موسوعة عاشوراء

جواد محدثي

موسوعة عاشوراء

المؤلف:

جواد محدثي


المترجم: خليل زامل العصامي
الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع)
الناشر: دار الرسول الأكرم (ص)
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٦٠
  نسخة غير مصححة

عنهم تعدّ مبايعة له. والبيعة في الاسلام لا تعتبر طريقة في انتخاب الحاكم ، بل هي اسلوب لترسيخ حكومة الإمام اللائق لهذا المنصب على أساس محور الشرع وحكم الله ، كما وصفه امير المؤمنين بقوله في نهج البلاغة : «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».

وأفردت كتب الحديث بابا خاصا للبيعة ، ممّا يدلّ على أهميّتها في النظام السياسي والاجتماعي في الاسلام. وانطلاقا من هذا التصوّر اتّخذت البيعة بعد وفاة رسول الله أهمية فائقة ، وصار لأخذ البيعة من الناس لصالح الحكومة بعدا سياسيا تجلّى في قضية السقيفة ، واستنادا الى هذا الأصل ارادوا ارغام الإمام علي عليه‌السلام وأصحابه على البيعة ، وقد تولّى هو عليه‌السلام الخلافة من خلال مبايعة الناس له بعد مقتل عثمان.

وكان العمل الّذي ارتكبه معاوية بأخذ البيعة لابنه يزيد ، في وقت لا زال هو فيه حيّا ، بانتهاج اسلوب الاكراه والارهاب من جملة التصرّفات المقيتة للأمويين ؛ فقد أخذ معاوية البيعة في عام ٥٩ للهجرة من أهالي الشام ومن وجوه القبائل لابنه يزيد بصفته وليّا للعهد ، وبعث الى الولايات كتبا يدعوهم فيها لمبايعته ، وقد لقيت هذه الدعوة معارضة من البعض إلّا إنّه قمعهم بقوّة (١).

وبعد موت معاوية بعث يزيد كتابا الى والي المدينة دعاه فيه الى أخذ البيعة من الحسين بن علي بأيّة صورة كانت ، إلّا إنّ الإمام الحسين كان يرى ان هذا الرجل غير صالح للخلافة ، فرفض البيعة وقال : «مثلي لا يبايع مثله».

وفي المدّة التي كان فيها سيّد الشهداء في مكة ووصلته كتب ورسائل اهل الكوفة ؛ بعث إليهم مسلم بن عقيل مندوبا عنه ، فبايعه شيعة الكوفة نيابة عن الإمام الحسين ، وكان عدد من بايعه منهم ١٨ ألفا أو ٢٥ ألفا ، وفقا لبعض الروايات (٢).

__________________

(١) مروج الذهب ٣ : ٢٧.

(٢) مقتل الحسين للمقرم : ١٦٨.

٨١

اما رفع البيعة من الإمام أو الوالي عن المبايع فيعني ازالة ذلك التعهد الذي الزم نفسه به من خلال البيعة. وفي ليلة عاشوراء اثنى الإمام الحسين في كلمة له على وفاء اصحابه ودعا الله لهم بخير الجزاء ، ثم انّه رفع عنهم البيعة ليتخذ كل من يشاء منهم ظلام الليل سترا وينجو بنفسه ، فقال لهم : «ألا وانّي قد اذنت لكم فانطلقوا جميعا في حل ليس عليكم حرج مني ولا ذمام ، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا» (١) ، إلّا ان انصاره نهضوا الواحد تلو الآخر واعلنوا له وفاءهم بالعهد ووقوفهم الى جانبه ، ولم ينصرف منهم احد ، وكلمات مسلم بن عوسجة ، وزهير ، وابناء مسلم بن عقيل وغيرهم معروفة في هذا الباب.

ـ رفع البيعة ، الوفاء ، الفتوة

بين النهرين :

اسم قديم لقسم من ارض العراق يقع بين نهري دجلة والفرات وكان في وقت ما ارضا خصبة ذات محصول وافر.

ـ العراق

__________________

(١) بحار الانوار ٤٤ : ٣٩٣.

٨٢

ت

تاسوعاء :

وهو اليوم التاسع من شهر محرم عام ٦١ للهجرة وفيه احاط جيش الكوفة بالامام الحسين وانصاره ومنع عنهم الماء ، وسيطر على جميع الطرق لكي لا يلتحق احد بمعسكر الحسين ، واتخذت تهديدات جيش عمر بن سعد طابعا أكثر جدّية ، وأصبحوا اكثر استعدادا للهجوم على الخيام. وفي عصر يوم الخميس التاسع من محرم تلقّى ابن سعد أمرا من ابن زياد جعله يتأهّب لمقاتلة الحسين. وهجمت طائفة من جيش الكوفة على الخيام فيما كان الإمام جالسا الى جانب خيمته محتبيا بسيفه ، وما ان سمعت زينب جلبة المهاجمين حتّى سارعت لإيقاظ الإمام الذي هوّمت عيناه ، واخذته اغفاءة. ولما استفاق قصّ الرؤيا التي رآها في تلك اللحظة ؛ وهو إنّه رأى رسول الله ، فقال له صلى‌الله‌عليه‌وآله : انّك تروح إلينا. فارسل الحسين اخاه العباس مع ثلّة من الانصار لاستطلاع هدف المهاجمين. ولما علم انهم قادمون لمحاربته أو لأخذ البيعة منه ، استمهلهم تلك الليلة للعبادة والصلاة ، وأوكلوا أمر الحرب الى اليوم التالي (١).

قال الإمام الصادق عليه‌السلام : «تاسوعاء يوم حوصر فيه الحسين وأصحابه بكربلاء واجتمع عليه خيل أهل الشام وأناخوا عليه وفرح ابن مرجانة وعمر بن سعد بتوافر الخيل وكثرتها واستضعفوا فيه الحسين وأصحابه وأيقنوا إنّه لا يأتي

__________________

(١) حياة الإمام الحسين ٣ : ١٦١.

٨٣

الحسين ناصر ولا يمدّه أهل العراق» (١).

التباكي :

انّ حالات البكاء والابكاء والتباكي لها ثواب عظيم في احياء ذكرى عاشوراء وعزاء الإمام الحسين عليه‌السلام فالمرء حتى وان لم يبك أو لم تعتريه حالة البكاء ، فان مجرّد التباكي ، يجعل الشخص في حالة من الحزن والاسى ، ويضفي على المجلس حالة الغم والكآبة.

فالتباكي تماشيا مع المفجوعين بمأساة عاشوراء ، له وقع كوقع البكاء والابكاء. جاء في حديث عن الإمام الصادق عليه‌السلام انه قال : «من انشد في الحسين شعرا فتباكى فله الجنّة» (٢).

وجاء في حديث نقله السيّد بن طاوس : «من تباكى فله الجنّة» (٣).

وورد في الحديث القدسي : «يا موسى ما من عبد من عبيدي في ذلك الزمان بكى أو تباكى وتعزّى على ولد المصطفى إلّا وكانت له الجنّة ثابتا فيها» (٤).

وبطبيعة الحال فانّ التباكي مطلوب أيضا في موارد اخرى غير التباكي على مصيبة أبي عبد الله ، كموارد الدعاء والمناجاة وخشية الله. وهذه الأمثلة النفسية تترك تأثيرا من الظاهر على الباطن. في هذا المورد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لأبي ذر الغفاري : «يا أبا ذر ، من استطاع أن يبكي فليبك ، ومن لم يستطع فليشعر قلبه الحزن وليتباك ، انّ القلب القاسي بعيد من الله» (٥).

__________________

(١) سفينة البحار ١ : ١٢٤.

(٢) بحار الانوار ٤٤ : ٢٨٢.

(٣) نفس المصدر السابق : ٢٨٨.

(٤) مستدرك سفينة البحار ، ج ٧ ، ص ٢٣٥ (نمازي الشاهرودي).

(٥) مكارم الاخلاق : ٤٦٢ ، بحار الانوار ٧٤ : ٧٩.

٨٤

وقال الإمام الصادق عليه‌السلام في بكاء الانسان على ذنبه ومن خشية الله : «ان لم يجئك البكاء فتباك ، فان خرج منك مثل رأس الذباب فبخّ بخّ» (١).

ـ البكاء ، العزاء

التحرر :

من أهم الدروس التي ميّزت نهضة كربلاء ، ومن اوليات ثقافة عاشوراء هي الأصالة والتحرّر ، وعدم الخضوع للظلم ، ورفض الذلّة.

قال الحسين بن علي عليه‌السلام : «موت في عز خير من حياة في ذل» (٢). وقال لما عرضوا عليه الاستسلام والبيعة : «لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ، ولا أقرّ إقرار العبيد».

وفي كربلاء حينما خيّروه بين الحرب والبيعة قال : «ألا وانّ الدعي ابن الدعي قد ركّز بين اثنتين ؛ بين السلّة والذلّة ، وهيهات منّا الذلّة ...» (٣).

وعند اندلاع معركة الطف كان يكرّ على صفوف العدو مرتجزا :

الموت أولى من ركوب العار

والعار أولى من دخول النار (٤)

وحينما سقط على الأرض جريحا وتناهى إلى سمعه انّ جيش العدو عزم على مهاجمة حرمه وخيامه ، صاح : «يا شيعة آل أبي سفيان ، إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحرارا في دنياكم ...» (٥).

لقد كانت ثورة كربلاء درس جهاد لجميع المظلومين والثوار استلهموا منها روح المقاومة والتحرّر. لقد اعطى سلوك الحسين للعالم درسا في الحريّة.

قال غاندي الزعيم الهندي الكبير :

__________________

(١) بحار الانوار ٩٠ : ٣٤٤.

(٢) مناقب ابن شهر اشوب ٤ : ٦٨.

(٣) اللهوف : ٥٧.

(٤) كشف الغمة ٢ : ٣٢.

(٥) بحار الانوار ٤٥ : ٥١ ، مقتل الخوارزمي ٢ : ٣٢.

٨٥

... اذا كنّا نبغي إنقاذ الهند فلا بد لنا من انتهاج الطريق نفسه الذي سلكه الحسين بن علي عليه‌السلام».

ـ عاشوراء في رأي الآخرين ، الايثار ، طلب الشهادة ، دروس عاشوراء

تحريف وقائع عاشوراء :

استهدفت نهضة الإمام الحسين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإنقاذ الإسلام ومحاربة الطغيان والتسلّط ، ولا شكّ انّ للتطلّعات الكبرى أهداف سياسية واجتماعية ، وهذا التشجيع الذي يدعو إلى البكاء على سيّد الشهداء ، والعزاء على سيّد المظلومين إنمّا يرمي إلى الحفاظ على مدرسة الجهاد والشهادة وصيانة القيم ، ولكن ممّا يبعث على الأسف انّ الكثير من التحريف قد طرأ على هذه الواقعة سواء فيما يتعلّق باهدافها ودوافعها ، أم فيما يخصّ الشخصيات البارزة التي شاركت في صنع تلك الملحمة ، أم في منهجها وتوجهاتها.

بعض التحريف لواقعة عاشوراء استهدف محتواها ، والبعض الآخر تعرّض لصورتها الظاهرية وشخصياتها ؛ فبعض الكتب التي كتبت تحت عنوان المقتل ، والمجالس التي تعقد لاحياء ذكرى عاشوراء والتي تبدو وكأنّها قد وضعت لمجرّد ابكاء المستمعين ، امتزجت بالاخبار الضعيفة وغير المسندة ، حتّى الكاذبة.

ان المحبوبية التي حظيت بها شخصيات عاشوراء في قلوب الناس دفعت إلى نقل احداث تلك الملحمة بكثير من الغلو والمبالغة غير المعقولة ، والبعد عن الصدق. فأضيفت أرقام إلى عدد القتلى ، ونقلت بعض الحوادث المأساوية ظاهريا ، بمزيد من التهويل والغلو.

وانحدر الدافع من وراء تلك الملحمة الدموية حتّى إلى درجة «القتل لغرض الشفاعة لذنوب الامّة» احيانا. وبدت مواقف الإمام الحسين ، وزينب ، والإمام السجاد ، والاطفال ، واهل البيت بصورة العجز والذلة والحقارة والمهانة امام بعض الفساق من امثال يزيد ، وعمر بن سعد ، وابن زياد ، وشمر. وتبدّلت الارادة الكبرى

٨٦

للإمام في ساحة القتال هذه ـ والتي تلخصت برفض البيعة للحكومة الجائرة ـ تبدلت إلى طلب جرعة من الماء لشفاهه الذابلة ، أو لفم طفله الرضيع. وعرضت في مجالس العزاء أشعار وقصائد تصوّر زينب والإمام السجاد ومسلم بن عقيل بصور تتنافى مع الروح السامية ، والنفس الآبية لسلالة العزّة والشرف. وحتى الخصومة المتأصّلة عند بني اميّة ضد الدين والوحي والنبوّة ، تحولت إلى عداء شخصي بين الحسين ويزيد ، وتقلّصت رسالة مناصرة الجبهة الحسينية الواسعة على طول التاريخ إلى مجرّد البكاء على عطش ومظلومية أصحاب الكساء. وصار يعرض جسم الحسين المبضّع قبل استعراض افكاره واستقراء منهجه. وحتّى المناوئين لاصل فكرة اقامة العزاء على الشهداء صاروا ممن يدعو لحريّة تلك الشعائر ويروّج لها ، ولكن اذا اقترنت بمسخ حقيقة عاشوراء وفلسفة ثورة كربلاء ؛ بحيث لا يتعارض برنامجها مع حكومات الجور والفسق. وكان هذا أكبر تحريف لمحتوى الثورة ، في حين انّ ثورة التوابين إنمّا تبلورت بعد البكاء على مزار شهداء كربلاء وذكر مظلومية الإمام الحسين. وثار الشيعة في كربلاء بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي مستلهمين مبادئ ثورتهم من ثورة الطف. وعاشوراء في حقيقته كان يفرض تكليفا على كلّ مسلم ، ولا يعني ابدا انّ الإمام أدى واجبا خاصا به وانتهى الأمر.

انّ الاعتقاد بشفاعة سيّد الشهداء ، والايمان بثواب البكاء عليه بالنتائج الحسنة المترتّبة على محبّة أهل البيت صحيحة كلّها. إلّا انّ طرح هذه الامور من جانب واحد جعل الكثير من محبّي اهل البيت لا يرون اي تعارض بين البكاء على الحسين ، وارتكاب المعاصي وهضم حق الناس واهمال الفرائض الدينية ، واملهم في ذلك هو الحسين عليه‌السلام حتّى وان غرقوا في الآثام.

كانت للامام السجاد عليه‌السلام تلك الروح الحسينية والشجاعة العلوية ذاتها ، وقضت المصلحة الربانية ان يمرض في عاشوراء ويفقد القدرة على القتال ،

٨٧

إلّا انّ هذه الحقيقة حرّفت حتّى سمّي في الاخبار «بالامام المريض» وصوّر في اذهان الناس وكأنه رجل نحيف ممتقع اللون اصفر الوجه نحيل ويتوكّأ على العصا ، بل واختلقت امور لا اساس لها من الصحّة من قبيل حجرة زواج القاسم في ليلة عاشوراء ، لاجل استدرار دموع الحاضرين في مجالس العزاء ، وتسللت امثال هذه التلفيقات إلى كتب المقاتل والمراثي ، وفتح باب القضايا تحت عنوان الرؤيا (الصادقة أم الكاذبة) وتمّ تناقلها من فم إلى فم حتى أضحت تدريجيا وكأنّها امر صحيح وبديهي لا غبار عليه.

انّ واجب الواعين والمتصدين لهذه القضايا هو التبيان الصحيح لماهيّة الثورة الحسينية ، وعرض المقاتل والمراثي والخطب الصحيحة التي تنقل من مصادر موثوقة ، وكذلك الوقوف دون قراءة المراثي الكاذبة ، ومنع قراء المراثي الجاهلين ، والمدّاحين المتكسّبين والوعّاظ الاميين من نقل أمثال هذه الأكاذيب والتحريفات.

تمّ في العقدين الأخيرين تأليف كتب قيّمة في تحليل ماهيّة وأهداف الثورة الحسينية ، ونظمت أشعار ذات مغزى ومتطابقة مع روح عاشوراء. وأشارت بعض الكتب إلى التحريفات التي وقعت في نقل وقائعها وحقيقتها سواء في اللفظ أم في المضمون (١).

ـ آداب الوعظ والمنبر ، أهداف ثورة كربلاء ،

عاشوراء ، ثقافة عاشوراء ، الشفاعة

__________________

(١) نوصي في هذا الصدد بمطالعة كتاب : «الملحمة الحسينية» للشهيد المطهري كما يمكن مراجعة كتاب «اللؤلؤ والمرجان» للمحدّث النوري الذي نقل فيه امثلة كثيرة للاخبار الكاذبة ، والحوادث المختلقة التي جاءت على ألسنة قرّاء المراثي وفي الاشعار بشأن وقائع الطف ، التي اوردها في باب ضرورة اجتناب الكذب ، والتزام الصدق في الكلام ، ويمكن أيضا مراجعة كتاب «التنزيه لاعمال الشبيه» الذي اورد السيّد محسن الامين خلاصة له في كتاب «اعيان الشيعة ١٠ : ٣٧٣» فما بعدها ، وكتاب «اكسير السعادة في اسرار الشهادة» للسيد عبد الحسين اللاري ، و «الآيات البينات في قمع البدع والضلالات» لكاشف الغطاء.

٨٨

التحنيك بتربة كربلاء :

يستحب تحنيك (١) المولود بتربة الحسين عليه‌السلام ، فهو امان له ، والتحنيك من شأنه ان يعرّف فم الطفل بتربة الشهادة ، ويلهمه الارتباط العاطفي بعاشوراء ، واضفاء جانب من القدسية على حياة الطفل منذ الأيام الاولى في حياته ، قال الإمام الصادق عليه‌السلام : «حنّكوا اولادكم بتربة الحسين عليه‌السلام فانّه أمان» (٢).

وهذا الاستحباب موجود أيضا بالنسبة لماء الفرات وينطوي على معاني سقي الطفل بمحبة الحسين ، وتعريف فطرته بمدرسة عاشوراء. وفي بعض الاماكن يحلّون شيئا من التربة في الماء أو في الشربت ويشربونه استشفاء أو تبرّكا.

ـ التربة ، الفرات

التخلّص :

هو الانتقال من موضوع إلى آخر اثناء الحديث أو الكتابة أو الشعر ولكن بشكل مترابط لا يشعر بحصول انفصام في الموضوع ، كما يفعل الخطباء والقراء حين الانتقال من موضوع ما إلى الحديث عن واقعة كربلاء أو احد شهدائها.

فالوعاظ والخطباء ينتهون من الموضوع أو القضية التي يتحدثون فيها ، الى قراءة المراثي عن واقعة كربلاء بما يتناسب ومحور الموضوع ، أو يذكرون مصيبة من مصائب المعصومين الاربعة عشر. فإذا كان موضوع الحديث عن الشاب أو الطفل مثلا ، فانهم يتخلصون منها إلى الحديث عن مصيبة علي الاكبر او علي الاصغر. أو حينما يتحدثون عن المراسيم المهيبة لدفن شخصية معروفة ، ينطلقون منها للحديث عن جسد الحسين الذي بقي بلا غسل ولا كفن ولا دفن. وهذا الانتقال من موضوع أو حادثة خاصّة إلى الحديث عن واقعة كربلاء والإمام الحسين أو اي واحد من الشهداء يسمى بالتخلّص.

__________________

(١) التحنيك معناه حل مقدار ضئيل من تربة الحسين في الماء وسقي المولود بقطرات منه.

(٢) بحار الانوار ٩٨ : ١٢٤ و ١٣٦.

٨٩

وفي الحركات الثورية يتخذ اسلوب التخلّص كوسيلة للانتقال إلى صحراء الطف وذكر تلك الواقعة لتكون مصدرا للالهام ، وانطلاقا من الرغبة في اشاعة مفهوم الشهادة وفلسفة الشهداء يجتمع الشيعة عند وفاة أحد ذويهم وينتقلون للحديث عن كربلاء وعن الحسين وشهداء الشيعة.

ـ العزاء ، آداب الوعظ والمنبر ، ذكر المصيبة

التربة :

تربة قبر الإمام الحسين عليه‌السلام. وجاءت كلمة التربة بمعنى المقبرة أيضا. لقد منح الله تربة الإمام الحسين في مقابل تضحيته الكبرى واستشهاده في سبيل احياء الدين معطيات واحكاما خاصّة. فتربة كربلاء الدامية التي تضمّ جسده الشريف ملهمة للتضحية والعظمة ، وتذكار لبذل النفس في سبيل القيم الالهية. ولهذا فانّ السجود على هذه التربة مستحب ، وللذكر بمسبحة تلك التربة فضيلة عظيمة أيضا ، وفيها شفاء للامراض ، ويستحب أيضا ان يوضع شيء منها مع الميت حين دفنه ، أو تمزج مع الحنوط ، كما وان للدفن في كربلاء ثواب ، وفيه امان من العذاب. وتنجيس تلك التربة حرام. وإذا وقعت في المرافق الصحيّة فلا بدّ من اجتناب استخدام ذلك الموضع ، أو إخراجها منه. ولها أيضا أحكام ومعطيات اخرى مبسوطة في كتب الفقه (١).

دفع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كمية من تربة كربلاء ل «أمّ سلمة» وقال : متى ما رأيت هذا التراب تحول دما فاعلمي انّ الحسين قتل (٢).

وعلى الرغم من انّ أكل التراب حرام ، إلّا انّ تناول مقدار قليل من تربة الحسين بنيّة الاستشفاء جائز ، بل مستحب وله حدوده وآدابه (٣). قال الإمام الرضا

__________________

(١) لمزيد من الاطلاع ، راجع كتاب دائرة المعارف الشيعية ٤ : ٢٥.

(٢) سفينة البحار ١ : ١٢٢ و ٤٦٣.

(٣) نفس المصدر ٢ : ١٠٣.

٩٠

عليه‌السلام : «كلّ طين حرام كالميتة والدم وما اهل لغير الله به ، ما خلا طين قبر الحسين عليه‌السلام فانّه شفاء من كلّ داء» (١).

وقال الإمام الصادق عليه‌السلام : «في طين قبر الحسين شفاء من كلّ داء وهو الدواء الأكبر» (٢).

وروي انّ من جملة الفضائل الخاصّة بالامام الحسين عليه‌السلام هي انّ : «الشفاء في تربته ، والاجابة تحت قبّته ، والأئمّة من ذرّيته» (٣).

كان لدى الإمام الصادق منديل اصفر فيه تربة سيّد الشهداء ، اذا حلّ وقت الصلاة سكب ذلك التراب في موضع سجوده وسجد عليه (٤) ، ونقل عنه عليه‌السلام إنّه قال : «السجود على تربة الحسين يخرق الحجب السبع» (٥).

وروي أيضا : «كان الصادق لا يسجد إلّا على تربة الحسين تذللا لله واستكانة إليه» (٦).

كما وردت أحاديث كثيرة بشأن تحنيك المولود الجديد بتربة الحسين منها ما روي عن الصادق عليه‌السلام انه قال : «حنّكوا أولادكم بتربة الحسين فإنّها أمان» (٧).

انّ دم الحسين عليه‌السلام هو الذي أضفى هذه القدسية والكرامة على تربته ، واستشهاد ثأر الله إلى منار للحرية والبطولة والتضحية فى سبيل الله. وكما عبّر عن أحد العلماء بالقول : ستبقى تربة سيّد الشهداء إلى يوم القيامة مزارا للعشاق

__________________

(١) نفس المصدر السابق.

(٢) من لا يحضره الفقيه ٢ : ٥٩٩ ، المزار للشيخ المفيد : ١٤٣.

(٣) المناقب لابن شهر اشوب ٤ : ٨٢.

(٤) منتخب التواريخ : ٢٩٨.

(٥) بحار الانوار ٨٢ : ١٥٣ و ٣٣٤.

(٦) نفس المصدر : ١٥٨.

(٧) وسائل الشيعة ١٠ : ٢١٠.

٩١

والعرفاء والمخلصين ، ومنارا للأحرار» (١).

ولهذه الأسباب فإنّ الاستشفاء بتربة سيّد الشهداء ، والتشافي في حرمه الشريف يعدّ جزءا من الثقافة الشيعية المسندة بالروايات.

كتب العلّامة الأميني : «أليس من الأفضل أن يجعل موضع السجود على تراب فارت منه ينابيع دم ذات صبغة إلهية؟ وعلى تربة امتزجت بدم من طهّره الله وجعل محبّته جزءا من الرسالة المحمدية؟ وعلى تراب عجن بدم سيّد شباب أهل الجنّة ، والوديعة المحبوبة عند الرسول؟ ...» (٢).

ما السر الكامن في تربة كربلاء؟ تربة كربلاء ممتزجة بدم الله ، ولا غرو لو منح دم الله للتراب اعتبارا ، ولا عجب ان تخلق الشهادة للأرض وللأبواب وللجدران قداسة وكرامة ، وأن يصبح تراب كربلاء موضعا لسجود العارفين ، وينفح العشّاق عطر الشهادة من تربة الحسين ، ويكون دواء لكلّ داء.

لا يتيسّر اكتساب درس التربة والفرات إلّا في مدرسة الزيارة. وحديث التراب مع القلب لا يسمعه إلّا ذوو الآذان الحسينية. «... هنالك تربة كأنها المغناطيس تجذب إليها العشاق المتيسّر جذبهم ، كبرادة الحديد ، هنالك المرقد المقدس لجندي مضح جاءه الناس باطيب الورد وقبّلوه وشموه وفوق ضريحه نثروه ، من قبل ان يعرف الملوك والرؤساء رسم الجندي المجهول ووضع باقة من الورد على ضريحه. وتبقى هذه الامنية في قلوب الناس ، وهي انهم يا ليتهم قاتلوا بين يديه ونصروا الإسلام وقتلوا في سبيله» (٣).

يقول الشهيد المطهري : «... أنت يا من تعبد الله وتسجد على اي تراب ، صلاتك صحيحة ، لكنك اذا سجدت على تراب له ادنى اتصال أو قرابة أو جوار مع

__________________

(١) صحيفة النور ٢٠ : ٢٣٩.

(٢) سيرتنا وسنّتنا للعلامة الاميني : ١٦٦.

(٣) أول جامعة وآخر رسول (بالفارسية) للشهيد باك نجاد ٢ : ٤٣.

٩٢

الشهيد ، وتفوح منه رائحة الشهيد فلك من الاجر والثواب ما يعدل ذلك مائة مرّة» (١).

ـ رائحة التفاح ، المسبحة الطينية ، المنادي ، الفرات

تربة كربلاء :

وهي عبارة عن قطعة من الطين بشكل مكعب مستطيل عادة أو بشكل دائري يضعها المصلّي عادة على الارض ويضع جبهته عليها عند السجود بدلا من وضعها على التراب. والتربة المصنوعة من تراب أرض سيّد الشهداء ، وكذلك المسبحة الطينية المصنوعة من نفس ذلك التراب لهما فضيلة كبيرة ، وكان الائمة وكبار العلماء يفعلون هذا ، وكان الإمام الصادق عليه‌السلام يسجد على تربة الحسين ويقول : «السجود على تربة الحسين يخرق الحجب السبع».

ان صناعة التربة والمسبحة من تراب حرم الائمة عمل مقدس ومحترم وكان في اغلب الاحيان حكرا على الاسر العريقة والسادات. حتى ان احدى الاسر في كربلاء كانت تدفع لوالي بغداد مبلغا من المال سنويا لاجل ان يبقى امتياز صناعة الترب في يدها على الدوام (٢).

التطبير :

من جملة التقاليد الشائعة في بعض المدن والبلدان الشيعية ، ويمارسه بعض الاشخاص حزنا على مصيبة أبي عبد الله عليه‌السلام وتأسيا بجرح واستشهاد الحسين عليه‌السلام وشهداء كربلاء ، واعلانا للاستعداد لبذل الدماء والتضحية على طريق الإمام الحسين عليه‌السلام.

ففي الصباح المبكر من يوم العاشر من المحرم يرتدي بعض الاشخاص رداء أبيضا طويلا أشبه ما يكون بالكفن ويخرجون جماعة ويضربون على رءوسهم بسيوف قصيرة فتسيل الدماء من الرءوس على الوجوه وعلى الثياب البيضاء ،

__________________

(١) الشهيد (ملحق بكتاب ثورة المهدي) ، الشهيد المطهري : ١٢٧.

(٢) موسوعة العتبات المقدّسة ٨ : ٢٨٩.

٩٣

والبعض من الناس ينذر انّه اذا تحققت رغبته ان «يطبّر» ، وبعض الناس ينذر عن الاطفال الصغار فيضربون على رءوسهم بالمدي حتّى تسيل الدماء من رءوسهم.

والتطبير ، شأنه شأن الضرب بالسلاسل ، والتشابيه و... الخ كان منذ القديم موضع اختلاف بين العلماء والاتباع والمقلّدين ، وكثر الاستفتاء والافتاء في جوازه أو عدمه ، وهذه الشعائر ليس لها أساس ديني من الوجهة الشرعية ، وانما تجري وفقا لما يكنّه الشيعة من محبّه لأبي عبد الله الحسين عليه‌السلام ، والعلماء يجيزونها في حالة عدم ضررها ، بينما لا يجيزها عدد آخر من الفقهاء بسبب تأثيراتها السلبية على افكار الآخرين ، وما توجبه من وهن المذهب ، والظروف الزمانية لها دورها أيضا في هذا المجال ، أجاب أحد الفقهاء على السؤال الذي وجه إليه بهذا الخصوص قائلا : «في الظروف الحالية لا ينبغي التطبير ...».

وقال فقيه آخر لدى لقائه بعلماء الدين على اعتاب ايام محرم عام ١٩٩٤ م ضمن حديث مسهب بخصوص ازالة الخرافات من شعائر العزاء على سيد الشهداء عليه‌السلام وقال : «ان التطبير من الممارسات السلبية ، ... ومن الخطأ ان يمسك جماعة بالسيوف ويضربون على رءوسهم حتّى تسيل الدماء. وأي جانب من هذه الممارسة يرتبط بالعزاء؟ هذا تزوير ، وهذا من جملة الامور التي لا تمتّ إلى الدين بصلة ...» واعتبره بدعة وخرافة. واجاب على سؤال امام جمعة اردبيل : ان هذا العمل ينطوي اليوم على ضرر فادح. ولهذا فانّ التطبير العلني المشفوع بالتظاهر بهذا العمل حرام وممنوع.

وتأييدا لهذا الموقف اعتبره العلماء الآخرون أيضا غير مشروع ، وسببا في وهن المذهب.

من الطبيعي ان امثال هذه المشاعر الدينية التي تؤدي فيها محبّة الحسين عليه‌السلام إلى ممارسة هذه الاعمال يجب ان توجه في المسار الصحيح وتستثمر بشكل ايجابي لتكون سببا في زيادة اسباب الحماس وخلق حوافز الجهاد

٩٤

والشهادة ، اضافة إلى ذلك فان الاشخاص المستعدين لتقديم الدماء في سبيل الحسين عليه‌السلام ما اجمل بهم ان يقدّموها إلى المستشفيات ومصارف الدم. أو تستحدث مصارف لأخذ الدم من المتبرعين والمحسنين في يوم عاشوراء وتحفظ ويستفاد منها في انقاذ ارواح الكثير من الناس الذين يحتاجون إلى الدم.

ان هذا العمل وان كان لا يشبع المشاعر العاطفية لدى الفرد ـ كما يحصل في التطبير ـ ولكن من المؤكد انّ فيها رضى من الله اكثر وقبولا اوفر من الشهداء عليه‌السلام ويا ليت التصدّق بالدم يصبح يوما ما متعارفا وشائعا مثل التصدق بالمال وبالثياب وبالطعام ، وان يؤدي بقصد القربة إلى الله تعالى.

ـ الضرب بالسلاسل ، العزاء التقليدي ، تحريف وقائع عاشوراء

التعزية :

وهو نوع من الاستعراض يجريه بعض الأشخاص في ساحة أو منصّة امام انظار الناس ، ويؤدّون فيه دور أبطال كربلاء بثياب خاصّة وبالمعدّات الحربية كالرمح والسيف والدرع والخنجر والقربة والحصان ، ترافقها أصوات الطبل والبوق ، والناي ، والسنج ، والدمام ، ويمثّلون مشاهد مستقاة من وقائع الطف حسبما ورد في كتب المقاتل.

ان هذه التشابيه اذا اجريت بشكل صحيح يحفظ الموازين ويصون حرمة المعصومين ، يكون له دور مؤثر ، ويعد واسطة لنقل ثقافة الشهادة الأجيال الآتية.

«وأول معاني التعزية عند الشيعة النواح على من استشهد من الأئمّة عند قبورهم أو في منازل النائحين ، وهم يندبون الحسين خاصّة. والتعزية في لغة العامة التابوت المصنوع على غرار القبر القائم في كربلاء. على انّ التعزية تدلّ بوجه خاص على المشهد نفسه. فيقام المسرح في الأماكن العامّة والخانات والمساجد ، ويرتدون فيه ثياب خاصّة ويمثّلون بعض مشاهد واقعة كربلاء بشكل يثير حزن الناس ، ويقرءون فيه المراثي ، ويحيط بالقارئ بعض الصبية الذين يؤدّون دور

٩٥

المنادي ، وأغلب النصوص التي تقرأ فيه تؤدى على صورة القصائد الشعرية» (١).

وقد كتبوا بشأن هذا الاستعراض الديني : انّ «التشابيه» أو ما يطلق عليه العامّة اسم التعزية هي عبارة عن تمثيل حادثة استشهاد الحسين وأنصاره المؤلمة ، أو احدى الحوادث الاخرى ذات العلاقة بحادثة كربلاء. ويبدو انّ النائح «قارىء المراثي» قد اصبح متعارفا في ايران منذ عهد ناصر الدين شاه. واذا كان ثمّة شيء من هذا القبيل في العهود السابقة ، فهو قد ازدهر في عهد ناصر الدين شاه ، وظهر في تلك الفترة قرّاء مراثي بارعون. ويبدو انّ مشاهدات الشاه ناصر الدين للمسارح حين سفره إلى اوربا قد أثّرت في تطوير شعائر التعزية (٢).

«انّ التشابيه والتعزية هي فن استعراضي تقليدي عند الشيعة ، يعرضون فيه على أنظار الناس معالم الاكابر والمعصومين منذ قديم الأزمان والى عصرنا الحالي» (٣).

كتبت مؤلّفات ودراسات قيّمة عن كيفية اجراء هذه الشعائر ، والتقاليد المتعلّقة بها ، وورد في أحد تلك المصادر : «يحتمل ان تكون التعزية بصورتها الحالية قد ظهرت في نهاية العهد الصفوي. واستمدّت مقوّماتها من جميع السنن والتقاليد القديمة كمجالس المراثي ، والمدائح ، والمناقب. وأوجدت لنفسها صيغة متينة ، وتولّى إدارتها أشخاص مهرة. كان عدد التعازي الأصلية يربو على المائة بقليل وهو على الغالب منظوم شعرا ويقرأ على لحن وايقاع خاص مركّب من البحر الطويل والشعر ، وتتألف من عدّة اشخاص يؤدّي كلّ واحد منهم شعره» (٤).

كانت هناك اصطلاحات خاصّة ومتداولة وفقا لما يقتضيه دور الاشخاص في اجراء التعزية ، وكيفية الشعر ونمط القراءة ، وهذه الاصطلاحات من قبيل : قراءة

__________________

(١) دائرة المعارف الاسلامية ٥ : ٣١٣ بتصرف.

(٢) كتاب «از صبا تا نيما» ، يحيى آرين پور ١ : ٣٢٢.

(٣) كتاب «درآمدى بر نمايش ونيايش در ايران» جابر عناصري : ٨٦.

(٤) مجلة «هنر» العدد الثاني : ١٦٢.

٩٦

الرجز ، والشبيه ، والنياح ، والمقتل ، والشهادة ، والهجران (على لسان السبايا) ، والاشقياء والشمر (على لسان قادة جيش عمر بن سعد). وما نقل إلى الآن يعكس جانبا من كيفية اجرائها.

وجاء أيضا في أخبار اخرى : «لم تكن التشابيه والتعزية معروفة في ايران إلى العهد الصفوي ، ويبدو انّها قد شاعت في عهد حكومة كريم خان ، وكانت لها على الأغلب صفة عاميّة ، وانتشرت في مدن ايران الصغيرة وقصباتها أكثر من انتشارها في المدن الكبيرة. وكانت صورتها البدائية في العهد الصفوي هي صناعة الأشباه. ولكنها تحوّلت من بعد العهد الصفوي إلى عرض ديني فوق المسرح. ومن خصائص التعزية هي انّ كلّ شخص فيها يؤدّي دوره من خلال قراءة الأشعار بأحد الأطوار ... ويردّ الأشخاص الذين يمثّلون دور الخصوم. في الاسئلة والأجوبة بنفس البحر والقافية في أشعارهم. كما وانّ شمائلهم لا بدّ وان تتطابق مع الاصل ؛ فشبيه على الأكبر يجب أن يكون شابا يتراوح عمره بين الثامنة عشرة والعشرين سنة ، وله شكل جميل ومرتّب» (١).

هناك آراء وبحوث حول قضية التشابيه لدى علماء الشيعة من الوجهة الفقهية والاعتقادية ؛ فبعضهم حرّمها والبعض الآخر جوّزها. من جملة نقاط القوّة والجوانب الايجابية في هذا الاستعراض الديني هو تأثيره العاطفي ، ودافع مقارعة الظلم التي تتولّد لدى المرء من بعد رؤية تلك المشاهد.

ولهذا السبب نرى هذه الشعائر اتّسعت وازدهرت في ايران من بعد انتصار الثورة الاسلامية. وقد رافق هذه الازدهار تحول في نمط أدائها ، ومحتوى أشعارها واتّجاهها السياسي والاجتماعي. فالثورة الاسلامية قد منحت التعزية روحا جديدة. وقد اعترف المختصّون بهذا الفن بمدى تأثيره على معنويات الجنود والضباط طوال سنوات الدفاع المقدّس.

__________________

(١) «موسيقى مذهبى ايران» : ٣٣ ـ ٣٥.

٩٧

لا يختصّ هذا النمط من التعزية بايران فحسب ، بل انّ هذه السنّة شائعة أيضا في البلدان الاسلامية والشيعية الاخرى ، وتجرى بأساليب وأنماط واعتقادات وتقاليد ووسائل متفاوتة ، وهي أكثر شيوعا في الهند وباكستان.

ـ التكية ، تكية الحكومة ، تقليد الطشت

تقبيل العتبة :

ويعني تقبيل الضريح في الحرم الشريف ، وأكثر ما يستخدم هذا الاصطلاح بمعنى الذهاب إلى الزيارة ، ودخول الحرم الشريف لأي من المعصومين (ع).

تقويم ثورة كربلاء :

نورد في هذا الموضوع الاحداث المتعلّقة بثورة كربلاء وفقا لتسلسلها الزمني سواء كانت قد وقعت في المدينة أم كربلاء أم الكوفة أم الشام ١٥ رجب عام ٦٠ للهجرة : موت معاوية في الشام وجلوس يزيد على كرسي الخلافة.

٢٨ رجب عام ٦٠ : وصول كتاب يزيد إلى والي المدينة بشأن أخذ البيعة من الحسين عليه‌السلام وغيره.

٢٩ رجب ٦٠ : ارسل الوليد شخصا إلى الحسين يدعوه للمجيء والبيعة. وزيارة الحسين لقبر الرسول وتوديعه ، ثم الهجرة من المدينة برفقة أهل بيته وجماعة من بني هاشم.

٣ شعبان ٦٠ : وصول الحسين إلى مكة ولقائه بالناس.

١٠ رمضان ٦٠ : وصول كتاب من أهل الكوفة إلى الحسين عليه‌السلام بيد رجلين من شيعة الكوفة.

١٥ رمضان ٦٠ : وصول آلاف الكتب من أهالي الكوفة إلى الامام ، فارسل إليها مسلم بن عقيل ليطلع على الاوضاع فيها.

٥ شوال ٦٠ : وصول مسلم بن عقيل إلى الكوفة ، واستقبال اهلها له ومبايعتهم اياه.

٩٨

(١) ١١ ذي القعدة ٦٠ : كتب من بن عقيل إلى الإمام الحسين عليه‌السلام من الكوفة يدعوه للقدوم إليها.

٨ ذي الحجة ٦٠ : خروج مسلم بن عقيل في الكوفة على رأس أربعة آلاف شخص ، ثم تفرقهم عنه ، وبقائه وحيدا ، واختفائه في دار طوعة.

وفي مكّة ابدل الحسين الحج بالعمرة ، وخطب بالناس وخرج من مكّة برفقة ٨٢ شخصا من أهل بيته وانصاره متوجها نحو الكوفة. وفي الكوفة قبض على هانئ بن عروة ثم قتل.

٩ ذى الحجة ٦٠ : اشتباك مسلم مع اهالي الكوفة ثم القبض عليه وقتله فوق دار الامارة. وفي خارج مكّة لقي الإمام الحسين الفرزدق.

ذى الحجة ٦٠ : التقاء الحسين بالحر وجيشه في منزل «شراف».

ذى الحجة ٦٠ : وصول خبر مقتل مسلم بن عقيل وقيس بن مسهر في منزل عذيب الهجانات.

٢ محرم ٦١ : وصول الحسين إلى ارض كربلاء واناخة الرحال فيها.

٣ محرم ٦١ : وصول عمر بن سعد إلى كربلاء على رأس اربعة آلاف من جيش الكوفة ، وبدء مفاوضاته مع الحسين لارغامه على الاستسلام والبيعة.

٥ محرم ٦١ : وصول شبث بن ربعي إلى كربلاء على رأس أربعة آلاف شخص.

٧ محرم ٦١ : وصول امر من الكوفة بمنع الماء عن عسكر الامام. فانتدب لهذه المهمة ٥٠٠ فارس من جيش العدو على رأسهم عمرو بن الحجاج وسيطروا على شريعة الفرات.

٩ محرم ٦١ : وصول شمر إلى كربلاء على راس خمسة آلاف شخص ، مع كتاب من ابن زياد إلى عمر بن سعد يأمره فيها بمقاتله الحسين عليه‌السلام وقتله. وأتى معه أيضا بكتاب امان إلى العباس. والهجوم التمهيدي لجيش عمر بن سعد

٩٩

على معسكر الامام. وطلبه المهلة تلك الليلة للصلاة والدعاء.

١٠ محرم ٦١ : وقوع المعركة بين انصار الإمام وجيش الكوفة ، واستشهاد الإمام وانصاره ونهب الخيام ، وارسال الرأس الشريف إلى الكوفة مع خولي.

١١ محرم ٦١ : مسير جيش عمر بن سعد مع سبايا أهل البيت من كربلاء الى الكوفة ، بعد ان صلى ابن سعد على القتلى من جيشه ودفنهم ، واركب اهل البيت على الجمال واخذهم إلى الكوفة.

١ صفر ٦١ : وصول سبايا أهل البيت إلى دمشق.

٢٠ صفر ٦١ : عودة أهل البيت من الشام إلى المدينة.

التكية (١) :

هي محل اقامة العزاء على سيّد الشهداء وخاصّة في ايام محرم. ومثل هذا المكان له حرمته وقداسته الخاصة ، ولكن لا تنطبق عليه الاحكام الخاصة بالمساجد. ومعنى هذا انّ دخولها لا يشتمل على القيود الخاصّة بدخول المساجد.

«التكية هي القاعدة المعنوية الثانية بعد المسجد لدى المسلمين وخاصة الشيعة ، وهو الموضع الذي يقيمون فيه شعائر الحزن والمآتم على سيّد الشهداء وانصاره الاوفياء. لقد امتزج مفهوم التكية مع العزاء والتعزية ، حتى لم يعد بالمكان فصلهما عن بعضهما. يبدو انّ التعزية قد ظهرت بعد واقعة عاشوراء لابراز احداثها المروّعة باسلوب يثير الحزن والأسى ، ولها صلة بتقليد العروض القديمة التي كانت سائدة في عهد البيشداديين» (٢).

يؤكد النص المار ذكره على انّ التكية هي الموضع المخصّص لإقامة العزاء على الحسين. وقد أشار آخرون إلى هذا الرأي أيضا وأكّدوا على هذا الجانب عند الحديث عن قدمها التاريخي ، ومن جملة ذلك نورد النص التالي :

__________________

(١) وتسمى أيضا في بعض البلدان باسم : الحسينية أو المأتم. (المترجم).

(٢) كتاب : «تاريخ تكايا وعزادارى قم» : ٦٩.

١٠٠