أسرار الآيات

صدر الدين محمّد بن إبراهيم الشيرازي

أسرار الآيات

المؤلف:

صدر الدين محمّد بن إبراهيم الشيرازي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: انتشارات انجمن اسلامى حكمت و فلسفه ايران
المطبعة: چاپخانه وزارت و فرهنگ و آموزش عالى
الطبعة: ٠
الصفحات: ٢٤٦

لتبلغ البطن السابع ، وإذا سخطت لعنت وإن لعنتي لتبلغ البطن السابع تنبيها على أن الخير والشر الذي يكتسبه الإنسان ويتخلق به يبقى أثره موروثا إلى البطن السابع.

والثالث اختلاف ما يتكون منه النطفة التي تكون منها الولد ، ودم الطمث الذي يتربى به ، فلذلك تأثر بحسب طيب ما يكونان منه وخبثه ، ولهذا قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : تخيروا لنطفكم ، وقال : الناكح غارس فلينظر أين يضع غرسه ، وقال : إياكم وخضراء الدمن قيل وما خضراء الدمن ، قال : المرأة الحسناء في منبت السوء.

ورابعها اختلاف ما يتغذى به من طيب الرضاع وطيب المطعم الذي يتربى به ، ولتأثير الرضاع الطيب ورد في الحديث «الرضاع يغير الطباع» ، ويقول العرب لمن تصفه بالفضل «لله درك».

وخامسها اختلاف أحوالهم في تأديبهم وتلقينهم وتعويدهم العادات الحسنة والقبيحة ، فحق الوالد أن يأخذ الولد بالآداب الشرعية ، وإخطار الحق بباله ، وتعويده فعل الخيرات ، كما قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : مروهم بالصلاة لسبع ، واضربوهم لعشر ، ويجب أن يصان عن مجالسة الأردياء في حال صباه ، فإنه كالشمعة يتشكل بكل شكل ، وأن يحسن في عينه الكرامة والشرف والمدح ، ويقبح عنده المهانة والمذلة والخسة والذم ، ويعوده مخالفة الشهوة ومجانبة الهوى ، قال بعض الحكماء : من سعادة الإنسان أن يتفق له في صباه من يعوده تعاطى الشريعة ، حتى إذا بلغ الحلم وعرف وجوبها فوجدها مطابقة لما يعودها قويت بصيرته ونفذت في تعاطيها.

وسادسها من يتخصص به ، فيأخذ طريقة فيما يتمذهب به.

وسابعها اختلاف اجتهاده في تزكية نفسه بالعلم والعمل حين استقلاله بنفسه.

فالفاضل التام الفضيلة من اجتمعت له هذه الأسباب المسعدة ، وهو أن يكون طيب الطينة معتدل الأمزجة ، جاريا في أصلاب آباء صلحاء ذوي أمانة واستقامة ، متكونا من نطفة طيبة ودم طمث طيب على مقتضى الشرع ،

١٤١

ومرتضع بدر طيب ، مأخوذا في صغره من قبل مربية بالآداب الصالحة ، وبالصيانة عن مصاحبة الأشرار ، ومتخصصا بعد بلوغه بمذهب حق ، ومجتهدا بنفسه في تعرف الحق مسارعا إلى الخير فمن وفق في هذه الأشياء يجمع فيه الخيرات من جميع الجهات ، كما قال تعالى : (لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) ، ويكون جديرا أن يعد ممن وصفه الله تعالى : (وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ) ، والرذل التام الرذيلة ، هو من يكون بعكس ذلك في الأمور التي ذكرناها.

قاعدة

في أن أفراد البشر ذوات نفوس حيوانية جزئية مجردة

كلها عن البدن الطبيعي لا عن الصورة المثالية

اعلم أن لكل من أفراد البشر قوة خيالية يحضر عندها الصور الإدراكية الغير الموجودة في مواد هذا العالم ، إذ ليست هي ذوات جهات وأوضاع وأحياز من هذا العالم الطبيعي ، وكل قوة هذا شأنها فهي مجردة الذات عن المواد الطبيعية ، فلكل من أفراد البشر خيال بالفعل ، ولأجل ذلك يحشرون في الآخرة ويبعثون إلى عالم آخر قوله تعالى : (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً) ، ولسائر الحيوانات نفوس حساسة بالفعل متخيلة بالقوة ، فليس لها نشأة أخرى ، ولا حشر ولا نشر ، اللهم إلا على ضرب آخر لا على وجه الامتياز والاستقلال كما بيناه في بعض رسائلنا.

قاعدة

في أن أفراد الإنسان تصير متخالفة الحقائق والماهيات في

آخر الأمر بحسب الباطن ، بعد ما كانت متفقة الحقيقة

والماهية في بداية الخلقة ، بيان ذلك

أن النفس الإنسانية هي آخر الصور الجسمانية وأفضلها ، وأول

١٤٢

المعاني الروحانية وأدونها ، لأنها جسمانية الحدوث روحانية البقاء ، وأنها إنما تحدث بسبب استعداد البدن ، وتبقى بسبب ملكات نفسانية راسخة تصير صورة ذاته ، وتخرج بها من القوة إلى الفعل ، لأنها في أول الحدوث أمر بالفعل في هذه النشأة الطبيعية ، وهي بعينها أمر بالقوة في النشأة الآخرة ، فهي صورة في هذا العالم وهيولى في عالم آخر ، فلها أن تخرج ذاتها من القوة إلى الفعل بواسطة حركات واستحالات نفسانية تستعد بها لصورة من أجناس الصور الأخروية وتتحد بها ، وتصير ذاتها بعينها كالهيولى للأجسام الطبيعية أن يخرج من القوة إلى الفعل بواسطة حركات جسمانية تستعد بها لصورة من أجناس الصور الدنياوية ويتحد بها ، كما هو التحقيق من الاتحاد بين المادة والصورة ، وكما أن الله خلق في هذا العالم من المادة الجسمانية أنواعا من الحيوانات كالسباع والبهائم والوحوش والحيات والعقارب وغيرها ، فكذلك يخلق في الآخرة من المادة النفسانية من الإنسان أنواعا من المخلوقات كالملك والشيطان والسبع والبهيمة وكل نوع من أنواع الحيوانات ، وهي كلها مخلوقة من النفس الإنسانية ، والإنسان نوع واحد في هذا العالم ، كما قال تعالى : (إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) ، وستصير أنواعا من أجناس كثيرة متخالفة ، وفي القرآن آيات كثيرة دالة على ما ذكرناه من التحقيق ، وهو مما ألهمنا الله به خاصة من بين أهل النظر ولم أجد في كلام أحد من الحكماء وغيرهم ، والحمد لله العزيز الوهاب الذي شرفنا به من بين الأصحاب ، منها قوله تعالى : (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ) وقوله : (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ) ، وقوله : (وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ، وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ).

يعني حكم عليهم في الدنيا بما هو مقتضى صور قلوبهم وظهورها في الخارج وتشكل أبدانهم بأشكال مناسبة لهيئات نفوسهم كما في الآخرة ، وقوله : (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، وقوله : (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ما لَكُمْ كَيْفَ

١٤٣

تَحْكُمُونَ) ، وقوله : (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) ، وقوله : (وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ) ، وقوله : (ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) الآية ، وقوله في حق بلعم بن باعور : (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ) ، وفي حق حملة الأسفار من غير فهم : (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ) ، وقوله : (أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُ) ، وقوله في حق بعض أفراد البشر (أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ) وفي حق بعض آخر (أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ).

ولا شبهة في أن نفس من هو خير الخلائق لا تساوي في الحقيقة النوعية لنفس من هو شر الخلائق ، وما أشد في السخافة والبطلان قول من زعم أن نفس أفضل البرية خاتم الأنبياء صلى‌الله‌عليه‌وآله مع نفس أبي جهل متماثلان في تمام الحقيقة النوعية الإنسانية ، وإنما التخالف بينهما بواسطة عوارض وأحوال خارجة عن تمام الماهية النوعية وعن أصل الجوهر والذات.

واعلم أن الله قد حكم بكفر من قال بأن نفس النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله مماثلة لنفوس سائر البشر في قوله : (فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا) ، وقوله تعالى : (أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ) وأما قوله تعالى : (قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) فإنما ذلك بحسب هذه النشأة الظاهرة.

قاعدة

في أن الروح الناطقة باقية بعد خراب البدن وبيانه على ما هو المشهور

أن أجزاء البدن يتحلل ويتبدل والمدرك منك ثابت ، فلو كانت النفس تبطل ببطلان البدن لبطلت عند التبدل ، كيف وعلاقتها مع الروح البخاري وهو أبدا في التحلل والسيلان ، ولأن كل ما ينعدم فانما ينعدم بانعدام شيء من علله وأسبابه ، والنفس ليست لها مادة ولا صورة بل صورتها ذاتها وفاعلها غير قابل للفناء ، وكذا غايتها ، وإذ لا محل لها فلا مضاد ولا

١٤٤

مزاحم لها حتى يبطلها أو يتغير به استعداد محلها ، وليس بينها وبين البدن إلا علاقة شوقية وهي إضافة والإضافة أضعف الأعراض ، وزوالها لا يوجب زوال الذات المضافة ، وإلا لكان أضعف الأعراض مقوما لوجود الجوهر وهو محال ، هذا خلاصة كلام الفلاسفة في هذا الباب وفيه بحث من وجهين.

الأول أن النفس الإنسانية عندهم جوهر عقلي وإنها عندهم أولا عقل بالقوة وإنما يصير عقلا بالفعل بعد مزاولة الاكتساب وتحصيل العلوم الحقيقية ، حتى يخرج ذاتها من القوة إلى الفعل ، فقبل صيرورتها عقلا كيف يبقى بدون البدن مستقل الوجود مفارق الذات ، فإن كل مفارقة الذات مستقل الوجود عندهم عقل بالفعل ، وكل عقل بالفعل كامل في العلم والمعرفة ، والمقدر خلافه ، هذا خلف ، ولهذا وقع الاختلاف بين تلامذة المعلم الأول وشراح كلامه في بقاء العقل الهيولاني بعد بوار البدن ، فذهب الإسكندر الأفروديسي إلى أن النفوس الإنسانية إذا فارقت الأبدان وهي هيولانية ، فإنها تبطل إذ لم يتصور بشيء من الصور العقليه التي تقوم بها بالفعل ، وأما ثامسطيوس فإنه كان يخالفه في هذا الرأي ويرى أن هذه القوة باقية ، وأما رئيسهم أبو علي فقد مال إلى مذهب ثامسطيوس في أكثر كتبه ومال إلى مذهب الإسكندر في بعض رسائله.

واعلم أن الموافق لأصول الفلاسفة القائلين بعرضية القوة الخيالية ، الغافلين عن جوهريتها وقوامها بذاتها لا بالعضو الدماغي ، هو المذهب الأول لما أشرنا إليه من أن المادة العقلية لا وجود ولا بقاء لها إلا بصورة عقلية تقومها بالفعل.

وأما ما رأينا وتفردنا بإثباته بالبرهان من تجرد القوة الخيالية عن البدن الطبيعي ، واتحادها ببدن محشور باق في عالم البرزخ ، فجميع نفوس الإنسانية حتى العوام والصبيان باقية بعد هذا البدن ، كما هو موافق للشريعة والكتاب والسنة ، بل هو من ضروريات الملة الحنيفة.

وثانيهما أن نفسية النفس نحو وجودها الخاص الذي يلزمه الإضافة إلى البدن الطبيعي ، وليست هذه الإضافة كإضافة الأشياء التي عرضت

١٤٥

لها الإضافة بعد تمام وجودها وهويتها ، كالملك والربان والرئيس والأب وغير ذلك مما يعرض له الإضافة بعد تمام الذات فالإضافة التي من قبيل القسم الأول يزول بزوالها ذات المضافة بنفسها كهيولية الهيولى ، وكذا حكم نفسية النفس ، فيلزمهم بطلان جوهر النفوس ببطلان إضافاتها إلى البدن ، اللهم إلا أن يذهبوا إلى ما ذهبنا إليه من إثبات الحركة الجوهرية وإثبات الاشتداد في وجود الجوهر النفساني ، كما دلت عليه البراهين المذكورة في كتبنا ، والآيات القرآنية المذكورة آنفا ، والمتأخرون من الحكماء كأبي علي ومن يحذو حذوه مصرون غاية الإصرار في نفي هذه الاستحالة الجوهرية ، ولذلك قصروا وعجزوا عن إثبات كثير من المقاصد الحقة ، كحدوث الأجسام ودثور العالم الطبيعي كله ، وكاتحاد العاقل بالمعقول ، وكإثبات المعاد الجسماني ، وبقاء أكثر النفوس وهي الناقصة والمتوسطة في الكمال وغير ذلك من المطالب الشريفة التي من أوتيها (فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً).

أما الآيات الدالة على بقاء النفوس بعد خراب هذا البدن الطبيعي فكثيرة منها قوله تعالى : (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ) ، وكان المراد من هذه الحياة هي الحياة العقلية المختصة بالكاملين في العلم ، فإنهم الأحياء حياة عقلية ، الساكنون في حظيرة القدس عند ربهم المرزوقون بالأرزاق المعنوية والأنوار العقلية ، ويكون فرحهم أي ابتهاجهم ولذتهم العقلية بالحكمة لا بغيرها من اللذات الحسية والخيالية ، وقد وقع التعبير عن الحكمة بما آتاهم الله من فضله على وفاق قوله : (مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً) ، وقوله في سورة الجمعة بعد ذكر تعليم الكتاب والحكمة : (ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) ، فعلم أن المراد هاهنا بما آتاهم الله من فضله هو بعينه المذكور في تينك الآيتين ، ومنها قوله : (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ) ، وقوله : (إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ) ، وقوله : (إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ) ، وقوله : (إِلى رَبِّكَ

١٤٦

الرُّجْعى) ، وقوله : (إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) ، وقوله : (وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) ، وقوله : (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) ، وقوله : (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) ، وقوله : (إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ) و (إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ) ، والمراد منه كتاب النفس ، وكذا قوله : (وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ) ، فإن النفوس في هذا العالم مطوية بما فيها من الهيئات والنقوش ، والأجسام بما فيها من الأعراض والصور منشورة ، وفي الآخرة بالعكس من ذلك ، فإن أجرام السماوات مطوية هناك لقوله تعالى : (يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) ، والأجرام الأرضية مقبوضة لقوله : (وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ) ، والنفوس والأرواح مكشوفة بارزة.

واعلم أن جمهور الفلاسفة لم يعلموا من حقيقة الروح وماهية النفس إلا قدرا يسيرا ، يلزم من أحوال بعض مراتبها ومقاماتها من جهة ما نظروا في أحوال البدن وعوارضه ، وذلك مثل كونها مدركة مدبرة ، وهاتان صفتان نسبيتان يشترك فيهما الحيوانات ، وأما ما ادركوا من بقائها بعد انقطاع تصرفها عن البدن فإنما عرفوا ذلك من كونها محل العلوم ، وإن العلم لا ينقسم ، فلا يتصور انقسام محله ، وفيه مواضع أنظار كما ذكرناه في كتبنا العقلية ، سيما عند المحقق العارف أنه ليس العلم بالحقائق العقلية بحلول صورتها في النفس ، وأما الحكم بكونها قبل البدن فأكثرهم أنكروا ذلك ، ومن قال منهم به فلم يقم عليه برهانا ولم يقدر على دفع الشكوك الواردة على ذلك ، ولم يمكنه اختيار أحد الشقين ، من كون النفس قبل البدن هل كانت واحدة أو كثيرة ، لأنه يلزم على كل من الشقين ما يخالف أصولهم الاعتقادية ، وإذا كان حال هؤلاء العقلاء الفضلاء من أمر النفس هكذا ، فكيف حال من سواهم من أهل الجدال وأولى وساوس الخيال ، ولأجل ذلك قال تعالى : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً).

١٤٧

قاعدة

في بطلان التناسخ

التناسخ أعني انتقال النفس الشخصية من بدن إلى بدن محال ، سواء كان البدن عنصريا أو فلكيا أو طبيعيا أو برزخيا ، ببرهان أفادنا الله تعالى إياه ، وهو أن النفس في أول تكونها الطبيعي متحدة مع البدن ، وهي بالقوة في كل ما لها من الأحوال والإدراكات ، حتى في كونها حساسة ، ثم يتدرج في الاشتداد والترقي ، فيصير أولا طبيعية حافظة ، ثم جوهرا غاذيا منميا مولدا ، ثم حساسا على التدريج من أكثف الحواس إلى ألطفها ، فكانت أولا قوة اللمس ثم الذوق ثم الشم ثم السمع والبصر ثم يصير متخيلا ، وهاهنا أوان تجرده عن البدن الطبيعي كما أشرنا إليه ، ثم يصير متفكرا ذاكرا ، ثم عاقلا ومعقولا ، وعند ذلك أوان تجردها عن العالمين ومفارقته للنشأتين ، فقد بان أن للنفس قبل تجردها مطلقا مقامات طبيعية ، يناسب كل منها لمزاج خاص وتكون معين ، وسن مخصوص من أسنان البدن من الجنينية والطفولية والصبوية المراهقية والشباب والكهولة والشيخوخة والموت والبعث.

وبالجملة النفس والبدن يتحركان معا في التحولات الطبيعية ، ويستكملان معا في الكمالات التي تناسب كلا منهما بحسبه إلى أن يقع لها التفرد بذاتها منسلخة عن البدن ، والحاصل أن لكل طبيعة حركة جوهرية ذاتية إلى غاية ما ، ولها في كل حد من حدود الانتقال مرتبة من الوجود يكون بحسبها فعلا وقوة ، فعلا بالقياس إلى سابقها ، وقوة بالقياس إلى لاحقها ، وكل موجود صار بالفعل شيئا ، فلا يمكن عوده إلى الحالة التي كانت فيها بالقوة ، ولأن الحركات الطبيعية متوجهة إلى ما لها من الكمال ، فيمتنع أن يقع شيء منها على وجه الانتكاس مخالفا للمجرى الطبيعي.

فإذا تمهد هذا فنقول : كما لا يمكن أن تصير القوة الحيوانية نباتية ولا النباتية معدنية ولا المعدنية صورة عنصرية على عكس ما هو المجرى

١٤٨

الطبيعي الذي فطر الله الأشياء عليه ، فكذا يمتنع أن يتعلق النفس التي كانت متعلقة ببدن وخرجت في بعض ما لها من الأحوال من القوة إلى الفعل تارة أخرى بمادة بدنية حادثة عند أول تكونها كالنطفة أو الجنين ونحو ذلك ، فإن النفس المنسلخة عن بدن من الأبدان قد خرجت في بعض ما لها من كمالات الوجود من القوة إلى الفعل ، وظاهر أنها لا يمكن فرض تعلقها الثانوي ببدن جديد إلا عند حدوثه وأول تكونه ، فإذن يلزم من انتقال النفس إلى بدن آخر كون إنسان واحد بحيث يكون نفسه بالفعل وبدنه بالقوة ، وهذا محال كما أوضحناه ، فثبت أن التناسخ بالمعنى المذكور محال.

أما التناسخ بمعنى تحول النفس وانتقالها على سبيل الاتصال من نوع إلى نوع فليس بممتنع ، كنقل الصورة الطبيعية لمادة خلقة الإنسان من الجمادية إلى النباتية ومنها إلى الحيوانية ومنها إلى الإنسانية ثم إلى الملكية وما بعدها ، أو على وجه النزول كما في أمة موسى عليه‌السلام ظاهرا وفي هذه الأمة باطنا ، وهذا الانتقال على وجه النزول لا ينافي ما ذكرناه آنفا ، من توجه كل نفس إلى ما فوقها ، وذلك لأن الخروج من القوة إلى الفعل في شيء من الكمالات الحيوانية لا ينافي الشقاوة في الآخرة بل يؤكده ، فإن الطرق إلى الدار الآخرة متفاوتة ، بعضها طرق السعادة والوصول إلى دار الكرامة والقرب من عند الله ، وبعضها طرق الشقاوة والوصول إلى دار الانتقام والبعد من رضوانه.

ومما ورد في مسخ الباطن لهذه الأمة هو قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في حق طائفة : إخوان العلانية أعداء السريرة ، يلبسون جلود الكباش وقلوبهم كالذئاب ، ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر.

كشف خفاء لبسط ضياء

اعلم أن ما نسب إلى قدماء الحكماء كالفلاطن ومن سبقه من أساطين الحكمة وهم المقتبسون أنوار علومهم من مشكاة النبوة ، هو بعينه ما ورد

١٤٩

في الشرائع الحقة الإلهية من صيرورة النفوس الآدمية على صور أنواع الحيوانات ، مناسبة لأعمالهم وأفعالهم المؤدية إلى ملكاتهم ، ولهذا قيل : ما من مذهب إلا وللتناسخ فيه قدم راسخ ، ثم إن المتأخرين كأبي نصر وأبي علي ومن يقتفي أثرهما ، لما لم يظفروا بتحقيق النشأة الأخروية الجزئية للنفوس الحيوانية المنسلخة عن الأبدان الطبيعية ، التجئوا تارة إلى القول بأن النفوس الشقية الفاجرة ينتقل بعد هذا البدن إلى أبدان الحيوانات الصامتة في جهنم ، وهي عالم العناصر عندهم والنفوس الكاملة العارفة يرتقى إلى عالم السماوات وهي الجنة عندهم ، وهذا ما ذهب إليه إخوان الصفا ، وتارة التجئوا إلى القول بأن بعض النفوس كنفوس البله والعوام لا حشر لها ، وأن بعض الصلحاء الغير العارفين ينتقل نفوسهم ببعض الأجرام السماوية وتصير موضوعا لتخيلاتهم حسب ما وعدهم الشريعة ، ونفوس الأشقياء أيضا يتعلق بتلك الأجرام ، وعند بعضهم كصاحب التلويحات تتعلق هذه النفوس الشقية بجرم دخاني غير منخرق تحت كرة القمر وفوق العناصر ، وكل هذه الأقوال خروج عن طريق الصواب وانحراف عن جادة الحق ، وقد علمت من طريقتنا خراب الأفلاك ومن فيها فضلا عما تحتها ، وأيضا لزوم التناسخ المستحيل بحاله ، وأيضا الجسم التام الصورة والكمال يستحيل أن يصير منفعلا عن مؤثر آخر ليس طبيعة له ولا مدبرا لجرمه ، وما لم ينفعل عن مؤثر آخر كيف يصير موضوعا لتصرفاته وتأثيراته.

والعارف بكيفية ارتباط النفس بالأجرام الطبيعية يكفيه في الحكم بفساد ما ذكروه أدنى تأمل ، بل الحق القراح ما لوحناك إليه من تصور النفوس بصور ملكاتهم وهيئاتهم ، وهي أبدانهم المكتسبة المحشورة في النشأة الآخرة ، وتلك الأبدان معلقة ليست قائمة بمادة طبيعية ، ولا في جهة من جهات العالم الوضعي ، ونسبتها إلى النفوس نسبة الفعل اللازم إلى فاعله لا نسبة القابل إلى المقبول ، ولا نسبة المادة المستعدة لتعلق النفس إلى النفس ، وهذا مطابق لما ذهب إليه أهل الشرائع الحقة وعليه يحمل كلام قدماء الحكماء في باب التناسخ ، وهو المراد من الآيات القرآنية الدالة

١٥٠

على المسخ ، كقوله تعالى : (كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ) ، وقوله : (ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) ، وقوله : (وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) ، وقوله : (فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ) ، وقوله : (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) ، وقوله : (وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ) ، وقوله : (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً) ، وقوله : (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) ، إشارة إلى انقلاب جواهر نفوسهم إلى نفوس الوحوش لغلبة صفاتها عليهم ، فتصورت نفوسهم في القيامة بصورة الحيوانات الوحشية ، المناسبة لأخلاقها وهيئات نفوسها ، وكذا قوله : (يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ) ، وقوله : (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ) ، وقوله : (وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً) ، وقوله : (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى) ، وقوله : (يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ) ، وقوله : (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً) ، وقوله : (وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ) ، (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ) ، وقوله : (وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ) ، إلى غير ذلك من الآيات المشيرة إلى تبديل الصور والأشكال بواسطة تبدل الأخلاق والأحوال ، وكذا قوله : (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) ، إياك وأن تظن من ظاهر هذه الآية وغيرها أن الجنة وطبقاتها هي بعينها ظواهر أجرام السماوات كما زعمه الناقصون في العلم الذين يريدون أن يدخلوا بيوت العلم من ظهورها ولا يدخلون البيوت من أبوابها ، فإن الجنة باقية لأنها هي دار البقاء ، والأفلاك وما فيها دار الفناء ، وهي من عالم الدنيا ، والجنة من عالم الآخرة وعالم الصورة الغائبة عن

١٥١

هذه الحواس الداثرة الطبيعية ، وأيضا إن الجنة كما لوحناه إليك تكون في داخل حجب السماوات والأرضين ، ومنزلتها من هذا العالم منزلة الجنين من الرحم ، فافهم إن كنت من أهله وإلا فغض بصرك عن مطالعة هذا الكتاب والتدبر في غوامض علم القرآن ، وعليك بممارسة القصص والأخبار والروايات ، وعلم السير والأنساب ، وتتبع العربية واللغة ، وتحمل الرواية من غير دراية ، وما هو كالنتيجة عندك للكل من البحث عن المسائل الفرعية الخلافية ، ونوادر تفريعات الطلاق والعتاق والسلم والإجارة والرهانة ، وقسمة المواريث المشتملة فروضها على الكسور التي يدق فيها تحصيل المخرج ، إلى غير ذلك من المهمات التي يحتاج إليها على الندرة بعض الآحاد في بعض الأوقات ، وقد نصب الله لها كسائر الأمور التي هي أدون منزلة منها أقواما يعظمون الأمر فيها ويصرون عليها ويفرحون بها ، و (كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ، وقيمة كل أحد على قدر همته ، (وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ ، إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ) ... ، (ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

ومما يدل على التناسخ المعنوى الأخروى ما روي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله من قوله : يحشر الناس على صور نياتهم ، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : يحشر الناس على صورة يحسن عندها القردة والخنازير ، وقوله : كما تعيشون تنامون وكما تنامون تبعثون ، وقوله ص : من خالف الإمام في الصلاة يحشر ورأسه رأس حمار.

تذكرة قرآنية

قد انكشف لك فيما مر وسيتضح لك زيادة إيضاح ، أن جميع أفراد الناس متوجهون بحسب ما أودع الله في غرائزهم نحو المبدإ الأعلى ، فما من أحد إلا وفيه الحركة المعنوية نحو الآخرة ، إلا أنهم متفاوتون في هذا التوجه والحركة الجبلية والسير الباطني بحسب جهات الحركة ودرجات القرب والبعد ، فمنهم من يسعى نوره إلى الله وإلى جهة الآخرة ، لقوله تعالى :

١٥٢

(نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ) ، ومنهم من يجذبهم العناية الإلهية بخطاب ارجعي كما قال : (يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً) ، ومنهم من يساق إلى الموت جبرا وقهرا بسطوة من سطوات سدنة عالم الجحيم وسوط من سياط ملائكة العذاب ، كما أشير إليه بقوله : (وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ) وكذا عند المصير بعضهم فرحون بلقاء الله وبعضهم كارهون ، ومن كره لقاء الله كره الله لقائه ، كما في قوله : (كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ) ، وقوله : (حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كارِهُونَ) ، وبعضهم نواكس الرءوس من أعلى عليين ، كما في قوله : (وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ.)

١٥٣

المشهد الرابع

في بيان النبوة وأحكامها وفيه قواعد :

قاعدة

في إثبات الشجرة النبوية وفضلها على جواهر سائر البرية

اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الشجرة النبوية صنفا مفردا بل نوعا واقعا بين الإنسان وبين الملك ، جالسا في حد المشترك ، بين عالمي الملك والملكوت ، مشاركا لكل واحد منهما على وجه ، فإنهم كالملائكة في اطلاعهم على ملكوت السماوات والأرض ، وكالبشر في أحوال المطعم والمشرب والمنكح ، ومثلهم واقعا بين نوعين مختلفين مثل المرجان ، فإنه حجر تشبه الأشجار يتشعب أغصانه ، وكالنخل فإنه شجر يشبه الحيوان في كونها محتاجة إلى تلقيح ، وبطلانها إذا قطع رأسها ، وجعل سبحانه النبوة في ولد إبراهيم عليه‌السلام ومن قبله في ولد نوح عليه‌السلام ، كما نبه بقوله : (ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ) ، فهم عليهم‌السلام وإن كانوا من حيث الأبدان بشريين أرضيين ، فهم من حيث الأرواح ملكيون سماويون ، قد أيدوا بقوة روحانية قدسية خصوا بها ، كما قال في عيسى عليه‌السلام : (وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) ، وقال في محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله : (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) ، وتخصيصهم بهذا الروح ليمكنهم أن يقبلوا من الملائكة بما بينهم من المناسبة الروحانية ، ويفيدوا للأمة بما بينهم من المناسبة ،

١٥٤

البشرية ، فلذلك قال : (وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً) ، تنبيها على أنه ليس في قوة عامة البشر الذين لم يخصوا بذلك الروح أن يقبلوا إلا من البشر ، ولما عمى الكفار عن إدراك هذه المنزلة ، عزلوا الأنبياء عليهم‌السلام من فضيلة النبوة وأنكروا منزلتهم ونبوتهم ومنزلة علمهم عليهم‌السلام ، كما قال تعالى : (قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا) ، فالأنبياء بالإضافة إلى سائر الناس ، كالإنسان بالإضافة إلى سائر الحيوانات ، وكالقلب بالقياس إلى سائر الأعضاء والجوارح ، وأيضا منزلة الأنبياء من أممهم منزلة ضوء الشمس من الأرض ومنزلة علمهم وعلم وارثهم ونائبهم من علم الأمم منزلة ضوء الشمس ونور القمر من ضوء نواحي الأرض كما قال : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً) ، وكما أن وجه الأرض لا يستضيء إلا بنور الشمس والقمر والنجوم ، ونور الشمس هو المفيض على القمر والنجوم وغيرها ، فكذلك منزلة علوم الخلائق لا تحصل ولا يتزكى نفوسهم إلا بواسطة نبوة الأنبياء ، وعلى هذا دل بقوله : (رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ) ، وقوله : (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) ، فالله تعالى يزكي الأنبياء بواسطة الملك ويزكي الناس بواسطتهم ، كالطابع الذي حصل له كتابة ثم بواسطته تثبت في الشموع المختلفة مثل تلك الكتابة ، ونسبة الملكية إلى نفس النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله كنسبة ضوء الشمس إلى جرمها ، ونسبتها إلى سائر الناس كنسبة نور الشمس إلى سطوح الأرض.

قاعدة

في هداية الله تعالى الأشياء إلى مصالحها

كلما أوجده الله تعالى فإنه هداه لما فيه مصلحته ، كما نبه عليه بقوله تعالى : (الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى) ، وهدايته لكل شيء ما يناسب خلقه ، فهدايته للجمادات بالتسخير فقط ، كالأشياء الأرضية التي إذا خليت و

١٥٥

طبائعها ينحو نحو الأرض ، وكالنار ينحو نحو العلو ، وهدايته للحيوانات إلى أفعال يتعاطاها بالتسخير وبالإلهام ، كالنحل فيما يتعاطاه من السياسة وأخذ البيوت المسدسات من غير إسراف ومن عمل العسل ، كما أشار بقوله : (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً) ، وكالعنكبوت في نسجه ، وهدايته للملائكة بالتسخير والإلهام في أفاعليهم المختصة بهم وببديهة العقل ، لأن علومهم كلها ضرورية فطرية ، فأما الإنسان فهدايته تعالى إياه بكل ذلك وبالفكر ، وذلك أنه هداه تارة بالتسخير كما في تسخير نفسه لقواها بالتحريك ، والاستخدام في أفاعليها الجزئية وإدراكاتها الحسية ، ومن هذا القبيل حركة نبضه وجذبه للغذاء وهضمه ودفعه وغير ذلك من أفاعيله التسخيرية ، وتارة بالإلهام ، كما عند الطفولية للارتضاع ومص الثدي والتشكي من الألم بالبكاء ، وطورا ببديهة العقل ، فإنه يعرف الأوليات ومبادي العلوم ، وطورا بالفكر حيث يتوصل إلى استنباط المجهول بالمعلوم ، فهو تعالى وإن خلق الإنسان عاريا من المعارف التي جعلها للحيوانات بالإلهام ، ومن الملابس والأسلحة التي جعلها للحيوانات بالتسخير ، ومن العلوم التي جعلها للملائكة بالفطرة والبديهة ، فقد جعل للإنسان بالعقل والفكرة قوة التعلم وقوة تحصيل الأدوات والأسباب المتنوعة والآلات المختلفة كالملابس والأسلحة ، فهو مكتف بذاته في تحصيل ما ينفعه في عاجله وآجله ، حيث مكنه الله في استفادة ذلك ووكله إلى نفسه ، وذلك فضيلة له لا رذيلة ، وإنه رفعة له لا ضعة ونقيصة ، فإن الله بإعطائه إياه العقل والفكرة واليد العاملة قد أعطاه كل شيء ، ولو أعطى له حسب ما أعطى غيره من البهائم شيئا شيئا لكان قد منع منه سائر الأشياء ، لأن فعلية البعض يمنع عن قوة سائر الأشياء.

وتحقيق هذه المسألة يحتاج إلى مقدمات غامضة ذهل عنها أكثر المنسوبين إلى العلم ، وقد ظن قوم إن الله خلق الناس من بين الحيوانات خلقا منقوصا ، إذ لم يعط سلاحا يدفع به عن نفسه كالأسد والنمر من الأنياب

١٥٦

والمخالب ، ولا جناحا يهرب به عن الأعداء كما للطير ، ولا قوة المشي والجري في الماء كما للحيتان ، ولا الكفاية في لباسهم كما في سائر الحيوان ، حيث أغناها عن كثير ما يفتقر إليه الناس ، ولأجل ذلك قال تعالى : (خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً) ، وذلك الظن صحيح من وجه ، فاسد من وجه ، أما وجه صحته فلما أشرنا إليه من أن فعلية الوجود وتأكد الصورة يمنع عن قبول الكمال الأعلى والفضيلة القصوى ، وأما وجه فساده فلما زعموا أن ذلك تمام صورة الإنسان ، ولم يعلموا أن ذلك ابتداء خلقته ومادة نشوه وكماله ، كالحبة بالقياس إلى الشجرة والنطفة بالقياس إلى الحيوان ، ولو كانت للحبة صلابة الحجر لم يمكن وصولها إلى غاية النمو ، ولو كانت للنطفة قوة الشجرية استحال أن يصل إلى قبول الحياة ، فلو لم يكن في الإنسان بحسب أول الفطرة الخلو عن كل فضيلة وعلم ، لما كان في جوهر ذاته صلوح كل فضيلة وعلم ، ولأجل التنبيه على ذلك قال تعالى : (وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ، ولا حاجة إلى ما ذكره بعضهم في معنى قوله تعالى : (خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً) ، من أن المراد أنه ضعيف بالقياس إلى الملإ الأعلى لا بالإضافة إلى الحيوانات ، بل أن هذا الضعف أعده للوصول إلى الدرجة العليا والاستحقاق لخلافة الله تعالى.

قال بعض الحكماء جعل الله لكل شيء كمالا ينساق إليه طبعا ، وقد هداه إلى التخصيص به تسخيرا ، كما نبه عليه بقوله : (أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى) ، وللإنسان سعادات كثيرة أبيحت له ، وهي النعم المذكورة في قوله تعالى : (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها) ، وجميع النعم على القول المجمل ضرب دائم لا يبيد ولا يحول وهو النعم الأخروية ، وضرب يبيد ويحول وهو النعم الدنيوية ، وما أحد إلا وهو نازع إلى سعادة يطلبها بجهده ، ولكن كثيرا يخطئ فيظن ما ليس بسعادة في ذاته أنه سعادة ، فيغتر بها فيكون كما قال تعالى : (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً) ، وقوله : (كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ) ، لأنها كلها غرور وفتنة كما قال الشاعر :

١٥٧

إنما الدنيا كرؤيا أفرحت

من رآها ساعة ثم انقضت

قاعدة

في تحقيق قوله تعالى : (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) ، وبيان أن الموت حق

اعلم أن من الحكمة البالغة والنعمة السابغة أن الله تعالى قد جمع في طينة الإنسان ما أفرد به الملائكة المقربين وما أفرد به الحيوانات المبعدين ، فأفرد الملك بروح علوي باق ، وأفرد الحيوانات بروح سفلي فان ، وخص الإنسان بمعجون مركب من الروحين ، فان حيواني وباق ملكي ، اتحدا ذاتا أحدية كما بين في موضعه ، فالحكمة في ذلك أن الروح الملكي غير مستحيل ولا نام ولا متغذ ، وإنما غذاؤه التسبيح والتقديس ، وهو بمثابة التنفس الضروري للحيوان (١) ولذلك ليس للملك ترق من مقام معلوم ، والروح الحيواني مستحيل متغذ نام قابل للتحول والانتقال ، إلا أنه إذا مات مات ولم يبق منه شيء ، فجعل الله الإنسان جامعا للروحين ، لينطبع روحه الملكي بطبع روحه الحيواني في التغذي وقبول الفناء الذي يعبر عنه بالموت ، ليصير بروحه الحيواني كائنا مستحيلا قابلا للفناء ، وينطبع روحه الحيواني بطبع روحه الملكي ، ليصير عارفا بالله مسبحا مقدسا له كالملك ، باقيا بعد الموت أي موت كان طبيعيا أو حيوانيا (٢) أو إراديا.

فخاصية الروح الحيواني أن يجعل الغذاء من جنس المغتذي ولونه وكيفه وصائرا من جنسه ، وخاصية الروح الملكي أن يسبح الله ويقدسه

__________________

(١) إن تسبيح الملائكة فعل إختياري ولكنه ضروري فطري إرادي اضطراري (نوري قدس‌سره)

(٢) لو لم ينطبع روحه الملكي بطبع روحه الحيواني لم يتسير له في النهاية الفناء في الله وصيرورته إنسانا ربانيا بل ربا إنسانيا (لأن الروح الملكي بالذات لا فناء له والفناء من خواص الروح الحيواني) وكذلك الروح الحيواني لو لم ينطبع بطبع ذلك الروح لم يتيسر له السلوك والسير إلى تلك الغاية التي يصير الحيوان الداثر الزائل الفاني بالوصول إليها باقيا بالله ، فأحسن التأمل في هذا الباب لينفتح عليك باب يفتح منه كثير من الأبواب ، ولا يهتدي إليها إلا أهل الكمال الذين هم أولو البصائر والألباب. نوري قدس‌سره.

١٥٨

ويتغذى بذكر الله وطاعته والشوق إلى لقائه الكريم فيتقوى فيه النور الإلهي ويتجوهر به ، ولأجل ذلك يزداد الجذبة الإلهية ، وفي تجوهره يحصل له نوع من الفناء عن وجوده والبقاء بنور ربه فهو في كل انتشاء بنشأة وتطور بطور بمثابة ميت ذاق الموت والبعث ، فكأنه مات عن نشأة ثم بعث إلى ربه في نشأة أخرى وأحياه الله بنور ربه ، كما قال تعالى : (أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها) ، فهذا الموت الذي استحق به الروح الإنساني الأحياء بنور الله ، إنما استفاده من جهة النفس الحيوانية التي هي ذائقة الموت على الوجه المذكور ، ولذلك عقبه بقوله : (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) ، أي نبلوكم بما فيهما من موت النفس وحياة الروح ، فالأول كالمكروهات من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وسائر ما تسمونه شرا ، وفيها موت النفس وحياة القلب ، والثاني كالمحبوبات التي تسمونها خيرا ، وهي الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ، وفيها حياة النفس وموت القلب ، ففي كلتا الحالتين ابتلاء ، فمن صبر على موت النفس بالمكروهات فله البشارة بحياة القلب واطمينان النفس ، ولها حينئذ استحقاق الرجوع إلى ربها بجذبة ارجعي إلى ربك باللطف والكرامة ، كما قال : (وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ).

فقد ظهر مما ذكرناه أن الإنسان السعيد السالك إلى صراط الله المستقيم الواصل إلى درجة الواصلين ، هو الذي حصل له في كل وقت من أوقات حياته الطبيعية له موت وبعث وحشر إلى الله تعالى ، حتى ينتهي به الغاية والمنتهى والرجوع إلى المبدإ الأعلى ، وأن قوله : (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) محمول على الحقيقة من غير حاجة إلى التأويل كما فعله المفسرون.

قاعدة

في الكشف عن ماهية الإنسان الحقيقي مظهرا لاسم الله وخليفة الرحمن

قال الله تعالى : (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ

١٥٩

فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً) ، قد تشعب أقوال العلماء وأئمة التفسير ، واختلفت آرائهم في أن المراد من هذه الأمانة المخصوص يحملها الإنسان ما ذا ، فقائل إن المراد منها هو العقل فينتقض بالملك ، وقائل إنه التكليف فهو منقوض بالجن ، لأنه مساهم للإنسان في كونه مكلفا ، وقائل إنه التركيب بين الروح والجسد فنوقض بالفلك ، وقائل إنه الهيئة الاجتماعية الحاصلة من اجتماع القوى الفاعلة والمنفعلة والنفسانية والبدنية المدركة بأنواع الإدراكات الحسية والخيالية والوهمية والعقلية المحركة بأنواع الحركات الفكرية والإرادية والطبيعية والكمية والكيفية والأينية والوضعية ، وبالجملة كون الذات الواحدة بحيث يوجد فيها أنموذج سائر الأشياء ، وهو أيضا كما ترى لانتفاضه بصورة العالم الكبير ، لأنه أيضا شخص واحد له وحدة طبيعية ، ولأن شبه الجمعية المذكورة يوجد في بعض الحيوانات التامة الحواس سيما عند من يرى أن لها نفسا مدركة للكليات ، على أنه قد أهمل في كل من هذه الاحتمالات رعاية معنى الأمانة ومؤداها ، من كونها عارية مدة من الزمان ثم مردودة إلى أهلها وصاحبها. وتحقيق هذا المقام يستدعي تمهيد قاعدة ، وهي أن جميع الموجودات سوى الإنسان له حد خاص من قسط الوجود لا يتعداه ، وكل له مقام معلوم ، لا يتجاوزه ، وهو له ثابت بالفعل ليس فيه قوة الانتقال من طور إلى طور ومن كون إلى كون ، فالفلك في فلكيته ، والملك في ملكيته ، والشيطان في شيطنته ، والجماد في جماديته والنبات في نشوه ونمائه ، والحيوان في شهوته وغضبه ، كل منها في غاية ما له من الكمال والفعلية والتمام ، وأما الإنسان الكامل فإنه في كل ما له من الكمالات بلغ إليه ما بين صرافة القوة ومحوضة الفعل ، كما هو شأن المتحرك بما هو متحرك ، ألا ترى أنه ضعيف الجسمية ليس كالجبال والمعادن ، وأنه ضعيف النباتية ليس كالأشجار في قوة التغذية والتنمية والتوليد ، وأنه ناقص الحيوانية ليس كالأسد والفيل والحية والطير وغيرها من الحيوانات التامة في قوة

١٦٠