🚘

الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة - ج ٣

زين الدين بن علي العاملي [ الشهيد الثاني ]

الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة - ج ٣

المؤلف:

زين الدين بن علي العاملي [ الشهيد الثاني ]


الموضوع : الفقه
الناشر: مجمع الفكر الاسلامي
المطبعة: شريعت
الطبعة: ٢
ISBN: 964-5662-47-8
ISBN الدورة:
964-5662-44-3

الصفحات: ٥٩٠
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤
🚘 نسخة غير مصححة

صبيّاً مميّزاً بغير إذن وليّه ، وفي غير المميّز والمجنون وجهان : من وقوع العمل المبذول عليه ، ومن عدم القصد.

(ولو عيّن الجعالة لواحد وردّ غيره فهو متبرّع) بالعمل (لا شيء له) للتبرّع ، ولا للمعيّن؛ لعدم الفعل (ولو شارك المعيَّن فإن قصد التبرّع عليه فالجميع للمعيّن) لوقوع الفعل بأجمعه له (وإلّا) يقصد التبرّع عليه بأن أطلق أو قصد العمل لنفسه أو التبرّع على المالك (فالنصف) للمعيّن خاصّة؛ لحصوله بفعلين : أحدهما مجعول له والآخر متبرَّع ، فيستحقّ النصف بناءً على قسمة العوض على الرؤوس.

والأقوى بسطه على عملهما ، فيستحقّ المعيّن بنسبة عمله ، قصر عن النصف أم زاد ، وهو خيرة المصنّف في الدروس (١) ومثله ما لو عمل معه المالك (ولا شيء للمتبرّع).

(وتجوز الجعالة من الأجنبيّ) فيلزمه المال ، دون المالك إن لم يأمره به ، ولو جعله من مال المالك بغير إذنه فهو فضوليّ.

(ويجب عليه) أي على الجاعل مطلقاً (الجُعل مع العمل المشروط) حيث يتعيّن ، وإلّا فما ذُكر بدله.

(وهي جائزة من طرف العامل مطلقاً) قبل التلبّس بالعمل وبعده ، فله الرجوع متى شاء ، ولا يستحقّ شيئاً لما حصل منه من العمل قبل تمامه مطلقاً.

(وأمّا الجاعل فجائزة) من طرفه (قبل التلبّس) بالعمل (وأمّا بعده فجائزة بالنسبة إلى ما بقي من العمل) فإذا فسخ فيه انتفى عنه بنسبته من العوض (أمّا الماضي فعليه اُجرته) وهذا في الحقيقة لا يخرج عن كونها جائزة من قبله

__________________

(١) الدروس ٣ : ٩٩.

٨١

مطلقاً ، فإنّ المراد بالعقد الجائز أو الإيقاع ما يصحّ فسخه لمن جاز من طرفه. وثبوت العوض لا ينافي جوازَه ، كما أنّها بعد تمام العمل يلزمها جميع العوض مع أنّها من العقود الجائزة. وكذا الوكالة بجعل بعد تمام العمل ، واستحقاق الجعل لا يخرجها عن كونها عقداً جائزاً ، فينبغي أن يقال : إنّها جائزة مطلقاً ، لكن إذا كان الفسخ من المالك ثبت للعامل بنسبة ما سبق من العمل إلى المسمّى على الأقوى. وقيل : اُجرة مثله (١).

وربما اُشكل ذلك فيما لو كانت على ردّ ضالّة مثلاً ثمّ فسخ وقد صارت بيده ، فإنّه لا يكاد يتحقّق للفسخ معنى حينئذٍ؛ إذ لا يجوز له تركها ، بل يجب تسليمها إلى المالك أو من يقوم مقامه ، فلا يتحقّق فائدة للفسخ حينئذٍ.

ويمكن دفعه بأنّ فائدة البطلان عدم سلامة جميع العوض له على هذا التقدير ، بل يستحقّ لما سبق بنسبته ويبقى له فيما بعد ذلك اُجرة المثل على ما يعمله إلى أن يتسلّمه المالك وهو حفظه عنده ونحوه؛ إذ لا يجب عليه حينئذٍ ردّه إلى المالك ، بل تمكينه منه إن كان قد علم بوصوله إلى يده ، وإن لم يعلم وجب إعلامه.

(ولو) رجع المالك فيها قبل العمل ، أو في أثنائه و (لم يعلم العامل رجوعَه) حتّى أكمل العمل (فله كمال الاُجرة) ولو علم في الأثناء فله بنسبة ما سلف قبل العلم. وينبغي أن يراد بالعلم ما يثبت به ذلك شرعاً ليشمل السماع من المالك ، والشياع المفيد للعلم ، وخبر العدلين ، لا الواحد وإن حُكم به في عزل الوكالة بنصّ خاصّ (٢).

__________________

(١) قاله العلّامة في التذكرة (الحجريّة) ٢ : ٢٨٨.

(٢) اُنظر الوسائل ١٣ : ٢٨٦ ، الباب ٢ من كتاب الوكالة ، الحديث الأوّل.

٨٢

(ولو أوقع) المالك (صيغتين) للجعالة مختلفتين في مقدار العوض أو في بعض أوصافها (عمل بالأخيرة إذا سمعهما العامل) لأنّ الجعالة جائزة ، فالثانية رجوع عن الاُولى ، سواء زادت أم نقصت (وإلّا) يسمعهما (فالمعتبر ما سمع) من الاُولى والأخيرة. ولو سمع الثانية بعد الشروع في العمل ، فله من الاُولى بنسبة ما عمل إلى الجميع (١) ومن الثانية بنسبة الباقي.

(وإنّما يستحقّ الجُعل على الردّ بتسليم المردود) إلى مالكه مع الإطلاق أو التصريح بالجعل على إيصاله إلى يده (فلو جاء به إلى باب منزل المالك فهرب فلا شيء للعامل) لعدم إتمامه العمل الذي هو شرط الاستحقاق. ومثله ما لو مات قبل وصوله إلى يده وإن كان بداره. مع احتمال الاستحقاق هنا؛ لأنّ المانع من قبل اللّٰه تعالى ، لا من قبل العامل. ولو كان الجعل على إيصاله إلى البلد أو إلى منزل المالك استحقّ الجميع بالامتثال.

(ولا يستحقّ الاُجرة إلّاببذل الجاعل) أي استدعائه الردّ ، سواء كان مع بذل عوض أم لا (فلو ردّ بغيره كان متبرّعاً) لا عوض له مطلقاً ، وكذا لو ردّ من لم يسمع الجعالة على قصد التبرّع ، أو بقصد يغاير ما بذله المالك جنساً أو وصفاً.

__________________

(١) هكذا ذكره جماعة من الأصحاب منهم المصنّف في الدروس [٣ : ١٠٠] في مطلق فسخ المالك في الأثناء ، وكذا العلّامة في أكثر كتبه [القواعد ٢ : ٢١٦ ، والمختلف ٦ : ١١٤ ، والتذكرة (الحجريّة) ٢ : ٢٨٨] مع حكمه بأنّ فسخ المالك في الأثناء يوجب الرجوع إلى اُجرة المثل ، وهذا لا يخلو من تناقض. نعم حكم في التذكرة [(الحجريّة) ٢ : ٢٨٨] بالرجوع إلى اُجرة المثل في الموضعين؛ لأنّ الجعالة الثانية بمنزلة فسخ الاُولى وهو متّجه. وإن كان القول باستحقاقه بالنسبة من المسمّى أوجه؛ لقدومهما على ذلك ، خصوصاً لو كانت اُجرة المثل أزيد من المسمّى قيمةً. نعم ، لو قيل بثبوت أقلّ الأمرين من اُجرة المثل ونسبة المسمّى كان وجهاً. (منه رحمه الله).

٨٣

ولو ردّ بنيّة العوض مطلقاً (١) وكان ممّن يدخل في عموم الصيغة أو إطلاقها ، ففي استحقاقه قولان (٢) منشؤهما : فعلُه متعلَّقَ الجعل مطابقاً لصدوره من المالك على وجهٍ يشمله ، وأ نّه عمل محترم لم يقصد به فاعله التبرّع وقد وقع بإذن الجاعل ، فقد وُجِد المقتضي ، والمانع ليس إلّاعدم علمه بصدور الجعل ، ومثله يشكّ في مانعيّته؛ لعدم الدليل عليه ، فيعمل المقتضي عمَلَه. ومن أنّه بالنسبة إلى اعتقاده متبرّع؛ إذ لا عبرة بقصده من دون جَعل المالك ، وعدمُ سماعه في قوّة عدمه عنده.

وفصّل ثالث ففرّق بين من ردّ كذلك عالماً بأنّ العمل بدون الجعل تبرّع وإن قصد العامل العوض ، وبين غيره؛ لأنّ الأوّل متبرّع محضاً ، بخلاف الثاني (٣).

واستقرب المصنّف الأوّل ، والتفصيل متّجه.

مسائل

(كلّما لم يُعيَّن جُعل) إمّا لتركه أصلاً ، بأن استدعى الردّ وأطلق ، أو لذكره مبهماً كما سلف (فاُجرة المثل) لمن عمل مقتضاه سامعاً للصيغة غير متبرّع بالعمل ، إلّاأن يصرّح بالاستدعاء مجّاناً فلا شيء.

وقيل : لا اُجرة مع إطلاق الاستدعاء (٤) والأوّل أجود. نعم لو كان العمل ممّا

__________________

(١) مماثل ما بذله المالك أو مغايره (هامش ر).

(٢) القول بالاستحقاق للعلّامة في التذكرة (الحجريّة) ٢ : ٢٨٦ ، وللفخر في الإيضاح ٢ : ١٦٢ ، والشهيد في الدروس ٣ : ٩٨. والقول بالعدم للعلّامة في التحرير ٤ : ٤٤١.

(٣) جامع المقاصد ٦ : ١٩٠.

(٤) قاله المحقّق في الشرائع ٣ : ١٦٤ ، والعلّامة في التحرير ٤ : ٤٤٣.

٨٤

لا اُجرة له عادةً لقلّته فلا شيء للعامل ، كمن أمر غيره بعمل من غير أن يذكر اُجرة.

(إلّافي ردّ الآبق من المصر) الذي فيه مالكه إليه (فدينار ، و) في ردّه (من غيره) سواء كان من مصر آخر أم لا (أربعة دنانير) في المشهور. ومستنده ضعيف (١).

ولو قيل بثبوت اُجرة المثل فيه كغيره كان حسناً. والمراد بالدينار على القول به : الشرعي ، وهو المثقال الذي كانت قيمته عشرة دراهم.

(والبعير كذا) أي كالآبق في الحكم المذكور ، ولا نصّ عليه بخصوصه ، وإنّما ذكره الشيخان (٢) وتبعهما عليه جماعة (٣) ويظهر من المفيد أنّ به رواية؛ لأنّه قال : «بذلك ثبتت السنّة» وفي إلحاقه على تقدير ثبوت الحكم في الآبق إشكال. ويقوى الإشكال لو قصرت قيمتهما عن الدينار والأربعة. وينبغي حينئذٍ أن يثبت على المالك أقلّ الأمرين من قيمته والمقدّر شرعاً. ومبنى الرواية على الغالب من زيادة قيمته عن ذلك كثيراً.

(ولو بذل جُعلاً) لمن ردّه واحداً كان أم أكثر (فردّه جماعة استحقّوه

__________________

(١) والمستند : رواية مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام قال : إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله جعل في جعل الآبق ديناراً إذا وجد في مصره ، وإن وجد في غير مصره فأربعة دنانير [التهذيب ٦ : ٣٩٨ ، الحديث ١٢٠٣ مع اختلاف في العبارة] وعمل بها أكثر الأصحاب مع ضعف عظيم في طريق الخبر بجماعة : منهم محمّد بن الحسن بن شمون وهو ضعيف جدّاً غالٍ وضّاع. ومنهم عبد اللّٰه بن عبد الرحمن الأصمّ وحاله كذلك وزيادة. ومنهم سهل بن زياد وحاله مشهور. (منه رحمه الله).

(٢) المقنعة : ٦٤٨ ـ ٦٤٩ ، والنهاية : ٣٢٣.

(٣) مثل القاضي في المهذّب ٢ : ٥٧٠ ، وابن حمزة في الوسيلة : ٢٧٧ ، وابن إدريس في السرائر ٢ : ١٠٩ ، والكيدري في إصباح الشيعة : ٣٢٩.

٨٥

بينهم بالسويّة) ولو كان العمل غير الردّ من الأعمال التي يمكن وقوعها أجمع من كلّ واحد منهم كدخول داره مع الغرض الصحيح فلكلٍّ ما عيّن.

(ولو جعل لكلّ من الثلاثة) جُعلاً (مغايراً) للآخرينَ ، كأن جعل لأحدهما ديناراً وللآخر دينارين وللثالث ثلاثة (فردّوه ، فلكلٍّ ثلثُ ما جعل له) ولو ردّه أحدهم فله ما عيّن له أجمع ، ولو ردّه اثنان منهم فلكلٍّ منهما نصف ما عيّن له (ولو لم يسمّ لبعضهم) جعلاً مخصوصاً (فله ثلث اُجرة المثل) ولكلّ واحد من الآخرين ثلث ما عيّن له. ولو ردّه من لم يُسمّ له وأحدَهما فله نصف اُجرة مثله ، وللآخر نصف ما سمّى له ، وهكذا ... (ولو كانوا أزيد) من ثلاثة (فبالنسبة) أي لو ردّوه أجمع فلكلّ واحدٍ بنسبة عمله إلى المجموع من اُجرة المثل أو المسمّى.

(ولو اختلفا في أصل الجعالة) بأن ادّعى العامل الجعل وأنكره المالك وادّعى التبرّع (حلف المالك) لأصالة عدم الجعل (وكذا) يحلف المالك لو اختلفا (في تعيين الآبق) مع اتّفاقهما على الجعالة ، بأن قال المالك : إنّ المردود ليس هو المجعول وادّعاه العامل؛ لأصالة براءة ذمّته من المال الذي يدّعي العامل استحقاقَه.

(ولو اختلفا في السعي ، بأن قال المالك : حصل في يدك قبل الجعل) ـ بفتح الجيم ـ وقال الرادّ : بل بعده (حلف) المالك أيضاً (للأصل) وهو براءة ذمّته من حقّ الجعالة ، أو عدم تقدّم الجَعل على حصوله في يده ، وإن كان الأصل أيضاً عدم تقدّم وصوله إلى يده على الجَعل ، إلّاأ نّه بتعارض الأصلين لا يثبت في ذمّة المالك شيء. ومثله ما لو قال المالك : حصل في يدك قبل علمك بالجَعل ، أو من غير سعي وإن كان بعد صدوره.

(وفي قدر الجُعل كذلك) يحلف المالك؛ لأصالة براءته من الزائد ، ولأنّ

٨٦

العامل مدّعٍ للزائد والمالك منكر (فيثبت للعامل) بيمين المالك (أقلّ الأمرين من اُجرة المثل وممّا ادّعاه) لأنّ الأقلّ إن كان الاُجرة فقد انتفى ما يدّعيه العامل بيمين المالك ، وإن كان ما يدّعيه العامل فلاعترافه بعدم استحقاق الزائد (١) وبراءة ذمّة المالك منه ، والحال أنّهما معترفان بأنّ عمله بجعل في الجملة وأ نّه عمل محترم ، فتثبت له الاُجرة إن لم ينتفِ بعضها بإنكاره (إلّاأن يزيد ما ادّعاه المالك) عن اُجرة المثل فتثبت الزيادة؛ لاعترافه باستحقاق العامل إيّاها والعامل لا ينكرها.

(وقال) الشيخ نجيب الدين (ابن نما رحمه الله (٢) : إذا حلف المالك) على نفي ما ادّعاه العامل (ثبت ما ادّعاه) هو؛ لأصالة عدم الزائد واتّفاقِهما على العقد المشخّص بالعوض المعيَّن وانحصاره في دعواهما ، فإذا حلف المالك على نفي ما ادّعاه العامل ثبت مدّعاه ، لقضيّة الحصر (وهو قويّ كمال الإجارة) إذا اختلفا في قدره.

وقيل : يتحالفان (٣) لأنّ كلّاً منهما مدّعٍ ومدّعى عليه ، فلا ترجيح لأحدهما ، فيحلف كلّ منهما على نفي ما يدّعيه الآخر ويثبت الأقلّ كما مرّ.

والتحقيق : أنّ اختلافهما في القدر إن كان مجرّداً عن التسمية ، بأن قال العامل : إنّي أستحقّ مئة من جهة الجعل الفلاني ، فأنكر المالك وادّعى أنّه خمسون فالقول قول المالك؛ لأنّه منكر محض والأصل براءته من الزائد ، كما يقدّم قوله لو أنكر أصل الجَعل. ولا يتوجّه اليمين هنا من طرف العامل أصلاً.

__________________

(١) في (ر) : بعدم استحقاقه للزائد.

(٢) وهو محمّد بن جعفر بن أبي البقاء هبة اللّٰه بن نما شيخ المحقّق الحلّي ، ولا يوجد لدينا كتابه.

(٣) قاله العلّامة في القواعد ٢ : ٢١٨.

٨٧

وإن قال : جعلت لي مئة ، فقال : بل خمسين ، ففيه الوجهان الماضيان في الإجارة (١).

والأقوى تقديم قول المالك أيضاً؛ لاتّفاقهما على صدور الفعل بعوض واختلافهما في مقداره خاصّة ، فليس كلّ منهما مدّعياً لما ينفيه الآخر.

وإن كان اختلافهما في جنس المجعول مع اختلافه بالقيمة ، فادّعى المالك جعل شيء معيّن يساوي خمسين ، وادّعى العامل جعل غيره ممّا يساوي مئتين ، فالتحالف هنا متعيّن؛ لأنّ كلّاً منهما يدّعي ما ينكره الآخر ، إلّاأنّ ذلك نشأ من اختلاف الجُعل جنساً أو وصفاً ، لا من اختلافه قدراً ، وإذا فرض اختلاف الجنس فالقول بالتحالف [أولى] (٢) وإن تساويا قيمة. وإنّما ذكرنا اختلاف الجنس في هذا القسم؛ لأنّ جماعة ـ كالمحقّق والعلّامة (٣) ـ شرّكوا بينه وبين الاختلاف قدراً في الحكم. وليس بواضح.

ويبقى في القول بالتحالف مطلقاً إشكال آخر ، وهو فيما إذا تساوت الاُجرة وما يدّعيه المالك ، أو زاد ما يدّعيه عنها ، فإنّه لا وجه لتحليف العامل بعد حلف المالك على نفي الزائد الذي يدّعيه العامل؛ لثبوت ما حكم به من مدّعى المالك زائداً عن الاُجرة أو مساوياً باعترافه ، فتكليف العامل باليمين حينئذٍ لا وجه له؛ لاعتراف المالك به ، وإنّما يتوجّه لو زادت اُجرة المثل عمّا يدّعيه المالك ، فيتوقّف إثبات الزائد من الاُجرة عمّا يدّعيه على يمين المدّعي ، وهو العامل.

__________________

(١) راجع الصفحة ٣٠ ـ ٣١.

(٢) من مصحّحة (ر).

(٣) اُنظر الشرائع ٣ : ١٦٦ ، والقواعد ٢ : ٢١٨ ، والتحرير ٤ : ٤٤٤.

٨٨

كتاب الوصايا

٨٩
٩٠

(كتاب الوصايا)

(وفيه فصول) :

(الأوّل)

(الوصيّة)

ماخوذه من وصى يصي ، أو أوصى يوصي ، أو وصّى يوصّي. وأصلها الوصل ، وسمّي هذا التصرّف وصيّة لما فيه من وُصلة التصرّف في حال الحياة به بعد الوفاة ، أو وُصلة القربة في تلك الحال بها في الحالة الاُخرى.

وشرعاً : (تمليك عين أو منفعة أو تسليط على تصرّف بعد الوفاة) فالتمليك بمنزلة الجنس يشمل سائر التصرّفات المملّكة من البيع والوقف والهبة. وفي ذكر العين والمنفعة تنبيه على متعلّقي الوصيّة. ويندرج في «العين» الموجود منها بالفعل كالشجرة ، والقوّة كالثمرة المتجدّدة. وفي «المنفعة» المؤبّدة والمؤقّتة والمطلقة. ويدخل في «التسليط على التصرّف» الوصاية إلى الغير بإنفاذ الوصيّة ، والولاية على من للموصي عليه ولاية. ويخرج ب‍ «بعديّة الموت» الهبةُ وغيرها من التصرّفات المنجَّزة في الحياة المتعلّقة بإحداهما والوكالةُ؛ لأنّها تسليط على التصرّف في الحياة.

٩١

وينتقض في عكسه بالوصيّة بالعتق فإنّه فكّ ملك ، والتدبير فإنّه وصيّة به عند الأكثر (١) والوصيّة بإبراء المديون ، وبوقف المسجد فإنّه فكّ ملك أيضاً ، وبالوصيّة بالمضاربة والمساقاة ، فإنّهما وإن أفادا ملك العامل الحصّة من الربح والثمرة على تقدير ظهورهما ، إلّاأنّ حقيقتهما ليست كذلك ، وقد لا يحصل ربح ولا ثمرة ، فينتفي التمليك.

(وإيجابها : أوصيت) لفلان بكذا (أو افعلوا كذا بعد وفاتي) هذا القيد يحتاج إليه في الصيغة الثانية خاصّة؛ لأنّها أعمّ ممّا بعد الوفاة. أمّا الاُولى فمقتضاها كون ذلك بعد الوفاة (أو لفلان بعد وفاتي) كذا ، ونحو ذلك من الألفاظ الدالّة على المعنى المطلوب.

(والقبول : الرضا) بما دلّ عليه الإيجاب ، سواء وقع باللفظ أم بالفعل الدالّ عليه كالأخذ والتصرّف. وإنّما يفتقر إليه في من يمكن في حقّه كالمحصور ، لا غيره كالفقراء والفقهاء وبني هاشم والمسجد والقنطرة ، كما سيأتي (٢).

واستفيد من افتقارها إلى الإيجاب والقبول أنّها من جملة العقود ، ومن جواز رجوع الموصي ما دام حيّاً والموصى له كذلك ما لم يقبل بعد الوفاة ـ كما سيأتي ـ أنّها من العقود الجائزة. وقد تلحق باللازمة على بعض الوجوه (٣) كما يعلم ذلك من القيود.

ولمّا كان الغالب عليها حكم الجواز لم يشترط فيها القبول اللفظي ، ولا مقارنته للإيجاب ، بل يجوز مطلقاً سواء (تأخّر) عن الإيجاب (أو قارن).

__________________

(١) منهم الشيخ في المبسوط ٢ : ٢١٣ ، والقاضي في المهذّب ٢ : ٥٩ ، والمحقّق في المختصر النافع : ٢٣٨.

(٢) يأتي في الصفحة ٩٧.

(٣) كالردّ بعد القبول بعد وفاة الموصي حيث لا يقبل ، وغير ذلك ممّا سيأتي.

٩٢

ويمكن أن يريد بتأخّره تأخّره عن الحياة ومقارنته للوفاة. والأوّل أوفق بمذهب المصنّف؛ لأنّه يرى جواز تقديم القبول على الوفاة (١) والثاني للمشهور (٢).

ومبنى القولين على أنّ الإيجاب في الوصيّة إنّما يتعلّق بما بعد الوفاة؛ لأنّها تمليك أو ما في حكمه بعدَ الموت ، فلو قبل قبلَه لم يطابق القبول الإيجاب ، وأنّ المتعلّق بالوفاة تمام الملك على تقدير القبول والقبض لا إحداث سببه ، فإنّ الإيجاب جزء السبب فجاز أن يكون القبول كذلك وبالموت يتمّ ، أو يجعل الموت شرطاً لحصول الملك بالعقد ، كالبيع على بعض الوجوه (٣) وهذا أقوى. وتعلّق الإيجاب بالتمليك بعد الموت لا ينافي قبوله قبلَه؛ لأنّه قبوله بعدَه أيضاً.

وإنّما يصحّ القبول على التقديرين (ما لم يردّ) الوصيّة قبلَه (فإن ردّ) حينئذٍ لم يؤثّر القبول؛ لبطلان الإيجاب بردّه. نعم لو ردّ (في حياة الموصي جاز القبول بعد وفاته) إذ لا اعتبار بردّه السابق ، حيث إنّ الملك لا يمكن تحقّقه حال الحياة ، والمتأخّر لم يقع بعدُ.

وهذا بمذهب من يعتبر تأخّر القبول عن الحياة أوفق. أمّا على تقدير جواز تقدّمه (٤) في حال الحياة فينبغي تأثير الردّ حالتها أيضاً؛ لفوات أحد ركني العقد حال اعتباره. بل يمكن القول بعدم جواز القبول بعد الردّ مطلقاً (٥) لإبطاله الإيجاب

__________________

(١) الدروس ٢ : ٣٢٦.

(٢) ذهب إليه ابن زهرة في الغنية : ٣٠٦ ، والعلّامة في المختلف ٦ : ٣٣٨ ، والقواعد ٢ : ٤٤٤ ، والمحقّق الكركي في جامع المقاصد ١٠ : ١١.

(٣) فإنّه لا يثمر الملك إلّابعد انقضاء مدّة الخيار على رأي الشيخ ، راجع الخلاف ٣ : ٢٢ ، المسألة ٢٩.

(٤) في سوى (ع) : تقديمه.

(٥) ولو في حياة الموصي.

٩٣

السابق ، ولم يحصل بعد ذلك ما يقتضيها ، كما لو ردّ المتّهب الهبة.

ولو فرّق بأنّ المانع هنا (١) انتفاء المقارنة بين القبول والإيجاب. قلنا : مثله في ردّ الوكيل الوكالة ، فإنّه ليس له التصرّف بعد ذلك بالإذن السابق وإن جاز تراخي القبول. وفي الدروس نسب الحكم بجواز القبول حينئذٍ بعد الوفاة إلى المشهور (٢) مؤذناً بتمريضه ، ولعلّ المشهور مبنيّاً (٣) على الحكم (٤) المشهور السابق (٥).

(وإن ردّ بعدَ الوفاة قبلَ القبول بطلت وإن قبض) اتّفاقاً؛ إذ لا أثر للقبض من دون القبول (وإن ردّ بعد القبول لم تبطل وإن لم يقبض) على أجود القولين (٦) لحصول الملك بالقبول فلا يُبطله الردّ ، كردّ غيره من العقود المملّكة بعد تحقّقه ، فإنّ زوال الملك بعد ثبوته يتوقّف على وجود السبب الناقل ولم يتحقّق ، والأصل عدمه.

وقيل : يصحّ الردّ بناءً على أنّ القبض شرط في صحّة الملك كالهبة ، فتبطل بالردّ قبله (٧).

__________________

(١) أي في الهبة.

(٢) الدروس ٢ : ٢٩٦.

(٣) كذا في المخطوطات ، وفي (ر) : مبنيّ.

(٤) في (ع) و (ف) : حكم.

(٥) وهو عدم جواز تقديم القبول على الوفاة.

(٦) ذهب إليه المحقّق في الشرائع ٢ : ٢٤٣ ، والعلّامة في الإرشاد ١ : ٤٥٧ ، والتذكرة (الحجريّة) ٢ : ٤٥٤ ، والقواعد ٢ : ٤٤٤ ، والمحقّق الثاني في جامع المقاصد ١٠ : ١٣ ـ ١٤ ، والصيمري في غاية المرام ٢ : ٤١٦ ، وغيرهم.

(٧) قاله الشيخ في المبسوط ٤ : ٣٣ ، وابن حمزة في الوسيلة : ٣٧٧ ، ويحيى بن سعيد الحلّي في الجامع : ٤٩٩. وانظر للتفصيل مفتاح الكرامة ٩ : ٣٧٢.

٩٤

ويضعّف ببطلان القياس وثبوت حكمها بأمر خارج لا يقتضي المشاركة بمجرّده وأصالة عدم الزوال بذلك ، واستصحاب حكم الملك ثابت.

(وينتقل حقّ القبول إلى الوارث) لو مات الموصىٰ له قبلَه ، سواء مات في حياة الموصي أم بعدها على المشهور ، ومستنده رواية (١) تدلّ بإطلاقها عليه.

وقيل : تبطل الوصيّة بموته (٢) لظاهر صحيحة أبي بصير ومحمّد بن مسلم عن الصادق عليه السلام (٣).

وفصّل ثالث فأبطلها بموته في حياته ، لا بعدها (٤).

والأقوى البطلان مع تعلّق غرضه بالمورّث ، وإلّا فلا. وهو مختار المصنّف في الدروس (٥) ويمكن الجمع به بين الأخبار لو وجب (٦).

__________________

(١) متن الرواية أنّه عليه السلام سئل عن رجلٍ أوصى لرجلٍ فمات الموصىٰ له قبل الموصي ، قال : ليس بشيء. ومثلها موثّقة منصور بن حازم عنه عليه السلام [الوسائل ١٣ : ٤١٠ ، الباب ٣٠ من كتاب الوصايا ، الحديث ٤ و ٥]. (منه رحمه الله).

(٢) نسبه العلّامة إلى الإسكافي ونفى عنه البأس في المختلف ٦ : ٤٠٨ ، والتذكرة (الحجريّة) ٢ : ٤٥٣.

(٣) الوسائل ١٣ : ٤١٠ ، الباب ٣٠ من أبواب أحكام الوصايا ، الحديث ٤.

(٤) وهو المنقول في الدروس ٢ : ٢٩٧ ، والتنقيح الرائع ٢ : ٣٨٣ ، عن المحقّق. وانظر النهاية ونكتها ٣ : ١٦٥ ـ ١٦٧.

(٥) الدروس ٢ : ٢٩٧.

(٦) أشار بقوله : (لو وجب) إلى أنّ في طريق الرواية الاُولى [المتقدّمة في الهامش رقم ١ ، الحديث ٤] محمّد بن قيس ، وهو مشترك بين الثقة وغيره ، فلا عبرة بها وإن اشتهرت ، فلا تعارض الصحيح. وما قيل من احتمال الصحيحة لغير المطلوب من الصحّة فلا تعارض الاُولى ، مردودٌ بأنّ ظاهرها ذلك فلا تعارضها الاُولى تأمّل. (منه رحمه الله).

٩٥

ثمّ إن كان موته قبل موت الموصي لم تدخل العين في ملكه ، وإن كان بعدَه ففي دخولها وجهان مبنيّان على أنّ القبول هل هو كاشف عن سبق الملك من حين الموت ، أم ناقل له من حينه ، أم الملك يحصل للموصى له بالوفاة متزلزلاً ويستقرّ بالقبول؟ أوجه تأتي.

وتظهر الفائدة فيما لو كان الموصىٰ به ينعتق على الموصىٰ له الميّت لو ملكه.

(وتصحّ) الوصيّة (مطلقة) غير مقيّدة بزمان أو وصف (مثل ما تقدّم) من قوله : «أوصيت» أو «افعلوا كذا بعد وفاتي» أو «لفلان بعد وفاتي» (ومقيّدة ، مثل) افعلوا (بعد وفاتي في سنة كذا ، أو * في سفر كذا ، فيتخصّص) بما خصّصه من السَنَة أو السفر ونحوهما ، فلو مات في غيرها أو غيره بطلت الوصيّة؛ لاختصاصها بمحلّ القيد فلا وصيّة بدونه.

(وتكفي الإشارة) الدالّة على المراد قطعاً في إيجاب الوصيّة (مع تعذّر اللفظ) لخرس ، واعتقال لسانٍ بمرض ونحوه (وكذا) تكفي (الكتابة) كذلك (مع القرينة) الدالّة قطعاً على قصد الوصيّة بها ، لا مطلقاً؛ لأنّها أعمّ.

ولا تكفيان مع الاختيار وإن شوهد كاتباً أو علم خطّه أو عمل الورثة ببعضها ـ خلافاً للشيخ في الأخير (١) ـ أو قال : «إنّه بخطّي وأنا عالم به» أو «هذه وصيّتي فاشهدوا عليّ بها» ونحو ذلك ، بل لا بدّ من تلفّظه به أو قراءته عليه واعترافه بعد ذلك؛ لأنّ الشهادة مشروطة بالعلم وهو منفيّ هنا. خلافاً لابن الجنيد حيث اكتفى به مع حفظ الشاهد له عنده (٢).

__________________

(*) في (ع) ونسخة (ق) من المتن بدل (أو) : و.

(٢) النهاية : ٦٢١ ـ ٦٢٢.

(٣) اُنظر المختلف ٧ : ٥١٧.

٩٦

والأقوى الاكتفاء بقراءة الشاهد له مع نفسه مع اعتراف الموصي بمعرفته ما فيه وأ نّه موصى (١) به. وكذا القول في المقرّ.

(والوصيّة للجهة العامّة مثل الفقراء) والفقهاء وبني هاشم (والمساجد والمدارس لا تحتاج إلى القبول) لتعذّره إن اُريد من الجميع ، واستلزامه الترجيح من غير مرجّح إن اُريد من البعض. ولا يفتقر إلى قبول الحاكم أو منصوبه وإن أمكن كالوقف.

وربما قيل فيه بذلك (٢) ولكن لا قائل به هنا. ولعلّ مجال الوصيّة أوسع ، ومن ثَمّ لم يشترط فيها التنجيز ولا فوريّة القبول ولا صراحة الإيجاب ولا وقوعه بالعربيّة مع القدرة.

(والظاهر أنّ القبول كاشف عن سبق الملك) للموصى له (بالموت) لا ناقل له من حينه؛ إذ لولاه لزم بقاء الملك بعد الموت بغير مالك؛ إذ الميّت لا يملك؛ لخروجه به عن أهليّته كالجمادات وانتقال ماله عنه ، ولا الوارث ، لظاهر قوله تعالى : (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ) (٣) فلو لم ينتقل إلى الموصى له لزم خلوّه عن المالك؛ إذ لا يصلح لغير من ذكر.

ووجه الثاني أنّ القبول معتبر في حصول الملك ، فهو إمّا جزء السبب أو شرط ـ كقبول البيع ـ فيمتنع تقدّم الملك عليه. وكونها من جملة العقود يرشد إلى أنّ القبول جزء السبب الناقل للملك والآخر الإيجاب ، كما يستفاد من تعريفهم

__________________

(١) في (ر) : يوصى.

(٢) لم نعثر على القائل به بتّاً ، نعم في جامع المقاصد ٩ : ١٢ ـ بعد أن نسب الميل إلى الاشتراط إلى العلّامة في التذكرة ـ قال : ولا ريب أنّه أولى.

(٣) النساء : ١١.

٩٧

العقود بأ نّها «الألفاظ الدالّة على نقل الملك على الوجه المناسب له» (١) وهو العين في البيع والمنفعة في الإجارة ، ونحو ذلك ، فيكون الموت شرطاً في انتقال الملك ، كما أنّ الملك للعين والعلم بالعوضين شرط فيه. فإن اجتمعت الشرائط قبل تمام العقد بأن كان مالكاً للمبيع تحقّقت ثمرته به (٢) وإن تخلّف بعضها ، فقد يحصل منه بطلانه كالعلم بالعوض ، وقد تبقى موقوفة على ذلك الشرط ، فإذا حصل تحقّق تأثير السبب الناقل وهو العقد ، كإجازة المالك في عقد الفضولي ، والموت في الوصيّة. فالانتقال حصل بالعقد ، لكنّه موقوف على الشرط المذكور ، فإذا تأخّر قبول الوصيّة كان الملك موقوفاً عليه ، والشرط ـ وهو الموت ـ حاصل (٣) قبلَه ، فلا يتحقّق الملك قبلَ القبول.

ويشكل بأنّ هذا لو تمّ يقتضي أنّ قبول الوصيّة لو تقدّم على الموت حصل الملك به حصولاً متوقّفاً على الشرط وهو الموت ، فيكون الموت كاشفاً عن حصوله بعد القبول كإجازة المالك بعد العقد ، والقائل بالنقل لا يقول بحصول الملك قبل الموت مطلقاً (٤).

فتبيّن أنّ الموت شرط في انتقال الملك ، بل حقيقة الوصيّة التمليك بعده ، كما عُلم من تعريفها. فإن تقدّم القبول توقّف الملك على الموت ، وإن تأخّر عنه فمقتضى حكم العقد عدم تحقّقه بدون القبول ، فيكون تمام الملك موقوفاً على الإيجاب والقبول والموت. وبالجملة فالقول بالكشف متوجّه لولا مخالفة ما عُلم

__________________

(١) الوسيلة : ٢٣٨ ، والمختلف ٥ : ٥١ ، والشرائع ٢ : ١٣.

(٢) يعني تحصل ثمرة العقد ـ وهو النقل ـ بالقبول.

(٣) في (ف) و (ش) : حاصلاً.

(٤) سواء تقدّم القبول أو لا.

٩٨

من حكم العقد.

(ويشترط في الموصي الكمال) بالبلوغ والعقل ورفع الحجر. (وفي وصيّة من بلغ عشراً قول مشهور) بين الأصحاب مستند (١) إلى روايات متظافرة (٢) بعضها صحيح (٣) إلّاأ نّها مخالفة لاُصول المذهب وسبيل الاحتياط.

(أمّا المجنون والسكران ومن جرح نفسه بالمهلك فالوصيّة) من كلّ منهم (باطلة) أمّا الأوّلان فظاهر ، لانتفاء العقل ورفع القلم. وأمّا الأخير فمستنده صحيحة أبي ولّاد عن الصادق عليه السلام : «فإن كان أوصى بوصيّة بعدما أحدث في نفسه من جراحة أو قتل لعلّه يموت لم تجز وصيّته س (٤) ولدلالة هذا الفعل على سفهه؛ ولأ نّه في حكم الميّت فلا تجري عليه الأحكام الجارية على الحيّ ، ومن ثمَّ لا تقع عليه الذكاة لو كان قابلاً لها.

وقيل : تصحّ وصيّته مع ثبات عقله كغيره (٥) وهو حسن ، لولا معارضة النصّ المشهور (٦) وأمّا دلالة الفعل على سفهه فغير واضح. وأضعف منه كونه في حكم الميّت ، فإنّه غير مانع من التصرّف مع تيقّن رشده.

وموضع الخلاف ما إذا تعمّد الجَرح ، فلو وقع منه سهواً أو خطأً لم تمتنع (٧)

__________________

(١) في (ف) و (ر) : مستنداً.

(٢) اُنظر الوسائل ١٣ : ٤٢٨ ـ ٤٣٠ ، الباب ٤٤ من أبواب أحكام الوصايا ، الحديث ٢ ـ ٧.

(٣) مثل الرواية الثانية والثالثة من التخريج السابق. راجع المسالك ٦ : ١٤٠.

(٤) الوسائل ١٣ : ٤٤١ ، الباب ٥٢ من أبواب أحكام الوصايا.

(٥) قاله ابن إدريس في السرائر ٣ : ١٩٧.

(٦) الظاهر أنّ الرواية [رواية أبي ولّاد] صحيحة والمشهور العمل بها ولا وجه للعدول عنها. (منه رحمه الله).

(٧) في (ش) و (ر) : لم يُمنع.

٩٩

وصيّته إجماعاً.

(و) يشترط (في الموصى له الوجود) حالة الوصيّة (وصحّة التملّك ، فلو أوصى للحمل اعتبر) وجوده حالَ الوصيّة (بوضعه لدون ستّة أشهر منذ حين * الوصيّة) فيعلم بذلك كونه موجوداً حالتَها (أو بأقصى) مدّة (الحمل) فما دون (إذا لم يكن هناك زوج ولا مولى) فإن كان أحدهما لم تصحّ؛ لعدم العلم بوجوده عندها ، وأصالة عدمه؛ لإمكان تجدّده بعدها. وقيام الاحتمال مع عدمهما بإمكان الزنا والشبهة مندفع بأنّ الأصل عدم إقدام المسلم على الزنا كغيره من المحرّمات وندور الشبهة. ويشكل الأوّل (١) لو كانت كافرة حيث تصحّ الوصيّة لحملها.

وربما قيل على تقدير وجود الفراش باستحقاقه بين الغايتين (٢) عملاً بالعادة الغالبة من الوضع لأقصاهما (٣) أو ما قاربها.

وعلى كلّ تقدير فيشترط انفصاله حيّاً ، فلو وضعته ميّتاً بطلت. ولو مات بعد انفصاله حيّاً كانت لوارثه. وفي اعتبار قبوله هنا وجه قويّ؛ لإمكانه منه ، بخلاف الحمل. وقيل : يعتبر قبول وليّه (٤) ثمّ إن اتّحد فهي له ، وإن تعدّد قُسِّم الموصى به على العدد بالسوية ، وإن اختلفوا بالذكوريّة والاُنوثيّة.

__________________

(*) في (ع) و (ش) : من حين. وفي (ق) من المتن مثل ما أثبتناه ، ولم ترد كلمة (حين) في (س).

(١) يعني أصل عدم إقدام المسلم على الزنا.

(٢) لم نعثر على القائل به صريحاً ، نعم نسبه في التنقيح الرائع ٢ : ٣٦٩ ، إلى إطلاق المحقّق في المختصر والشرائع. اُنظر المختصر : ١٦٣ ، والشرائع ٢ : ٢٥٥.

(٣) في مصحّحة (ش) : لأقصاه.

(٤) قاله ابن إدريس في السرائر ٣ : ٢١٢.

١٠٠