🚘

الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة - ج ٤

زين الدين بن علي العاملي [ الشهيد الثاني ]

الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة - ج ٤

المؤلف:

زين الدين بن علي العاملي [ الشهيد الثاني ]


الموضوع : الفقه
الناشر: مجمع الفكر الاسلامي
المطبعة: الظهور
ISBN: 964-5662-48-6
🚘 نسخة غير مصححة

فيترك؛ لأنّه حينئذٍ قاتل نفسه.

(أو) طرحه (في اللُجّة) فمات منها ولم يقدر على الخروج أيضاً ....

وربما فُرّق بينهما واُوجب ضمان الدية في الأوّل دون الثاني (١) لأنّ الماء لا يحدث به ضرر بمجرّد دخوله ، بخلاف النار. ويتّجه وجوبها مع عدم العلم باستناد الترك إلى تقصيره؛ لأنّ النار قد تدهشه وتُشنّج أعضاءه بالملاقاة فلا يظفر بوجه المخلص.

ولو لم يمكنه الخروج من الماء إلّاإلى مغرق آخر فكعدمه ، وكذا من أحدهما (٢) إلى الآخر أو ما في حكمه. ويرجع في القدرة وعدمها إلى إقراره بها ، أو قرائن الأحوال.

(أو جرحه عمداً فسرى) الجرح عليه (ومات) وإن أمكنه المداواة؛ لأنّ السراية مع تركها من الجرح المضمون ، بخلاف المُلقى في النار مع القدرة على الخروج فتَرَكه تخاذلاً؛ لأنّ التلف حينئذٍ مستند إلى الاحتراق المتجدّد ، ولولا المكث لما حصل.

وأولى منه ما لو غرق بالماء. ومثله ما لو فصده فترك المفصودُ شدَّه؛ لأنّ خروج الدم هو المهلك والفاصد سببه (٣) ويحتمل كونه كالنار؛ لأنّ التلف مستند إلى خروج الدم المتجدّد الممكن قطعه بالشدّ.

(أو ألقى نفسه من علوٍ على إنسان) فقتله قصداً ، أو كان مثله يَقتُل

__________________

(١) كما فرّق بينهما العلّامة في القواعد ٣ : ٥٨٥.

(٢) الماء والنار.

(٣) في (ش) : سببيّته.

٤٠١

غالباً. ولو كان المُلقي له غيره بقصد قتل الأسفل قيدَ به مطلقاً وبالواقع إن كان الوقوع ممّا يقتل غالباً ، وإلّا ضمن ديته. ولو انعكس انعكس.

(أو ألقاه من مكان شاهق) يقتل غالباً ، أو مع قصد قتله (أو قدّم إليه طعاماً مسموماً) يقتُل مثلُه كمّيّةً وكيفيّةً (ولم يُعلمه) بحاله (أو جعله) أي الطعامَ المسمومَ (في منزله ولم يُعلِمه) به.

ولو كان السمّ ممّا يقتل كثيره خاصّة فقدّم إليه قليلَه بقصد القتل فكالكثير ، وإلّا فلا ، ويختلف باختلاف الأمزجة والخليط. أمّا لو وضعه في طعام نفسه أو في ملكه ، فأكله غيره بغير إذنه فلا ضَمان ، سواء قصد بوضعه قتل الآكل كما لو علم دخول الغير داره ـ كاللصّ ـ أم لا ، وكذا لو دخل بإذنه وأكله بغير إذنه.

(أو حفر بئراً بعيدة القعر في طريق) أو في بيته بحيث يقتل وقوعها غالباً ، أو قصَدَه (ودعا غيرَه) إلى المرور عليها (مع جهالته) بها (فوقع فمات) أمّا لو دخل بغير إذنه فوقع فيها فلا ضمان وإن وضعها لأجل وقوعه ، كما لو وضعها للّص.

(أو ألقاه في البحر فالتقمه الحوت إذا قصد إلقامَ الحوت) أو كان وجوده والتقامه غالباً في ذلك الماء (وإن لم يقصد) إلقامَه ولا كان غالباً فاتّفق ذلك ضمنه أيضاً (على قولٍ (١)) لأنّ الإلقاء كافٍ في الضمان ، وفعل الحوت أمر زائد عليه ، كنصل منصوب في عُمق البئر الذي يقتل غالباً ، ولأنّ البحر مظنّة الحوت ، فيكون قصد إلقائه في البحر كقصد إلقامه الحوت.

__________________

(١) للشيخ في الخلاف ٥ : ١٦٢ ، المسألة ٢١ ، والقاضي في المهذّب ٢ : ٤٦٤ ، والعلّامة في المختلف ٩ : ٤٦٠ ، وغيرهم.

٤٠٢

ووجه العدم : أنّ السبب الذي قصده لم يُقتَل به والذي قُتِل به غير مقصود ، فلا يكون عمداً وإن أوجب الدية.

وحكايةُ المصنّف له قولاً يُشعر بتمريضه. وقد قطع به العلّامة (١) وهو حسن؛ لأنّ الفرض كون الإلقاء موجباً للضمان كما ظهر من التعليل.

وكذا الخلاف لو التقمه الحوت قبل وصوله إلى الماء (٢) من حيث إنّ الإلقاء في البحر إتلاف في العادة (٣) وعدم قصد إتلافه بهذا النوع. والأوّل أقوى.

(أو أغرى به كلباً عقوراً فقتله ولا يمكنه التخلّص) منه. فلو أمكن بالهرب أو قتلِه أو الصياح به ونحوه فلا قَوَد؛ لأنّه أعان على نفسه بالتفريط. ثمّ إن كان التخلّص الممكن من مطلق أذاه فكإلقائه في الماء فيموت مع قدرته على الخروج ، وإن لم يمكن إلّابعد عضّةٍ لا يقتُل مثلُها فكإلقائه في النار كذلك ، فيضمن جناية لا يمكن دفعها.

(أو ألقاه إلى أسد بحيث لا يمكنه الفرارُ) منه فقتله ، سواء كان في مضيق أم بريّة (أو أنهشه حيّةً قاتلة) فمات (أو طرحها عليه فنهشته) فهلك أو جمع بينه وبينها في مضيق؛ لأنّه ممّا يقتُل غالباً.

(أو دفعه في بئر حفرها الغير) متعدّياً بحفرها أم غير متعدٍّ في حالة كون الدافع (عالماً بالبئر) لأنّه مباشر للقتل فيُقدَّم على السبب لو كان

__________________

(١) المختلف ٩ : ٤٦٠.

(٢) قول بالقود للشيخ في الخلاف ٥ : ١٦٢ ، المسألة ٢٢ ، والمبسوط ٧ : ١٩ ، واستوجهه العلّامة في المختلف ٩ : ٤٦٠. وقول بعدم القود للمحقّق في الشرائع ٤ : ١٩٨.

(٣) في (ع) و (ف) : بالعادة.

٤٠٣

(ولو جهل) الدافع بالبئر (فلا قصاص عليه) لعدم القصد إلى القتل حينئذٍ (١) لكن عليه الدية؛ لأنّه شبيه عمد (٢).

(أو شهد عليه زوراً بموجب القصاص فاقتُصّ منه) لضعف المباشر بإباحة الفعل بالنسبة إليه فيرجَّح السبب (إلّاأن يعلم الوليّ التزوير ويباشر) القتل (فالقصاص عليه) لأنّه حينئذٍ قاتل عمداً بغير حقّ.

(وهنا مسائل)

(الاُولى) :

(لو أكرهه على القتل فالقصاص على المباشر) لأنّه القاتل عمداً ظلماً؛ إذ لا يتحقّق حكم الإكراه في القتل عندنا. ولو وجبت الدية ـ كما لو كان المقتول غير مكافئ ـ فالدية على المباشر أيضاً (دون الآمر) فلا قصاص عليه ولا دية (و) لكن (يحبس الآمر) دائماً (حتّى يموت).

ويدلّ عليه مع الإجماع صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام في رجل أمر رجلاً بقتل رجل ، فقتله؟ فقال : «يُقتل به الذي قتله ، ويُحبس الآمر بقتله في الحبس حتّى يموت» (٣) هذا إذا كان المقهور بالغاً عاقلاً.

(ولو أكره الصبيّ غيرَ المميّز أو المجنون فالقصاص على مُكرههما) لأنّ المباشر حينئذٍ كالآلة. ولا فرق في ذلك بين الحرّ والعبد.

__________________

(١) في (ع) : لعدم القصد حينئذٍ إلى القتل به.

(٢) في (ع) : العمد.

(٣) الوسائل ١٩ : ٣٢ ، الباب ١٣ من أبواب القصاص في النفس ، الحديث الأوّل.

٤٠٤

(ويمكن الإكراه فيما دون النفس) عملاً بالأصل في غير موضع النصّ ، كالجَرح وقطع اليد ، فيسقط القصاص عن المباشر (ويكون القصاص على المكرِه) بالكسر على الأقوى؛ لقوّة السبب بضعف المباشر (١) بالإكراه ، خصوصاً لو بلغ الإكراه حدّ الإلجاء.

ويحتمل عدم الاقتصاص منه؛ لعدم المباشرة فتجب الدية.

ويضعَّف بأنّ المباشرة أخصّ من سببيّة القصاص ، فعدمها أعمّ من عدمه.

(الثانية) :

(لو اشترك في قتله جماعة) بأنّ ألقوه من شاهق أو في بحر أو جرحوه جراحات مجتمعة أو متفرّقة ولو مختلفة كمّيّة وكيفيّة فمات بها (قُتلوا به) جميعاً إن شاء الوليّ (بعد أن يردّ عليهم ما فضل عن ديته) فيأخذ كلّ واحد ما فضل من (٢) ديته عن جنايته (وله قتل البعض ، فيردّ الباقون) من الدية (بحسب جنايتهم ، فإن فضل للمقتولين فضل) عمّا ردّه شركاؤهم (قام به الوليّ) فلو اشترك ثلاثة في قتل واحد واختار وليّه قتلهم أدّى إليهم ديتين يقتسمونها بينهم بالسويّة ، فنصيب كلّ واحد منهم ثلثا دية ويسقط ما يخصّه من الجناية ، وهو الثلث الباقي.

ولو قتل اثنين أدّى الثالثُ ثلث الدية عوض ما يخصّه من الجناية ويضيف الوليّ إليه دية كاملة؛ ليصير لكلّ واحد من المقتولَين ثلثا دية ، وهو فاضل ديته عن جنايته ، ولأنّ الوليّ استوفى نفسين بنفس فيردّ دية نفس.

__________________

(١) في (ع) و (ف) : المباشرة.

(٢) في (ش) و (ر) : عن.

٤٠٥

ولو قتل واحداً أدّى الباقيان إلى ورثته ثلثي الدية ولا شيء على الوليّ.

ولو طلب الدية كانت عليهم بالسويّة إن اتّفقوا على أدائها ، وإلّا فالواجب تسليم نفس القاتل.

هذا كلّه مع اتّحاد وليّ المقتول ، أو اتّفاق المتعدّد على الفعل الواحد. ولو اختلفوا فطلب بعضهم القصاص وبعض الدية قدّم مختار القصاص بعد ردّ نصيب طالب الدية منها. وكذا لو عفا البعض ، إلّاأنّ الردّ هنا على القاتل. وستأتي الإشارة إليه (١).

(الثالثة) :

(لو اشترك في قتله) أي قتل الذكر (امرأتان قُتِلتا به ولا ردّ) إذ لا فاضل لهما عن ديته ، وله قتل واحدة وتردّ الاُخرى ما قابل جنايتها وهو ديتها على الوليّ ولا شيء للمقتولة.

(ولو اشترك) في قتله (خنثيان) مشكلان (قُتِلا) به إن شاء الوليّ كما يُقتل الرجلان والمرأتان المشتركتان (ويردّ عليهما نصف دية الرجل بينهما نصفان) لأنّ دية كلّ واحد نصف دية رجل ونصف دية امرأة ، وذلك ثلاثة أرباع دية الرجل ، فالفاضل لكلّ واحد من نفسه عن جنايته ربع دية الرجل. ولو اختار قتل أحدهما ردّ عليه ربع ديةٍ هو (٢) ثلث ديته ودفع الباقي (٣) نصف دية الرجل ، فيفضل للوليّ ربع ديته.

__________________

(١) تأتي في الصفحة ٤٥١.

(٢) في المخطوطات : هي.

(٣) أي الذي لم يُقتل.

٤٠٦

(ولو اشترك) في قتل الرجل (نساء قُتلن) جُمَعَ إن شاء الوليّ (ورُدّ عليهنّ ما فضل عن ديته) فلو كنّ ثلاثاً فقتلهنّ رُدّ عليهنّ دية امرأة بينهنّ بالسويّة ، أو أربعاً فدية امرأتين كذلك ، وهكذا ... ولو اختار في الثلاث قتل اثنتين ردّت الباقية ثلث ديته بين المقتولتين بالسويّة؛ لأنّ ذلك هو الفاضل لهما عن جنايتهما ، وهو ثلث ديتهما ، أو قَتل واحدة ردّت الباقيتان على المقتولة ثلث ديتها ، وعلى الوليّ نصف دية الرجل ، وكذا قياس الباقي.

(ولو اشترك) في قتل الرجل (رجلٌ وامرأةٌ) واختار الوليّ قتلَهما (فلا ردّ للمرأة) إذ لا فاضل لها من ديتها عمّا يخصّ جنايتها (ويردّ على الرجل نصفَ ديته) لأنّه الفاضل من ديته عن جنايته ، والردّ (من الوليّ إن قتلهما) أو من المرأة لو لم تُقتل؛ لأنّه مقدار جنايتها.

(ولو قُتلت المرأة) خاصّة فلا شيء لها و (ردّ الرجل على الوليّ نصفَ الدية) مقابل جنايته. هذا هو المشهور بين الأصحاب ، وعليه العمل.

وللمفيد رحمه الله قول بأنّ المردود على تقدير قتلهما يُقسَّم بينهما أثلاثاً : للمرأة ثلثه بناءً على أنّ جناية الرجل ضِعف جناية المرأة؛ لأنّ الجاني نفس ونصفُ نفسٍ جنت على نفس ، فتكون الجناية بينهما أثلاثاً بحسب ذلك (١).

وضعفه ظاهر ، وإنّما هما نفسان جنتا على نفس ، فكان على كلّ واحدة نصف ، ومع قتلهما فالفاضل للرجل خاصّة؛ لأنّ القدرَ المستوفى منه أكثر قيمة من جنايته بقدر ضِعفه ، والمستوفى من المرأة بقدر جنايتها فلا شيء لها كما مرّ. وكذا على تقدير قتله خاصّة.

__________________

(١) راجع المقنعة : ٧٥٢.

٤٠٧

(الرابعة) :

(لو اشترك عبيدٌ في قتله) أي قتل الذكر الحرّ ، فللوليّ قتل الجميع والبعض ، فإن قَتَلهم أجمع (ردّ عليهم ما فَضُل من قيمتهم عن ديته إن كان) هناك فضل.

(ثمّ) على تقدير الفضل لا يردّ على الجميع كيف كان ، بل (كلّ عبد نقصت قيمته عن جنايته أو ساوت) قيمته جنايته (فلا ردّ له ، وإنّما الردّ لمن زادت قيمته عن جنايته) ما لم تتجاوز دية الحرّ فتردّ إليها. فلو كان العبيد ثلاثة قيمتهم عشرة آلاف درهم فما دون بالسويّة وقتلهم الوليّ فلا ردّ. وإن زادت قيمتهم عن ذلك ، فعلى كلّ واحد ثلث دية الحرّ ، فمن زادت قيمته عن الثلث رُدَّ على مولاه الزائد ، ومن لا فلا.

(الخامسة) :

(لو اشترك حرّ وعبد في قتله ، فله) أي لوليّه (قتلُهما) معاً (ويردّ على الحرّ نصف ديته) لأنّها الفاضل عن جنايته (وعلى مولى العبد ما فضل من قيمته عن نصف الدية إن كان له فضل) ما لم تتجاوز ديةَ الحرّ فتُردّ إليها (وإن قتل أحدهما فالردّ على الحرّ من مولى العبد أقلّ الأمرين من جنايته وقيمة عبده) إن اختار قتل الحرّ؛ لأنّ الأقلّ إن كان هو الجناية وهي نصف دية المقتول فلا يلزم الجاني سواها ، وإن كان هو قيمة العبد فلا يجني الجاني على أكثر من نفسه ، ولا يلزم مولاه الزائد. ثمّ إن كان الأقلّ هو قيمة العبد فعلى الوليّ إكمال نصف الدية لأولياء الحرّ.

٤٠٨

(والردّ على مولى العبد من) شريكه (الحرّ) إن اختار الوليّ قتل العبد (وكان (١) له فاضل) من قيمته عن جنايته ، بأن تجاوزت قيمته نصف دية الحرّ. ثمّ إن استوعبت قيمته الدية فله جميع المردود من الحرّ ، وإن كانت أقلّ فالزائد من المردود عن قيمته بعد حطّ مقابل جنايته لوليّ المقتول.

(وإلّا) يكن له فضل بأن كانت قيمة العبد نصف دية الحرّ أو أنقص (ردّ) الحرّ عوض جنايته وهو نصف الدية (على الوليّ (٢)) إن شاء.

هذا هو المحصّل في المسألة ، وفيها أقوال اُخر (٣) مدخولة.

(ومنه يعرف حكم اشتراك العبد والمرأة) في قتل الحرّ (وغير ذلك) من الفروض كاشتراك كلّ من الحرّ والعبد والمرأة مع الخنثى واجتماع الثلاثة وغيرها.

وضابطه : اعتبار دية المقتول إن كان حرّاً ، فإن زادت عن جنايته دفع إليه الزائد ، وإن ساوت أو نقصت اقتصر على قتله. وقيمة العبد كذلك ما لم تزد عن دية الحرّ وردّ الشريكُ الذي لا يُقتل ما قابل جنايته من دية المقتول على الشريك إن استوعب فاضل ديته أو قيمته للمردود ، وإلّا ردّ الفاضل إلى الوليّ. وكذا القول لو كان الاشتراك في قتل امرأة أو خنثى. ويجب تقديم الردّ على الاستيفاء في جميع الفروض.

__________________

(١) في (ق) و (س) : إن كان.

(٢) في (ق) : المولى.

(٣) منها قول الشيخ في النهاية : ٧٤٥ ، والقاضي في المهذّب ٢ : ٤٦٨ ، ومنها قول أبي الصلاح في الكافي : ٣٨٦. وراجع للتفصيل المسالك ١٥ : ١٠٧.

٤٠٩

(القول في شرائط القصاص)

وهي خمسة :

(فمنها : التساوي في الحرّيّة أو الرقّ) :

(فيقتل الحرّ بالحرّ) سواء كان القاتل ناقص الأطراف عادم الحواسّ والمقتول صحيح ، أم بالعكس؛ لعموم الآية (١) سواء تساويا في العلم والشرف والغنى والفقر والصحّة والمرض والقوّة والضعف والكبر والصغر ، أم تفاوتا وإن أشرف المريض على الهلاك ، أو كان الطفل مولوداً في الحال.

(و) الحرّ (بالحرّة مع ردّ) وليّها عليه (نصف ديته) لأنّ ديته ضِعفُ ديتها ، وبالخنثى مع ردّ ربع الدية ، والخنثى بالمرأة مع ردّ الربع عليه كذلك.

(والحرّة بالحرّة) ولا ردّ إجماعاً (والحرّ ، ولا يردّ) أولياؤها على الحرّ (شيئاً على الأقوى) لعموم (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) (٢) وخصوص صحيحتي الحلبي وعبد اللّٰه بن سنان عن الصادق عليه السلام (٣) الدالّتين على ذلك صريحاً ، وأنّ الجاني لا يجني على أكثر من نفسه.

ومقابل الأقوى رواية أبي مريم الأنصاري عن الباقر عليه السلام في امرأة قتلت رجلاً؟ قال : «تُقتل ويؤدي وليّها بقيّة المال» (٤) وهي مع شذوذها لا قائل

__________________

(١) وهي قوله تعالى (اَلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَاَلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَاَلْأُنْثىٰ بِالْأُنْثىٰ). البقرة : ١٧٨.

(٢) المائدة : ٤٥.

(٣) الوسائل ١٩ : ٥٩ ، الباب ٣٣ من أبواب القصاص في النفس ، الحديث ١ و ٣.

(٤) الوسائل ١٩ : ٦٢ ، الباب ٣٣ من أبواب القصاص في النفس ، الحديث ١٧.

٤١٠

بمضمونها من الأصحاب. قال المصنّف في الشرح : وليس ببعيد دعوى الإجماع على هذه المسألة (١).

وأولى منه قتل المرأة بالخنثى ، ولا ردّ. وقتل الخنثى بالرجل كذلك.

(ويقتصّ للمرأة من الرجل في الطرف من غير ردٍّ حتّى تبلغ) ديةُ الطرف (ثلثَ ديةِ الحرّ) فصاعداً (فتصير (٢) على النصف) وكذا البحث في الجراح يتساويان فيها ديةً وقصاصاً ما لم تبلغ ثلث الدية ، فإذا بلغته رُدّت المرأة إلى النصف.

ومستند التفصيل أخبار كثيرة :

منها : صحيحة أبان بن تغلب عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام «قال : قلت له : ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع المرأة كم فيها؟ قال : عشر من الإبل. قلت : قطع اثنتين؟ قال : عشرون. قلت : قطع ثلاثاً؟ قال : ثلاثون. قلت : قطع أربعاً؟ قال : عشرون. قلت : سبحان اللّٰه! يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون ، ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون! إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق ، فنبرأ ممّن قاله ، ونقول : الذي جاء به شيطان! فقال عليه السلام : مهلاً يا أبان! هذا حكم رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله ، إنّ المرأة تعاقل الرجلَ إلى ثلث الدية ، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف. يا أبان إنّك أخذتني بالقياس ، والسنّة إذا قيست مُحق الدين» (٣).

وروى تفصيل الجراح جميلُ بن درّاج عنه عليه السلام قال : سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن المرأة (٤) بينها وبين الرجل قصاص في الجراحات حتّى تبلغ الثلث سواء ،

__________________

(١) غاية المراد ٤ : ٣٦٤ ، وراجع المسالك ١٥ : ١٠٩.

(٢) في نسخة بدل (ر) : فيقتصر.

(٣) الوسائل ١٩ : ٢٦٨ ، الباب ٤٤ من أبواب ديات الأعضاء ، الحديث الأوّل.

(٤) لم يرد في النسخ ، وقد أثبتناه من الوسائل.

٤١١

فإذا بلغت الثلث سواء ارتفع الرجل وسفلت المرأة» (١).

وقال الشيخ رحمه الله : ما لم تتجاوز الثلث (٢) والأخبار الصحيحة (٣) حجّة المشهور (٤).

إذا تقرّر ذلك ، فلو قطع منها ثلاث أصابع استوفت مثلها منه قصاصاً من غير ردٍّ. ولو قطع أربعاً لم تقطع منه الأربع إلّابعد ردّ دية إصبعين.

وهل لها القصاص في إصبعين من دون ردّ؟ وجهان : منشؤهما وجود المقتضي لجوازه كذلك وانتفاء المانع ، أمّا الأوّل فلأنّ قطع إصبعين منها يوجب ذلك فالزائد أولى ، وأمّا الثاني فلأنّ قطع الزائد زيادة في الجناية ، فلا يكون سبباً في منع ما ثبت أوّلاً. ومن النصّ (٥) الدالّ على أنّه ليس لها الاقتصاص في الجناية الخاصّة إلّابعد الردّ.

ويقوى الإشكال لو طلبت القصاص في ثلاث والعفو في الرابعة. وعدم إجابتها هنا أقوى.

وعلى الأوّل تتخيّر بين قطع إصبعين من غير ردّ وبين قطع أربع مع ردّ دية إصبعين. ولو طلبت الدية فليس لها أكثر من دية إصبعين.

هذا إذا كان القطع بضربة واحدة ، ولو كان بأزيد ثبتت لها دية الأربع أو القصاص في الجميع من غير ردّ؛ لثبوت حكم السابق فيستصحب ، وكذا

__________________

(١) الوسائل ١٩ : ١٢٢ ، الباب الأوّل من أبواب القصاص في النفس ، الحديث ٣.

(٢) النهاية : ٧٤٨.

(٣) الوسائل ١٩ : ١٢٢ ، الباب الأوّل من أبواب القصاص في النفس ، الحديث ١ ـ ٣.

(٤) القائلين ببلوغ الثلث.

(٥) الوسائل ١٩ : ٢٦٨ ، الباب ٤٤ من أبواب ديات الأعضاء ، وراجع الهامش ٣.

٤١٢

حكم الباقي.

(ويُقتل العبد بالحرّ والحرّة) وإن زادت قيمته عن الدية. ولا يردّ على مولاه الزائد لو فرض ، كما لا يلزمه الإكمال لو نقص (وبالعبد وبالأمة) سواء كانا لمالك واحد أم مالكين ، وسواء تساوت قيمتهما أم اختلفت.

(و) تُقتل (الأمة بالحرّ والحرّة وبالعبد والأمة) مطلقاً (وفي اعتبار القيمة هنا) أي في قتل المملوك مثلَه (قولٌ (١)) فلا يُقتَل الكامل بالناقص إلّا مع ردّ التفاوت على سيّد الكامل؛ لأنّ ضمان المملوك يراعى فيه الماليّة ، فلا يستوفى الزائد بالناقص بل بالمساوي.

ويحتمل جواز القصاص مطلقاً من غير ردّ؛ لقوله تعالى : (اَلنَّفْسَ بِالنَّفْسِ) (٢) وقوله : (اَلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَاَلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ) (٣) أمّا قتل الناقص بالكامل فلا شبهة فيه ، ولا يلزم مولاه الزائد عن نفسه مطلقاً.

(ولا يقتل الحرّ بالعبد) إجماعاً وعملاً بظاهر الآية وصحيحة الحلبي وغيره عن الصادق عليه السلام : «لا يقتل الحرّ بالعبد» (٤) ورواه العامّة عن النبيّ صلى الله عليه وآله (٥) وادّعى في الخلاف إجماع الصحابة عليه (٦).

وهذا الحكم ثابت (٧) وإن اعتاد قتلَ العبيد عملاً بعموم الأدلّة وإطلاقها.

__________________

(١) لم نعثر على قائل له.

(٢) المائدة : ٤٥.

(٣) البقرة : ١٧٨.

(٤) الوسائل ١٩ : ٧١ ، الباب ٤٠ من أبواب القصاص في النفس ، الحديث ٢ و ٣.

(٥) السنن الكبرى ٨ : ٣٥ ، وكنز العمّال ١٥ : ٦ ، الحديث ٣٩٨١٩.

(٦) الخلاف ٥ : ١٤٨ ، المسألة ٤.

(٧) في (ر) زيادة : له.

٤١٣

(وقيل) والقائل الشيخ (١) وجماعة (٢) : (إن اعتاد قتلَهم قُتل حسماً) لجرأته وفساده ، واستناداً إلى روايات (٣) لا تنهض في مخالفة ظاهر الكتاب وصحيح الأخبار ، وفتوى أكثر الأصحاب. وعلى هذا القول فالمرجع في الاعتياد إلى العرف.

وهل يردّ على أولياء الحرّ ما فضل من ديته عن قيمة المقتول الذي تحقّقت به العادة؟ قيل : نعم (٤) نظراً إلى زيادته عنه ، كما لو قتل امرأةً. والأخبار خالية من ذلك. والتعليل بقتله لإفساده لا يقتضيه.

(ولو قتل المولى عبدَه) أو أمته (كفّر) كفّارة القتل (وعُزّر) ولا يلزمه شيء غير ذلك على الأقوى. وقيل : تجب الصدقة بقيمته (٥) استناداً إلى رواية ضعيفة (٦) ويمكن حملها على الاستحباب.

__________________

(١) التهذيب ١٠ : ١٩٢ ، ذيل الحديث ٥٤ ، والاستبصار ٤ : ٢٧٣ ، ذيل الحديث ٧.

(٢) منهم : أبو الصلاح في الكافي : ٣٨٤ ، وسلّار في المراسم : ٢٣٨ ، وابن زهرة في الغنية : ٤٠٧.

(٣) راجع الوسائل ١٩ : ٦٩ ، الباب ٣٨ من أبواب القصاص في النفس ، وفيه حديثان ، وراجع المسالك ١٥ : ١١٣ و ١١٤.

(٤) قاله سلّار في المراسم : ٢٣٨ ، وابن حمزة في الوسيلة : ٤٣١.

(٥) القائل به أكثر الأصحاب ، مثل : المفيد في المقنعة : ٧٤٩ ، والشيخ في النهاية : ٧٥٢ ، وسلّار في المراسم : ٢٣٨.

(٦) الوسائل ١٩ : ٦٨ ، الباب ٣٧ من أبواب القصاص في النفس ، الحديث ٥ ، قال الشارح في المسالك ١٥ : ١١٥ : وفي طريقها سهل بن زياد وضعفه مشهور ومحمّد بن الحسن بن شمّون وهو غالٍ ضعيف جدّاً وعبد اللّٰه بن عبد الرحمن الأصم وهو ضعيف ليس بشيء.

٤١٤

(وقيل : إن اعتاد ذلك قُتل) (١) كما لو اعتاد قتلَ غير مملوكه؛ للأخبار السابقة (٢) وهي مدخولة السند فالقول بعدم قتله مطلقاً أقوى.

(وإذا غرم الحرّ قيمة العبد) أو الأمة بأن كانا لغيره (لم يتجاوز بقيمة العبد (٣) دية الحرّ ولا بقيمة المملوكة دية الحرّة) لرواية الحلبي عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام قال : «إذا قتل الحرّ العبد غرم قيمته واُدّب. قيل : فإن كانت قيمته عشرين ألف درهم؟ قال : لا يجاوز بقيمة عبد دية الأحرار» (٤).

(ولا يضمن المولى جناية عبده) على غيره؛ لأنّ المولى لا يعقل عبداً (وله الخيار إن كانت الجناية) صدرت عن المملوك (خطأً بين فكّه بأقلّ الأمرين : من أرش الجناية وقيمته) لأنّ الأقلّ إن كان هو الأرش فظاهر ، وإن كانت القيمةَ فهي بدل من العين فيقوم مقامها وإلّا لم تكن بدلاً ، ولا سبيل إلى الزائد؛ لعدم عَقْل (٥) المولى ـ وقيل : بأرش الجناية مطلقاً (٦) والأوّل أقوى ـ (وبين تسليمه) إلى المجنيّ عليه أو وليّه ليسترقّه أو يسترقّ منه ما قابل جنايته.

(وفي العمد التخيّر (٧)) في الاقتصاص منه أو استرقاقه (للمجنيّ عليه ، أو وليّه).

__________________

(١) راجع الهامش رقم ٢ في الصفحة السابقة.

(٢) راجع الهامش رقم ٣ في الصفحة السابقة.

(٣) في (ق) و (س) : لم يتجاوز بها.

(٤) الوسائل ١٩ : ٧١ ، الباب ٤٠ من أبواب القصاص في النفس ، الحديث ٤.

(٥) عقل القتيلَ : أدّى ديته.

(٦) سواء كان قيمته أكثر منه أم لا ، وقاله الشيخ في الخلاف ٥ : ١٤٩ ، المسألة ٥.

(٧) في (س) : التخيير ، وهكذا في (ر) من الشرح.

٤١٥

(والمدبَّر) في جميع ذلك (كالقنّ) فيُقتل إن قَتَل عمداً حرّاً أو عبداً ، أو يُدفع إلى وليّ المقتول يسترقّه ، أو يفديه مولاه بالأقلّ كما مرّ.

ثمّ إن فداه أو بقي منه شيء بعد أرش الجناية بقي على تدبيره وإلّا بطل.

ولو مات مولاه قبل استرقاقه وفكّه فالأقوى انعتاقه؛ لأنّه لا يخرج عن ملكه بالجناية فعلاً ، وحينئذٍ فيسعى في فكّ رقبته من الجناية إن لم توجب قتلَه حرّاً.

(وكذا المكاتب المشروط والمطلق الذي لم يؤدّ شيئاً) ولو أدّى شيئاً منها تحرّر منه بحسابه ، فإذا قتل حرّاً عمداً قُتل به. وإن قتل مملوكاً فلا قَوَد وتعلّقت الجناية بما فيه من الرقّيّة مبعَّضة ، فيسعى في نصيب الحرّيّة ، ويُستوفى الباقي منه ، أو يُباع فيه.

ولو كان القتل خطأً فعلى الإمام بقدر ما فيه من الحرّيّة ، والمولى بالخيار في الباقي كما مرّ ، سواء أدّى نصف ما عليه فصاعداً أم لا (١) وكذا القول في كلّ مبعَّض.

ولا يقتل المبعَّض مطلقاً (٢) بمن انعتق منه أقلّ ممّا انعتق من الجاني كما لا يقتل بالقنّ. ويقتل بمن تحرّر منه مثله أو أزيد ، كما يقتل بالحرّ.

(ولو قتل حرٌّ حرّين فصاعداً فليس لهم) أي لأوليائهم (إلّاقتله) لقوله صلى الله عليه وآله : «لا يجني الجاني على أكثر من نفسه» (٣) ولا فرق بين قتله لهم جميعاً ومرتَّباً. ولو عفا بعضهم فللباقي القصاص.

__________________

(١) نبّه بالتسوية على خلاف الشيخ في الاستبصار ٤ : ٢٧٧ ، ذيل الحديث ٢ من رقم ١١٠٤٨ حيث جعل المؤدّى نصف ما عليه بمنزلة الحرّ استناداً إلى رواية عليّ بن جعفر عن أخيه عليه السلام وهو ضعيف. (منه رحمه الله).

(٢) سواء عتق نصفُه أو أقلّ أو أكثر (هامش ش).

(٣) الوسائل ١٩ : ٦١ ، الباب ٣٣ من أبواب القصاص في النفس ، الحديث ١٠. والحديث عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام.

٤١٦

وهل لبعضهم المطالبة بالدية ، ولبعضٍ القصاص؟ وجهان : من ظاهر الخبر ، وتعدّد المستحقّ. وكذا في جواز قتله بواحد ـ إمّا الأوّل أو بالقرعة أو تخييراً ـ وأخذ الدية من ماله للباقين. نعم ، لو بدر واحد منهم فقتله عن حقّه استوفاه ، وكان للباقين الدية؛ لفوات محلّ القصاص إن قلنا بوجوبها حيث يفوت وسيأتي (١) وظاهر العبارة منع ذلك كلّه ، لتخصيصه حقَّهم بقتله.

(ولو قطع) الحرّ (يمين اثنين) حرّين (قطعت يمينه بالأوّل ويسراه (٢) بالثاني) لتساوي اليدين في الحقيقة وإن تغايرا من وجهٍ يغتفر عند تعذّر المماثلة من كلّ وجه ، ولصحيحة حبيب السجستاني عن أبي جعفر عليه السلام في رجل قطع يدين لرجلين اليمينين ، فقال عليه السلام : «يقطع يمينه للرجل الذي قطع يمينه أوّلاً ويقطع يساره للرجل الذي قطع يمينه أخيراً؛ لأنّه إنّما قطع يد الرجل الأخير ويمينه قصاص للرجل الأوّل» (٣).

ولو قطع يد ثالثٍ قيل : قطعت رجله (٤) لقوله عليه السلام في هذه الرواية : «والرجل باليد إذا لم يكن للقاطع يدان» فقلت له : أما توجب له الدية وتترك رجله؟ فقال : «إنّما توجب عليه الدية إذا قطع يد رجل وليس للقاطع يدان ولا رجلان ، فثَمَّ توجب عليه الدية؛ لأنّه ليس له جارحة فيقاصّ منها» ولأنّ المساواة الحقيقيّة لو اعتبرت لم يجز التخطّي من اليمنى إلى اليسرى.

__________________

(١) يأتي في الصفحة ٤٥٣.

(٢) في (ق) و (س) : يساره.

(٣) الوسائل ١٩ : ١٣١ ، الباب ١٢ من أبواب قصاص الطرف ، الحديث ٢.

(٤) قاله الشيخ في الخلاف ٥ : ١٩٣ ، المسألة ٥٩ ، والنهاية : ٧٧١ ، وهو مذهب ابن الجنيد وابن البرّاج في الكامل ، كما نقل عنهما في المختلف ٩ : ٣٩٤.

٤١٧

وقيل : ينتقل هنا إلى الدية (١) لفقد المماثل الذي يدلّ قوله تعالى : (أَنَّ اَلنَّفْسَ بِالنَّفْسِ ...) (٢) عليه. والخبر يدفع فقد التماثل (٣) ويدلّ على مماثلة الرِجل لليد شرعاً وإن انتفت لغةً وعرفاً. نعم ، يبقى الكلام في صحّته ، فإنّ الأصحاب وصفوه بالصحّة (٤) مع أنّهم لم ينصّوا على توثيق (حبيب). ولعلّهم أرادوا بصحّته فيما عداه ، فإنّهم كثيراً ما يطلقون ذلك. وحينئذٍ فوجوب الدية للرجل أجود. وأولى منه لو قطع يد رابع وبعدها فالدية قطعاً.

(ولو قتل العبد حرّين فهو لأولياء الثاني إن كان القتل) أي قتله للثاني (بعد الحكم به للأوّل) بأن اختار الأوّل استرقاقه قبل جنايته على الثاني (٥) وإن لم يحكم به حاكمٌ لبراءته من الجناية الاُولى باسترقاقه لها (وإلّا) تكن جنايته على الثاني بعد الحكم به للأوّل (فهو بينهما) لتعلّق حقّهما معاً به وهو على ملك مالكه ، ولصحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام «في عبد جرح رجلين ، قال : هو بينهما إن كانت الجناية محيطة بقيمته. قيل له : فإن جرح رجلاً في أوّل النهار وجرح آخر في آخر النهار ، قال : هو بينهما ما لم يحكم الوالي في المجروح الأوّل ، قال : فإن جنى بعد ذلك جناية فإنّ جنايته على الأخير» (٦).

__________________

(١) قاله ابن إدريس في السرائر ٣ : ٣٩٧ ، واستوجهه الشارح في المسالك ١٥ : ١٢٧.

(٢) المائدة : ٤٥.

(٣) في سوى (ع) : المماثل.

(٤) كالعلّامة في المختلف ٩ : ٣٩٥ ، والفخر في الإيضاح ٤ : ٥٧٣ ، وابن فهد الحلّي في المهذّب البارع ٥ : ١٧٣.

(٥) في (ع) : للثاني.

(٦) الوسائل ١٩ : ٧٧ ، الباب ٤٥ من أبواب القصاص في النفس ، الحديث الأوّل.

٤١٨

وقيل : يكون للثاني (١) لصيرورته لأولياء الأوّل بالجناية الاُولى ، فإذا قتل الثاني انتقل إلى أوليائه ، ولرواية عليّ بن عقبة عن الصادق عليه السلام (في عبد قتل أربعة أحرار واحداً بعد واحد ، قال : هو لأهل الأخير من القتلى ، إن شاؤوا قتلوه وإن شاؤوا استرقّوه؛ لأنّه إذا قتل الأوّل استحقّه أولياؤه ، فإذا قتل الثاني استحقّ من أولياء الأوّل فصار لأولياء الثاني) وهكذا ... (٢) وهذا الخبر مع ضعف سنده (٣) يمكن حمله على ما لو اختار أولياء السابق استرقاقه قبل جنايته على اللاحق ، جمعاً بينه وبين ما سبق. وكذا الحكم لو تعدّد مقتوله.

(وكذا لو قتل عبدين) لمالكين يستوعب كلٌّ منهما قيمتَه (أو) قتل (حرّاً وعبداً) كذلك ، فإنّ موليي العبدين يشتركان فيه ما لم يسبق مولى الأوّل إلى استرقاقه قبل جنايته على الثاني ، فيكون لمولى الثاني ، وكذا وليّ الحرّ ومولى العبد. ولو اختار الأوّل المال ورضي به المولى تعلّق حقّ الثاني برقبته.

وقيل : يقدّم الأوّل (٤) لأنّ حقّه أسبق ، ويسقط الثاني؛ لفوات محلّ استحقاقه. والأوّل أقوى.

(ومنها : التساوي في الدين) :

(فلا يقتل مسلم بكافر) حربيّاً كان الكافر أم ذمّيّاً ، ومعاهداً كان الحربي أم لا (ولكن يعزَّر) القاتل (بقتل الذمّي والمعاهد) لتحريم قتلهما (ويغرم

__________________

(١) قاله الشيخ في النهاية : ٧٥٢.

(٢) للخبر تتمّة ، راجع الوسائل ١٩ : ٧٧ ، الباب ٤٥ من أبواب القصاص في النفس ، الحديث ٣.

(٣) ولعلّ الضعف بابن فضّال الواقع في سنده. اُنظر المسالك ١٣ : ٣٩٩ ـ ٤٠٠ وكذا الحسن بن أحمد بن سلمة فإنّه مجهول.

(٤) قاله الشيخ في المبسوط ٧ : ٨.

٤١٩

دية الذمّيّ) ويستفاد من ذلك جواز قتل الحربيّ بغير إذن الإمام وإن توقّف جواز جهاده عليه ، ويفرق بين قتله وقتاله جهاداً. وهو كذلك؛ لأنّ الجهاد من وظائف الإمام. وهذا يتمّ في أهل الكتاب؛ لأنّ جهادهم يترتّب عليه أحكامٌ غيرُ القتل تتوقّف على الحاكم ، أمّا غيرهم فليس في جهاده إلّاالقتل أو الإسلام ، وكلاهما لا يتوقّف تحقيقه (١) على الحاكم ، لكن قد يترتّب على القتل أحكام اُخر مثل أحكام ما يُغنَم منهم ونحوه ، وتلك وظيفة الإمام أيضاً.

(وقيل) والقائل جماعات من الأصحاب ـ منهم الشيخان (٢) والمرتضى (٣) والمحقّق (٤) والعلّامة في أحد قوليه (٥) والمصنّف في الشرح (٦) مدّعياً الإجماع ، فإنّ المخالف ابن إدريس (٧) وقد سبقه الإجماع ـ : إنّه (إن اعتاد قتل أهل الذمّة اقتُصّ منه بعد ردّ فاضل ديته).

ومستند هذا القول مع الإجماع المذكور :

روايةُ إسماعيل بن الفضل عن الصادق عليه السلام قال : «سألته عن دماء النصارى واليهود والمجوس : هل عليهم وعلى من قتلهم شيء إذا غشّوا المسلمين وأظهروا العداوة لهم والغشّ؟ قال : لا ، إلّاأن يكون متعوّداً لقتلهم. قال : وسألته عن المسلم : هل يُقتل بأهل الذمّة وأهل الكتاب إذا قتلهم؟ قال : لا ، إلّاأن يكون

__________________

(١) في (ر) و (ش) : تحقّقه.

(٢) المقنعة : ٧٣٩ ، والنهاية : ٧٤٩.

(٣) الانتصار : ٥٤٢ ، المسألة ٣٠٢.

(٤) المختصر النافع : ٢٩٦.

(٥) المختلف ٩ : ٣٢٣ ـ ٣٢٤. والقول الآخر له وهو ثبوت التعزير والدية ، راجع التحرير ٥ : ٤٥٤.

(٦) غاية المراد ٤ : ٣٤٧.

(٧) السرائر ٣ : ٣٥٢.

٤٢٠