🚘

الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة - ج ٤

زين الدين بن علي العاملي [ الشهيد الثاني ]

الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة - ج ٤

المؤلف:

زين الدين بن علي العاملي [ الشهيد الثاني ]


الموضوع : الفقه
الناشر: مجمع الفكر الاسلامي
المطبعة: الظهور
ISBN: 964-5662-48-6
🚘 نسخة غير مصححة

وألحق المصنّف (١) وغيره (٢) الشرب من القناة المملوكة والدالية والدولاب والوضوء والغسل ، عملاً بشاهد الحال. وهو حسن إلّاأن يغلب على الظنّ الكراهة.

(الثانية عشرة) :

(إذا انقلب الخمر خَلّاً حَلّ)لزوال المعنى المحرّم وللنصّ (٣) (سواء كان) انقلابه (بعلاج أو من قبل نفسه) وسواء كانت عين المعالج به باقية فيه أم لا؛ لإطلاق النصّ (٤) والفتوى (٥) بجواز علاجه بغيره. وبطهره يطهر ما فيه من الأعيان وآلته.

لكن يكره علاجه بغيره (٦) للنهي عنه في رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام (٧) ولا أعلم لأصحابنا خلافاً في ذلك (٨) في الجملة وإن اختلفوا في بعض أفراده (٩) ولولا ذلك أمكن استفادة عدم طهارته بالعلاج من بعض النصوص (١)

__________________

(١) الدروس ٣ : ٦٥.

(٢) مثل العلّامة في القواعد ٢ : ٢٧٦.

(٣) راجع الوسائل ١٧ : ٢٩٦ ، الباب ٣١ من أبواب الأشربة المحرّمة.

(٤) المصدر السابق : الأحاديث ٢ و ٤ و ١١.

(٥) كما في الشرائع ٣ : ٢٢٨ ، والقواعد ٣ : ٣٣١.

(٦) أي لا من قِبَل نفسه.

(٧) الوسائل ١٧ : ٢٩٧ ، الباب ٣١ من أبواب الأشربة المحرّمة ، الحديث ٧.

(٨) أي في الطهارة بالعلاج.

(٩) لم نعثر عليه ولعلّ في الدروس ٣ : ١٨ ما يرتبط بذلك.

((١٠) مثل رواية أبي بصير المتقدّمة.

١٤١

كما يقوله بعض العامّة (١).

وإنّما تطهر النجاسة الخمريّة ، فلو كان نجساً بغيرها ولو بعلاجه بنجس كمباشرة الكافر له لم يطهر بالخَلّيّة ، وكذا لو اُلقي في الخلّ خمر حتّى استهلكه الخلّ ، أو بالعكس على الأشهر.

(الثالثة عشرة) :

(لا يحرم شرب الربوبات وإن شُمّ منها ريح المسكر كربّ التُفّاح) ورُبّ السفرجل والاُتُرج والسكنجبين (وشبهه؛ لعدم إسكاره) قليله وكثيره (وأصالة حلّه) وقد روى الشيخ وغيره عن جعفر بن أحمد المكفوف قال : «كتبت إليه ـ يعني أبا الحسن الأوّل عليه السلام ـ أسأله عن السكنجبين والجلّاب ورُبّ التوت ورُبّ التُفّاح ورُبّ الرُمّان؟ فكتب : حلال» (٢).

(الرابعة عشرة) :

(يجوز عند الاضطرار تناول المحرَّم) من الميتة والخمر وغيرهما (عند خوف التلف) بدون التناول (أو) حدوث (المرض) أو زيادته (أو الضعف المؤدّي إلى التخلّف عن الرفقة مع ظهور أمارة العطب) على تقدير التخلّف.

ومقتضى هذا الإطلاق عدم الفرق بين الخمر وغيره من المحرَّمات في جواز تناولها عند الاضطرار. وهو في غير الخمر موضع وفاق ، أمّا فيها فقد قيل

__________________

(١) وهو المنسوب في المجموع ٢ : ٥٩٤ إلى الأكثر.

(٢) الوسائل ١٧ : ٢٩٣ ، الباب ٢٩ من أبواب الأشربة المحرّمة ، الحديث الأوّل.

١٤٢

بالمنع مطلقاً (١) وبالجواز مع عدم قيام غيرها مقامها (٢).

وظاهر العبارة ومصرَّح الدروس (٣) جواز استعمالها للضرورة مطلقاً حتّى للدواء كالترياق ، والاكتحال؛ لعموم الآية (٤) الدالّة على جواز تناول المضطرّ إليه.

والأخبار كثيرة في المنع من استعمالها مطلقاً (٥) حتّى الاكتحال ، وفي بعضها : «إنّ اللّٰه تعالى لم يجعل في شيء ممّا حرّم دواء ولا شفاء) (٦) و «إنّ من اكتحل بميل من مسكر كحّله اللّٰه بميل من نار) (٧) والمصنّف حملها على الاختيار (٨) والعلّامة على طلب الصحّة لا طلب السلامة من التلف (٩) وعلى ما سيأتي من وجوب الاقتصار على حفظ الرمق هما متساويان. ولو قام غيرها مقامها وإن كان محرّماً قُدّم عليها؛ لإطلاق النهي الكثير عنها في الأخبار (١٠).

(ولا يُرخَّص الباغي ، وهو الخارج على الإمام العادل ، وقيل : الذي يبغي

__________________

قاله الشيخ في المبسوط ٦ : ٢٨٨ ، والخلاف ٦ : ٩٧ ، المسألة ٢٧.

(٢) قاله المحقّق في الشرائع ٣ : ٢٣١.

(٣) الدروس ٣ : ٢٥.

(٤) وهي الآية ١٧٣ من سورة البقرة ، والآية ٣ من المائدة ، والآية ١١٩ من الأنعام.

(٥) راجع الوسائل ١٧ : ٢٧٤ ـ ٢٧٩ ، الباب ٢٠ و ٢١ من أبواب الأشربة المحرّمة.

(٦) المصدر السابق : الباب ٢٠ من أبواب الأشربة المحرّمة ، الحديث ١ و ٧.

(٧) المصدر السابق : الباب ٢١ ، الحديث ٢.

(٨) الدروس ٣ : ٢٥.

(٩) المختلف ٨ : ٣٤٢.

(١٠) راجع الوسائل ١٧ : ٢٧٣ ـ ٢٧٩ ، الأبواب ١٩ ـ ٢١ من أبواب الأشربة المحرّمة ، و ٣٠٠ ـ ٣٠١ ، الباب ٣٤ ، وغيرها من الأبواب.

١٤٣

الميتة (١)) أي يرغب في أكلها. والأوّل أظهر؛ لأنّه معناه شرعاً (ولا العادي وهو قاطع الطريق ، وقيل : الذي يعدو شبَعَه (٢)) أي يتجاوزه. والأوّل هو الأشهر والمرويّ ، لكن بطريق ضعيف مرسل (٣).

ويمكن ترجيحه على الثاني (٤) بأنّ تخصيص آية الاضطرار على خلاف الأصل ، فيُقتصر فيه على موضع اليقين ، وقاطع الطريق عادٍ في المعصية في الجملة ، فيختصّ به.

ونقل الطبرسي أنّه باغي اللذّة وعادي سدّ الجوعة ، أو عادٍ بالمعصية ، أو باغٍ في الإفراط وعادٍ في التقصير (٥).

(وإنّما يجوز) مِن تناول المحرَّم (ما يحفظ الرَمَق) وهو بقيّة الروح ، والمراد وجوب الاقتصار على حفظ النفس من التلف ، ولا يجوز التجاوز إلى الشَبَع مع الغنى عنه. ولو احتاج إليه للمشي أو العَدْو أو إلى التزوّد منه لوقت آخر جاز ، وهو حينئذٍ من جملة ما يسدّ الرمق.

وعلى هذا فيختصّ خوف المرض السابق (٦) بما يؤدّي إلى التلف ولو ظنّاً ،

__________________

(١) قاله الشهيد في الدروس ٣ : ٢٥ ، والفاضل المقداد في كنز العرفان ٢ : ٣٢٣.

(٢) قاله الشهيد في الدروس ٣ : ٢٥ ، والفخر في الإيضاح ٤ : ١٦٣ ، والفاضل المقداد في كنز العرفان ٢ : ٣٢٣.

(٣) ضعيف بسهل بن زياد ، مرسل برواية أحمد بن محمّد بن أبي نصر عمّن ذكره ، راجع فهارس المسالك ١٦ : ٢٩٠ ، والوسائل ١٦ : ٣٨٩ ، الباب ٥٦ من أبواب الأطعمة المحرّمة ، الحديث ٥.

(٤) لم يرد في المخطوطات.

(٥) مجمع البيان ١ : ٢٥٧ ، ذيل الآية ١٧٣ من سورة البقرة.

(٦) يعني ما أفاده الماتن سابقاً بقوله : عند خوف التلف أو المرض.

١٤٤

لا مطلق المرض ، أو يخصّ هذا بتناوله للغذاء الضروري ، لا للمرض. وهو أولى.

(ولو وجد ميتة وطعامَ الغير ، فطعام الغير أولى إن بذله) مالكه (بغير عوض أو بعوض هو) أي المضطرّ (قادر عليه) في الحال أو في وقت طلبه ، سواء كان بقدر ثمن مثله أم أزيد على ما يقتضيه الإطلاق ، وهو أحد القولين (١).

وقيل : لا يجب بذل الزائد عن ثمن مثله (٢) وإن اشتراه به كراهةً للفتنة ، ولأ نّه كالمكرَه على الشراء بل له قتاله لو امتنع من بذله ، ولو قُتل اُهدر دمه ، وكذا لو تعذّر عليه الثمن.

والأقوى وجوب دفع الزائد مع القدرة؛ لأنّه غير مضطرّ حينئذٍ والناس مسلَّطون على أموالهم (وإلّا) يكن كذلك بأن لم يبذله مالكه أصلاً ، أو بذله بعوض يعجز عنه (أكل الميتة) إن وجدها.

وهل هو على سبيل الحتم أو التخيير بينه وبين أكل طعام الغير على تقدير قدرته على قهره عليه؟ ظاهر العبارة الأوّل.

وقيل بالثاني (٣) لاشتراكهما حينئذٍ في التحريم. وفي الدروس إنّه مع قدرته على قهر الغير على طعامه بالثمن أو بدونه مع تعذّره لا يجوز له أكل الميتة ، بل يأكل الطعام ويضمنه لمالكه ، فإن تعذّر عليه قهره أكل الميتة (٤) وهو حسن؛ لأنّ تحريم مال الغير عرضيّ ، بخلاف الميتة وقد زال بالاضطرار

__________________

(١) قاله المحقّق في الشرائع ٣ : ٢٣٠ ، والعلّامة في القواعد ٣ : ٣٣٥ ، والتحرير ٤ : ٦٤٦ ، الرقم ٦٢٦٧ و ٦٢٦٩.

(٢) قاله الشيخ في المبسوط ٦ : ٢٨٦.

(٣) لم نعثر عليه.

(٤) الدروس ٣ : ٢٥.

١٤٥

فيكون أولى من الميتة.

وقيل : إنّه حينئذٍ لا يضمن الطعام (١) للإذن في تناوله شرعاً بغير عوض.

والأوّل أقوى جمعاً بين الحقّين ، وحينئذٍ فاللازم مثله أو قيمته ، وإن كان يجب بذل أزيد لو سمح به المالك (٢). والفرق أنّ ذلك (٣) كان على وجه المعاوضة الاختياريّة ، وهذا (٤) على وجه إتلاف مال الغير بغير إذنه ، وموجبه شرعاً هو المثل أو القيمة.

وحيث تباح له الميتة فميتة المأكول أولى من غيره ، ومذبوح ما يقع عليه الذكاة أولى منهما ، ومذبوح الكافر والناصب أولى من الجميع.

(الخامسة عشرة) :

(يستحبّ غسل اليدين (٥))معاً وإن كان الأكل بإحداهما (قبل الطعام وبعده) فعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال : (أوّله ينفي الفقر وآخره ينفي الهمّ) (٦) وقال عليّ عليه السلام : «غسل اليدين قبل الطعام وبعده زيادة في العمر ، وإماطة للغَمَر عن الثياب ، ويجلو في البصر» (٧) وقال الصادق عليه السلام : «من غسل يده قبل الطعام وبعده عاش في سعة ، وعُوفي من بلوى جسده» (٨) (ومسحُهما بالمنديل)

__________________

(١) قاله الشيخ في الخلاف ٦ : ١٥ ، المسألة ٢٤.

(٢) ولم يمتنع من بيعه. (منه رحمه الله).

(٣) يعني ما لو سمح به المالك.

(٤) ما لو تناوله قهراً.

(٥) في (ق) : غسل الأيدي ... ومسحها.

(٦) الوسائل ١٦ : ٤٧١ ، الباب ٤٩ من أبواب المائدة ، الحديث ٤.

(٧) و (٨) نفس المصدر ، الحديث ٦ و ٥.

١٤٦

ونحوه (في الغَسل الثاني) وهو ما بعد الطعام (دون الأوّل) فإنّه لا تزال البركة في الطعام ما دامت النداوة في اليد (١).

(والتسمية عند الشروع) في الأكل ، فعن النبيّ صلى الله عليه وآله أنّه قال : «إذا وضعت المائدة حفّها أربعة آلاف ملك ، فإذا قال العبد : بسم اللّٰه ، قالت الملائكة : بارك اللّٰه عليكم في طعامكم ، ثمّ يقولون للشيطان : اخرج يا فاسق لا سلطان لك عليهم ، فإذا فرغوا فقالوا : الحمد للّٰه ، قالت الملائكة : قوم أنعم اللّٰه عليهم فأدّوا شكر ربّهم. وإذا لم يسمّ (٢) قالت الملائكة للشيطان : ادْنُ يا فاسق فكل معهم. فإذا رفعت المائدة ولم يذكروا اللّٰه قالت الملائكة : قوم أنعم اللّٰه عليهم فنسوا ربّهم» (٣).

(و) لو تعدّدت ألوان المائدة سمّى (على كلّ لون) منها ، رُوي ذلك عن عليّ عليه السلام وواقعته مع ابن الكوّاء مشهورة (٤) ورُوي التسمية على كلّ إناء (٥) على المائدة وإن اتّحدت الألوان (ولو نسيها) أي التسمية في الابتداء (تداركها في الأثناء) عند ذكرها ، ورُوي أنّ الناسي يقول : بسم اللّٰه على (٦) أوّله وآخره (٧).

(ولو قال) في الابتداء مع تعدّد الألوان والأواني : (بسم اللّٰه على أوّله وآخره أجزأ) عن التسمية على كلّ لون وآنية. ورُوي إجزاء تسمية واحدٍ من

__________________

(١) كما يدلّ عليه ما في الوسائل ١٦ : ٤٧٦ ، الباب ٥٢ من أبواب المائدة.

(٢) كذا ، وفي الوسائل والتهذيب : لم يُسمّوا.

(٣) الوسائل ١٦ : ٤٨٢ ، الباب ٥٧ من أبواب المائدة ، الحديث الأوّل.

(٤) و (٥) المصدر السابق : ٤٩٠ ، الباب ٦١ من أبواب المائدة ، الحديث ٣ و ١.

(٦) لم يرد في المخطوطات.

(٧) الوسائل ١٦ : ٤٨٦ ، الباب ٥٨ من أبواب المائدة ، الحديث الأوّل.

١٤٧

الحاضرين على المائدة عن الباقين عن الصادق عليه السلام رخصةً (١).

(ويستحبّ الأكل باليمين اختياراً) ولا بأس باليسرى مع الاضطرار ، فعن الصادق عليه السلام : (لا تأكل باليسرى وأنت تستطيع) (٢) وفي رواية اُخرى : (لا يأكل بشماله ولا يشرب بها ولا يتناول بها شيئاً) (٣).

(وبدأة صاحب الطعام) بالأكل لو كان معه غيره (وأن يكون آخِرَ من يأكل) ليأنس القوم ويأكلوا ، رُوي ذلك من فعل النبيّ صلى الله عليه وآله معلّلاً بذلك (٤).

(ويبدأ) صاحب الطعام إذا أراد غسل أيديهم (في الغسل) الأوّل بنفسه ثمّ (بمن على يمينه) دوراً إلى الآخِر. وفي الغَسل الثاني بعد رفع الطعام يبدأ بمن على يساره ، ثمّ يغسل هو أخيراً ، رُوي ذلك عن الصادق عليه السلام معلّلاً ابتداءه أوّلاً (لئلّا يحتشمه أحد) وتأخيرَه آخراً ب‍ (أنّه أولى بالصبر على الغَمَر) (٥) وهو ـ بالتحريك ـ ما على اليد من سهك (٦) الطعام وزُهمته (٧) وفي روايةٍ : (أنّه يبدأ بعد الفراغ بمن على يمين الباب حرّاً كان أو عبداً) (٨).

(ويجمع غسالة الأيدي في إناء واحد) لأنّه يورث حسن أخلاق الغاسلين ، والمروي عن الصادق عليه السلام : «اغسلوا أيديكم في إناء واحد تحسن

__________________

(١) نفس المصدر ، الحديث ٢.

(٢) و (٣) الوسائل ١٦ : ٤٢٠ ، الباب ١٠ من أبواب المائدة ، الحديث ٣ و ١.

(٤) الوسائل ١٦ : ٤٦٠ ـ ٤٦١ ، الباب ٤١ من أبواب المائدة ، الحديث ١ و ٤.

(٥) الوسائل ١٦ : ٤٧٤ ، الباب ٥٠ من أبواب المائدة ، الحديث ١ ـ ٣.

(٦) السهك ـ بالتحريك ـ ريح كريهة من عرق أو قيح أو سمك.

(٧) الريح المنتنة من لحم مختلط بالشحم.

(٨) الوسائل ١٦ : ٤٧٤ ، الباب ٥٠ من أبواب المائدة ، الحديث الأوّل.

١٤٨

أخلاقكم» (١) ويمكن أن يدلّ على ما هو أعمّ من جمع الغسالة فيه.

(وأن يستلقي بعد الأكل) على ظهره (ويجعل رجلَه اليمنى على رجلِه اليسرى) رواه البزنطي عن الرضا عليه السلام (٢) ورواية العامّة بخلافه من الخلاف (٣).

(ويكره الأكل متّكئاً ولو على كفّه) لأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله لم يأكل متّكئاً منذ بعثه اللّٰه تعالى إلى أن قبضه ، رُوي ذلك عن الصادق عليه السلام (٤) (وروى) الفضيل بن يسار عن الصادق عليه السلام (عدم كراهة الاتّكاء على اليد) في حديث طويل آخره : (لا واللّٰه ما نهى رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله عن هذا قطّ) (٥) ـ يعني الاتّكاء على اليد حالةَ الأكل ـ وحُمل على أنّه لم ينه عنه لفظاً (٦) وإلّا فقد رُوي عنه عليه السلام أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله لم يفعله كما سلف. وحُمل فعل الصادق عليه السلام على بيان جوازه (٧).

وكذا يكره التربّع حالَتَه بل في جميع الأحوال ، قال أمير المؤمنين عليه السلام : «إذا جلس أحدكم على الطعام فليجلس جلسة العبد ، ولا يضعنّ أحدكم إحدى رجليه على الاُخرى ويتربّع ، فإنّها جلسة يبغضها اللّٰه ويمقت صاحبها) (٨).

__________________

(١) الوسائل ١٦ : ٤٧٥ ، الباب ٥١ من أبواب المائدة ، الحديث الأوّل.

(٢) المصدر السابق : ٥٠٠ ، الباب ٧٤ من أبواب المائدة ، الحديث ١ و ٣.

(٣) لم نعثر عليه.

(٤) الوسائل ١٦ : ٤١٢ ، الباب ٦ من أبواب المائدة ، الحديث الأوّل.

(٥) المصدر السابق : ٤١٥ ، الباب ٧ من أبواب المائدة ، الحديث الأوّل.

(٦) حمله الشهيد في الدروس ٣ : ٢٦.

(٧) حمله الشهيد في الدروس ٣ : ٢٦.

(٨) الوسائل ١٦ : ٤١٩ ، الباب ٩ من أبواب المائدة ، الحديث ٢.

١٤٩

(و) كذا يكره (التملّي من المأكل) قال الصادق عليه السلام : (إنّ البطن ليطغى من أكلة ، وأقرب ما يكون العبد من اللّٰه تعالى إذا خفّ بطنه ، وأبغض ما يكون العبد من (١) اللّٰه إذا امتلأ بطنه) (٢) (وربما كان الإفراط) في التملّي (حراماً) إذا أدّى إلى الضرر ، فإنّ الأكل على الشَبَع يورث البرص ، وامتلاءُ المعدة رأس الداء (والأكل على الشبع وباليسار) اختياراً (مكروهان) وقد تقدّم. والجمع بين كراهة الامتلاء والشَبَع تأكيد للنهي عن كلٍّ منهما بخصوصه في الأخبار (٣) أو يكون الامتلاء أقوى ، ومن ثَمّ أردفه بالتحريم على وجه ، دون الشَبَع. ويمكن أن يكون بينهما عموم وخصوص من وجه بتحقّق الشبع خاصّة بانصراف نفسه وشهوته عن الأكل وإن لم يمتلئ بطنه من الطعام ، والامتلاء دونه بأن يمتلئ بطنه ويبقى له شهوة إليه ، ويجتمعان فيما إذا امتلأ وانصرفت شهوته عن الطعام حينئذٍ.

هذا إذا كان الآكل صحيحاً ، أمّا المريض ونحوه ، فيمكن انصراف شهوته عن الطعام ولا يصدق عليه أنّه حينئذٍ شبعان ، كما لا يخفى. ويؤيّد ما ذكرناه من الفرق ما يروى (٤) من قوله صلى الله عليه وآله وسلم عن معاوية : (لا أشبع اللّٰه له بطناً) (٥) مع أنّ

__________________

(١) في (ع) و (ف) : إلى.

(٢) الوسائل ١٦ : ٤٠٥ ، الباب الأوّل من أبواب المائدة ، الحديث الأوّل.

(٣) اُنظر الوسائل ١٦ : ٤٠٥ ـ ٤٠٨ ، الباب الأوّل من أبواب المائدة ، الحديث ١ و ٨ و ١٣ ، والباب ٢ ، و ٢١١ ، الباب ٤ ، الحديث ٢.

(٤) في (ش) و (ر) : ما روي.

(٥) جامع الاُصول ٩ : ١٠٨ ، الرقم ٦٦٥٨.

١٥٠

امتلاءه ممكن. وما رُوي عنه أنّه كان (١) يأكل بعد ذلك ما يأكل ثمّ يقول : ما شبعت ولكن عييت (٢).

(ويحرم الأكل على مائدة يُشرب عليها شيء من المسكرات) خمراً وغيره (أو الفقّاع) لقول النبيّ صلى الله عليه وآله : (ملعون من جلس على مائدة يُشرَب عليها الخمر) (٣) وفي خبر آخر (طائعاً) (٤) وباقي المسكرات بحكمه ، وفي بعض الأخبار تسميتها خمراً (٥) وكذا الفقّاع (٦) (وباقي المحرّمات) حتّى غيبة مؤمن على المائدة ونحوها (يمكن إلحاقها بها) كما ذهب إليه العلّامة (٧) لمشاركتها لها في معصية اللّٰه تعالى ، ولما في القيام عنها من النهي عن المنكر ، فإنّه يقتضي الإعراض عن فاعله ، وهو ضرب من النهي الواجب. وحرّم ابن إدريس الأكل من طعام يُعصى اللّٰه به أو عليه (٨) ولا ريب أنّه أحوط.

وأمّا النهي بالقيام فإنّما يتمّ مع تجويزه التأثير به واجتماع باقي الشروط (٩). ووجوبه حينئذٍ من هذه الحيثيّة حسن ، إلّاأنّ إثبات الحكم مطلقاً مشكل؛ إذ لا يتمّ وجوب الإنكار مطلقاً فلا يحرم الأكل مطلقاً. وإلحاق غير المنصوص به قياس.

__________________

(١) لم يرد «كان» في (ع).

(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٤ : ٥٥.

(٣) و (٤) الوسائل ١٦ : ٤٠١ ، الباب ٦٢ من أبواب الأطعمة المحرّمة ، الحديث ١ و ٢.

(٥) الوسائل ١٧ : ٢٦٠ ، الباب ١٥ من أبواب الأشربة المحرّمة ، الحديث ٦.

(٦) راجع الوسائل ١٧ : ٢٨٧ ـ ٢٩٢ ، الباب ٢٧ و ٢٨ من أبواب الأشربة المحرّمة.

(٧) القواعد ٣ : ٣٣٧.

(٨) السرائر ٣ : ١٣٦.

(٩) راجع الجزء الثاني : ٣٥.

١٥١

ولا فرق بين وضع المحرَّم أو فعله على المائدة في ابتدائها واستدامتها ، فمتى عرض المحرَّم في الأثناء وجب القيام حينئذٍ كما أنّه لو كان ابتداءً حَرُم الجلوس عليها وابتداء الأكل منها.

والأقوى : أنّ كلّ واحد من الأكل منها والجلوس عليها محرَّم برأسه وإن انفكّ عن الآخر.

١٥٢

كتاب الميراث

١٥٣
١٥٤

(كتاب الميراث)

وهو مِفْعال من الإرث وياؤه منقلبة عن الواو (١) أو من الموروث (٢).

وهو على الأوّل «استحقاق إنسان بموت آخر بنسب أو سبب شيئاً بالأصالة».

وعلى الثاني «ما يستحقّه إنسان ...» إلى آخره ، بحذف «الشيء» (٣).

وهو أعمّ من «الفرائض» مطلقاً إن اُريد بها : المفروض بالتفصيل. وإن اُريد بها ما يعمّ الإجمال كإرث اُولي الأرحام ، فهو بمعناه (٤) ومن ثَمَّ كان التعبير بالميراث أولى.

__________________

(١) في سوى (ع) : واو ، بدون اللام.

(٢) كذا ، ولا يخفى ما في العبارة ، والأولى أن يقال : هو مفعال بمعنى الإرث أو بمعنى الموروث؛ لأنّ مبدأ الاشتقاق ـ على ما اشتهر بين أهل الفنّ ـ إمّا المصدر أو اسم المصدر ، ولم يُعهد منهم القول بالاشتقاق من اسم المفعول.

(٣) يعني بحذف «شيئاً» المذكور في التعريف الأوّل.

(٤) يعني بمعنى الميراث.

١٥٥
١٥٦

(وفيه فصول) :

(الأوّل)

البحث في (الموجبات) للإرث (والموانع) منه.

(يوجب الإرث) أي يثبته شيئان : (النسب والسبب ، فالنسب) هو الاتّصال بالولادة بانتهاء أحدهما إلى الآخر ، كالأب والابن ، أو بانتهائهما إلى ثالثٍ مع صدق اسم النسب عرفاً ، على الوجه الشرعي (١).

وهو ثلاث مراتب ، لا يرث أحدٌ من المرتبة التالية مع وجود واحدٍ من المرتبة السابقة خالٍ من الموانع.

فالاُولى : (الآباء) دون آبائهم (والأولاد) وإن نزلوا.

(ثمّ) الثانية : (الإخوة) والمراد بهم : ما يشمل الأخوات للأبوين أو أحدهما (والأجداد) والمراد بهم : ما يشمل الجدّات (فصاعداً ، وأولاد الإخوة) والأخوات (فنازلاً) ذكوراً وإناثاً.

وأفردهم عن (الإخوة) لعدم إطلاق اسم الإخوة عليهم ، فلا يدخلون ولو قيل : (وإن نزلوا) ونحوه. بخلاف الأجداد والأولاد.

(ثمّ) الثالثة : (الأعمام والأخوال) للأبوين أو أحدهما وإن علوا

__________________

(١) هذا القيد لإخراج المنتسب بالزنا.

١٥٧

كأعمام الأب والاُمّ وأعمام الأجداد ، وأولادهم فنازلاً ذكوراً وإناثاً.

(والسبب)هو الاتّصال بالزوجيّة ، أو الولاء. وجملته (أربعة : الزوجيّة) من الجانبين مع دوام العقد ، أو شرط الإرث على الخلاف (١) (و) ولاء (الإعتاق و) ولاء (ضمان الجريرة و) ولاء (الإمامة).

والزوجيّة من هذه الأسباب تجامع جميع الوُرّاث ، والإعتاق لا يجامع النسب ، ويقدّم على ضمان الجريرة المقدَّم على ولاء الإمامة. فهذه اُصول موجبات الإرث.

وأمّا الموانع :فكثيرة قد سبق بعضها ويذكر بعضها في تضاعيف الكتاب ، وغيره (٢) وقد جمعها (٣) المصنّف في الدروس إلى (٤) عشرين (٥) وذكر هنا ستّة :

__________________

(١) مسألة الاشتراط نفياً وإثباتاً ترتبط بعقد المنقطع وفيها أقوال : قول بالميراث ، ولو اشترط نفي الميراث فلا يؤثّر ، ذهب إليه القاضي في المهذّب ٢ : ٢٤٠ و ٢٤٣. وثانيها عكسه وهو أنّه لا توارث فيه من الجانبين ، سواء شَرطا في العقد التوارث أو عدمه أو لم يشترطا شيئاً ، ذهب إليه أبو الصلاح في الكافي : ٢٩٨ والحلّي في السرائر ٢ : ٦٢٤. وثالثها إثبات الإرث مع الشرط وإلّا فلا ، ذهب إليه الشيخ في النهاية : ٤٩٢ ، وابن حمزة في الوسيلة : ٣٠٩. ورابعها اقتضاء العقد التوارث ما لم يشترط سقوطه ، ذهب إليه العماني كما نقل عنه العلّامة في المختلف ٧ : ٢٢٦.

(٢) كما في كتاب اللعان والديات.

(٣) في نسخة بدل (ع) : جعلها.

(٤) لم يرد في المخطوطات.

(٥) الدروس ٢ : ٣٤٢ ـ ٣٦٤.

١٥٨

أحدها : الكفر (ويمنع الإرثَ) للمسلم (الكفرُ) بجميع أصنافه ، وإن انتحل معه الإسلام (فلا يرث الكافر) حربيّاً كان أم ذمّياً أم (١) خارجيّاً (٢) أم ناصبيّاً أم غالياً (المسلمَ) وإن لم يكن مؤمناً.

(والمسلمُ يرث الكافرَ) ويمنع ورثتَه الكُفّارَ وإن قربوا وبَعُد. وكذا يرث المبتدعُ من المسلمين لأهل الحقّ ولمثله ، ويرثونه على الأشهر. وقيل : يرثه المحقُّ دون العكس (٣).

(ولو لم يُخلّف المسلمُ قريباً مسلماً كان ميراثُه للمعتِق ، ثمّ ضامِن الجريرة ، ثمّ الإمام. ولا يرثه الكافرُ بحالٍ) بخلاف الكافر ، فإنّ الكفّار يرثونه مع فقد الوارثِ المسلِم ، وإن بعد كضامن الجريرة ويُقدَّمون على الإمام.

(وإذا أسلم الكافرُ على ميراثٍ قبلَ قسمته) بين الورثة حيث يكونون متعدّدين (شارَك) في الإرث بحسب حاله (إن كان مساوياً) لهم في المرتبة كما لو كان الكافر ابناً والورثةُ إخوته (والفرد) بالإرث (إن كان أولى) منهم كما لو كانوا إخوة. مسلماً كان الموروث (٤) أم كافراً ، ونماء التركة كالأصل.

(ولو) أسلم بعد القسمة أو (كان الوارث واحداً فلا مشاركة) ولو كان الوارثُ الإمامَ حيث يكون الموروث (٥) مسلماً ، ففي تنزيله منزلة الوارث

__________________

(١) لم يرد «أم» في (ش) و (ر).

(٢) في (ر) زيادة : كان.

(٣) المقنعة : ٧٠١.

(٤) في (ر) : المورّث.

(٥) في (ر) : المورّث.

١٥٩

الواحد (١) أو اعتبار نقل التركة إلى بيت المال (٢) أو توريث المسلم مطلقاً (٣) أقوال.

ووجه الأوّل واضح ، دون الثاني ، والأخير مرويّ (٤).

ولو كان الوارثُ أحدَ الزوجين ، فالأقوى : أنّ الزوج كالوارث المتّحد والزوجة كالمتعدّد؛ لمشاركة الإمام لها دونه وإن كان غائباً.

ولو كان الإسلام بعد قسمة البعض ، ففي مشاركته في الجميع أو في الباقي أو المنع منهما ، أوجُهٌ أوسطها (٥) الوسط.

(والمرتدّ عن فطرة) وهو الذي انعقد وأحدُ أبويه مسلم لا تقبل توبته ظاهراً وإن قُبلت باطناً على الأقوى و (تقسَّم تركته) بين ورثته بعد قضاء ديونه منها إن كان عليه دين (وإن لم يُقتل) بأن فات السلطان أو لم تكن يد المستوفي مبسوطة (ويرثه المسلمون لا غير) لتنزيله منزلة المسلم في كثير من الأحكام كقضاء عبادته الفائتة زمن الردّة.

(و) المرتدّ (عن غير فطرة) وهو الذي انعقد ولم يكن أحد أبويه مسلماً لا يُقتل معجَّلاً ، بل (يستتاب) عن الذنب الذي ارتدّ بسببه (فإن تاب ،

__________________

(١) ذهب إليه الشيخ في النهاية : ٦٦٢ ، وابن إدريس في السرائر ٣ : ٢٦٧ ، كما نسبه إليهما في التنقيح الرائع ٤ : ١٣٣ ، وكشف الرموز ٢ : ٤١٩.

(٢) ذهب إليه الشيخ في المبسوط ٤ : ٧٩ ، وابن حمزة في الوسيلة : ٣٩٤ ، والعلّامة في الإرشاد ٢ : ١٢٧.

(٣) ذهب إليه المحقّق في الشرائع ٤ : ١٢ ، وفخر المحقّقين في الإيضاح ٤ : ١٧٥.

(٤) الوسائل ١٧ : ٣٨٠ ، الباب ٣ من أبواب موانع الإرث ، الحديث الأوّل.

(٥) أي أعدلها ، فإنّ الأوسط يطلق على الأعدل ، كما قال اللّٰه تعالى : (قٰالَ أَوْسَطُهُمْ ...) القلم : ٢٨ وهو ترجيح للوسط على وجه لطيف. (منه رحمه الله).

١٦٠