أسرار الآيات

صدر الدين محمّد بن إبراهيم الشيرازي

أسرار الآيات

المؤلف:

صدر الدين محمّد بن إبراهيم الشيرازي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: انتشارات انجمن اسلامى حكمت و فلسفه ايران
المطبعة: چاپخانه وزارت و فرهنگ و آموزش عالى
الطبعة: ٠
الصفحات: ٢٤٦

المكلفين وأقوالهم ليس فيها شيء من الاعتقادات القلبية ، لقوله : (كُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ) ، وقوله : (وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً) ، وقوله : (لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) ، فعلقوها في أعناقهم وأيديهم كما في قوله : (وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) ، وقال (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ) ، فمنهم من أخذ كتابه بيمينه ومنهم من أخذه بشماله ومنهم من أخذه وراء ظهره ، وهم الذين نبذوا الكتاب (وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً) وليس أولئك إلا أئمة الضلال ، قال ويأتي مع كل إنسان قرينه من الشياطين والملائكة لقوله تعالى : (وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ) ، وقوله : (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ، ثم يأتي الله عزوجل على عرشه والملائكة يحمل ذلك العرش فيضعونه على تلك الأرض المشرقة بنوره ، كما قال : (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِ) ، وقوله : (وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) ، والجنة عن يمين العرش والنار من جانب الآخر ، وقد غلبت الهيبة الإلهية على أهل الموقف من ملك وإنسان وجان ، قوله : (وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً) ، ويرتفع الحجب بين الله وبين عباده وهو معنى كشف الساق ، قوله : (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ) ، فلا يبقى أحد على أي دين كان إلا يسجد السجود المعهود ، ومن سجد في الدنيا اتقاء أو رياء خر على قفاه ، ويشرع في الفصل والقضاء والحكم بين عباده فيما كان بينهم ، وأما ما كان بينهم وبين الله ، فإن الكرم الإلهي يسقطه ولا يؤاخذ به ، وقد ورد من الأخبار في ذلك اليوم ما ورد ، ودون الناس ما دونوا ، ونحن بصدد توضيح بعض منها ما يبلغ إليه طاقتنا ويناله جهدنا.

٢٠١

المشهد السابع

في الإشارة إلى نشر الصحائف وإبراز الكتب وكرام الكاتبين

اعلم أن القول والفعل ما دام وجودهما في أكوان الحركات والأصوات فلاحظ لهما من البقاء والثبات ، ولكن من فعل فعلا أو نطق بقول يحصل منه أثر في نفسه وحاله يبقى زمانا ، وإذا تكررت الأفاعيل والأقاويل استحكمت الآثار في النفس ، فصارت الأحوال ملكات ، إذ الفرق بين الحال والملكة بالشدة والضعف ، والاشتداد في الكيفية يؤدي إلى حصول صورة ، أي مبدإ جوهري لها كالحرارة الضعيفة في الفحم إذا اشتدت صارت صورة نارية محرقة ، كذلك الكيفية النفسانية إذا اشتدت صارت ملكة راسخة ، أي صورة نفسانية هي مبدأ لآثار مختصة بها فيصدر بسببها الفعل المناسب لها بسهولة من غير روية وحاجة إلى تعمل وتجشم اكتساب من خارج ، ومن هذا الوجه يحدث ملكة الصناعات والمكاسب العلمية والعملية ، ولو لم يكن للنفوس الآدمية هذا التأثر أولا ثم الاشتداد يوما فيوما لم يكن لأحد اكتساب شيء من الصناعات والحرف ، ولم ينجع التأديب والتعليم لأحد ، ولم يكن في تأديب الأطفال وتمرينهم على الأعمال فائدة ، وذلك ، قبل رسوخ أخلاق مضادة لما هو المطلوب في نفوسهم ، ولأجل ذلك يتعسر تعليم الرجال البالغين وتأديبهم ، لاستحكام صفات حيوانية في نفوسهم بعد ما كانت هيولانية قابلة لكل صنعة وعلم ، كصحيفة خالية من النقوش والصور ، فالآثار الحاصلة من الأعمال والأقوال في القلوب بمنزلة النقوش الكتابية في الألواح والصحائف ،

٢٠٢

كما قال تعالى : (أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ) ، وتلك الألواح القلبية يقال لها صحائف الأعمال وتلك النقوش والصور الكتابية كما يحتاج إلى قابل يقبلها كذلك يحتاج إلى فاعل أي مصور وكاتب ، والمصورون والكتاب في مثل هذه الكتابة هم الكرام الكاتبون ، لكرامة ذاتهم وفعلهم عن المواد الجسمانية ، فهم لا محالة ضرب من الملائكة المتعلقة بأعمال العباد وأقوالهم ، قوله : (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ) ، وهم طائفتان ، ملائكة اليمين ، وهم الذين يكتبون أعمال أصحاب اليمين ، وملائكه الشمال وهم الذين يكتبون أعمال أصحاب الشمال ، قوله تعالى : (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ، وقوله : (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً) ، وقوله : (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ) ، لأن كتابه من جنس العلوم والاعتقادات اليقينة والأخلاق الحسنة ، والظن هاهنا بمعنى اليقين ، (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ) لأن كتابه من جنس الأكاذيب الباطلة والأغاليط الواهية والأوصاف الشيطانية والشهوات الدنيوية المحرقة للنفوس المولمة للقلوب ، (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً وَيَصْلى سَعِيراً).

وقد ورد في الخبر أن من عمل حسنة كذا يخلق الله منها ملكا يستغفر له إلى يوم القيامة ، كما قال : تعالى (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ) ، وهكذا قياس الحكم في جانب الكفر والسوء ، من فسد اعتقاده وبالغ في كفره وسوء اعتقاده يتنزل عليه شيطان يوعده بالشر والجحيم ، وكان قرينه في القبر وفي القيامة ويتعذب به في الآخرة كما قال تعالى : (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) ، وقوله : (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) ، وهذه الهيئة الراسخة في الباطن المتمثلة للنفس هي

٢٠٣

المسماة في عرف الحكمة بالملكة وفي لسان النبوة بالملك والشيطان في جانبي الخير والشر ، والمآل فيهما واحد بشرط أن يكون معلوما عندك أن الملكات الراسخة النفسانية تصير صورا جوهرية ، بل ذواتا مستقلة متمثلة فعالة في النفس منعمة أو موذية لها ، ولو لم يكن لتلك الملكات من الثبات والتجوهر ما يبقى أبد الآباد ، لم يكن لخلود أهل الجنة في الثواب أبدا وأهل النار في العقاب سرمدا وجه صحة ، فإن منشأ الثواب والعذاب لو كان نفس العمل أو القول وهما أمران زائلان يلزم بقاء المعلول مع زوال العلة المقتضية ، وذلك غير صحيح ، والفعل الجسماني الواقع في زمان متناه كيف يصير منشأ للجزاء الواقع في أزمنة غير متناهية ، ومثل هذه المجازاة لا سيما في جانب العقاب لا يليق بالحكيم ، وقد قال : (وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) ، وقال : (بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) ، ولكن إنما يخلد أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار بالثبات في النيات ، ومع ذلك فإن من فعل مثقال ذرة من الخير والشر يرى أثره مكتوبا في صحيفة ذاته أو صحيفة أرفع من ذاته مخلدا أبدا ، كما قال : (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ) ، وإذا حان وقت أن يقع بصره إلى وجه ذاته عند فراغه عن شواغل هذه الحياة الدنيا وما تورده الحواس ، ويلتفت إلى صفحة باطنه ولوح ضميره وقلبه ، وهو المعبر عنه بقوله تعالى : (وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ) ، فمن كان في غفلة عن أحوال نفسه وروحه وحساب حسناته وسيئاته يقول عند حضور ذاته لذاته ومطالعة صفحة وجهه (ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) ... ، (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً).

وقد ورد في هذا الباب من طريق أهل البيت عليهم‌السلام وغيرهم أحاديث كثيرة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، منها ما روي عن قيس بن عاصم أنه قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : يا قيس إن مع العز ذلا وإن مع الحياة موتا وإن مع الدنيا آخرة ، وإن لكل شيء رقيبا ، وعلى كل شيء حسيبا ، وإن لكل أجل

٢٠٤

كتابا ، وإنه لا بد لك من قرين يدفن معك وهو حي ، وتدفن معه وأنت ميت ، فإن كان كريما أكرمك ، وإن كان لئيما أسلمك ، ثم لا يحشر إلا معك ولا تحشر إلا معه ، ولا تسئل إلا عنه فلا تجعله إلا صالحا ، فإنه إن صلح آنست به ، وإن فسد لا تستوحش إلا منه ، وهو فعلك.

فانظر يا وليي في هذا الحديث تجد فيه لباب معرفة النفس ، وفيه إشارة إلى عدة أصول من مسائل علم النفس وأحكامها ليس هاهنا موضع بيانها وشرحها ، من أراد الاطلاع فليطالع كتابنا الكبير المسمى بالأسفار الأربعة ، والمجلد الأول من تفسيرنا الكبير المسمى ذلك المجلد المفتتح بمفاتيح الغيب وغيرهما من المطولات والمتوسطات ، ومنها قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : إن الجنة قيعان وإن غراسها سبحان الله ، ومنها المرء مرهون بعمله ، ومنها خلق الكافر من ذنب المؤمن ، ومنها ما ورد من فعل كذا خلق الله له ملكا يستغفر له إلى يوم القيامة ، وأمثال ذلك من الأخبار.

وفي كلام فيثاغورس وهو من أعاظم الحكماء السابقين أنك ستعارض لك في أفعالك وأقوالك وأفكارك ، وسيظهر لك من كل حركة فكرية أو قولية أو عملية صور روحانية وجسمانية ، فإن كانت الحركة غضبية أو شهوية صارت مادة لشيطان يؤذيك في حياتك ويحجبك عن ملاقاة النور بعد وفاتك ، وإن كانت الحركة عقلية صارت ملكا تلتذ بمنادمته في دنياك وتهتدي به في أخراك إلى جوار الله وكرامته.

ومما يدل على أن صورة الإنسان في الآخرة نتيجة عمله وغاية فعله في الدنيا قوله تعالى في حق ابن نوح عليه‌السلام : (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ) على قراءة فتح الميم ، ومما يدل على أن نفس العمل يعني الملكة الحاصلة منه نفس الجزاء ، وقوله تعالى : (وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، وقوله : (إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، لم يقل بما كنتم تعملون ، تنبيها على هذا المطلب ، وقوله : (ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللهِ النَّارُ) ، وتوضيح ذلك أن مواد الأشخاص الأخروية كما مر هي التصورات الباطنية والتأملات النفسانية ، لأن دار الآخرة ليست من جنس هذه الدار ، فما في الدنيا مادة يطرأ عليها صورة أو نفس من

٢٠٥

خارج ولها حياة عرضية ، وما في الآخرة أرواح هي بعينها صور معلقة قائمة بذاتها حياتها نفس ذاتها ، وهي مع وحدتها الشخصية متكثرة الصور ، والإنسان إذا انقطع عن الدنيا وتجرد عن لباس هذا الأدنى وكشف عن بصره هذا الغطاء ، كانت قوته الإدراكية قدرة وعلمه عينا وغيبه شهادة وسره معاينة ، فيصير مبصرا لنتائج أعماله وأفكاره ، مشاهدا لآثار حركاته وأفعاله ، قارئا لصحيفة أعماله ولوح كتابه ، مطلعا على حساب حسناته وسيئاته ، كما في قوله تعالى (وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) ، ومما يدل على أن الإنسان الكائن في دار الآخرة غير متكون من مادة طبيعية ، بل من صورة نفسانية إدراكية ، قوله تعالى : (أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ كَلَّا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ) ، فعلم أن المرء متكون في القيامة من معلومه ومعتقده ، فإن كان علمه من باب الشهوات والأماني وإلا هواء الفاسدة ، يكون من أهل النار محترقا بنار الجحيم ، ويكون كتابه في السجين ، وإن كانت معلوماته من باب الأمور القدسية ومعرفة الله وعالم ملكوته وكتبه ورسله وسائر المعارف الحقة مع صفاء ذاته من الأمراض والأغشية والظلمات ، فيكون لا محالة من أهل الملكوت الأعلى ، ويكون نفسه ككتاب الأبرار (لَفِي عِلِّيِّينَ وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ) ، وللآية تأويل آخر هو أيضا صحيح وبالجملة فقد ظهر أن كل واحد من أفراد الناس يتكون من مادة النيات والاعتقادات كما يتكون في الدنيا من مواد النطفة والأغذية.

٢٠٦

المشهد الثامن

في الميزان والحساب

قال تعالى : (وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ) ، وقال تعالى : (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ) ، أوتي بلفظ الجمع إشارة إلى أن الموازين أنواع كثيرة ، بعضها ميزان العلوم وبعضها ميزان الأعمال ، وسئل الصادق عليه‌السلام عن قول الله عزوجل (وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ) ، قال عليه‌السلام : الموازين الأنبياء والأوصياء.

وقال شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه رحمه‌الله ، اعتقادنا في الحساب أنه حق منه من يتولاه الله عزوجل ، ومنه من يتولاه حججه ، فحساب الأنبياء والأئمة يتولاه الله عزوجل ، ويتولى كل نبي حساب أوصيائه ، ويتولى الأوصياء حساب الأمم ، والله تبارك وتعالى هو الشهيد على الأنبياء والرسل ، وهم الشهداء على الأوصياء ، والأئمة شهداء على الناس ، وذلك قول الله عزوجل : (لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) ، وقوله تعالى : (فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً) وقوله تعالى : (إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ).

أما ميزان العلوم فاعلم أن الله قد وضع ميزانا مستقيما أنزل من السماء ليعرف بأقسامه مكاييل الأغذية المعنوية ومثاقيل الأرزاق الروحانية

٢٠٧

الباطنية ، ويعلم بها حقها من باطلها ، ويوزن بها نقود الحقائق العقلية وجواهر الصور الإدراكية ، ليميز رائجها في سوق الآخرة من زيفها وخالصها من مغشوشها ، وعلمنا بتعليم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كيفية الوزن به ومعرفة أقسامه الخمسة وتميز مستقيمها عن مائلها ، حيث قال : (وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ) ، فمن يعلم هذه الموازين الخمسة التي أنزلها في كتابها المنزل على رسوله وعلم بها أنبيائه وعباده الصالحين فقد اهتدى ، ومن عدل عنها وعمل بالرأي والتخمين فقد ضل وغوى وتردى إلى الجحيم.

فإن قلت : أين ميزان العلوم في القرآن وهل هذا إلا إفك وبهتان ، قلنا : ألم تسمع قوله تعالى في سورة الرحمن ، (الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ) إلى أن قال : (وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ) ... (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ) ، ألم تسمع في سورة الحديد : (لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) ، أتزعم أيها العاقل أن الميزان المنزل من عند الله مع إنزال الكتاب المقرون اسمه باسم الكتاب هو ميزان البر والشعير والأرز والأقط (١) وغيرها؟ أتتوهم أن الميزان المقابل وضعه لرفع السماء هو القبان والطيار وأمثالهما ، ما أبعد هذا الحسبان ، وما أسخف هذا البهتان ، واتق الله يا أخي ولا تتعسف في باب التأويل واترك الجهالة واللجاج (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ).

واعلم أن هذا الميزان برهان معرفة الله وصفاته وأفعاله وملائكته وكتبه ورسله وملكه وملكوته ، ليعلم كيفية الوزن به تعليما من قبل أنبيائه عليهم‌السلام كما تعلم الأنبياء من ملائكته ، فالله هو المعلم الأول ، والمعلم الثاني جبرئيل ، وثالث المعلمين هو الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأول من استعمل هذا الميزان بتعليم الله وتعليم جبرئيل هو أب الأنبياء وشيخهم إبراهيم الخليل ثم سائر الأنبياء إلى ابنه المقدس محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله وقد

__________________

(١) الجبن.

٢٠٨

شهد الله لهم بالصدق ، وتفصيل ذلك مذكور ، في المفاتيح الغيبية.

واعلم أن الموازين الواردة في القرآن في الأصل ثلاثة ، ميزان التعادل ، وميزان التلازم ، وميزان التعاند ، لكن ميزان التعادل تنقسم إلى ثلاثة أقسام ، الأكبر والأوسط والأصغر ، فيصير الجميع خمسة وتفاصيلها وبيان كل منها وكيفية استنباطها من القرآن المجيد مذكورة هناك.

الأول الميزان الأكبر من موازين التعادل وهو ميزان الخليل عليه‌السلام وقد استعلمه مع نمرود وهو كما حكى الله بقوله : (قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) إلى قوله : (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) ، وقد أثنى الله عليه في استعماله لهذا الميزان ، قال : (وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) ، فإن في حجته الثانية التي بها صار نمرود مبهوتا ، لأنه أدركها ولم يبلغ دركه إلى الحجة الأولى ، أصلين ، إذ مدار القرآن على الحذف والإيجاز ، وكمال صورة هذا الميزان أن يقال : كل من قدر على اطلاع الشمس من المشرق هو الإله ، هذا أحد الأصلين ، وإلهي هو القادر على اطلاعها منه الأصل الآخر ، فلزم من مجموعها أن إلهي هو الإله دونك يا نمرود ، والأصل الأول مقدمة ضرورية متفق عليها ، والثاني من المشاهدات ويلزم منهما النتيجة ، فكل حجة صورتها هذه الصورة وصح فيها أصلان كان حكمها في لزوم النتيجة المناسبة هذا الحكم ، إذ لا دخل لخصوص المثال ، فإذا جردنا روح الميزانية عن خصوصية المثال نستعملها في أي موضع أردنا وننتفع بها ، كما يأخذ الناس معيارا صحيحا وصنجة معروفة ، فيزنون الذهب والفضة وغيرهما بتلك الصنجة المعروفة.

الثاني الميزان الأوسط وهو أيضا واضعه الله ومستعمله الأول خليل حيث قال : (لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) ، وكما صورته أن القمر آفل ، والإله ليس بآفل ، فالقمر ليس بإله ، وأما حد هذا البرهان وروحه فهو أن كل شيئين وصف أحدهما بوصف يسلب عن الآخر فهما متباينان.

الثالث الميزان الأصغر فهو أيضا مبناه من الله ، حيث علم به نبيه محمدا صلى‌الله‌عليه‌وآله في القرآن وهو قوله : (وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ

٢٠٩

إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ) الآية ، ووجه الوزن به أن يقال قولهم بنفي إنزال الوحي على البشر قول باطل للازدواج بين أصلين ، أحدهما أن موسى وعيسى بشر ، والثاني أنه منزل عليهما الكتاب ، فيبطل بها الدعوى العامة بأنه لا ينزل الكتاب على بشر أصلا.

الرابع ميزان التلازم وهو مستفاد من قوله تعالى : (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا) ، وكذا من قوله : (لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها) ، وأما حد هذا الميزان وروحه وعياره ، فهو أن من علم لزوم أمر لأمر آخر وعلم وجود الملزوم يعلم منه وجود اللازم ، وكذا لو علم نفي اللازم يعلم منه نفي الملزوم ، أما الاستعلام من وجود اللازم على وجود الملزوم أو من نفي الملزوم على نفي اللازم فهو ملحق بموازين الشيطان ، إذ ربما كان الملزوم أخص من لازمه.

الخامس ميزان التعاند أما موضعه من القرآن فهو قوله تعالى تعليما لنبيه ، (ص) (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) ، ففيه إضمار أصل آخر لا محالة ، إذ ليس الغرض منه ثبوت التسوية بينه وبينهم ، وهو أنه معلوم أنا لسنا في ضلال مبين ، فيعلم من ازدواج هذين الأصلين نتيجة ضرورية وهي أنكم في ضلال مبين ، وأما حد هذا الميزان وعياره ، فكل ما انقسم إلى قسمين متباينين فيلزم من ثبوت أحدهما نفي الآخر وبالعكس ، لكن بشرط أن القسمة حاصرة لا منتشرة ، فالوزن بالقسمة الغير المنحصرة وزن الشيطان ، فهذه هي الموازين المستخرجة من القرآن وهي بالحقيقة سلاليم العروج إلى عالم السماء بل إلى معرفة خالق الأرض والسماء ، وهذه الأصول المذكورة فيها هي درجات السلاليم.

وأما المعراج الجسماني فلا يفي به سعة قوة كل أحد بل يختص ذلك بالقوة النبوية.

فإن قلت : فما وجه التطابق بين الميزان الروحاني والميزان الجسماني ، وأين في ميزان الآخرة العمود الواحد والكفتان ، وأين في

٢١٠

موازين الآخرة ما يشبه القبان.

قلنا : قد مر أن هذه المعارف التي هي سبب عروج النفس إلى معارج الملكوت مستفادة من أصلين ، فكل أصل كفة ، والحد المشترك بين الأصلين الداخل فيهما عمود ، وأما ما يشبه القبان فهو ميزان التلازم ، إذ أحد طرفيه أطول ، والآخر أقصر ، ويتولد النتيجة من ازدواج أصلين يدخل شيء من أحدهما في الآخر ، فهذه الموازين الخمسة التي يعرف بها مثاقيل الأفكار ومكاييل الأنظار في العلوم الحقيقية التي هي الأرزاق المعنوية لأهل الآخرة ، وقد أنزل الله تعالى هذه الموازين من السماء ليعلم كل أحد مقدار علمه وعقله وميزان سعيه وعمله ، ويحسب حساب رزقه وأجله ، ويحضر كتاب عمره وأمله ، فإن لكل مخلوق رزقا خاصا وبحسب كل رزق له أجل مكتوب وحساب محسوب ، والأرزاق المعنوية كالأرزاق الحسية متفاوتة في الأكل متفاضلة في دوام الحياة والأجل كما وكيفا ونفعا وضرا بل الأرزاق الأخروية أكثر تفاوتا وأشد تفضيلا من الأرزاق الدنيوية ، كما في قوله تعالى : (وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً) ، وقال أيضا مخاطبا لنبيه المنذر : (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) ، فأمر الله نبيه بدعوة الخلائق إلى أنواع مختلفة من الرزق حسب تفاوت الغرائز والجبلات للخلق ، فالقرآن بمنزلة مائدة نازلة من السماء إلى الأرض مشتملة على أقسام من الرزق لطوائف من الناس ، ولكل منها رزق معلوم وحياة مقسوم ، فالحكمة والبرهان لقوم ، والموعظة والخطابة لقوم ، والجدل والشهرة لقوم ، ويوجد فيه لغير هؤلاء الطوائف الثلاث أغذية ليست بهذه المثابة من اللطف ، بل أنزل منها على حسب مقاماتهم في الكثافة والسفالة إلى حد القشور والنخالة ، كما في قوله تعالى : (وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) ، فكما يوجد فيه اللبوب كذلك يوجد فيه التبن والقشور ، وهي للعوام الذين درجتهم درجة الأنعام كما قال : (مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ) ، وذلك لأن الغذاء يجب أن يكون مشابها للمغتذي.

٢١١

تبصرة ميزانية

ومن الأمور التي لا بد من معرفتها لكل أحد ممن آمن بالله وباليوم الآخر ، وهو أن يعلم كيفية الموازنة بين الأمور الدنيوية والأخروية ، وتحقق التطابق بين النشأتين ، فمن فتح على قلبه بإذن الله باب الموازنة بين العالمين ، عالم الملك والملكوت ، عالمي الغيب والشهادة ، يسهل عليه سلوك سبيل الله وملكوته ، واطلع على أكثر أسرار القرآن وأغواره ، وشاهد حقائق آياته وأنواره ، مما غفل كافة علماء الرسوم ومتفلسفة الحكماء المشهورين بالفضل والذكاء من هذه الموازنة ، وهي باب عظيم في معرفة أحوال الأشياء وحقائق الموجودات على ما هي عليها ، سيما معرفة أمور المعاد ، وهو أول مقامات النبوة ، لأن مبادي أحوال الأنبياء عليهم‌السلام أن يتجلى لهم في المنام النشأة الثانية ، ويتصوروا حقائق الأشياء في كسوة الأشباح المثالية ، لأن الرؤيا الصادقة جزء من أجزاء النبوة ، ولا يتجلى حقائق الأشياء بلا التباس إلا في عالم القيامة لقيامها بذواتها ، وأما في هذا العالم فهي في أغطية من الصور الحسية ، والآن (فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) ، فتأمل في هذا المقام فعساك تنفتح لك روزنة إلى عالم الملكوت ، وإلا فما زلت متوجها إلى ملابس عالم التقليد الحيواني ، مصروف الهمة والوجهة إليه من أنوار الملكوت ، مستفيدا من آثار الحس والتقليد ، فمحال أن يتجلى لك شيء من عجائب الحكمة وغوامض أسرار القيامة.

تذكير

اعلم يا حبيبي إنك مسافر من الدنيا إلى الآخرة ، وأنت تاجر أيضا ورأس مالك حياتك الدنياوية ، وتجارتك هي اكتساب القنية العلمية ، وهي زاد سفرك إلى معادك ، وفائدتك وربحك هي حياتك الأبدية تنعمها بلقاء الله ورضوانه ، وخسرانك هو هلاك نفسك باحتجابك عن جوار الله ودار كرامته.

٢١٢

واعلم أن الناقد بصير لا يقبل منك إلا الخالص من ذهب المعرفة وفضة الطاعة ، فوزن حسناتك بميزان صدق ، واحسب حساب نفسك قبل أن توافي عمرك ، وقبل أن يحاسب عليك في وقت لا يمكنك التدارك والتلافي ، فالموازين مرفوعة ليوم الحساب وفيه الثواب والعقاب (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ).

وأما القول في ميزان الأعمال ، فاعلم أن لكل عمل من الأعمال الحسنة كالصلاة والصيام والقيام وغيرها ، باعتبار تأثيره في النفس وتخليصها من أسر الشهوات وتطهيرها عن غواسق الطبيعة وجذبها من الدنيا إلى الآخرة وإصعادها عن المنزل الأدنى الأسفل إلى المحل الأرفع الأعلى مقدارا معينا وقوة معينة ، وكذلك لكل عمل من الأعمال السيئة قدرا معينا من التأثير في أظلام جوهر النفس وتكثيفها وتكديرها وتعليقها بالدنيا وشهواتها وتقييدها بسلاسلها وأغلالها ، وكل ذلك محجوب عن مشاهدة الخلق في الدنيا ، وعند وقوع القيامة ينكشف لهم ، لأجل رفع الحجاب وكشف النقاب حقيقة الأمر في ذلك ، فكل أحد يرى غاية عمله وسعيه في الدنيا والآخرة ، وقوة انجذابه إلى النعيم والجحيم ، ويرى ثقل أحد جانبي ميزانه ورجحان أحد كفتي ميزانه رفعا ووضعا ، وبالجملة كل واحد من أفراد الناس له تفاريق أعمال ، إما حسنات أو سيئات أو مختلفات ، فإذا جمعت يوم القيامة متفرقات حسناته أو سيئاته كان إما لأحدهما الرجحان أو لا ، فإن كان الرجحان للأولى كان من أهل السعادة وإن كان للثاني كان من أهل الشقاوة ، ومن استوت حسناته وسيئاته كان متوسطا بين الجانبين حتى يحكم الله فيه ، وهاهنا قسم آخر أرفع من الثلاثة ، وهم الذين استغرقوا في شهود جلال الله ولا التفات لهم إلى عمل صالح أو سيئ فكسروا كفتي ميزانهم وخلصوا من عالم الموازين والأعمال إلى عالم المعارف والأحوال وأنوار الجمال والجلال.

فنقول من الرأس : كل أحد ما لم يتخلص ذاته بقوة اليقين ونور

٢١٣

الإيمان عن قيد الطبيعة وأسر الدنيا فذاته مرهونة بعمله ، فهو بحسب مزاولة الأعمال والأفعال وثمراتها ونتائجها وتجاذبها للنفس إلى شيء من الجانبين بمنزلة ميزان ذي كفتين ، إحدى كفتيه تميل إلى الجانب الأسفل أعني الجحيم بقدر ما فيها من متاعها متاع الدنيا الفانية وزادها ، والأخرى تميل إلى العالم الأعلى ودار النعيم بقدر ما فيها من متاع الآخرة وزادها ، ففي يوم القيامة ويوم العرض الأكبر إذا وقع تعارض بين الكفتين ، والتجاذب إلى الجنبتين ، فالحكم من الله العلي الأكبر لكل أحد في إدخاله إحدى الدارين ، دار النعيم ودار الجحيم على حسب ميزانه من جهة رجحان إحدى الكفتين ، كفة الحسنات وكفة السيئات.

واعلم أن كفة الحسنات في جانب المشرق وكفة السيئات في جانب المغرب ، وأن الأولى كفة أصحاب اليمين والأخرى كفة أصحاب الشمال ، ثم لا يذهب عليك أنه إذا وقع الترجيح والمجازاة ونفذ الحكم وقضي الأمر ، تصير الكفتان كلتاهما في حكم واحدة في اليمينية والشمالية والمشرقية والمغربية والجنانية والجحيمية ، فأهل السعادة كلتا يديهم تصير يمينية ، وكلتا يدي أهل الشقاوة تصير شمالية.

قاعدة

في الحساب

الحساب جمع متفرقات شتى ليعلم حاصل مجموعها ، وقد سبق أنه ما من إنسان إلا وله متفرقات أعمال وأقوال ، ولأعماله وأقواله المتفرقة آثار ونتائج في القلب تنويرا وإظلاما وتقريبا إلى الله تعالى وتبعيدا عنه ، ولا يعلم فذلكتها ولا يعرف جمع متفرقاتها الآن إلا الله ، فإذا أحضرت الملائكة فذلكة متفرقاتها ، وحاصل أعدادها ، وصورة نتائجها وجمعية ثمراتها بإذن الله تعالى كانت حسابا بهذا الاعتبار ، وباعتبار إثباتها في صحيفة مكتوبة كتبها كرام الكاتبين كانت كتابا ، فكل أحد يصادف يوم الآخرة جامع كل دقيق وفيدخلون جهنم بلا حساب ، وقسم منهم صدر منهم بعض الحسنات لكن وقع في حقهم قول : (وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) ، وقوله : وقدمنا

٢١٤

جليل من أعماله وأقواله في صحيفة باطنية ، طويت منا اليوم ونشرت يوم القيامة ، وهي كتاب حفيظ لقوله تعالى : (وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ) ، وقوله : (لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) ، ففي قدرة الله تعالى أن يكشف في لحظة واحدة للخلائق كلهم حاصل حسناتهم وسيئاتهم (وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ).

قاعدة

في الإشارة إلى طوائف الناس من جهة الحساب

الناس يوم القيامة صنفان ، صنف يدخلون الجنة ويرزقون من نعيمها ، وهم ثلاثة أقوام ، منهم المقربون الكاملون في المعرفة والتجرد ، وهم لتنزههم وارتفاع مكانتهم عن شواغل الكتاب والحساب يدخلون الجنة بغير حساب ، كما قال تعالى في حقهم : (ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ) ، ومنهم جماعة من أصحاب اليمين لم يقدموا في الدنيا على معصية ولم يقترفوا سيئة ولا فسادا في الأرض ، لصفاء ضمائرهم وقوة نفوسهم على فعل الطاعات وإيتاء الحسنات ، فهم أيضا يدخلون الجنة بغير حساب ، كما قال : (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) ، ومنهم جماعة نفوسهم ساذجة وصحائف أعمالهم خالية عن آثار السيئات والحسنات جميعا ، «فينالهم الله برحمة منه وفضل لم يمسسهم سوء العذاب (١)» ، لأن جانب الرحمة أرجح من جانب الغضب ، إذ لا يمكن هنا رجحان إلا مجرد الإمكان ، وتحقق قابليته مع عدم المنافي ، فهؤلاء أيضا يدخلون الجنة بغير حساب ، وقد قال : (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) ، وقال : سبقت رحمتي غضبي.

وأما الصنف الثاني الذين هم أهل العقاب فهم أيضا ثلاثة أقسام ، منهم صحيفة أعمالهم خالية من العمل الصالح ولا محالة يكون كافرا محضا ،

__________________

(١) ـ هذه ليست بآية ، بل تركيب من آيات مختلفة.

٢١٥

فيدخلون جهنم بلا حساب ، وقسم منهم صدر منهم بعض الحسنات لكن وقع في حقهم قول : (وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) ، وقوله : (وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً) ، وقسم منهم وهم في الحقيقة من أهل الحساب ، حيث (خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً) ، فهؤلاء قسمان ، قسم من نوقش معهم في الحساب بكل دقيق وجليل ، لأنهم بهذه الصفة عاشوا في الدنيا وعاشروا مع الخلائق فاستوفوا حقوقهم في المعاملات مع الخلق من غير مسامحة ، فعومل معهم في الآخرة هكذا ، والقسم الثاني وهم الذين كانوا (يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ) ويشفقون من عذاب يوم القيامة ، فهؤلاء لا يعذبون كثيرا بالمناقشة معهم في الحساب ، فكيف في العذاب بالنار.

٢١٦

المشهد التاسع

في الجنة والنار والإشارة إلى أبواب النيران

قال محمد بن علي بن بابويه القمي رحمه‌الله اعتقادنا في الجنة أنها دار البقاء ودار السلامة لا موت فيها ولا هرم ، ولا سقم ولا مرض ، ولا آفة ولا زوال ولا زمانة ولا هم ولا غم ولا حاجة ولا فقر وأنها دار الغنى ودار السعادة ودار المقامة ودار الكرامة لا يمس أهلها نصب ولا يمسهم فيها لغوب و (فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ) ، وأنها دار أهلها جيران الله وأولياؤه وأحباؤه وأهل كرامته ، وهم أنواع على مراتب الجنة ، منهم المتنعمون بتسبيح الله وتقديسه وتكبيره في جملة ملائكته ، ومنهم المتنعمون بأنواع المآكل والمشارب والفواكه والأرائك وحور العين ، واستخدام الولدان المخلدون ، والجلوس على النمارق والزرابي ولباس السندس والحرير ، وكل منهم إنما يتلذذ بما يشتهي ويريد على حسب ما تعلقت عليه همته ، ويعطى ما عند الله من أجله ، واعتقادنا في النار أنها دار الهوان ودار الانتقام من أهل الكفر والعصيان ، ولا يخلد فيها إلا أهل الكفر والشرك ، فأما المذنبون من أهل التوحيد فإنهم يخرجون منها بالرحمة التي تدركهم ، والشفاعة التي تنالهم ، وفي الرواية أنه لا يصيب أحدا من أهل التوحيد ألم في النار إذا دخلوها ، وإنما يصيبهم الله الآلام عند الخروج منها ، فيكون تلك الآلام جزاء بما كسبت أيديهم وما الله (بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) ، وأهل النار هم المشركون حقا (لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها) ، (لا يَذُوقُونَ فِيها

٢١٧

 بَرْداً وَلا شَراباً إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً) ، وإن استطعموا أطعموا من الزقوم وإن استغاثوا أغيثوا (بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ) ... (رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ) ، فيمسك الجواب عنهم أحيانا ثم قيل لهم : (اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ) ، (وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ).

وأبواب الجنان هي التي أشير إليها في القرآن بقوله تعالى : (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ) ، وقوله : (لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ) ، وقوله : (جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ) ، وأبواب النيران هي المشار إليه بقوله تعالى : (ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها) ، وقوله : (حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها) ، وقوله : (لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ) ، لكنهم اختلفوا في تعيين ماهيتها فقيل هي المدارك السبعة ، وهي الحواس الخمس الظاهرة والحاستان الباطنتان يعني الخيال والوهم ، أحدهما مدرك الصور والآخر مدرك المعاني الجزئية ، وهذه الأبواب كما أنها أبواب النيران فهي أبواب الجنان ، إذا استعملها الإنسان في الطاعات وفيما خلقها الله لأجله ، وللجنة باب ثامن مختص هو باب القلب ، وقيل هي الأعضاء السبعة التي وقع التكليف بها ، وقيل هي الأخلاق السيئة للجحيم ، ومقابلاتها من الأخلاق الحسنة للجنة ، وهي مثل الحسد والكبر والبخل والعجب والنفاق وغير ذلك ، فلا يبعد أن يكون لها سبعة جوامع ، لكل منها شعب كثيرة ، أو هي أبواب ، والقول الأول أقرب إلى الصواب ، فإن كلا من المشاعر السبعة باب إلى الشهوات الدنيوية التي ستصير نيرانات محرقة في الآخرة ، وهي أيضا أبواب لإدراكات المعارف التي يثاب بها في الجنة ، وإن كلا منها فيه باطن وظاهر ، (باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ) ، وإذا غلقت أبواب النيران فتحت أبواب الجنان ، بل هي على شكل الباب الذي إذا فتح على موضع انسد عن موضع آخر ، فعين غلقه على منزل عين فتحه إلى منزل آخر إلا باب القلب وهو الباب الثامن ، فإنه مغلق دائما على أهل الحجاب الكلي والكفر ، وهو مختص بأهل الجنة ولا ينفتح لأهل النار ،

٢١٨

(فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ) ، والنار لها على الأفئدة اطلاع لا دخول لغلق ذلك الباب عليها ، فما ذكر الله من أبواب النار إلا السبعة التي يدخل منها الناس والجان ، وأما الباب المغلق الذي لا يدخل فيه أهل الكفر والاحتجاب ، فباطنه محل الإيمان والعبودية. وفي الحديث التراب لا يأكل محل الإيمان ، وما فيه ، سعيد في الدنيا والآخرة ليس للعذاب والشقاء فيه مدخل ، فهو كالجنة حفت بالمكاره ، وباطنه فيه الرحمة وظاهره فيه العذاب ، وهي النار (الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ). وأما منازل جهنم ودركاتها وخوخاتها (١) فعلى قياس ما يذكر في الجنان ، وأما أسماء أبوابها السبعة فهي باعتبار الإضافة إلى منازلها ، باب جهنم ، وباب الجحيم ، وباب السعير ، وباب السقر ، وباب اللظى ، وباب الحطمة ، وباب السجين ، والباب الثامن المغلق الذي لا يفتح فهو الحجاب والسد ، وأما خوخات النار فهي شعب الكفر والفسوق ، وكذا خوخات الجنة هي شعب الإيمان والطاعة ، فمن عمل من خير فإنه يراه في الآخرة ، وأما الشر فقد يراه وقد يعفى عنه.

تنبيه

اعلم أن باطن الإنسان في الدنيا هو ظاهره في الآخرة ، وما كان لها غيبا هاهنا يصير شهادة هناك ، والحق أن إطلاق أبواب الجنان على هذه المشاعر من باب التوسع ليس على الحقيقة ، لأن باب الدار ما إذا فتح فتح إليها ، وبه يقع الدخول إليها بلا مهلة ، وما هي إلا الحواس المحشورة مع النفس الباقية معها ، فإن للنفس في ذاتها كما مر سمعا وبصرا وشما وذوقا ولمسا وتخيلا وتصرفا وفعلا وحركة ، وإن لها عينا باصرة (إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) ، وأذنا سامعة يسمع بها كلمات الملائكة وأصوات طيور الجنان ونغماتها ، وشما يشم به روائح الأنس ونسائم القدس ، وذوقا يذوق به طعوم

__________________

(١) ـ الكوة ـ الباب الصغير في الباب الكبير.

٢١٩

الجنة ، ولمسا يمس به حور العين ، وهي المشاعر الروحانية والحواس الباطنية ، وإنها مع محسوساتها من أهل الجنة إن لم يحجبها سد ولم يمنعها مانع ، وأما هذه الحواس فهي داثرة ومحسوساتها مستحيلة كائنة فاسدة توجب العذاب الأليم والحرمان عن النعيم ، ويؤدي إلى الهاوية ويحترق بنار الجحيم ، فكل نفس تتبع الهوى وتسخر الشهوة عقلها ، ويستخدمها الشيطان ويستعبدها ، كما قال : (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً) ، فيصير على كل من مشاعره السبعة له سببا من أسباب طاعته للهوى وانقياده للشهوات وعدوله عن طريق الهدى ، وبابا من أبواب الوقوع في المهالك ، (فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) ، فيكون حاله كما أفصح عنه قوله تعالى : (فَأَمَّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى) ، فظهر أن كل مشعر من المشاعر باب من أبواب جهنم ، (لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ) ، وأما القلب فإذا تنور بنور المعرفة والإيمان وخرج من القوة إلى الفعل كالحديد إذا صقل وخرج من الحديدية إلى المرآتية ، صار كعين صحيحة استنارت بنور الملكوت الأعلى ، فيطالع بكل مشعر آية من آيات ربه الكبرى وبابا من أبواب معرفة ربه الأعلى فينتزع من صورها المحسوسة معاني كلية ، ويفهم منها أسرار إلهية يقف عليها ويستعد بذلك للسعادة القصوى ومجاورة الرحمن (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) ، وهذا بخلاف حال أهل الهوى والجهالة المعرضين عن سماع آيات الله ،

مصرين مستكبرين كما قال سبحانه : (يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها) ... (كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) ، وهم الذين غلقت عليهم الأبواب وسدت عليهم الطرق كقوله تعالى : (وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) ، فلا لهم قوة نظرية لإدراك المعقولات الإلهية ، ولا أيضا لهم سلامة قلب في تلقي السمعيات الدينية ، فلا جرم حالهم في القيامة كما اعترفوا به حين ما لا تنفعهم ذلك الاعتراف ، (قالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ) ، فقد وضح وانكشف

٢٢٠