🚘

الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة - ج ٤

زين الدين بن علي العاملي [ الشهيد الثاني ]

الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة - ج ٤

المؤلف:

زين الدين بن علي العاملي [ الشهيد الثاني ]


الموضوع : الفقه
الناشر: مجمع الفكر الاسلامي
المطبعة: الظهور
ISBN: 964-5662-48-6
🚘 نسخة غير مصححة

للأصل ، وعدم دلالة النصوص عليه ، وللتعليل بأنّ بيعها خارجه ليخفى خبرها (١) وهو مخفيّ هنا.

ولو كانت لغيره ، فهل يثبت عليه الغرم ويجب عليه التوصّل إلى إتلاف المأكولة بإذن المالك ولو بالشراء منه؟ الظاهر العدم.

نعم ، لو صارت ملكه بوجه من الوجوه وجب عليه إتلاف المأكولة؛ لتحريمها في نفس الأمر. وفي وجوب كونه بالذبح ثمّ الإحراق وجه قويّ. ولو لم تنتقل إلى ملكه لكن ذبحها المالك أو غيره لم يحلّ للفاعل الأكل من لحمها لعلمه بتحريمه. وكذا القول في نسلها ولبنها ونحوه.

(ومنها : وطء الأموات) زناً ولواطاً :

(وحكمه حكم الأحياء) في الحدّ والشرائط (و) يزيد هنا أنّه (تغلظ) عليه (العقوبة) بما يراه الحاكم (إلّاأن تكون) الموطوءة (زوجته) أو أمته المحلّلة له (٢) (فيعزّر) خاصّة ، لتحريم وطئها ، ولا يُحدّ؛ لعدم الزنا ، إذ لم تخرج بالموت عن الزوجيّة ، ومن ثَمّ جاز له تغسيلها.

(ويثبت) هذا الفعل (بأربعة) شهود ذكور (على الأقوى) كالزنا واللواط؛ لأنّه زنا ولواط في الجملة ، بل أفحش ، فيتناوله عموم أدلّة توقّف ثبوته على الأربعة (٣).

__________________

(١) راجع الوسائل ١٨ : ٥٧٠ ـ ٥٧١ ، الباب الأوّل من أبواب نكاح البهائم ، الحديث ١ و ٤.

(٢) لم يرد «له» في (ع) و (ف).

(٣) النور : ٤ و ١٣ ، والوسائل ١٨ : ٣٧١ ـ ٣٧٣ ، الباب ١٢ من أبواب حدّ الزنا ، والمستدرك ١٨ : ٨٣ ، الباب ٣ من أبواب حدّ اللواط ، وفيه حديث واحد.

٣٨١

وقيل : يثبت بشهادة عدلين؛ لأنّه شهادة على فعل واحد يوجب حدّاً واحداً كوطء البهيمة ، بخلاف الزنا واللواط بالحيّ ، فإنّه يوجب حدّين فاعتُبر فيه الأربعة؛ لأنّها شهادة على اثنين (١).

وفيه نظر؛ لانتقاضه بالوطء الإكراهي والزنا بالمجنونة ، فإنّه كذلك مع اشتراط الأربعة إجماعاً. والمتحقّق اعتبار الأربعة من غير تعليل ، بل في كثير من النصوص (٢) ما ينافي تعليله ، وإنّ توقّف الزنا على الأربعة والقتل على الاثنين ـ مع أنّه أعظم ـ دليلٌ على بطلان القياس.

والإقرار فرع الشهادة ، فحيث اعتبرنا الأربعة يثبت بها (أو إقراره (٣) أربع) مرّات بشرائطها السابقة. ومن اكتفى بالشاهدين اكتفى بالإقرار مرّتين.

وحيث ألحقنا الميّت بالحيّ ، فما يثبت بشهادة النساء في الزنا بالحيّة يثبت هنا على الأقوى؛ للعموم (٤) مع احتمال العدم؛ لقيام الشبهة الدارئة للحدّ ، وما تقدّم (٥).

(ومنها : الاستمناء) :

وهو استدعاء إخراج المنيّ (باليد) أي يد المستمني (وهو) حرام

__________________

(١) قاله المفيد في المقنعة : ٧٩٠ ، والشيخ في النهاية : ٧٠٨ ، والقاضي في المهذّب ٢ : ٥٣٤ ، وغيرهم.

(٢) راجع الوسائل ١٨ : ٣٧١ ، الباب ١٢ من أبواب حدّ الزنا.

(٣) في (ق) : الإقرار ، وفي (س) : إقرار.

(٤) الوسائل ١٨ : ٢٥٩ ، الباب ٢٤ من أبواب الشهادات.

(٥) من بطلان القياس (هامش ش).

٣٨٢

(يوجب التعزير) بما يراه الحاكم ، لقوله تعالى :(وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ * إِلاّٰ عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ) إلى قوله : (فَمَنِ اِبْتَغىٰ وَرٰاءَ ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلعٰادُونَ (١)) وهذا الفعل ممّا وراء ذلك. وعن النبيّ صلى الله عليه وآله أنّه لعن الناكح كفَّه (٢) وفي معنى اليد إخراجه بغيرها من جوارحه وغيرها ممّا عدا الزوجة والمملوكة.

وفي تحريمه بيد زوجته ومملوكته المحلَّلة له وجهان : من وجود المقتضي للتحريم وهو إخراج المنيّ وتضييعه بغير الجماع وبه قطع العلّامة في التذكرة (٣) ومن منع كون ذلك هو المقتضي ، وعدم تناول الآية والخبر له؛ إذ لم يخصّ حفظ الفرج في الزوجة وملك اليمين بالجماع ، فيتناول محلّ النزاع.

وفي تعدّي التحريم إلى غير أيديهما من بدنهما غير الجماع احتمال. وأولى بالجواز هنا لو قيل به ثَمَّ؛ لأنّه ضرب من الاستمتاع.

(ورُوي) بسند ضعيف (٤) عن أبي جعفر وأبي عبد اللّٰه عليهما السلام (أنّ عليّاً عليه السلام ضرب يده) (٥) أي يد رجل استمنى بيده. وفي الاُخرى : عبث بذكره إلى أن أنزل (حتّى احمرّت) يده من الضرب (وزوَّجه من بيت المال) (٦)

__________________

(١) المؤمنون : ٥ ـ ٧.

(٢) عوالي اللآلئ ١ : ٢٦٠ ، الحديث ٣٨.

(٣) التذكرة ٢ : ٥٧٧ ، (الحجريّة) كتاب النكاح.

(٤) في طريق ما روي عن أبي جعفر عليه السلام «أبي جميلة» وهو ضعيف كذّاب يضع الحديث. وفي طريق ما روي عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام «طلحة بن زيد» وهو بتريّ عامّي. اُنظر فهارس المسالك ١٦ : ٢٩٧ ، ٢٩٠.

(٥) الوسائل ١٨ : ٥٧٤ ، الباب ٣ من أبواب نكاح البهائم ، الحديث الأوّل.

(٦) المصدر المتقدّم : ٥٧٥ ، الحديث ٢.

٣٨٣

وهو ـ مع ما في سنده ـ حكم في واقعة مخصوصة بما رآه ، لا أنّ ذلك تعزيره مطلقاً.

(ويثبت) ذلك (بشهادة عدلين والإقرار مرّة) واحدة؛ لعموم الخبر (١) إلّا ما أخرجه الدليل من اعتبار العدد ، وهو هنا منفيّ. وقال ابن إدريس : يثبت بالإقرار مرّتين (٢) وظاهره أنّه لا يثبت بدونه ، فإن أراد ذلك فهو ضعيف؛ لما ذكرناه.

(ومنها : الارتداد) :

(وهو الكفر بعد الإسلام ، أعاذنا اللّٰه ممّا يوبق الأديان) والكفر يكون بنيّةٍ (٣) وبقولٍ كفرٍ ، وفعلٍ مُكفِّر.

فالأوّل : العزم على الكفر ولو في وقت مترقَّب. وفي حكمه التردّد فيه.

والثاني : كنفي الصانع لفظاً ، أو الرُسُل ، وتكذيب رسولٍ ، وتحليل محرّم بالإجماع كالزنا ، وعكسه كالنكاح ، ونفي وجوب مجمع عليه كركعة من الصلوات الخمس ، وعكسه كوجوب صلاة سادسة يوميّة.

والضابط : إنكار ما علم من الدين ضرورة. ولا فرق في القول بين وقوعه عناداً أو اعتقاداً أو استهزاءً ، حملاً على الظاهر. ويمكن ردّ هذه الأمثلة إلى الأوّل حيث يعتقدها من غير لفظ.

والثالث : ما تعمّده استهزاءً صريحاً بالدين ، أو جحوداً له ، كإلقاء مصحف

__________________

(١) وهو إقرار العقلاء على أنفسهم جائز ، وقد تقدّم في الصفحة ٣٨٠ ، الهامش رقم ٤.

(٢) السرائر ٣ : ٤٧١.

(٣) في (ع) و (ف) : بنيّته.

٣٨٤

أو بعضه بقاذورة قصداً ، وسجودٍ لصنم.

ويعتبر فيما خالف الإجماع : كونه ممّا ثبت حكمه في دين الإسلام ضرورةً كما ذكر لخفاء كثير من الإجماعيّات على الآحاد ، وكون الإجماع من أهل الحلّ والعقد من المسلمين ، فلا يكفر المخالف في مسألة خلافيّة وإن كان نادراً.

وقد اختلف عبارات الأصحاب وغيرهم (١) في هذا الشرط ، فاقتصر بعضهم على اعتبار مطلق الإجماع (٢) وآخرون على إضافة ما ذكرناه (٣) وهو الأجود. وقد يتّفق للشيخ رحمه الله الحكم بكفر مستحلّ ما خالف إجماعنا خاصّة كما تقدّم نقله عنه في باب الأطعمة (٤) وهو نادر.

وفي حكم الصنم ما يُقصد به العبادة للمسجود له ، فلو كان مجرّد التعظيم مع اعتقاد عدم استحقاقه للعبادة لم يكن كفراً ، بل بدعة قبيحة وإن استحقّ التعظيم بغير هذا النوع؛ لأنّ اللّٰه تعالى لم ينصب السجود تعظيماً لغيره.

(ويقتل) المرتدّ (إن كان) ارتداده (عن فطرة) الإسلام؛ لقوله صلى الله عليه وآله : «من بدّل دينه فاقتلوه» (٥).

وصحيحة محمّد بن مسلم عن الباقر عليه السلام : «من رغب عن الإسلام وكفر

__________________

(١) راجع مغني المحتاج ٤ : ١٣٦.

(٢) كالمحقّق في الشرائع ٤ : ١٧١ ، والعلّامة في القواعد ٣ : ٥٥٣ ، والشهيد في اللمعة ، وقد تقدّم في الصفحة ٣٣٧.

(٣) كابن إدريس في السرائر ٣ : ٤٧٦ ، والسيوري في التنقيح الرائع ٤ : ٣٧١ ، والشهيد في غاية المراد ٤ : ٢٤١.

(٤) تقدّم في الصفحة ١٠٦.

(٥) المستدرك ١٨ : ١٦٣ ، الباب الأوّل من أبواب حدّ المرتدّ ، الحديث ٢.

٣٨٥

بما اُنزل على محمّد صلى الله عليه وآله بعد إسلامه فلا توبة له ، وقد وجب قتله وبانت منه امرأته ، ويقسم ما ترك على ولده» (١).

وروى عمّار عن الصادق عليه السلام قال : «كلّ مسلم بين مسلمين ارتدّ عن الإسلام وجحد محمّداً صلى الله عليه وآله نبوّته وكذّبه ، فإنّ دمه مباح لكلّ من سمع ذلك منه ، وامرأته بائنة منه يوم ارتدّ فلا تقربه ، ويُقسم ماله على ورثته ، وتعتدّ امرأته عدّة المتوفّى عنها زوجها ، وعلى الإمام أن يقتله ولا يستتيبه» (٢).

(ولا تقبل توبته) ظاهراً؛ لما ذكرناه وللإجماع ، فيتعيّن قتله مطلقاً. وفي قبولها باطناً قول قويّ (٣) حذراً من تكليف ما لا يطاق لو كان مكلَّفاً بالإسلام ، أو خروجه عن التكليف ما دام حيّاً كاملَ العقل ، وهو باطل بالإجماع. وحينئذٍ فلو لم يطّلع عليه أحد أو لم يُقدَر على قتله أو تأخّر قتله بوجهٍ وتاب قُبلت توبته فيما بينه وبين اللّٰه تعالى ، وصحّت عباداته ومعاملاته ، وطهر بدنه ، ولا يعود ماله وزوجته إليه بذلك ، عملاً بالاستصحاب. ولكن يصحّ له تجديد العقد عليها بعد العدّة. وفي جوازه فيها وجه ، كما يجوز للزوج العقد على المعتدّة منه بائناً.

وبالجملة ، فيُقتصر من (٤) الأحكام بعد توبته على الاُمور الثلاثة (٥) في حقّه وحقّ غيره ، وهذا أمر آخر وراء القبول باطناً.

__________________

(١) الوسائل ١٨ : ٥٤٤ ، الباب الأوّل من أبواب حدّ المرتدّ ، الحديث ٢.

(٢) المصدر المتقدّم : ٥٤٥ ، الحديث ٣ ، وليس فيه : «فلا تقربه».

(٣) قاله الشهيد في الدروس ٢ : ٥٢.

(٤) في (ر) : في.

(٥) القتل ، وبينونة الزوجة ، وتقسيم التركة.

٣٨٦

(وتبين منه زوجته ، وتعتدّ للوفاة) وإن لم يدخل على الأصحّ؛ لما تقدّم (١) (وتورث أمواله) الموجودة حالة الردّة (بعد قضاء ديونه) السابقة عليها (وإن كان) حيّاً (باقياً) لأنّه في حكم الميّت في ذلك.

وهل يلحقه باقي أحكامه : من إنفاذ وصاياه السابقة على الردّة ، وعدم قبوله التملّك بعدها؟ نظر من مساواته له في الأحكام ، وكونه حيّاً ولا يلزم من مساواته الميّت في جملة من الأحكام إلحاقه به مطلقاً. ولو أدخلنا المتجدّد في ملكه ـ كالاحتطاب والاحتشاش ـ صار إرثاً؛ وعلى هذا لا ينقطع إرثه ما دام حيّاً ، وهو بعيد. ومعه ففي اختصاص وارثه عند ارتداده به أو عند التكسّب؟ وجهان (٢).

ويعتبر في تحقّق الارتداد البلوغ والعقل والاختيار. (ولا حكم لارتداد الصبيّ ، والمجنون ، والمكرَه) لكن يؤدَّب الأوّلان.

والسكران في حكم المجنون ، فلا يرتدّ بتلفّظه حالته بكلمة الكفر ، أو فعله ما يوجبه. كما لا يُحكم بإسلامه بكلمة الإسلام لو كان كافراً. وإلحاقه بالصاحي في وجوب قضاء العبادات لا يوجب إلحاقه به مطلقاً مع العلم بزوال عقله الرافع للخطاب.

__________________

(١) من إطلاق رواية عمّار.

(٢) منشؤهما كون سبب الانتقال هو الارتداد ، فيكون المعتبر هو الوارث عنده وأنّ التكسّب تمام سبب الملك فيعتبر الوارث عنده ، ويظهر الفائدة فيما لو كان للمرتدّ ولدان عند الارتداد ومات أحدهما عن ولد قبل التكسّب ، فعلى الأوّل يكون المال المكتسب بين الولد وعمّه ، وعلى الثاني يختصّ به العمّ؛ لأنّه الوارث حينئذٍ كما لو ارتدّ عن ولد وولد ولد. (منه رحمه الله).

٣٨٧

وكذا لا حكم لردّة الغالط والغافل والساهي والنائم ، ومن رفع الغضبُ قصدَه ،. وتقبل دعوى ذلك كلّه ، وكذا الإكراه مع القرينة كالأسر.

وفي قبول دعوى عدم القصد إلى مدلول اللفظ مع تحقّق الكمال نظر ، من الشبهة الدارئة للحدّ ، وكونه خلاف الظاهر.

(ويستتاب) المرتدّ (إن كان) ارتداده (عن كفر) أصليّ (فإن تاب ، وإلّا قُتل. ومدّة الاستتابة ثلاثة أيّام في المرويّ) عن الصادق عليه السلام (١) بطريق ضعيف (٢) والأقوى تحديدها بما يؤمَّل معه عوده. ويُقتل بعد اليأس منه وإن كان من ساعته.

ولعلّ الصبر عليه ثلاثة أيّام أولى رجاءً لعوده ، وحملاً للخبر على الاستحباب.

(و) المرتدّ عن ملّة (لا يزول ملكه عن أمواله إلّابموته) ولو بقتله ، لكن يُحجر عليه بنفس الردّة عن التصرّف فيها ويدخل في ملكه ما يتجدّد ، ويتعلّق به الحجر ، ويُنفَق عليه منه ما دام حيّاً (و) كذا (لا) تزول (عصمة نكاحه إلّاببقائه على الكفر بعد خروج العدّة) التي تعتدّها زوجته من حين ردّته (وهي عدّة الطلاق) فإن خرجت ولمّا يرجع بانت منه (وتؤدّي نفقة واجب النفقة) عليه : من والد وولد وزوجة ومملوك (من ماله) إلى أن يموت.

__________________

(١) الوسائل ١٨ : ٥٤٨ ، الباب ٣ من أبواب حدّ المرتدّ ، الحديث ٥.

(٢) في طريقه «محمّد بن الحسن بن شمّون» وهو غالٍ ضعيف فاسد المذهب ، راجع المسالك ١١ : ١٦٥ و ١٥ : ٤١٠.

٣٨٨

(ووارثهما) أي المرتدّين فطريّاً وملّيّاً ورثتهما (المسلمون ، لا بيت المال) عندنا؛ لما تقدّم (١) (ولو لم يكن) لهما (وارث) مسلم (فللإمام (٢)) ولا يرثهما الكافر مطلقاً؛ لأنّهما مرتبةً فوق الكافر ودون المسلم.

(والمرأة لا تُقتل وإن كانت) ردّتها (عن فطرة ، بل تُحبس دائماً ، وتُضرب أوقات الصلوات) بحسب ما يراه الحاكم (وتُستعمل) في الحبس (في أسوأ الأعمال ، وتُلبس أخشن الثياب) المتّخذة للبس عادة (وتُطعم أجشب (٣) الطعام) وهو ما غلظ منه وخشن قاله ابن الأثير (٤) ويعتبر فيه عادتها ، فقد يكون الجشب حقيقة في عادتها صالحاً وبالعكس. يفعل بها ذلك كلّه (إلى أن تتوب ، أو تموت) لصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام وغيرها في المرتدّة عن الإسلام قال عليه السلام : «لا تُقتل ، وتُستَخدم خدمة شديدة ، وتُمنع من الطعام والشراب إلّاما يُمسِك نفسَها ، وتُلبَس خشن الثياب ، وتُضرب على الصلوات» (٥).

وفي خبر آخر عنه عليه السلام : «المرأة تُستتاب فإن تابت ، وإلّا حُبست في السجن واُضِرّ بها» (٦).

__________________

(١) تقدّم في أوائل الميراث قوله : لتنزيله منزلة المسلم في كثير من الأحكام ، كقضاء عباداته الفائتة زمن الردّة ، راجع الصفحة ١٦٠.

(٢) في (س) ونسخة (ر) من الشرح : فالإمام.

(٣) في (ق) ونسخة (ع) من الشرح : أخشب.

(٤) النهاية لابن الأثير ١ : ٢٧٢ ، (جشب).

(٥) الوسائل ١٨ : ٥٤٩ ، الباب ٤ من‌أبواب حدّ المرتدّ ، ذيل الحديث‌الأوّل ، وفيه : «أخشن‌الثياب».

(٦) المصدر المتقدّم : ٥٥٠ ، الحديث ٤.

٣٨٩

ولا فرق فيها بين الفطريّة والملّيّة.

وفي إلحاق الخنثى بالرجل أو المرأة وجهان ، تقدّما في الإرث (١) وأنّ الأظهر إلحاقه بالمرأة.

(ولو تكرّر الارتداد) والاستتابة من الملّي (قُتِل في الرابعة) أو الثالثة على الخلاف السابق (٢) لأنّ الكفر باللّٰه تعالى أكبر الكبائر ، وقد عرفت أنّ أصحاب الكبائر يُقتلون في الثالثة (٣) ولا نصّ هنا بالخصوص. والاحتياط في الدماء يقتضي قتله في الرابعة.

(وتوبته الإقرار بما أنكره) فإن كان الإنكار للّٰه‌أو (٤) للرسول فإسلامه بالشهادتين. ولا يُشترط التبرّي من غير الإسلام وإن كان آكد. وإن كان مقرّاً بهما منكراً عموم نبوّته صلى الله عليه وآله لم تكفِ الشهادتان ، بل لا بدّ من الإقرار بعمومها. وإن كان بجحد فريضة عُلم ثبوتها من الدين ضرورة فتوبته الإقرار بثبوتها على وجهها. ولو كان باستحلال محرَّم فاعتقاد تحريمه مع إظهاره إن كان أظهر الاستحلال ، وهكذا ...

(ولا تكفي الصلاة) في إسلام الكافر مطلقاً وإن كان يجحدها؛ لأنّ فعلها أعمّ من اعتقاد وجوبها ، فلا يدلّ عليه وإن كان كفره بجحد الإلهيّة أو الرسالة وسُمِع تشهّده فيها؛ لأنّه لم يوضع شرعاً ثَمَّ للإسلام ، بل ليكون جزءاً من الصلاة ، وهي لا توجبه ، فكذا جزؤها. بخلاف قولها منفردة؛ لأنّها موضوعة شرعاً له.

__________________

(١) تقدّم في الصفحة ١٦١.

(٢) و (٣) تقدّم في اللواط في الصفحة ٣٠٥ وفي الشرب : ٣٣٤.

(٣)

(٤) في (ر) : و.

٣٩٠

(ولو جُنّ بعد ردّته) عن ملّة (لم يُقتل) ما دام مجنوناً؛ لأنّ قتله مشروط بامتناعه من التوبة ولا حكم لامتناع المجنون. أمّا لو كان عن فطرة قُتل مطلقاً (١).

(ولا يصحّ له تزويج ابنته) المولّى عليها ، بل مطلق ولده؛ لأنّه محجور عليه في نفسه فلا تثبت ولايته على غيره ، ولأ نّه كافر وولاية الكافر مسلوبة عن المسلم.

(قيل : ولا أمته) (٢) مسلمة كانت الأمة أم كافرة؛ لما ذُكر في البنت. واستقرب في التحرير بقاء ولايته عليها مطلقاً (٣) مع جزمه في القواعد بزوالها كالولد (٤) وحكايته هنا قولاً يشعر بتمريضه ، نظراً إلى الأصل (٥) وقوّة الولاية المالكيّة مع الشكّ في المزيل. وثبوت الحجر يرفع ذلك كلّه.

(ومنها الدفاع عن النفس والمال والحريم (٦)) :

وهو جائز في الجميع مع عدم ظنّ العطب ، وواجب في الأوّل والأخير (بحسب القدرة) ومع العجز يجب الهرب مع الإمكان. أمّا الدفاع عن المال فلا يجب إلّامع اضطراره إليه. وكذا يجوز الدفع عن غير من ذُكِر مع القدرة.

__________________

(١) جُنّ أم لا.

(٢) قاله العلّامة في القواعد ٣ : ٥٧٨.

(٣) راجع التحرير ٥ : ٣٩٢ ـ ٣٩٣.

(٤) القواعد ٣ : ٥٧٨.

(٥) وهو بقاء الولاية.

(٦) يعني ومن العقوبات المتفرّقة. ولا يخفى عدم ملاءمة العطف إلّابتأويل.

٣٩١

والأقرب وجوبه مع أمن الضرر وظنّ السلامة (معتمداً) في الدفاع مطلقاً (على الأسهل) فالأسهل كالصياح ، ثمّ الخصام ، ثمّ الضرب ، ثمّ الجرح ، ثمّ التعطيل (١) ثمّ التدفيف (٢).

ودم المدفوع هَدْر حيث يتوقّف الدفاع على قتله ، وكذا ما يُتلف من ماله إذا لم يمكن بدونه.

(ولو قُتِل) الدافع (كان كالشهيد) في الأجر. أمّا في باقي الأحكام ـ من التغسيل والتكفين ـ فكغيره ، ولا يبدؤه إلّامع العلم أو الظنّ بقصده. ولو كَفَّ كَفَّ عنه ، فإن عاد عاد ، فلو قطع يده مقبلاً ورِجله مدبراً ضمن الرِجل فإن سَرَتا ضمن النصف قصاصاً أو دية. ولو أقبل بعد ذلك فقطع عضواً ثالثاً رجع الضمان إلى الثلث.

(ولو وجد مع زوجته ، أو مملوكته (٣) أو غلامه) أو ولده (من ينال دون الجماع فله دفعه) بما يرجو معه الاندفاع كما مرّ (٤) (فإن أتى الدفع عليه وأفضى إلى قتله) حيث لم يمكن دفعه بدونه (فهو هَدْر).

(ولو قتله في منزله فادّعى) القاتل (إرادة) المقتول (نفسَه أو مالَه) أو ما يجوز مدافعته عنه وأ نّه لم يندفع إلّابالقتل (فعليه البيّنة أنّ الداخل كان معه سيف مشهور مقبلاً على ربّ المنزل) وإن لم تشهد بقصده القتل؛ لتعذّر العلم به ، فيكتفى بذلك؛ لدلالة القرائن عليه المرجّحة لصدق المدّعي.

__________________

(١) تعطيل قواه عن الحركة.

(٢) دفّف الجريحَ : أجهز عليه وأتمّ قتله.

(٣) في (ق) : مملوكه.

(٤) يعني معتمداً على الأسهل فالأسهل.

٣٩٢

(ولو اطّلع على عورة قوم) ولو على (١) وجه امرأة ليست بمحرم للمطّلع (فلهم زجره ، فإن امتنع) وأصرّ على النظر جاز لهم رميه بما يندفع به ، فإن فعلوا (فرموه بحصاة ونحوها فجُني عليه كان هَدْراً) ولو بَدَروه من غير زجر ضمنوه (والرحم) الذي يجوز نظره للمطَّلع عليهم (يُزجر لا غير ، إلّاأن يكون (٢)) المنظور امرأة (مجرّدة ، فيجوز رميه بعد زجره) كالأجنبيّ؛ لمساواته له في تحريم نظر العورة.

ويجب التدرّج (٣) في المرميّ به من الأسهل إلى الأقوى على وجه ينزجر به ، فإن لم يندفع إلّابرميه بما يقتله فهَدْر.

ولا فرق بين المطّلع من ملك المنظور وغيره حتّى الطريق وملك الناظر. ولو كان المنظور في الطريق لم يكن له رمي من ينظر إليه؛ لتفريطه. نعم له زجره؛ لتحريم نظره مطلقاً.

(ويجوز دفع الدابّة الصائلة عن نفسه ، فلو تلفت بالدفع) حيث يتوقّف عليه (فلا ضمان) ولو لم تندفع إلّابالقتل جاز قتلها ابتداءً ، ولا ضمان.

(ولو أدّب الصبيّ) بل مطلق الولد الصغير (وليُّه أو الزوجةَ زوجُها فماتا ضمن ديتهما في ماله على قول) جزم به في الدروس (٤) لاشتراط التأديب بالسلامة.

__________________

(١) في غير (ع) : إلى.

(٢) في (ق) و (س) : تكون.

(٣) في (ع) : التدريج.

(٤) الدروس ٢ : ٦١.

٣٩٣

ويحتمل عدم الضمان؛ للإذن فيه فلا يتعقّبه ضمان حيث لا تفريط كتأديب الحاكم ، وكذا معلّم الصبْية.

(ولو عضّ على يد غيره فانتزعها فندرت أسنانه) بالنون أي سقطت (فهَدْر) لتعدّيه (وله) أي للمعضوض (التخلّص) منه (باللكم والجرح ، ثمّ السكّين والخنجر) ونحوها (متدرّجاً) في دفعه (إلى الأيسر فالأيسر) فإن انتقل إلى الصعب مع إمكان ما دونه ضمن. ولو لم يندفع إلّابالقتل فعل ولا ضمان.

٣٩٤

كتاب القصاص

٣٩٥
٣٩٦

(كتاب القصاص)

بالكسر ، وهو اسم لاستيفاء مثل الجناية : من قتل أو قطع أو ضرب أو جرح. وأصله اقتفاء الأثر ، يقال : قصَّ أثرَه إذا تبعه ، فكأنّ المقتصّ يتبع أثر الجاني فيفعل مثل فعله.

(وفيه فصول) :

(الأوّل)

(في قصاص النفس)

(وموجبه : إزهاق النفس) أي إخراجها. قال الجوهري : زهقت نفسه زهوقاً : أي خرجت (١) وهو هنا مجاز في إخراجها عن التعلّق بالبدن؛ إذ ليست داخلة فيه حقيقة كما حقّق في محلّه (٢) (المعصومة) التي لا يجوز إتلافها (٣)

__________________

(١) الصحاح ٤ : ١٤٩٣ ، (زهق).

(٢) راجع شرحي الإشارات ، النمط السابع ٢ : ٥٦ ـ ٥٧.

(٣) في (ع) و (ف) : إتلافه.

٣٩٧

مأخوذ من العَصْم وهو المنع (المكافئة) لنفس المزهق لها في الإسلام والحرّيّة ، وغيرهما من الاعتبارات الآتية (عمداً) قيد في الإزهاق أي إزهاقها في حالة العمد ، وسيأتي تفسيره (عدواناً) احترز به عن نحو المقتول قصاصاً ، فإنّه يصدق عليه التعريف. لكن لا عدوان فيه ، فخرج به. ويمكن إخراجه بقيد (المعصومة) فإنّ غير المعصوم أعمّ من كونه بالأصل كالحربي ، والعارض كالقاتل على وجهٍ يوجب القصاص.

ولكنّه أراد ب‍ (المعصومة) : ما لا يباح إزهاقها للكلّ ، وبالقيد الأخير إخراج ما يباح قتله بالنسبة إلى شخص دون آخر ، فإنّ القاتل معصوم بالنسبة إلى غير وليّ القصاص.

ويمكن أن يريد بالعدوان : إخراج فعل الصبيّ والمجنون ، فإنّ قتلهما للنفس المعصومة المكافئة لا يوجب عليهما القصاص؛ لأنّه لا يُعدّ عدواناً ، لعدم التكليف وإن استحقّا التأديب حسماً للجرأة ، فإنّ العدوان هنا بمعنى الظلم المحرَّم وهو منفيّ عنهما.

ومن لاحظ في العدوان المعنى السابق احتاج في إخراجهما إلى قيد آخر فقال : هو إزهاق البالغ العاقل النفس المعصومة ....

ويمكن إخراجهما بقيد العمد ، لما سيأتي من تفسيره بأ نّه قصد البالغ ... وهو أوفق بالعبارة.

(فلا قَوَد بقتل المرتدّ) ونحوه من الكفّار الذين لا عصمة لنفوسهم. والقود ـ بفتح الواو ـ : القصاص سُمّي قوداً؛ لأنّهم يقودون الجاني بحبل وغيره ، قاله الأزهري (١) (ولا بقتل غير المكافئ) كالعبد بالنسبة إلى الحرّ.

__________________

(١) تهذيب اللغة ٩ : ٢٤٧ ، وفيه : القود : الحبل الذي تقاد به الدابّة.

٣٩٨

وإزهاق نفس الدابّة المحترمة بغير إذن المالك وإن كان محرَّماً ، إلّاأ نّه يمكن إخراجه بالمعصومة حيث يراد بها : ما لا يجوز إتلافه مطلقاً ، ولو اُريد بها : ما لا يجوز إتلافه لشخص دون آخر ـ كما تقدّم ـ خرجت بالمكافئة.

وخرج بقيد (العمد) القتل خطأً وشبهه فإنّه لا قصاص فيهما.

(والعمد يحصل بقصد البالغ إلى القتل بما يقتل غالباً) وينبغي قيد (العاقل) أيضاً؛ لأنّ عمد المجنون خطأ كالصبيّ ، بل هو أولى بعدم القصد من الصبي المميّز. وبعض الأصحاب جعل العمد هو القصد إلى القتل ... (١) من غير اعتبار القيدين نظراً إلى إمكان قصدهما الفعل ، فاحتاج إلى تقييد ما يوجب القصاص بإزهاق البالغ العاقل ، كما مرّ.

(قيل : أو) يقتل (نادراً) (٢) إذا اتّفق به القتل ، نظراً إلى أنّ العمد يتحقّق بقصد القتل من غير نظر إلى الآلة ، فيدخل في عموم أدلّة العمد (٣) وهذا أقوى.

(وإذا لم يقصد القتل بالنادر) أي بما يقع القتل به نادراً (فلا قَوَد وإن اتّفق الموت كالضرب بالعود الخفيف أو العصا) الخفيفة في غير مقتل بغير قصد القتل؛ لانتفاء القصد إلى القتل وانتفاء القتل بذلك عادة ، فيكون القتل شبيه الخطأ.

__________________

(١) هو المحقّق في المختصر النافع : ٢٩٢.

(٢) قاله المحقّق في الشرائع ٤ : ١٩٥ ، والعلّامة في القواعد ٣ : ٥٨٢.

(٣) مثل الآية الشريفة (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزٰاؤُهُ جَهَنَّمُ) النساء : ٩٣ ، وما في الوسائل ١٩ : ٢٣ ـ ٢٨ ، الباب ١١ من أبواب القصاص في النفس.

٣٩٩

وللشيخ قول بأ نّه هنا عمدٌ (١) استناداً إلى روايات ضعيفة أو مرسلة (٢) لا تُعتَمد في الدماء المعصومة.

(أمّا لو كرّر ضربه بما لا يحتمله (٣) مثله بالنسبة إلى بدنه) لصغره أو مرضه (وزمانه) لشدّة الحرّ أو البرد (فهو عمد) لأنّه حينئذٍ يكون الضرب بحسب العوارض بما يقتل غالباً.

(وكذا لو ضربه دون ذلك) من غير أن يقصد قتله (فأعقبه مرضاً ومات) لأنّ الضرب مع المرض ممّا يحصل معه التلف ، والمرض مسبَّب عنه وإن كان لا يوجبه منفرداً.

ويشكل بتخلّف الأمرين معاً ، وهما : القصد إلى القتل وكون الفعل ممّا يَقتُل غالباً ، والسببيّة غير كافية في العمديّة ، كما إذا اتّفق الموت بالضرب بالعود الخفيف. ولو اعتبر هنا القصد لم يشترط أن يتعقّبه المرض.

(أو رماه بسهم أو بحجر غامز) أي كابس (٤) على البدن لثقله (أو خنقه بحبل ولم يُرخِ عنه حتّى مات ، أو بقي المخنوق ضَمِناً) بفتح الضاد وكسر الميم ، أي مزمناً (ومات) بذلك (أو طرحه في النار) فمات منها (إلّاأن يُعلم قدرته على الخروج) لقلّتها ، أو كونه في طرفها يمكنه الخروج بأدنى حركة

__________________

(١) المبسوط ٧ : ١٦.

(٢) راجع الوسائل ١٩ : ٢٤ ـ ٢٦ ، الباب ١١ من أبواب القصاص في النفس ، الحديث ٣ و ٦ و ٨. قال الشهيد الثاني : وفي الرواية الاُولى ضعف بعليّ بن حمزة ، وفي الثانية إرسال ، وفي الثالثة في طريقها محمّد بن عيسى عن يونس ، وهو ضعيف. المسالك ١٥ : ٦٨.

(٣) في (ق) : لا يحتمل ، وكذا في (ر) من الشرح.

(٤) كبس على الشيء : شدّ وضغط.

٤٠٠