أسرار الآيات

صدر الدين محمّد بن إبراهيم الشيرازي

أسرار الآيات

المؤلف:

صدر الدين محمّد بن إبراهيم الشيرازي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: انتشارات انجمن اسلامى حكمت و فلسفه ايران
المطبعة: چاپخانه وزارت و فرهنگ و آموزش عالى
الطبعة: ٠
الصفحات: ٢٤٦

الكواكب عن الجريان ، وقد علمت أن الحركة ذاتية لهذه الطبائع الكونية ، فإذا سكنت بطلت وبطل ترتيب الزمان ، ووقف الكون والفساد ، وانقطع الحرث والنسل ، وانتقل الأمر إلى النشأة الآخرة ، كما مر من قوله : (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ، ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ) في الحركة الرجوعية للموجودات المتعلقة بالمواد في يوم من أيام الربوبية (مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ) و (هذا يَوْمُ الْفَصْلِ) وأما يوم عروج الكل ورجوعهم إلى الله في القيامة الكبرى وهو (يَوْمَ الْجَمْعِ) ويوم ذي المعارج ، فمقداره كما قال الله تعالى : (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) وقوله في الزمر : (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ) أي صور الأشياء في عالم القضاء الحتمي (فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللهُ). وقد مر بيانه.

وفي الحديث عن النبي ، صلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنه يموت أهل الأرض حتى لا يبقى أحد ، ويموت أهل السماء حتى لا يبقى أحد إلا ملك الموت وحملة العرش وجبرئيل وميكائيل ...» قال : «فيجيء ملك الموت حتى يقوم بين يدي الله عزوجل ويقال له : من بقي ، وهو أعلم بذلك ، فيقول لم يبق إلا ملك الموت وحملة العرش وجبرئيل وميكائيل ، فيقال : فليموتا جبرئيل وميكائيل ، فيقول الملائكة : وهما رسولاك وأميناك ، فيقول : إني قضيت على كل نفس فيها الروح الموت ، ثم يجيء ملك الموت حتى يقف بين يدي الله عزوجل ، فيقال له من بقي وهو أعلم بذلك ، فيقول لم يبق إلا ملك الموت وحملة العرش ، فيقول ، قل لحملة العرش فليموتوا ، قال : ثم يجيء ملك الموت كئيبا حزينا لا يرفع طرفه ، فيقال : من بقي فيقول لم يبق إلا ملك الموت ، فيقال له : مت يا ملك الموت ، ثم يأخذ الأرض بيمينه والسماوات بيمينه ، ويقول أين الذين كانوا يدعون معي شريكا ، أين الذين كانوا يجعلون معي إلها ، (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى ، فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ) ...» لتحققهم بالوجود الأخروي الباقي بدلا عن الوجود الدنيوي الداثر وبالوجود التام الحقاني بدلا عن الوجود الناقص الإمكاني. قوله في حمعسق : (اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) وفي الزخرف (وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ) وفي ق : (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ

١٠١

مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ ، يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ). وذلك اليوم ليس من أيام الدنيا ، بل من أيام الآخرة. وكذا في قوله : (يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً). وكذا قوله : (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ) ... (لا رَيْبَ فِيهِ) لأن يوم الدنيا يوم التفرقة في الوجود ، ويوم الشك. وكذا قوله : (فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ) لأن وقوع الأشياء فيه على الحق واليقين. وقوله : (وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ) لأن وجود الأشياء الطبيعية من حيث صورها المادية الوضعية مضمحلة مدروسة هناك كاضمحلال الظل عند النور وذوبان الثلج والجمد عند الحرور.

فهذه الآيات وأمثالها من الآيات الكثيرة التي تركنا ذكرها مخافة التطويل ، مشيرة إلى رجوع هذه الأشياء كلها إلى عالم الآخرة ، ورجوع أهل الآخرة كلهم إلى الحق الأول تعالى. وإلى زوال هذا العالم بكله ودثور ما فيها من الصور الحسيه وفنائها يوم القيامة ومحو آثارها وتبدل وجودها يوم بروز مكامنها وظهور حقائقها وكشف بواطنها ونشر صحائف نفوسها وكتب أعمالها على رءوس الجمع ، وذلك بعد خروجها من مقابرها ، وهي مقابر أكوانها التدريجية ومدة حركاتها الاستكمالية في دار الدنيا التي هي مقبرة ما في علم الله الكائن في صقع الربوبية قبل الورود في مقابر الدنيا وبعد الخروج عنها عند انقضاء مدة مكثها الدنيوي.

تنبيه

إن لكل من الروح والجسد والقلب والقالب قبرا حقيقيا. أما قبور القوالب والأجساد فهي مقادير أكوانها التدريجية ، وأما قبور القلوب والأرواح فإلى مأوى النفوس ومرجع الأرواح البشرية ، وهي سدرة المنتهى قبل ظهور القيامة الكبرى فالله سبحانه أبدع بقدرته الكاملة دائرة العرش وجعلها مأوى القلوب والأرواح ، وأنشأ بحكمته البالغة نقطة الفرش وجعلها مسكن القوالب والأجساد ، ثم أمر بمقتضى قضائه الأزلي للأرواح والقلوب

١٠٢

العرشية إن تعلقت بالقوالب والأبدان الفرشية شطرا من الأزمنة والأوقات ، فإذا بلغ أجل الله الذي هو آت ، وقرب الممات للملاقاة والحياة ، رجعت الأرواح إلى رب الأرواح قائلين : (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) وعادت الأشباح إلى التراب الرميم : (مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ).

وأما الأرواح الكدرة الظلمانية المنكوسة ، والنفوس الشقية التي «كفرت (بِأَنْعُمِ اللهِ) فهي أيضا قصدت من حضيض الفرش إلى ذرى العرش ، لكن مع أثقالها وأوزارها بأجنحة مقصوصة وقلوب مقبوضة وأيدي مغلولة بحبائل التعلقات وأرجل مقيدة بقيود الشهوات ، (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ) فصاروا منكوسين معلقين بين العرش والفرش ، (وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ).

تنبيه آخر

في موت الإنسان الكبير أعني العالم.

اعلم أن العالم مشتمل على الخلق والأمر ، والخلق كله هو قالب العالم والأمر كله هو روح العالم ثم قوام الخلق بالأمر كما أن قوام القالب بالقلب فالتعانق بين الأمر والخلق هو حياة الإنسان الكبير والعالم ، كما أن التعانق بين الروح والجسد هو حياة الإنسان الصغير وكذا التفارق بينهما هو موت العالم الكبير والقيامة الكبرى ، كما أن الافتراق بين الروح والجسد هو موت هذا الإنسان والعالم الصغير والقيامة الصغرى ، والله خالق الموت والحياة ، كما أنه جاعل الظلمات والنور (خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) فإذا وقعت الواقعة وقامت القيامة ، رجع الأمر إلى الأمر إليه ، يرجع الأمر كله إليه (أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ) ويعود الخلق إلى الخلق (مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ).

١٠٣

قاعدة

في الخلق والأمر

قال الله تعالى : (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) وقال : (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ، وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) ، (أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) ، (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).

اعلم أن الله خلق عوالم كثيرة ، كما ورد في الخبر بروايات متعددة وفي بعضها أنه خلق ثلثمائة وستين عالما.

قال الشيخ محيي الدين الأعرابي في الباب الثامن من الفتوحات المكية : «إن في كل نفس خلق الله فيها عوالم (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ... ،) وخلق الله من جملة عوالمها عالما على صورتنا إذا أبصرها العارف يشاهد نفسه فيها ، وقد أشار إلى ذلك ابن عباس فيما روي عنه في حديث : هذه الكعبة وإنها بيت واحد من أربعة عشر بيتا ، وإن في كل أرض من الأرضين السبع خلقا مثلنا ، حتى أن فيهم ابن عباس مثلي» والعوالم وإن كانت متعددة ، إلا أن الجميع مترتبة منتظمة في سلك واحد متفاوتة باللطافة والكثافة والظهور والبطون ، لما مر من استحالة وجود عالمين متباينين غير منتظم أحدهما بالآخر كما بين في مقامه ، والعوالم مع كثرتها منحصرة في قسمين عالم الأمر وعالم الخلق ، فعبر عن عالم الدنيا وهو ما يدرك بهذه الحواس الظاهرة الخمس بالخلق ، لقبوله المساحة والتقدير ، وعبر عن عالم الآخرة وهو ما يدرك بالحواس الخمسة الباطنة وهي النفس والقلب والعقل والروح والسر بالأمر ، لأنه وجد بأمر كن دفعة بلا واسطة شيء آخر ، إذ وجوده غير متعلق بالحركات والاستعدادات ، فيوجد بمجرد الجهات الفاعلية لا بالجهات القابلية الانفعالية ، فكل ما يقع في تصور الفاعل أو يخطر بباله يوجد دفعة من غير استعمال آلة أو تهيؤ قابل ، فعالم الأمر هو الأوليات العظائم التي أوجدها الله تعالى للبقاء ، كالعقل والروح والقلم واللوح والعرش والجنة ، وآخرها الكرسي ، ولهذا قيل : فرش الجنة الكرسى وسقفها عرش الرحمن.

١٠٤

وأما دار الجحيم فهي بوجه من الآخرة : وبوجه آخر من الدنيا ، فإنها من حيث تجدد ما فيها وتوارد الآلام والمحن على أهلها وذوبان جلودهم وتبديلها وتعاقب الكون والفساد عليها من الدنيا ، ومن حيث خلودها ودوام العذاب فيها لأهلها هي من الآخرة.

وبالجملة فكل ما كونها الأمر القديم كان باقيا ببقاء الله ، وما كونه بالوسائط كان حادثا ناشئا في عالم الخلق وسمي عالم الخلق خلقا لأنه أوجده الله تعالى بالوسائط من شيء كما في قوله (وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ) فكلما كان مخلوقا بالوسائط كان قابلا للفناء وإنما خلقه للفناء لكونه وسيلة إلى غيره. والروح الإنساني وإن كان مكونا مع الخلق ولكنه ليس مكونا بالخلق ولا مخلوقا من شيء فإن النفس حادثة مع البدن لا بالبدن بل بأمر الله وتكوينه.

وقد بينا في بعض كتبنا المبسوطة تحقيق حدوث النفس الإنسانية المجردة بما لا مزيد عليه ، من أن حدوثها بما هي جوهر مفارق ليس مسبوقا بالمادة ، وإلا لم يكن بقاؤها بعد المادة ، بل البدن شرط تعلقها وتدبيرها وتصرفها ، ولهذا يزول التعلق والتدبير والتصرف بزوال البدن. ومن هنا يتبين أن قوله تعالى (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) إنما هو لتعريف الروح ، عني به أنه جوهر بسيط من عالم الأمر والبقاء لا من عالم الخلق والفناء ولهذا عبر عنها بالكلمة في قوله (وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) وقوله : (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) وأنه ليس للاستبهام كما ظنه جماعة ، من أن الله أبهم علم الروح على الخلق واستأثره لنفسه ، حتى قالوا لفرط جهلهم بمنصب النبوة : إن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يكن عالما به ، جل منصب حبيب الله أن يكون جاهلا بالروح ، مع أنه عالم بالله ، وقد من الله عليه لقوله (وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً).

وأما سكوته عن جواب السؤال عن الروح وتوقفه انتظارا للوحي حين سألته اليهود ، فقد كان لغموضه ، فرأى في معنى الجواب دقة لا يفهمها اليهود ، لبلادة طبائعهم ، وقساوة قلوبهم وفساد عقائدهم ، فإن المدرك لا يدرك شيئا ليس من جنسه ، فالحس لا يدرك غير المحسوسات ، والخيال

١٠٥

لا يدرك ما وراء المتخيلات ، والوهم لا يدرك المعقولات ، فمن لا عقل له لا يدرك المعقولات الصرفة ، قال تعالى : (وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ) وهم أرباب العقول الكاملة والسائرون إلى الله فإنهم لما عبروا بالسلوك عن النفس وصفاتها والقلب وصفاته ووصلوا إلى مقام السر وعرفوا بعلم السر معنى القلب والنفس والحس كما عرفوا بنور الحس سائر المحسوسات وبنور الخيال المتخيلات وبنور الوهم الموهومات ، وإذا عبروا عن السر ووصلوا إلى عالم الأرواح عرفوا بنور الروح السر ، وإذا عبروا عن عالم الروح ووصلوا إلى ساحل بحر الحقيقة ، عرفوا بأنوار مشاهدات صفات الجمال عالم الأرواح وما دونها ، وإذا فنوا بسطوات الجلال عن إنانية وجودهم ووصلوا إلى لجة بحر الحقيقة ، كوشفوا بهوية الحق تعالى ، وإذا استغرقوا في بحر الهوية الأحدية وبقوا ببقاء الألوهية عرفوا الله بالله ، ووحدوه وقدسوه وعرفوا به كل شيء.

وهذا هو مسئول دعاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : «رب أرنا الأشياء كما هي» وكان قبل هذا وقت (سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) فحينئذ وقت (أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) وهذا مقام «كنت له سمعا وبصرا ويدا ، وبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش» ففي هذه الحالة كيف يبقى لمعرفة الروح حظر عند من له هذه المقامات العلية.

واعلم أن الروح شيء واحد في ذاته وحقيقته ، وتعدده بحسب تعدد النفوس المتصلة به ، وكذا عالم الأمر موجود واحد بالذات متكثر بحسب جهات الإفاضات والإيجادات (وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) وهكذا الكلام ، وغير ذلك من الأمور الإلهية ، فإن من وراء عالم الخلق وعالم الدنيا وما فيها وما معها وهو عالم النور ، كله مراتب الإلهية ، كأنها طبقات بسيطة متفاوتة في شدة النورية وضعفها ، وكل طبقة منها منطوية مقهورة تحت طبقة أعلى منها ، وهكذا إلى نور الأنوار ، فالكل منطوية مطموسة تحت سلطان نوره ، وسطوة كبريائه (أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ).

وعالم الخلق طبقاته ظلمات بعضها فوق بعض ، وكلما هو أبعد من

١٠٦

عالم النور فهو أظلم وأوحش ، وهكذا إلى أسفل السافلين ومهوى الشياطين والكفرة والمطرودين (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ) والله خالق الظلمات والنور وجاعل الليل والنهار «وهو (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) والناس في أول الخلقة قابل للسلوك إلى الجانبين والسير إلى السبيلين ، إما إلى عالم النور والحياة ، وإما إلى عالم الموت والظلمة (اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ ، يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ).

قاعدة

في كيفية البدو والإعادة والإشارة إلى سلسلتي الهبوط والصعود

قال الله تعالى : (هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) يشير إلى أنه تعالى كما بدأ الخلق بإخراجهم عن مكمن الإمكان إلى عالم الأرواح ثم أهبطهم من عالم الأرواح إلى عالم الأشباح عابرين على الملكوت الأعلى والأسفل من النفوس السماوية والأرضية ، مارين على الأفلاك والأنجم والأثير والهواء والماء والأرض ، إلى أن يبلغوا إلى أسفل السافلين والهاوية المظلمة أعني الهيولى والبحر المظلم والقرية الظالم أهلها ، وهي نهاية تدبير الأمر على ما قال : (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ) ثم يقع الإعادة في باب الإنسانية بجذبات العناية إلى الحضرة الإلهية من حيث وقع النزول مارا على المنازل والمقامات التي كانت على ممره بقطع التعلق عنها وترك الانتفاع بها ، فإنه حالة العبور على هذه المنازل استعار خواصها لاستكمال الوجود الإنساني مادة وصورة وروحا وجسما ، فصار محجوبا عن الحضرة مشتغلا بالكثرة عن الوحدة ، كما في قوله : (أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ) يعني الأبدان المظلمة لكونها مقابر للأرواح ، فإذا جاء وقت الرجوع بجذبة ارجعي إلى ربك يرد ما استعار من كل منزل ، فإن العارية مردودة إلى أن يبقى بلا إنانية

١٠٧

عارضة ويصفى وجه المرآة عن كل صورة فيتصرف فيه جذبة العناية ويتجلى في مرآته وجه الحق الباقي ، وكان العالم كله كدائرة انعطف آخرها إلى أولها ، إحدى قوسيه نزولية والأخرى صعودية ، ولها نقطتان إحداهما نهاية أولاهما وبداية أخراهما وهي الهيولى ، والثانية بالعكس وهو الإنسان الكامل ، روح العالم ، مظهر اسم الله وخليفة الرحمن ، كما قيل :

ليس على الله بمستنكر

أن يجمع العالم في واحد

قاعدة

في تحقيق الخلافة الإلهية

اعلم أنه لما اقتضى حكم الإلهية الجامعة لجميع الكمالات المشتملة على الأسماء الحسنى والصفات العليا بسط مملكة الإيجاد والرحمة ونشر لواء القدرة والحكمة ، بإظهار الممكنات وإيجاد المكونات وخلق الخلائق وتسخير الأمور وتدبيرها ، وكان مباشرة هذا الأمر من الذات الأحدية القديمة بغير واسطة بعيدة جدا ، لبعد المناسبة بين عزة القدم وذلة الحدوث ، فقضى الله سبحانه بتخليف نائب ينوب عنه في التصرف والولاية والإلايجاد والحفظ والرعاية ، فلا محالة له وجه إلى القديم يستمد من الحق سبحانه ، ووجه إلى الحدوث يمد به الخلق ، فجعل على صورته خليفة يخلف عنه في التصرف ، وخلع عليه خلع جميع أسمائه وصفاته ومكنه في مسند الخلافة بإلقاء مقادير الأمور إليه وإحالة حكم الجمهور عليه وتنفيذ تصرفاته في خزائن ملكه وملكوته ، وتسخير الخلائق لحكمه وجبروته ، وجعل له بحكم مظهرية اسميه الظاهر والباطن حقيقة باطنة وصورة ظاهرة. ليتمكن بهما من التصرف في الملك والملكوت. فالمقصود من وجود العالم وإيجاد الأشياء فيه شيئا فشيئا ، أن يوجد الإنسان الذي هو خليفة الله في العالم ، فالغرض من الأركان أن يحصل منها النباتات ، والغرض من النباتات أن يحصل منها الحيوانات ، ومن الحيوانات أن يوجد الأجساد البشرية ومن

١٠٨

الأجساد البشرية أن يحصل منها الأرواح الناطقة ، ومن الأرواح الناطقة أن يحصل خليفة الله في أرضه ، كما دل عليه بقوله : (إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) فحقيقته الباطنية هي الروح الأعظم ، والنفس الكلية وزيره وترجمانه ، والطبيعة عامله ورئيسه ، والعملة من القوى الطبيعية جنوده ، وكذلك إلى آخره. وأما صورته الظاهرة فصورة العالم من العرش إلى الفرش وما بينهما من البسائط والمركبات ، فهذا هو الإنسان الكبير المشير إليه قول المحققين ، العالم إنسان كبير. وإنما سمي إنسانا ، لإمكان وقوع الإنس بينه وبين الخلق برابطة الجنسية وواسطة الإنسية وأرادوا بالعالم حقيقة العالم وذاته وروحه الأعظم أعني العقل البسيط الذي اندمجت فيه صورة ما في العالم ظاهره وباطنه ، وهو أول ما خلق الله وأبدعه. وأما قولهم : الإنسان عالم صغير ، أرادوا به الكمل من أفراد البشر ، وهو خليفة الله في الأرض لقوله في حق آدم (إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) وقوله : (يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ).

والإنسان الكبير خليفة الله في السماء والأرض ، وماهيتهما واحدة ، وهذا الإنسان نسخة منتسخة ونخبة منتخبة من الإنسان الكبير بمثابة الولد من الوالد ، فله أيضا حقيقة باطنة وصورة ظاهرة ، أما حقيقته الباطنة فالروح الجزئي المنفوخ من الروح الأعظم ، نسبته إلى ذلك كنسبة الشعاع إلى الشمس ، فكذلك عقله الجزئى ونفسه الشخصية والطبيعة الشخصية ، وأما صورته الظاهرة فنسخة منتخبة من صورة العالم الظاهر ، فيها من كل جزء من أجزاء العالم ، لطيفها وكثيفها قسط ونصيب ، فسبحان من صانع جمع العالم في واحد.

من كل شيء لبة ولطيفه ، مستودع في هذه المجموعة وصورة كل شخص كامل نتيجة صورة آدم وحواء ، ومعناه نتيجة الروح الأعظم والنفس الكلية اللذين هما آدم كلي وحواء كلية ، ومن هذا يصح أن يقول الكامل من أولادهما.

وإني وإن كنت ابن آدم صورة

فلي فيه معنى شاهد بأبوتي

١٠٩

وكذلك كل واحد من أفراد البشر ناقصا أو كاملا كان له نصيب من الخلافة بقدر حصة إنسانية ، لقوله تعالى : (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ) ، مشيرا إلى أن كل واحد من أفاضل البشر وأراذلهم خليفة من خلفائه في أرض الدنيا ، فالأفاضل مظاهر جمال صفاته تعالى في مرآة أخلاقهم الربانية ، وهو سبحانه تجلى بذاته وجميع صفاته لمرآة قلوب الكاملين منهم ، المتخلقين بأخلاق الله ، ليكون مرآة قلوبهم مظهرا لجلال ذاته وجمال صفاته ، والأراذل يظهرون جمال صنائعه وكمال بدائعه في مرآة حرفهم وصنائعهم ، ومن خلافتهم أن الله استخلفهم في خلق كثير من الأشياء كالخبز والخياطة والبناء ونحوها ، فإنه تعالى يخلق الحنطة بالاستقلال والإنسان بخلافته يطحنها ويعجنها ويخبزها ، وكالثوب فإنه تعالى يخلق القطن والإنسان يغزله وينسج منه الثوب بالخلافة ، وعلى هذا قياس في سائر الصنائع الجزئية والحرف.

قاعدة

في الحقيقة المحمدية مظهر اسم الله الجامع الأعظم (يا أَيُّهَا

النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ) إلى قوله (مُسْتَقِيماً)

قد تقرر في العلوم الإلهية أن الحق تعالى برهان على كل شيء كما قال (أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) وقد ثبت أيضا أن المبدأ عين الغاية والبداية عين النهاية ، وأن الله فاعل كل شيء ، وأن الإنسان الكامل الذي لا أكمل منه غاية المخلوقات ، «لولاك لما خلقت الأفلاك» ، فإذن يجب أن يكون هو البرهان على سائر الأشياء ، كما قال (وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً).

ومن الشواهد الدالة على هذا المطلب أن الله أعطى لكل نبي آية وبرهانا وجعل نفس النبي الخاتم برهانا فقال (قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ) ، وذلك لأن برهان الأنبياء كان في أشياء غير أنفسهم ، مثل برهان موسى في

١١٠

عصاه وفي يده ، وفي الحجر الذي انبجست (مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ) ، وكان نفس النبي برهانا بالكلية فكان برهان عينه ما قال ، لا تسبقوني بالركوع فإني أراكم من خلفي كما أراكم من أمامي ، وبرهان بصره (ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى) ، وقوله : زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها ، وبرهان سمعه قوله أطت (١) السماء وحق لها أن تئط ليس فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع ، وبرهان شمه قوله : إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن ، وبرهان ذوقه قوله : إن هذا الذراع مسموم ، وبرهان لمسه قوله : وضع الله يده بين كتفي فأحس برده ، وبرهان لسانه قوله تعالى : (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى) ، وبرهان بصاقه (٢) ما قال جابر : إنه أمر يوم الخندق لا تخبزن عجينكم ولا تنزلن برمتكم حتى أجيء ، فجاء فبصق في العجين وبارك وبصق في البرمة ، فأقسم بالله إنهم لأكلوا وهم ألف حتى تركوه وانصرفوا ، وإن برمتنا لتغط (٣) كما هي وإن عجيننا ليخبز كما هي ، وبرهان تفله أنه تفل في عين علي عليه‌السلام وهي ترمد فبرئ بإذن الله يوم خيبر ، وبرهان يده قوله تعالى : (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى) ، وأنه سبح الحصى في كفه ، وبرهان إصبعه أنه أشار به إلى القمر فانشق فلقتين ، وكان الماء ينبع من أصابعه حتى شرب منه خلق كثير ، وبرهان صدره قوله تعالى : (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) ، وأنه كان له أزيز كأزيز المرجل (٤) وبرهان قلبه أنه كان تنام عيناه ولا ينام قلبه ، وقال تعالى : (ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى) ، وأمثال هذه البراهين في مظاهر وجوده المقدس أكثر من أن يحصى.

وأما براهين مطاوي وجوده وقواه المستورة ، فمنها برهان قوة

__________________

(١) صوت بالزحام ، أي كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتى أطت ، هذا إيذان ومثل بكثرة الملائكة.

(٢) البزاق.

(٣) لاشتد غليانها.

(٤) صوت غليان القدر أي إن جوفه يجيش ويغلي بالبكاء.

١١١

حفظه كقوله : (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى) ، وبرهان قوة علمه قال علي عليه‌السلام : علمني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ألف باب من العلم فاستنبطت من كل باب ألف باب ، وإذا كان حال الولي هكذا فكيف حال النبي المعلم ، وأما برهان قوته المحركة العملية فلعروجه بجسده النوراني إلى أقصى عالم السماوات وهو سدرة المنتهى ، وبروحه المقدس إلى قاب قوسين أو أدنى ، وأما برهان عقله العملي فقوله : (إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) ، وقوله : بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.

قاعدة

في حقيقة الدنيا والآخرة

قال الله تبارك وتعالى (أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ) إلى قوله (وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ) ، وقال : (وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ) ، وقال : (إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ) إلى قوله (فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) وقال : (كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ).

واعلم أن الدنيا من عالم الملك والشهادة ، والآخرة من عالم الملكوت والغيب ، وربما قيل : إن الدنيا عالم المحسوسات والآخرة عالم المعقولات ، وهذا غير سديد عندنا ، وإنما هو قول جمع من الفلاسفة المنكرين للمعاد الجسماني ، ولوجود الجنة والنار الجسمانيين ، والأجود أن يقال إن الدنيا عالم الكون والفساد ، والآخرة دار القرار ، أو يقال : إن الدنيا عالم الظلمات ، والآخرة عالم النور ، أو يقال : إن الدنيا عالم الموت ، والآخرة عالم الحياة ، والله تعالى هو (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ) و (جَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ) ، يعني الدنيا والآخرة.

وتوضيح ذلك على نسق البرهان العقلي أن الصورة التي يتعلق بها العلم والإدراك على ضربين ، إما صورة مادية مغموسة في المادة ، التي شأنها العدم والقوة وقبول الكثرة والانفصال والتباعد في الجهات ، و

١١٢

الغيبة والحجاب وعدم الحضور ، حتى أن كل جزء منها يغيب عن صاحبه وليس لها وجود جمعي حضوري ، فلم يكن مدركة ولا معلومة ولا محسوسة إلا بالتبع لا بالذات ، فهي مناط الجهل والموت والظلمة ، وأما صورة مفارقة عن المادة ولواحقها فوجودها وجود حضوري إدراكي ، لأن وجودها في نفسها بعينه وجودها لمدركها ، سواء كانت صورة جزئية أو كلية ، محسوسة أو معقولة ، فهي المدركة بالفعل دائما ، والأولى ليست مدركة بالفعل ما لم ينتزع عن مادتها ، والقسم الأول هو وجود الدنيا وما فيها ، ولا يكون لها في نفسها حياة إلا بأمر خارج عنها وارد عليها ، والقسم الآخر ، هو وجود الآخرة وما فيها ، وإن حياتها ذاتية لها لا بأمر خارج ، ولهذا قال الله تعالى في حق الدنيا : (إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) ، وقال في حق الآخرة : (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) ، ولأجل ذلك قيل : إن حال الإنسان في كل ما يراه من الدنيا كحال النائم في المنام عن الرؤيا التي يراها ، ما هي إلا أمثال وحكايات لما هي حقائق موجودة في الخارج يحتاج إلى التعبير.

فالعارف بمنزلة المعبر الذي يعبر عنها بأمور أخروية ، كما قال سبحانه : (وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ) ، وقيل أيضا : إن الدنيا مرآة الآخرة فإنها عالم الشهادة ويرى فيها ما في عالم الغيب وهي الآخرة.

وما أحسن تشبيه الدنيا بالمرآة ، حيث إن سطح المرآة من جهة اللون لأجل الصقالة صار عدميا ، لكنه يصير لأجل صقالته وقوة إمكانه مظهرا لما يقابله من الأشكال والألوان ، كذلك الدنيا أمر عدمي إمكاني حامل للعدم والقوة الإمكانية ، فصارت مظاهر لما يقابله من عالم الآخرة ، فيرى فيها صور الأشياء الثابتة في عالم آخر على وجه محسوس جزئي ، لتطرق النقائص والأعدام إلى تلك الصور من جهة المظهر الدنياوي ، فهذا العالم في الوجود تابع لعالم الغيب ، كما أن الصورة في المرآة تابعة لصورة الناظر ، ألا ترى أن صورتك في المرآة وإن كانت هي الثانية في رتبة

١١٣

الوجود فإنها قد صارت أولى في حق نفسك فإنك لا ترى نفسك ، وترى صورتك في المرآة أولا ، وربما تغيرت بحسب حال المرآة مستقيمة ومعوجة واحدة ومتكثرة ، ثم تعرف بها صورتك التي هي قائمة بك لا بالمرآة أصلا على سبيل المحاكاة في ثاني الحال ، فانقلب التابع في الوجود متبوعا في حق المعرفة ، وانقلب المتأخر متقدما ، وهذا النوع من الانعكاس والانتكاس ضرورة هذا العالم ، وكذلك عالم الدنيا محاك لعالم الآخرة ، فمن الناس من وفقه الله ويسر له النظر والاعتبار فلا ينظر إلى شيء من هذا العالم إلا ويعبر به إلى عالم الآخرة ، فيسمى عبوره عبرة ، وقد أمر الله تعالى عباده به وقال : (فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ) ، ومنهم من عميت بصيرته فلم يعتبر ولم يعبر عن هذا الحبس ، فاحتبس في عالم الحس والشهادة ، وسيفتح إلى حبسه أبواب جهنم ، وهي مشاعره التي كانت تصلح أن تكون أبوابا إلى فسحة الجنان أيضا كما تصلح لأن تكون أبوابا إلى النيران ، وهذا الحبس ممتلئ نارا شأنها أن تطلع على الأفئدة ، إنها عليهم مؤصدة في عمد ممددة ، إلا أن بينه وبين إدراك حرقها وألمها حجاب ، فإذا رفع الحجاب بالموت أدركها بعين اليقين ، وهذه النار موجودة اليوم كما دل عليه قوله تعالى : (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ) ، وقوله : (وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ) ، وقوله : (أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ) ، وقد أظهر الله الحق على لسان قوم استنطقهم بالحق فقالوا : الجنة والنار مخلوقتان ، نظرا إلى ظاهر قوله تعالى : (وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا) ، وقوله : (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) ، وقوله : (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ) ، وقوله : (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ) ، وقوله : (أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً) ، وقوله : (يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ).

وهذا هو المروي عن الأئمة الطاهرين عليهم السلم ، روى قدوة المحدثين أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي رضي الله عنه في عيون أخبار الرضا بسنده المتصل إلى عبد السلام بن صالح الهروي ، قال قلت لعلي بن

١١٤

موسى الرضا عليه‌السلام يا ابن رسول الله أخبرني عن الجنة والنار ، أهما اليوم مخلوقتان ، قال نعم قد دخل رسول الله (ص) الجنة ورأى النار لما عرج به إلى السماء ، قال فقلت له إن قوما يقولون إنهما اليوم مقدرتان غير مخلوقتين ، فقال عليه‌السلام : ما أولئك منا ولا نحن منهم ، من أنكر خلق الجنة والنار فقد كذب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وكذبنا ، وليس في ولايتنا على شيء ويخلد في نار جهنم ، قال تعالى : (هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ) ، وقال النبي (ص) : لما عرج بي إلى السماء أخذ بيدي جبرئيل فأدخلني الجنة ، فناولني من رطبها فأكلته فتحول ذلك نطفة في صلبي ، فلما هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة عليها‌السلام ففاطمة حوراء فكلما اشتقت إلى الجنة شممت رائحة ابنتي فاطمة عليها‌السلام.

وبالجملة الدنيا هي النشأة النارية الداثرة الكائنة الفاسدة ، من ركن إليها استحق النار ، والآخرة هي النشأة النورية العلمية الباقية ، وهي صورة الجنة ومنازلها ، إلا أنها محجوبة عن هذه الحواس لانغمارها في البدن الذي هو أيضا من الدنيا ، فمن عرف نفسه وعرف ربه تجرد ذاته عن غشاوة الدنيا وصار من أهل الآخرة ونعيمها ، ومن لم يستكمل ذاته بقوة الإيمان ونور العرفان ، ولم ينتزع صورته عن المادة البدنية ، ولم يتجرد ذاته عن مقبرة الدنيا وتابوت البدن الذي استحق بذاته أن يصير صندوقا من صناديق الجحيم ، فلا نجاة له من عذاب النار ، ولا خلاص له منها إلى محل الأبرار ومعدن الأنوار.

والعارف يشاهد ببصيرته أن الدنيا ضد الآخرة وأنها معدن الجهل والكفر ومنشأ الظلمة والعذاب في يوم القيامة ، وأنها مذمومة ، شهواتها مهلكة ، ظلماتها مغوية ، وهي مع ذلك لا بد منها لأنها مزرعة الآخرة في حق من عرفها ، إذ منها ينشأ بذر الثمرات الأخروية ، فمن تزود منها للآخرة واقتصر على قدر الضرورة فقد حرث وبذر وسيحصد في الآخرة ما زرع ، وحقيقة هذه الحراثة هي الإيمان والزهد ، أعني اكتساب أنوار المعلومات

١١٥

والتجرد عن الماديات والظلمات وهي يخالف حراثة الدنيا ، وهي تحصيل المال والجاه ، فلا نجاة لأحد إلا لمن كان حاله في الدنيا كحال المسافر الذي يقتصر منها على قدر الضرورة ، ولا سعادة لأحد إلا لمن قدم إلى الله عارفا به وبملكوته وآيات جلاله وعظمته ، وأحب الله بقلبه ، فإن المعرفة والمحبة لا ينالان إلا بدوام الطلب والفكر ، ولا يفرغ القلب إليهما إلا بالإعراض عن شواغل الدنيا والفراغ عن محبة غير الله ، وغير صفاته وأفعاله من حيث هي أفعاله ، فإن من أحب أحدا أحب آثاره لأجله.

فأنت يا حبيبي إن كنت من أهل البصيرة فقد علمت أن مدار النجاة على الأعراض عن الدنيا وأهلها ، ومدار السعادة الحقيقية والتقرب عند الله بالحكمة الإلهية التي هي المعبر عنها بالإيمان (بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) ، وإن لم تكن من أهل الكشف والبصيرة فكن لا أقل من أهل التقليد والإيمان بظاهر القرآن ، وانظر إلى تحذير الله تعالى إياك في عدد كثير من الآيات كقوله : (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ) الآية ، وكقوله تعالى : (فَأَمَّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى) ، وكقوله : (الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَ (يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَ) يَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ) ، وكقوله : (وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ) ، وقوله : (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها) الآية» ، (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) الآية ، وفي حمعسق (مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ) ، وقوله : (إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) ، وقوله : (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) ، وقوله : (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي

١١٦

الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) وقوله : (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) ، وقوله : (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا) الآية ، ولعل ثلث القرآن في ذم الدنيا وأهلها.

وفي الحديث عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله «الدنيا ملعون ، ملعون ما فيها ، الدنيا دار من لا دار له ، الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ، الدنيا جيفة وطالبها كلاب ، وإن الله عزوجل لم يخلق خلقا أبغض إليه من الدنيا ، وإنه لم ينظر إليها منذ خلقها بغضا».

قاعدة

في اللوح والقلم

قال تعالى : (ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ) ، وقال : (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) ، وقال : (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) ... (فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) ... (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) ، وقال : (يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ) ، وقال : (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ).

وفي الخبر أن إسرافيل ملك موكل باللوح ينظر فيه وينتظر متى يؤمر أن ينفخ في الصور ، واللوح مجمع علوم الكوائن ، وقيل أصله من ذهب دفتاه ياقوتتان حمراوان ، عرض كل منهما من المشرق إلى المغرب ، وطوله من العرش إلى الثرى ، وأما القلم فهو درة بيضاء طوله ألف سنة.

وفي الأثر : لما خلق الله القلم قال اكتب ، قال ما أكتب قال علمي في خلقي ، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة.

وروي عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله سبق القلم وجف القلم وتم القضاء بتحقيق الكتاب وتصديق بالسعادة من الله والشقاوة من الله.

وفي كتاب الاعتقادات لابن بابويه القمي رضوان الله عليه ، إن اللوح والقلم هما ملكان ، فإثباتهما من طريق الخبر والرواية هكذا ، وأما طريق الاعتبار والاستبصار ، فالبرهان العقلي يجوز جميع ما ذكروا ولا يأبى

١١٧

عنه ، ويشبه أن يكون إحداهما وهو القلم جوهرا عقليا بل العقل الكلي وهو العالم العقلي بجملته ، وثانيهما أعني اللوح جوهرا نفسانيا بل النفس الكلية وهو العالم النفساني بجملته.

قاعدة

في العرش والكرسي

قيل سئل محمد بن الحنفية رضي الله عنه عن الكرسي فقال : فلك البروج ، فمن جعله فلك البروج جعل العرش فلك الكل أو فلك الأفلاك ، وذهبت المشبهة إلى أن العرش موضع التدبير والتقدير ، والكرسي موضع التجلي والزيارة ، وذكروا أن الله ينزل من العرش إلى الكرسي فيتجلى للخلق ويقضي بينهم بالحق.

أقول : «إنما قالوا ذلك وأمثاله لآثار بلغت إليهم منقولة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في هذا الباب ، لو عرفوها حق معرفتها لما ضلوا وأضلوا ،

وقال بعضهم إن العرش مظهر الرب ، والكعبة معلمه ، فدعا الله العباد إلى مظهره بقلوبهم وإلى معلمه بأبدانهم ، ومنهم من قال : إن الله متمكن على العرش وقدماه على الكرسي ، جل الباري عن صفات المخلوقين ونعوت المحدثين ، وقال بعض أرباب القلوب العرش هو قلب العالم والإنسان الكبير والكرسي هو صدره ، وهذا أصح الأقوال وأسدها وأحسنها ، وذلك لأن المراد من القلب المعنوي هو مرتبة النفس المدبرة المدركة للكليات ، والقلب الصوري مظهرها ، وكذا المراد من الصدر المعنوي هو مرتبة النفس الحيوانية المدركة للجزئيات ، وهذا الصدر الجسماني مظهرها ، ونسبة استواء النفس الإنسانية على قلبه بالتدبير إلى استواء الرحمن على عرشه بالعناية والرحمة كنسبة القلب الصنوبري إلى العرش الصوري ، وكذلك نسبة تصرف النفس الحساسة الحيوانية في الصدر المحيط بجوهر الكبد لمكان الدم الطبيعي المنتشر في البدن كله إلى تصرف

١١٨

القوة الملكوتية بإذن الله في الكرسي المحيط بجوهر السماوات السبع بأنوارها النافذة في الكل كنسبة الصدر الجزئي إلى الكرسي الجسماني ،

وأيضا نسبة العرش إلى الكرسي كنسبة القلم إلى اللوح ، فالقلم واللوح جوهران بسيطان عقليان في عالم الأمر ، ولكن القلم أبسط وأشرف وأقوى عقلا ، وكذا العرش والكرسي جوهران بسيطان حيان من عالم الخلق ، لكن العرش أبسط وأنور وأقوى حياة ، والله أعلم بحقائق أموره وخزائن ظهوره ومنازل شهوده ومجالي وجوده.

وقال الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي رضوان الله عليه ، اعتقادنا في اللوح والقلم أنهما ملكان كشف الله بهما مخفيات علمه واطلعهما على علومه الغيبية ، وهو قريب مما ذكرناه من أنهما واسطتان في إفاضة العلوم من الله على خلقه ، وقال عظم الله قدره في الاعتقاد في الكرسي : إنه وعاء جميع الخلق والعرش والسماوات والأرض وكل شيء خلق الله في الكرسي ، وقال وجه آخر : قد سئل الصادق عليه‌السلام عن قول الله عزوجل (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) ، قال هو علمه ، وقال في الاعتقاد في العرش : إنه حملة جميع الخلق ، والعرش في وجه آخر هو العلم ، وسئل الصادق عليه‌السلام عن قول الله عزوجل (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) ، فقال : «استوى من كل شيء فليس شيء أقرب إليه من شيء» ، «وأما العرش الذي هو حملة جميع الخلق فحملته ثمانية من الملائكة» ، لكل واحد منهم ثمانية أعين كل عين طباق الدنيا ، واحد منهم على صورة بني آدم يسترزق الله تعالى لولد آدم ، وواحد منهم على صورة الثور يسترزق الله للبهائم ، وواحد منهم على صورة الأسد يسترزق الله للسباع ، وواحد منهم على صورة الديك يسترزق الله للطيور ، فهم اليوم أربعة وإذا كان يوم القيامة صاروا ثمانية ، وأما العرش الذي هو العلم فحملته أربعة من الأولين وأربعة من الآخرين ، فأما الأربعة من الأولين فنوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم‌السلام ، وأما الأربعة من الآخرين فمحمد وعلي والحسن والحسين عليهم‌السلام ، قال : هكذا روي بالأسانيد الصحيحة عن الأئمة عليهم‌السلام ، في العرش وحملته.

١١٩

المشهد الثالث

في أحكام المخلوقات الواقعة في سلسلة العود إلى الله معاكسة

للمبدعات الكائنة في سلسلة البدو منه تعالى وفيه قواعد :

قاعدة

في المركبات الناقصة

اعلم أنه إذا وقعت آثار القوى السماوية من الأضواء والأشعة الكوكبية وغيرها بإذن الله وملكوته العمالة في العناصر والمواد السفلية ، فحركتها وهيجتها ، اختلط بعضها ببعض واستحال بعضها إلى بعض ، حصل من اختلاطها واستحالتها موجودات شتى ، فإذا هيج النور الفلكي بإسخانه الحرارة ، بخر من الأجسام الرطبة المائية ، ودخن من الأجسام اليابسة الأرضية ، وأثار من البخار والدخان من مهبطي الأرض والماء وأصعده ، أما الدخان فقد يتعدى صعوده حيز الهواء إلى أن يوافي تخوم النار فيشتعل ، وربما يبقى فيه الاشتغال لغلظ المادة الدخانية ، فرأى كأنه كوكبا في السماء فيتحرك بمشايعة حركة الأثير مدة ، وربما لم يبق فيه الاشتعال بل احترق بسرعة وانطفى ولم يثبت فيه أثر الاحتراق وهو الشهاب الثاقب ، وقد ثبت فيه أثر الاحتراق ، فيرى العلامات الهائلة الحمر والسود ، وأما البخار الصاعد فمنه ما يلطف ويرتفع جدا فيتراكم ويبقى مدة في أقصى الجو عند منقطع الشعاع فيبرد ويكشف فيقطر فيكون المتكاثف منه سحابا ماطرا و

١٢٠