وإذنه ، وأطاعت السماوات قوله وكلمته ودعوته (ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً) ،

٥٤

فسمعتا كلمته ، وأجابتا دعوته ، وأطاعتا قوله ، و (قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ) ويتناول المكلفين أمر تكليف وتشريع ، وإلى ذلك أشار بقوله : (قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ) وما علموا أن الله يكلمهم على الدوام ، ولكن (لَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها) ، و (إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ) ، و (لَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ) كما أسمع قوما آخرين أخبر عنهم بقوله (وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ) فالسمع الحقيقي ما هو قرين معرفة القلب لا اصطكاك الصماخ بالهواء الخارج ، وكل قلب يكون حيا بحياة المعرفة ، يسمع كلام الحق. وأما القلوب الميتة بموت الجهل فحالهم كما قال تعالى فيهم : (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ) ... (وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ) الخطاب بمقارعة الهواء لسمعهم الظاهر ، وقلوبهم موتى ، (لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) ، كما أسمع نفرا من قوم موسى خطابه تعالى ، فلم ينفذ إلى بواطنهم نور كلامه ولم يطيقوا إسماعه ، فبعد ما رأوا من عظيم الآيات ، وأن الله أماتهم ثم أحياهم حرفوا وبدلوا ، فما يغني الآيات والدلالات ، وإن وضحت عمن حق عليهم القول ولزمهم الشقاوة وطبع على قلوبهم ، وقال الله تعالى فيهم : (وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ...)

واعلم أن بإزاء هؤلاء من كل أمة قوما وقع بينهم وبين الله مكالمة حقيقية ، يكلمهم الله وينظر إليهم وهم يسمعون كلامه بسمع قلبي بلا واسطة تعليم بشري خارجي ، فيكون الفهم لازما لسماعهم ، وقد ورد عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله «إن في أمتي محدثين مكلمين» ولا يشترط أن يكون هؤلاء ـ أنبياء تشريع ورسالة ، لأن الرسالة قد انقطعت وأبوابها قد غلقت وختمت ببعثة نبينا ، صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وما بقي إلا إلهامات من الحق وإعلامات وتعليمات ، وإليهم الإشارة بقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «إن لله عبادا ليسوا بأنبياء يغبطهم النبيون» أي ليسوا بأنبياء تشريع ، بل هم في الشريعة تابعون لمحمد ، صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد علمت أن التكلم الحقيقي ليس من شرطه أن يكون بكسوة

٥٥

الألفاظ والحروف ، ولا أيضا من شرطه تمثل المتكلم بصورة شخصية ، بل إلقاء كلام معنوي إلى قلب مستمع من الله ، قوله عزوجل : (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ، إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ ، الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ، وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) دلت هذه الآية على أن المراد بالسمع هو التعقل وهو السمع الباطني ، كما أن المراد بالبصر هو الرؤية الباطنية. قوله : (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) ... ، (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى) ففي الآيتين دلالة على أن أولي العلم هم الذين يعرفون الحق ويرون بنور عرفانهم ، أن المنزل على الرسول علوم حقيقية ومعارف إلهية ، ولو لا أن وقع لهم بالسمع الباطني مقارعة الكلام المعنوي ، وبالبصيرة الباطنية مشاهدة آيات الملكوت ، لم يعرفوا حقيقة الكلام المنزل على الرسول وأنه الحق من ربه.

قاعدة

في سر الحروف المقطعة القرآنية

اعلم أن الأنبياء عليهم‌السلام ، وضعوا بأمر الله حروف التهجي ، أعني ، حروف الجمل بإزاء مراتب الموجودات ، وقد وجد في كلام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، ما يدلك على ذلك ، وإذا كان كذلك فينبغي أن يكون الألف إشارة إلى المبدإ الأول ، لأنه أول الآحاد ومبدأ الأفراد والأعداد ، وأن يكون الباء إشارة إلى عالم العقل ، ولذلك قيل : ظهرت الموجودات من باء بسم الله. إذ هي الحروف التي تلي الألف الموضوعة بإزاء ذات الله. فهي إشارة إلى العقل الكلي وهو أول ما خلق الله ، المخاطب بقوله تعالى : «ما خلقت خلقا أكرم علي ولا أحب إلي منك ، بك آخذ وبك أعطي ، وبك أثيب وبك أعاقب» وهذا حديث متفق على روايته جميع فرق الإسلام بحسب المعنى ، وإن وقع الاختلاف في صورة اللفظ. والمراد به جملة عالم العقل ، لما بينا في مقامه ، أن العقول القادسات

٥٦

كلها موجودة بوجود واحد ، والتعدد فيها باعتبار مراتب الشدة والضعف ، بل بحسب تفاوت الآثار الصادرة من الله بتوسطها وتوسط جهاتها في القرب والبعد من الله وبحسب قوة النورية والوجود وضعفهما.

وبالجملة ، الكل كأنها شيء واحد ذو درجات متفاوتة متصلة بعضها ببعض ، منطوية بعضها في بعض. وأن يدل بالجيم على النفس الكلية وعالمها ، وبالدال على الطبيعة السارية في الأجسام وآحادها وأنواعها من الصور ـ النوعية للأفلاك والعناصر والمركبات الطبيعية ، فهذه حروف أربعة لموجودات أربعة مترتبة في الوجود والإيجاد ، إذا أخذت من حيث ذواتها ووجوداتها. وأما إذا أخذت من حيث إضافتها ومبدئيتها ، فبالحري أن يدل بالهاء على ـ الباري ، وبالواو على العقل ، وبالزاء على النفس ، وبالحاء على الطبيعة ، وبقي الطاء للمادة الجسمية وعالمها. وليس لها وجود فاعلي وإضافة إلى ما دونها ، لأنها قابلة محضة وقوة استعدادية صرفة ، فيها نفدت رتبة الآحاد وعالم الإبداع للبسائط والأفراد. ثم ينبغي أن يكون المأخوذ من إضافة الأول إلى العقل ، والعقل ذات غير مضافة إلى ما بعده مدلولا عليه بالياء ، لأنه من ضرب ـ ه ـ في ـ ب ـ ولا يحصل من إضافة الباري إلى العقل أو العقل إلى النفس عدد يدل عليه بحرف واحد ، لأن ضرب ـ ه ـ في ـ ج ـ يه ـ وضرب وفي ـ ج ـ يح ـ وأن يكون الأمر وهو من إضافة الأول إلى العقل مضافا مدلولا عليه باللام وهو من ضرب ه في و، ويكون الخلق وهو من إضافة الباري إلى الطبيعة بما هي مضافة مدلولا عليه بالميم ، وهو من ضرب ه في ح لأن الحاء دلالة الطبيعة مضافة ويكون التكوين وهو من إضافة الباري إلى الطبيعة ، وهي ذات مدلولا عليه بالكاف ويكون جميع نسبتي الأمر والخلق أعني ترتيب الخلق بواسطة الأمر ، أعني اللام والميم ومدلولا عليه بحرف عين. وجميع نسبتي الخلق والتكوين كذلك أعني الميم والكاف مدلولا عليه بالسين ، ويكون مجموع نسبتي طرفي الوجود والتكوين أعني ، ل وم ، مدلولا عليه بالصاد ، ويكون اشتمال الجملة في الإبداع أعني ضرب ى في نفسه مدلولا عليه بق ، وهو أيضا من جمع ص وي ، ويكون ردها إلى الأول وهو مبدأ الكل ومنتهاه على أنه أول وآخر ،

٥٧

أعني أنه فاعل وغاية كما بين في الإلهيات مدلولا عليه بالراء ضعف ق.

فإذا تقرر هذا فلنرجع إلى بيان المطلوب ، فنقول : إن المدلول عليه ب (الم) هو القسم بذات الأول ، ذي الأمر والخلق ، وبالراء القسم بالأول ، ذي ـ الأمر والخلق الذي (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ) والمبدأ والغاية ، وب (المص) القسم بالأول ، ذي الأمر والخلق والمنشئ للكل ، وب (ص) القسم بالعناية الكلية وب (ق) ، القسم بالإبداع المشتمل على الكل بواسطة الإبداع السماوي للعقل ، وب (كهيعص) ، القسم بالنسبة التي للكاف ، أعني عالم التكوين إلى المبدإ الأول وبنسبة الإبداع الذي هو ، ي ، ثم الخلق بواسطة ص ر لوقوع الإضافة بسبب النسبة إلى ر ، وهو ع ، ثم التكوين بواسطة الخلق والأمر وهو ص ، فبين ك وه ضرورة نسبة الإبداع ، ثم نسبة الخلق والأمر ، ثم نسبة التكوين والخلق والأمر ، و (يس) ، قسم بأول الفيض وهو الإبداع وآخره وهو التكوين ، و (حم) ، قسم بالعالم الطبيعي الواقع في الخلق و (حم عسق) ، قسم بمدلول وسائط الخلق في وجود العالم الطبيعي بالخلق بينه وبين الأمر بنسبة الخلق إلى الأمر ، ونسبة الخلق إلى التكوين ، بأن نأخذ من هذا ونرده إلى ذلك قسم به بالإبداع الكلي المشتمل على العوالم كلها ، فإنها إذا أخذت على الإجمال لم يكن لها نسبة إلى الأول غير الإبداع الكلي الذي يدل عليها ب (ق) و (طس) يمين بعالم الهيولى ، الواقع في التكوين ، و (ن) ، قسم بعالم التكوين ، وعالم الأمر أعني ن ، لمجموع الكل. ولا يمكن أن يكون للحروف دلالة غير هذا البتة.

وهذه جملة ما ذكره بعض حكماء الإسلام في سر هذه الحروف المجملة ، وهي أجود ما قيل في هذا الباب واحكم ، والله الهادي إلى طريق الصواب وهو أعلم.

قاعدة

في أن العالم الربوبي والصقع الإلهي عظيم جدا

واعلم أن حقائق الأشياء كلها وصورها العلمية الأصلية موجودة

٥٨

عند الله تعالى واجبة بوجوبه الذاتي باقية ببقاء الله لا ببقاء أنفسها ، وهي واحدة من حيث الوجود بحيث لا كثرة في وجودها وإن كانت كثيرة من حيث معانيها وأعيانها التي هو صور أسماء الله وصفاته ، كما قال الله تعالى (وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ) وقوله تعالى : (لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ) وقوله : (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) وقوله : (وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) وقوله : (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ) وقوله : (وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ ، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) وقوله : (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ ، أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ) وقوله : (وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ ، وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) ولا شك أن قبضته ويمينه مقدستان عن التغير والدثور ، ومعنى الآية (ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ) أي اليهود ومن يحذو حذوهم ، أو يجري مجراهم ممن لم يعلموا ارتفاع ذاته عن عالم المفارقات فضلا عن عالم الأجسام ، فشبهوه ونسبوه إلى المثل والنظير والصاحبة والولد (وَقالَتِ الْيَهُودُ : عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ ، وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ) وأيضا : نسبوا إليه التعطيل في الإفاضة والإمساك عن الجود ، إذ (قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ) فيداه غير زائلتين ، بل دائمتان قائمتان بالجود والرحمة. وقوله تعالى : (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها) أي أرض الآخرة ، وهي الأعيان الثابتة المنورة بنور الوجود الفائض عليها من ذات الله تعالى ، والمراد بها ذات النفس الكلية المنورة بنور العقل الكلي المتحدة به الصائرة إياه بحسب الاستكمال الذاتي ، ومن حيث التفصيل نسبتها إليه نسبة القابل إلى المقبول ونسبة ما بالقوة إلى ما بالفعل. ويحتمل أن يكون المراد بأرض الآخرة ، جملة النفوس الإنسانية القابلة لفيضان النور العقلي الإلهي على ذواتها وعقولها الهيولانية ، أو النفوس الحيوانية الخيالية من الإنسان القابلة للأنوار الحسية التي يتمثل بها عند النفس ، الأشباح الأخروية والصور الشخصية المثالية.

٥٩

قاعدة

في أن صور المكونات الموجودة في هذا العالم مرتسمة متمثلة في نفوس السماوات وفي قواها المنطبعة على الوجه الجزئي ، والإشارة إلى معنى القضاء والقدر ، واللوح والقلم.

اعلم أن العالم الجسماني كله بمنزلة إنسان كبير ، وأن جوهر السماء بمنزلة أم الدماغ من بدن الإنسان ، وطبقاتها بمنزلة تجاويف الدماغ. وكما أن الدماغ الإنساني لمكان الروح النفساني الذي هو ألطف الأجرام الكونية مظهر يظهر فيه الصور الإدراكية والأشباح العينية والأشخاص المثالية للنفس ، وكما أن المرآة الخارجية مظهر يظهر بسببها الصور المبصرة للنفس ، فهكذا الروح الدماغي للطافتها وصفائها مرآة روحانية للنفس لما حقق في موضعه ، أن الصور الإدراكية سواء كانت كلية أو جزئية عقلية أو حسية غير حالة في جرم مادي كوني ، ولا أيضا قائمة بمادة جسمية ، فكذلك جوهر السماء وجرمها اللطيف مرآة يظهر فيها الصور الموجودة في نفسها الكلية من عالم الأمر. وبيان ذلك ، أن العالم الروحاني بجوهره المجرد القدسي مخزن القضاء الرباني ، وكذلك العالم النفساني بجرمه السماوي مظهر لقدره ، إذ الصور الإلهية التي في عالم القضاء في غاية الوحدة والصفاء ، لا ينفصل ولا تتمثل في معلوميتها لغيرها لشدة نوريتها ، كمرآة مضيئة ترد البصر عن إدراك ما فيها من الصور بشعاعها ، كما قال تعالى : (وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ) فينتسخ من تلك الصور بالعقل الكلي الذي بمنزلة القلم الناسخ في لوح النفس الناطقة الكلية التي هي قلب الإنسان الكبير ، كما ينسخ بالقلم في اللوح صورا معلومة مضبوطة بعللها وأسبابها على وجه كلي ، كما يظهر في قلوبنا عند استحضارنا للمعلومات الكلية ، كالصور النوعية وكبريات القياس عند الطلب للأمر الجزئي المنبعث عنه العزم على الفعل ، وهو اللوح المحفوظ لانضباط تلك

٦٠