🚘

الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة - ج ٣

زين الدين بن علي العاملي [ الشهيد الثاني ]

الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة - ج ٣

المؤلف:

زين الدين بن علي العاملي [ الشهيد الثاني ]


الموضوع : الفقه
الناشر: مجمع الفكر الاسلامي
المطبعة: شريعت
الطبعة: ٢
ISBN: 964-5662-47-8
ISBN الدورة:
964-5662-44-3

الصفحات: ٥٩٠
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤
🚘 نسخة غير مصححة

(مسائل عشرون)

[الاُولى] (١) :

(لو تزوّج الاُمّ وابنتها في عقد) واحد (بطلا) للنهي عن العقد الجامع بينهما (٢) واستحالةِ الترجيح؛ لاتّحاد نسبته إليهما (ولو جمع بين الاُختين فكذلك) لاشتراكهما في ذلك.

(وقيل) والقائل الشيخ (٣) وجماعة منهم العلّامة في المختلف (٤) : (يتخيّر) واحدة منهما؛ لمرسلة جميل بن درّاج عن أحدهما عليهما السلام : «في رجل تزوّج اُختين في عقد واحد ، قال : هو بالخيار أن يمسك أيّتهما شاء ، ويخلّي سبيل الاُخرى» (٥) وهي مع إرسالها غير صريحة في ذلك؛ لإمكان إمساك إحداهما بعقد جديد.

ومثله ما لو جمع بين خمس في عقد أو بين اثنتين وعنده ثلاث ، أو بالعكس ، ونحوه. ويجوز الجمع بين الاُختين في الملك ، وكذا بين الاُمّ وابنتها فيه ، وإنّما يحرم الجمع بينهما في النكاح وتوابعه من الاستمتاع.

(ولو وطئ إحدى الاُختين المملوكتين حرمت الاُخرى حتّى تخرج الاُولى

__________________

(١) لم يرد في المخطوطات.

(٢) الوسائل ١٤ : ٣٥٨ ، الباب ٢١ من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، الحديث ٥.

(٣) النهاية : ٤٥٤.

(٤) المختلف ٧ : ٤٩ ، واختاره القاضي في المهذّب ٢ : ١٨٤.

(٥) الوسائل ١٤ : ٣٦٨ ، الباب ٢٥ من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، الحديث ٢.

٢٠١

عن ملكه) ببيع أو هبة ، أو غيرهما.

وهل يكفي مطلق العقد الناقل للملك أم يشترط لزومه ، فلا يكفي البيع بخيار والهبة التي يجوز الرجوع فيها؟ وجهان : من إطلاق النصّ اشتراط خروج الاُولى عن ملكه (١) وهو حاصل بمطلقه ، ومن أنّها مع تسلّطه على فسخه بحكم المملوكة.

ويُضعّف بأنّ غاية التحريم إذا علّقت على مطلق الخروج لم يُشترط معها أمر آخر؛ لئلّا يلزم جعل ما جعله الشارع غاية ليس بغاية. وقدرته على ردّها إلى ملكه لا تصلح للمنع؛ لأنّه بعد الإخراج اللازم متمكّن منه دائماً على بعض الوجوه بالشراء والاتّهاب ، وغيرهما من العقود. فالاكتفاء بمطلق الناقل أجود.

وفي الاكتفاء بفعل ما يقتضي تحريمها عليه ـ كالتزويج والرهن والكتابة ـ وجهان ، منشؤهما : حصول الغرض وهو تحريم الوطء ، وانتفاء النقل الذي هو مورد النصّ (((٢)» وهو الأقوى.

ولا فرق في تحريم الثانية بين وطء الاُولى في القبل والدبر. وفي مقدّماته من اللمس والقُبلة والنظر بشهوة نظر من قيامها مقام الوطء كما سلف ، وعدم صدق الوطء بها.

(فلو وطئ الثانية فعل حراماً) مع علمه بالتحريم (ولم تحرم الاُولى) لأنّ الحرام لا يُحرّم الحلال ، والتحريم إنّما تعلّق بوطء الثانية فيستصحب ، ولأصالة الإباحة.

وعلى هذا فمتى أخرج إحداهما عن ملكه حلّت الاُخرى ، سواء أخرجها

__________________

(١) و (٢) الوسائل ١٤ : ٣٧١ ، الباب ٢٩ من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، الحديث ١ و ٢ وغيرهما.

٢٠٢

للعود إليها أم لا ، وإن لم يخرج إحداهما فالثانية محرّمة دون الاُولى.

وقيل : متى وطئ الثانية عالماً بالتحريم حرمت عليه الاُولى أيضاً إلى أن تموت الثانية أو يُخرجها عن ملكه لا لغرض العود إلى الاُولى ، فإن اتّفق إخراجها لا لذلك حلّت له الاُولى ، وإن أخرجها ليرجع إلى الاُولى فالتحريم باقٍ ، وإن وطئ الثانية جاهلاً بالتحريم لم تحرم عليه الاُولى (١).

ومستند هذا التفصيل روايات بعضها صريح فيه وخالية عن المعارض ، فالقول به متعيّن ، وبه ينتفي ما علّلوه في الأوّل (٢).

ولو ملك اُمّاً وبنتها ووطئ إحداهما حرمت الاُخرى مؤبّداً ، فإن وطئ المحرّمة عالماً حُدّ ولم تحرم الاُولى ، وإن كان جاهلاً قيل : حرمت الاُولى أيضاً مؤبّداً (٣).

ويشكل بأ نّه حينئذٍ لا يخرج عن وطء الشبهة أو الزنا وكلاهما لا يحرِّم لاحقاً كما مرّ (٤) وخروج الاُخت عن الحكم للنصّ (٥) وإلّا كان اللازم منه عدم تحريم الاُولى مطلقاً كما اختاره هنا.

__________________

(١) قيّد الشيخ [في النهاية : ٤٥٥] ومن تبعه [القاضي في المهذّب ٢ : ١٨٥ ، وابن حمزة في الوسيلة : ٢٩٤ ـ ٢٩٥] عدم تحريم الاُولى في صورة الجهالة بما إذا أخرج الثانية عن ملكه ، والأخبار [الوسائل ١٤ : ٣٧١ ـ ٣٧٤ ، الباب ٢٩ من أبواب ما يحرم بالمصاهرة] مطلقة في حلّها. فلهذا أطلقنا هنا الحكم بعدم تحريم الاُولى. (منه رحمه الله).

(٢) يعني في القول الأوّل في المسألة ، وهو قوله : لأنّ الحرام لا يحرّم الحلال ....

(٣) لم نعثر عليه في كتب أصحابنا ، ونسبه في التذكرة (الحجريّة) ٢ : ٦٣٧ إلى الشافعيّة.

(٤) مرّ في الصفحة ١٩٧.

(٥) المتقدّم تخريجه في الرقم ١.

٢٠٣

(الثانية) :

(لو زوّجها الأبوان) الأب والجدّ (برجلين واقترنا) وهو موضع وفاق (فلو فعل) بدون إذنها (وقف) العقد (على إجازتها) ولا يقع باطلاً؛ لعموم الأمر بالوفاء بالعقد (١) وليس المانع هنا إلّاعدم رضاها ، وهو مجبور بإيقافه على إجازتها ، كعقد الفضولي ، ولرواية سماعة عن الصادق عليه السلام (٢).

وقيل : يبطل (٣) لحسنة الحلبي «من تزوّج أمة على حرّة فنكاحه باطل» (٤) ونحوه روى حذيفة بن منصور عنه عليه السلام وزاد فيها «أنّه يُعزّر اثني عشر سوطاً ونصفاً ثمن حدّ الزاني وهو صاغر» (٥) وتأويل البطلان بأ نّه آئل إليه على تقدير اعتراض الحرّة خلاف ظاهره. ورواية سماعة قاصرة عن معارضته.

وعلى البطلان يُنزّل عقد الأمة منزلة المعدوم. وعلى إيقافه قيل : للحرّة فسخ عقدها أيضاً كالعمّة والخالة (٦) وهو ضعف في ضعف.

__________________

(١) المائدة : ١.

(٢) الوسائل ١٤ : ٣٩٤ ، الباب ٤٧ من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، الحديث ٣.

(٣) نسبه في المسالك ٧ : ٣٣١ إلى جماعة ، منهم العماني والإسكافي ، كما نقل عنهما العلّامة في المختلف ٧ : ٦٥ ، وذهب إليه ابن إدريس في السرائر ٢ : ٥٤٥ ، والمحقّق في الشرائع ٢ : ٢٩١ ، والمختصر النافع : ١٧٧ ، والآبي في كشف الرموز ٢ : ١٤١ ، والفخر في الإيضاح ٣ : ٩٠.

(٤) الوسائل ١٤ : ٣٩٢ ، الباب ٤٦ من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، الحديث الأوّل.

(٥) الوسائل ١٤ : ٢٩٤ ، الباب ٤٧ من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، الحديث ٢ مع تفاوت في بعض الألفاظ.

(٦) قاله المفيد في المقنعة : ٥٠٦ ـ ٥٠٧ ، والشيخ في النهاية : ٤٥٩ ، والقاضي في المهذّب ٢ : ١٨٨ ، وسلّار في المراسم : ١٥٢ ، وابن حمزة في الوسيلة : ٢٩٤.

٢٠٤

وجواز تزويج الأمة بإذن الحرّة (١) المستفاد من الاستثناء مختصّ بالعبد ، أو بمن يعجز عن وطء الحرّة دون الأمة ويخشى العنت (٢) أو مبنيّ على القول بجواز تزويج الأمة بدون الشرطين (٣) وإن كان الأقوى خلافه ، كما نبّه عليه بقوله :

(و) كذا (لا) يجوز للحرّ (أن يتزوّج الأمة مع قدرته على تزويج * الحرّة) بأن يجد الحرّة ويقدر على مهرها ونفقتها ويمكنه وطؤها ، وهو المعبَّر عنه بالطول (أو مع عجزه إذا لم يخش العَنَت) وهو لغةً : المشقّة الشديدة (٤) وشرعاً : الضرر الشديد بتركه بحيث يخاف الوقوع في الزنا؛ لغلبة الشهوة وضعف التقوى.

وينبغي أن يكون الضرر الشديد وحده كافياً وإن قويت التقوى؛ للحرج أو الضرر المنفيّين وأصالة عدم النقل.

وعلى اعتبار الشرطين ظاهر الآية (٥) وبمعناها رواية محمّد بن مسلم عن الباقر عليه السلام (٧) ودلالتهما بمفهوم الشرط ، وهو حجّة عند المحقّقين (٧).

__________________

(١) قيّده في التحرير [٣ : ٥٢٢] بالدوام ، فلا يحرم التمتّع بالأمة على الحرّة حملاً للآية [النساء : ٢٥] على الفرد الظاهر ، وإن كان عموم المنع متوجّهاً نظراً إلى عموم الآية. (منه رحمه الله).

(٢) لم يرد (ويخشى العنت) في (ع).

(٣) هما العَنَت وعدم الطول.

(*) في (ق) و (س) : زواج.

(٤) اُنظر تاج العروس ١ : ٥٦٥ ، ولسان العرب ٩ : ٤١٦.

(٥) النساء : ٢٥.

(٦) الوسائل ١٤ : ٣٩١ ، الباب ٤٥ من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، الحديث ٦.

(٧) مثل المحقّق والعلّامة وغيرهما ، اُنظر معارج الاُصول : ٦٨ ، ومبادئ الوصول : ٩٨ ، وتهذيب الوصول : ١٠٠ ، والشهيد في الذكرى ١ : ٥٣.

٢٠٥

(وقيل : يجوز) العقد على الأمة مع القدرة على الحرّة على كراهة (١) للأصل ، وعمومات الكتاب مثل (إِلاّٰ عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ (٢) وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ (٣) وَأُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ (٤) وَأَنْكِحُوا اَلْأَيٰامىٰ مِنْكُمْ وَاَلصّٰالِحِينَ مِنْ عِبٰادِكُمْ وَإِمٰائِكُمْ (٥) ولرواية ابن بكير المرسلة عن الصادق عليه السلام «لا ينبغي» (٦) وهو ظاهر في الكراهة.

ويضعَّف بأنّ الاشتراط المذكور مخصِّص لما ذكر من العمومات. والرواية مع إرسالها ضعيفة (٧) وضعف مطلق المفهوم ممنوع. وتنزيل الشرط على الأغلب خلاف الظاهر.

(وهو) أي القول بالجواز (مشهور) بين الأصحاب ، إلّاأنّ دليله غير ناهض عليه ، فلذا نسبه إلى الشهرة (فعلى) القول (الأوّل لا يباح) نكاح الأمة (إلّابعدم الطول) وهو لغةً الزيادة والفضل ، والمراد به هنا الزيادة في المال وسعته بحيث يتمكّن معها من نكاح الحرّة ، فيقوم بما لا بدّ منه من مهرها ونفقتها. ويكفي للنفقة وجوده بالقوّة ، كغلّة الملك وكسبِ ذي الحرفة.

(وخوف العَنَت) بالفتح ، وأصله انكسار العظم بعد الجبر ، فاستعير لكلّ

__________________

(١) قاله الشيخ في النهاية : ٤٦٠ ، والمحقّق في المختصر النافع : ١٧٧ ، ونسبه في الشرائع ٢ : ٢٩١ إلى الأشهر.

(٢) المؤمنون : ٦.

(٣) البقرة : ٢٢١.

(٤) النساء : ٢٤.

(٥) النور : ٣٢.

(٦) الوسائل ١٤ : ٣٩١ ـ ٣٩٢ ، الباب ٤٥ من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، الحديث ٥.

(٧) والظاهر أنّ ضعفها بابن فضّال وابن بكير ، فإنّهما فطحيّان. اُنظر المسالك ٩ : ٩ ـ ١٠.

٢٠٦

مشقّة وضرر ، ولا ضرر أعظم من مواقعة المأثم ، والصبر عنها مع الشرطين أفضل؛ لقوله تعالى : (وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ) (١) (وتكفي الأمة الواحدة) لاندفاع العنت بها. وهو أحد الشرطين في الجواز.

(وعلى الثاني) وهو الجواز مطلقاً (يباح اثنتان) لا أزيد كما سيأتي.

(الثالثة) :

(من تزوّج امرأة في عدّتها بائنة كانت أو رجعيّة) أو عدّة وفاة أو عدّة شبهة ولعلّه غلب عليهما اسم البائنة (عالماً بالعدّة والتحريم بطل العقد وحرمت) عليه (أبداً) ولا فرق بين العقد الدائم والمنقطع فيهما؛ لإطلاق النصوص (٢) الشامل لجميع ما ذكر (وإن جهل أحدهما) : العدّة أو التحريم (أو جهلهما حرمت إن دخل) بها قبلاً أو دبراً (وإلّا فلا) ولو اختصّ العلم بأحدهما دون الآخر اختصّ به حكمه ، وإن حرم على الآخر التزوّج (٣) به من حيث المساعدة على الإثم والعدوان.

ويمكن سلامته من ذلك بجهله التحريم ، أو بأن يخفى عليه عين الشخص المحرَّم مع علم الآخر ، ونحو ذلك. وفي الحكم بصحّة العقد على هذا التقدير نظر.

ويتعدّى التحريم على تقدير الدخول إلى أبيه وابنه ، كالموطوءة بشبهة مع الجهل والمزنيّ بها مع العلم.

وفي إلحاق مدّة الاستبراء بالعدّة فتحرم بوطئها فيها وجهان ، أجودهما

__________________

(١) النساء : ٢٥.

(٢) اُنظر الوسائل ١٤ : ٣٤٤ ، الباب ١٧ من أبواب ما يحرم بالمصاهرة.

(٣) في (ر) : التزويج.

٢٠٧

العدم؛ للأصل. وكذا الوجهان في العقد عليها مع الوفاة المجهولة ظاهراً قبل العدّة مع وقوعه بعد الوفاة في نفس الأمر ، أو الدخول (١) مع الجهل.

والأقوى عدم التحريم؛ لانتفاء المقتضي له ، وهو كونها معتدّة أو مزوّجة ، سواء كانت المدّة المتخلّلة بين الوفاة والعدّة بقدرها ، أم أزيد أم أنقص ، وسواء وقع العقد أو الدخول في المدّة الزائدة عنها أم لا؛ لأنّ العدّة إنّما تكون بعد العلم بالوفاة ، أو ما في معناه وإن طال الزمان.

وفي إلحاق ذات البعل بالمعتدّة وجهان : من أنّ علاقة الزوجيّة فيها أقوى ، وانتفاء النصّ.

والأقوى أنّه مع الجهل وعدم الدخول لا تحرم ، كما أنّه لو دخل بها عالماً حرمت؛ لأنّه زانٍ بذات البعل ، والإشكال فيها واهٍ ، وإنّما يقع الاشتباه مع الجهل والدخول أو العلم مع عدمه. ووجه الإشكال : من عدم النصّ عليه بخصوصه ، وكونِ الحكم بالتحريم هنا أولى للعلاقة. ولعلّه أقوى.

وحيث لا يحكم بالتحريم يجدّد العقد بعد العدّة إن شاء. ويلحق الولد مع الدخول والجهل بالجاهل منهما إن وُلد في وقت إمكانه منه. ولها مهر المثل مع جهلها بالتحريم ، وتعتدّ منه بعد إكمال الاُولى.

(الرابعة) :

(لا تحرم المزنيّ بها على الزاني ، إلّاأن تكون ذات بعل) دواماً ومتعة ، والمعتدّة رجعيّةً بحكمها ، دون البائن. والحكم موضع وفاق.

وفي إلحاق الموطوءة بالملك بذات البعل وجهان ، مأخذهما : مساواتها لها

__________________

(١) في (ع) زيادة : بها.

٢٠٨

في كثير من الأحكام خصوصاً المصاهرة ، واشتراكهما في المعنى المقتضي للتحريم وهو صيانة الأنساب عن الاختلاط ، وأنّ ذلك كلّه لا يوجب اللحاق مطلقاً (١) وهو الأقوى.

(ولا تحرم الزانية) على الزاني ولا على غيره (ولكن يكره تزويجها) مطلقاً (على الأصحّ) خلافاً لجماعة (٢) حيث حرّموه على الزاني ما لم تظهر منها التوبة.

ووجه الجواز الأصل ، وصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام قال : «أيّما رجل فجر بامرأة ثمّ بدا له أن يتزوّجها حلالاً ، أوّله سفاح وآخره نكاح ، فمثله كمثل النخلة أصاب الرجل من ثمرها [حراماً] (٣) ثمّ اشتراها فكانت له حلالاً» (٤) ولكن تكره للنهي عن تزويجها مطلقاً (٥) في عدّة أخبار (٦) المحمول على الكراهة جمعاً.

واحتجّ المانع (٧) برواية أبي بصير ، قال : «سألته عن رجل فجر بامرأة ثمّ

__________________

(١) في جميع الموارد والأحكام (هامش ر).

(٢) مثل المفيد في المقنعة : ٥٠٤ ، والشيخ في النهاية : ٤٥٨ ، والحلبي في الكافي : ٢٨٦ ، والقاضي في المهذّب ٢ : ١٨٨.

(٣) أثبتناه من المصدر.

(٤) الوسائل ١٤ : ٣٣١ ، الباب ١١ من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، الحديث ٣.

(٥) على الزاني وغيره.

(٦) اُنظر الوسائل ١٤ : ٣٣٥ ، الباب ١٣ من أبواب ما يحرم بالمصاهرة.

(٧) المانع هو الشيخ في النهاية [٤٥٨] وابن البرّاج [المهذّب ٢ : ١٨٨] وأبو الصلاح [الكافي في الفقه : ٢٨٦] إلّاأ نّه أطلق تحريم تزويج الزانية بحيث يشمل الزاني وغيره ، وأخبار النهي مطلقة أيضاً ولكن لم يذكروه قولاً. (منه رحمه الله).

٢٠٩

أراد بعدُ أن يتزوّجها ، فقال : إذا تابت حلّ له نكاحها. قلت : كيف يعرف توبتها؟ قال : يدعوها إلى ما كانت عليه من الحرام ، فإن امتنعت واستغفرت ربّها عرف توبتها» (١) وقريب منه ما روى عمّار عن الصادق عليه السلام (٢) والسند فيهما ضعيف (٣) وفي الاُولى قطع ، ولو صحّتا لوجب حملهما على الكراهة جمعاً.

(ولو زنت امرأته لم تحرم) عليه (على الأصحّ ، وإن أصرّت) على الزنا؛ للأصل والنصّ (٤) خلافاً للمفيد وسلّار (٥) حيث ذهبا إلى تحريمها مع الإصرار ، استناداً إلى فوات أعظم فوائد النكاح ـ وهو التناسل ـ معه؛ لاختلاط النسب حينئذٍ ، والغرض من شرعيّة الحدّ والرجم للزاني حفظه عن ذلك.

ويضعَّف بأنّ الزاني لا نسب له ولا حرمة.

(الخامسة) :

(من أوقب غلاماً أو رجلاً) بأن أدخل به بعضَ الحشفة وإن لم يجب الغسل (حرمت على الموقب اُمّ الموطوء) وإن علت (واُخته) دون بناتها (وبنته) وإن نزلت من ذكر واُنثى من النسب اتّفاقاً ، ومن الرضاع على الأقوى.

ولا فرق في المفعول بين الحيّ والميّت على الأقوى ، عملاً بالإطلاق (٦).

وإنّما تحرم المذكورات مع سبقه على العقد عليهنّ (ولو سبق العقد) على

__________________

(١) الوسائل ١٤ : ٣٣٢ ، الباب ١١ من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، الحديث ٧ و ٢.

(٢) الوسائل ١٤ : ٣٣٢ ، الباب ١١ من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، الحديث ٧ و ٢.

(٣) فإنّ الاُولى ضعيفة بعمّار بن موسى وهو فطحي. راجع المسالك ٧ : ٢٢١. والثانية ضعيفة بأبي المغرا حيث لم يرد فيه مدح ولا ذمّ. راجع جامع الرواة ٢ : ٤١٨.

(٤) الوسائل ١٤ : ٣٣٣ ، الباب ١٢ من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، الحديث الأوّل.

(٥) المقنعة : ٥٠٤ ، والمراسم : ١٥١.

(٦) راجع الوسائل ١٤ : ٣٣٩ ، الباب ١٥ من أبواب ما يحرم بالمصاهرة.

٢١٠

الفعل (لم يحرم) للأصل ، ولقولهم عليهم السلام : (لا يحرِّم الحرام الحلال) (١).

والظاهر عدم الفرق بين مفارقة من سبق عقدها بعد الفعل ، وعدمه ، فيجوز له تجديد نكاحها بعده مع احتمال عدمه؛ لصدق سبق الفعل بالنسبة إلى العقد الجديد.

ولا فرق فيهما بين الصغير والكبير على الأقوى؛ للعموم ، فيتعلّق التحريم قبلَ البلوغ بالوليّ وبعده به.

ولا يحرم على المفعول بسببه شيء عندنا (٢) للأصل. وربما نقل عن بعض الأصحاب تعلّق التحريم به كالفاعل (٣) وفي كثير من الأخبار إطلاق التحريم (٤) بحيث يمكن تعلّقه بكلّ منهما ، ولكنّ المذهب الأوّل.

(السادسة) :

(لو عقد المحرم) بفرض أو نفل بحجّ أو عمرة بعد إفساده وقبله على اُنثى (عالماً بالتحريم حَرُمت أبداً بالعقد) وإن لم يدخل (وإن جهل) التحريم (لم تحرم وإن دخل بها) لكن يقع عقده فاسداً ، فله العود إليه بعد الإحلال.

__________________

(١) الوسائل ١٤ : ٣٢٥ ، الباب ٦ من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، الحديث ١١ و ١٢.

(٢) نبّه بقوله : (عندنا) على خلاف أحمد [الشرح الكبير ٧ : ٤٨٢] حيث حرّم على الغلام اُمّ اللائط وبنته. (منه رحمه الله).

(٣) و (٤) هذا القول ما نقله السيّد الفاخر عن بعض الأصحاب ولم يعيّنه ، قال المصنّف : هذا هو الظاهر من كلام الراوندي في شرح النهاية محتجّاً بشمول الرواية والأخبار المطلقة ، منها : حسنة ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام في الرجل يعبث بالغلام ، قال : إذا أوقب حرمت عليه ابنته واُخته. وقريبٌ منها رواية إبراهيم بن عمرو وموسى بن سعدان عنه [الوسائل ١٤ : ٣٣٩ ـ ٣٤١ ، الباب ١٥ من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، الحديث ١ و ٣ و ٧]. (منه رحمه الله).

٢١١

هذا هو المشهور ، ومستنده رواية زرارة عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام (١) الدالّة بمنطوقها على حكم العلم ، وبمفهومها على غيره ، وهو معتضد بالأصل ، فلا يضرّ ضعف دلالته. ولا تحرم الزوجة بوطئها في الإحرام مطلقاً.

(السابعة) :

(لا يجوز للحرّ أن يجمع زيادة على أربع حرائر ، أو حرّتين وأمتين ، أو ثلاث حرائر وأمة) بناءً على جواز نكاح الأمة بالعقد بدون الشرطين ، وإلّا لم تجز الزيادة على الواحدة؛ لانتفاء العنت معها ، وقد تقدّم من المصنّف اختيار المنع (٢) ويبعد فرض بقاء الحاجة إلى الزائد عن الواحدة. ولا فرق في الأمة بين القنّة والمدبّرة والمكاتبة بقسميها حيث لم تؤدّ شيئاً ، واُمّ الولد.

(ولا للعبد أن يجمع أكثر من أربع إماء أو حرّتين أو حرّة وأمتين ، ولا يباح له ثلاث إماء وحرّة) والحكم في الجميع إجماعيّ ، والمعتَقُ بعضه كالحرّ في حقّ الإماء وكالعبد في حقّ الحرائر. والمعتَقُ بعضها كالحرّة في حقّ العبد ، وكالأمة في حقّ الحرّ (كلّ ذلك بالدوام).

(أمّا المتعة فلا حصر له على الأصحّ) للأصل ، وصحيحة زرارة قال : (قلت : ما يحلّ من المتعة؟ قال : كم شئت) (٣) وسأل أبو بصير أبا عبد اللّٰه عليه السلام (عن المتعة أهي من الأربع؟ قال : لا ولا من السبعين) (٤) وعن زرارة عن

__________________

(١) الوسائل ١٤ : ٣٧٨ ، الباب ٣١ من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، الحديث الأوّل. في طريق الرواية : المثنّى ، وهو مشترك بين اثنين لا بأس بهما ولم يبلغا حدّ الثقة ، إلّاأ نّه لا رادّ للحكم مطلقاً. (منه رحمه الله).

(٢) تقدّم في الصفحة ٢٠٥.

(٣) و (٤) الوسائل ١٤ : ٤٤٦ ـ ٤٤٧ ، الباب ٤ من أبواب المتعة ، الحديث ٣ و ٧.

٢١٢

الصادق عليه السلام قال : «ذكر له المتعة أهي من الأربع؟ قال : تزوّج منهنّ ألفاً ، فإنّهنّ مستأجرات» (١).

وفيه نظر : لأنّ الأصل قد عُدل عنه بالدليل الآتي ، والأخبار المذكورة وغيرها في هذا الباب ضعيفة أو مجهولة السند أو مقطوعة (٢) فإثبات مثل هذا الحكم المخالف للآية الشريفة (٣) وإجماع باقي علماء الإسلام مشكل. لكنّه مشهور ، حتّى أنّ كثيراً من الأصحاب لم ينقل فيه خلافاً ، فإن ثبت الإجماع كما ادّعاه ابن إدريس (٤) وإلّا فالأمر كما ترى.

ونبّه بالأصحّ على خلاف ابن البرّاج حيث منع في كتابيه (٥) من الزيادة فيها على أربع ، محتجّاً بعموم الآية وبصحيحة أحمد بن أبي نصر عن أبي الحسن [الرضا] (٦) عليه السلام قال : «سألته عن الرجل تكون عنده المرأة ، أيحلّ له أن يتزوّج باُختها متعة؟ قال : لا. قلت : حكى زرارة عن أبي جعفر عليه السلام إنّما هي مثل الإماء

__________________

(١) الوسائل ١٤ : ٤٤٧ ، الباب ٤ من أبواب المتعة ، الحديث ٢.

(٢) صحيح زرارة الأوّل مقطوعٌ ، وخبر أبي بصير في طريقه جهالةٌ بالحسين بن محمّد وضعيفٌ بالمعلّى بن محمّد. وخبر زرارة الثاني فيه جهالةٌ بالحسين وسعدان بن مسلم. وبقي فيه خبر محمّد بن مسلم ، وفيه جهالةٌ بالقاسم بن عروة. وخبر بكير بن محمّد الأزدي وفيه جهالةٌ بالحسين ، وفي بكر نظرٌ ، تأمّل. (منه رحمه الله).

(٣) النساء : ٣.

(٤) السرائر ٢ : ٦٢٤ ، وفيه : بغير خلاف.

(٥) المهذّب ٢ : ٢٤٣ ، والظاهر أنّ ثانيهما هو كتاب الكامل ، ولا يوجد لدينا ، والأصل في النقل العلّامة في المختلف ٧ : ٢٣٠.

(٦) لم يرد في المخطوطات.

٢١٣

يتزوّج ما شاء؟ قال : لا ، هي (١) من الأربع» (٢) و (٣) روى عمّار عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام في المتعة ، قال : «هي إحدى الأربع» (٤).

واُجيب بأ نّه محمول على الأفضل والأحوط (٥) جمعاً بينهما وبين ما سبق ولصحيحة أحمد بن أبي نصر عن الرضا عليه السلام قال : «قال أبو جعفر عليه السلام : اجعلوهنّ من الأربع ، فقال له صفوان بن يحيى : على الاحتياط؟ قال : نعم» (٦).

واعلم أنّ هذا الحمل يحسن لو صحّ شيء من أخبار الجواز لا مع عدمه ، والخبر الأخير ليس بصريح في جواز مخالفة الاحتياط. وفي المختلف اقتصر من نقل الحكم على مجرّد الشهرة (٧) ولم يصرّح بالفتوى. ولعلّه لما ذكرناه.

(وكذا) لا حصر للعدد (بملك اليمين إجماعاً) والأصل فيه قوله تعالى : (إِلاّٰ عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ) (٨).

هذا في ملك العين ، أمّا ملك المنفعة ـ كالتحليل ـ ففي إلحاقه به نظر ، من الشكّ في إطلاق اسم «ملك اليمين» عليه ، والشكّ في كونه عقداً أو إباحة. والأقوى إلحاقه به ، وبه جزم في التحرير (٩).

__________________

(١) في سوى (ف) : هنّ.

(٢) الوسائل ١٤ : ٤٤٨ ، الباب ٤ من أبواب المتعة ، الحديث ١١.

(٣) في (ش) و (ر) زيادة : قد.

(٤) الوسائل ١٤ : ٤٤٨ ، الباب ٤ من أبواب المتعة ، الحديث ١٠.

(٥) حمله الشيخ في التهذيب ٧ : ٢٥٩ ، ذيل الحديث ١١٢٣.

(٦) الوسائل ١٤ : ٤٤٨ ، الباب ٤ من أبواب المتعة ، الحديث ٩.

(٧) المختلف ٧ : ٢٣٠.

(٨) المؤمنون : ٦.

(٩) التحرير ٣ : ٥١٤ ـ ٥١٥ ، المسألة ٥٠٩١.

٢١٤

(الثامنة) :

(إذا طلّق ذو النصاب) الذي لا يجوز تجاوزه واحدةً أو أكثر ، طلاقاً (رجعيّاً لم يجز له التزويج دائماً حتّى تخرج) المطلّقة من (العدّة) لأنّ المطلّقة رجعيّاً بمنزلة الزوجة ، فالنكاح الدائم زمن العدّة بمنزلة الجمع زائداً على النصاب (وكذا) لا يجوز له تزويج (الاُخت) أي اُخت المطلّقة رجعيّاً (دائماً ومتعةً) وإن كانت المطلّقة واحدة؛ لأنّه يكون جامعاً بين الاُختين.

(ولو كان) الطلاق (بائناً جاز) تزويج الزائدة عن (١) النصاب والاُخت؛ لانقطاع العصمة بالبائن وصيرورتِها كالأجنبيّة. لكن (على كراهيّة شديدة) لتحرّمها بحرمة الزوجيّة ، وللنهي عن تزويجها مطلقاً في صحيحة زرارة عن الصادق عليه السلام قال : (إذا جمع الرجل أربعاً فطلّق إحداهنّ فلا يتزوّج الخامسة حتّى تنقضي عدّة المرأة التي طُلّقت. وقال : لا يجمع ماءه في خمس) (٢) وحُمِل (٣) النهي على الكراهة جمعاً.

(التاسعة) :

(لا تحلّ الحرّة على المطلِّق ثلاثاً) يتخلّلها رجعتان ـ أيّ أنواع الطلاق كان ـ (إلّابالمحلّل ، وإن كان المطلّق عبداً) لأنّ الاعتبار في عدد الطلقات عندنا بالزوجة (ولا تحلّ الأمة المطلّقة اثنتين) كذلك (إلّابالمحلّل ، ولو كان

__________________

(١) في (ش) و (ر) : على.

(٢) الوسائل ١٤ : ٣٩٩ ، الباب ٢ من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد ، الحديث الأوّل.

(٣) حمله في جامع المقاصد ١٢ : ٣٧٥.

٢١٥

المطلّق حرّاً) للآية والرواية (١).

(أمّا المطلَّقة تسعاً للعدّة) والمراد به : أن يطلّقها على الشرائط ثمّ يراجع في العدّة ويطأ ثمّ يطلّق في طهر آخر ثمّ يراجع في العدّة ويطأ ثمّ يطلّق (٢) الثالثة ، فينكحها بعد عدّتها زوج آخر ثمّ يفارقها بعد أن يطأها ، فيتزوّجها الأوّل بعد العدّة ويفعل كما فعل أوّلاً إلى أن يكمل لها تسعاً كذلك (ينكحها رجلان) بعد الثالثة والسادسة (فإنّها تحرم أبداً) وإطلاق التسع للعدّة مجاز؛ لأنّ الثالثة من كلّ ثلاث ليست للعدّة ، فإطلاقه عليها إمّا إطلاقاً (٣) لاسم الأكثر على الأقلّ أو باعتبار المجاورة.

وحيث كانت النصوص والفتاوى مطلقة في اعتبار التسع للعدّة في التحريم المؤبَّد كان أعمّ من كونها متوالية ومتفرّقة ، فلو اتّفق في كلّ ثلاث واحدة للعدّة اعتبر فيه إكمال التسع كذلك.

لكن هل يغتفر منها الثالثة من كلّ ثلاث لاغتفارها لو جامعت الاثنتين

__________________

(١) وفيه لفٌّ ونشرٌ مرتّبٌ ، أي دليل اعتبار الثلاث في الحرّة إطلاق الآية [البقرة : ٢٣٠] المتناول للزوج الحرّ والعبد. ولكن إطلاق المطلّقة مقيّد بالحرّة؛ لرواية أبي بصير عن الصادق عليه السلام [الوسائل ١٥ : ٣٩٣ ، الباب ٢٥ من أقسام الطلاق ، الحديث ٥] ودليل اعتبار الطلقتين في الأمة مع مطلق الزوج روايتا محمّد بن مسلم والحلبي عن الباقر والصادق عليهما السلام قال : طلاق الحرّة إذا كانت تحت العبد ثلاث تطليقات ، وطلاق الأمة إذا كانت تحت الحرّ تطليقتان. [المصدر المتقدّم]. والعامّة جعلوا الاعتبار بالزوج ، فإن كان حرّاً اعتبر الطلاق ثلاثاً وإن كانت الزوجة أمة ، وإن كان عبداً ثبت التحريم بعد طلقتين وإن كانت الزوجة حرّة [الشرح الكبير ٨ : ٣٢٢ ، ومغني المحتاج ٣ : ٢٩٤ ، والخلاف ٤ : ٤٩٧]. (منه رحمه الله).

(٢) في (ر) : يطلّقها.

(٣) في (ش) و (ر) : إطلاق.

٢١٦

للعدّة ، فيكفي وقوع ستّ للعدّة ، أو يعتبر إكمال التسع للعدّة حقيقة؟ يحتمل الأوّل؛ لأ نّه المعتبر عند التوالي ، ولأنّ الثالثة لم يتحقّق اعتبار كونها للعدّة ، وإنّما استفيد من النصّ (١) التحريم بالستّ الواقعة لها ، فيستصحب الحكم مع عدم التوالي. والثاني؛ لأنّ اغتفار الثالثة ثبت مع التوالي على خلاف الأصل ، فإذا لم يحصل اعتبرت الحقيقة ، خصوصاً مع كون طلقة العدّة هي الاُولى خاصّة ، فإنّ علاقتي المجاز منتفيتان عن الثالثة؛ إذ لا مجاورة لها للعدّيّة ، ولا أكثريّة لها. بخلاف ما لو كانت العدّية هي الثانية ، فإنّ علاقة المجاورة موجودة.

والثاني أقوى ، فإن كانت العدّيّة هي الاُولى تعلّق التحريم بالخامسة والعشرين ، وإن كانت الثانية فبالسادسة والعشرين.

ويبقى فيه إشكال آخر ، وهو أنّ طلاق العدّة حينئذٍ لا يتحقّق إلّابالرجعة بعده والوطء ، فإذا توقّف التحريم على تحقّق التسع كذلك لزم تحريمها بعد الدخول في الأخيرة بغير طلاق ، وهو بعيد. ولو توقّف على طلاق آخر بعده ولم يكن ثالثاً لزم جعل ما ليس بمحرِّم محرِّماً ، والحكم بالتحريم بدون طلاقٍ موقوفٍ على التحليل ، وكلاهما بعيد. وليس في المسألة شيء يعتمد عليه ، فللتوقّف فيما خالف النصّ مجال. هذا كلّه حكم الحرّة.

أمّا الأمة فقد عرفت أنّها تحرم بعد كلّ طلقتين ، فلا يجتمع لها طلاق تسع للعدّة مع نكاح رجلين ، وهما معتبران في التحريم نصّاً وفتوىً ، فيحتمل تحريمها بستّ؛ لأنّها قائمة مقام التسع للحرّة وينكحها بينها رجلان. ويحتمل اعتبار التسع كالحرّة ، استصحاباً للحلّ إلى أن يثبت المحرِّم ، ولا يقدح نكاح أزيد من رجلين؛ لصدقهما مع الزائد.

__________________

(١) اُنظر الوسائل ١٥ : ٣٥٧ ، الباب ٤ من أبواب أقسام الطلاق.

٢١٧

وعلى التقديرين فيحتمل اعتبار العدد كلّه للعدّة اقتصاراً في المجاز على المتحقّق ، والاكتفاء في كلّ اثنتين بواحدة للعدّة ، وهي الاُولى؛ لقيامها مقام الاثنتين ، ولصدق المجاز في إطلاق العدّيّة على الجميع بعلاقة المجاورة.

فعلى الأوّل يعتبر اثنتا عشرة تطليقة إذا وقعت الاُولى من كلّ اثنتين للعدّة ، وعلى التسع ثماني عشرة ، ويبقى الكلام في الثانية عشرة والثامنة عشرة كما مرّ.

وعلى الثاني يُكتفى بالستّ أو التسع.

ويحتمل في الأمة عدم تحريمها مؤبّداً مطلقاً؛ لأنّ ظاهر النصّ أنّ مورده الحرّة بقرينة نكاح الرجلين من التسع ، فيتمسّك في الأمة بأصالة بقاء الحلّ ، ولعدم اجتماع الشرطين (١) فيها. وللتوقّف مجال.

(العاشرة) :

(تحرم الملاعنة أبداً) وسيأتي الكلام في تحقيق حكمها وشرائطها (٢) (وكذا) تحرم (الصمّاء والخرساء إذا قذفها زوجها بما يوجب اللعان) لولا الآفة ، بأن يرميها بالزنا مع دعوى المشاهدة وعدم البيّنة ، فلو لم يدّع المشاهدة حُدّ ولم تحرم. ولو أقام بيّنة بما قذفها به سقط الحدّ عنه والتحريم كما يسقط اللعان؛ لأنّ ذلك هو مقتضى حكم القذف في إيجاب اللعان وعدمه. ولا يسقط الحدّ بتحريمها عليه ، بل يجمع بينهما إن ثبت القذف عند الحاكم ، وإلّا حرمت فيما بينه وبين اللّٰه تعالى وبقي الحدّ في ذمّته على ما دلّت عليه رواية

__________________

(١) هما : نكاح رجلين ، وتسع طلقات.

(٢) في (ع) و (ف) : شرائطه.

٢١٨

أبي بصير (١) التي هي الأصل في الحكم ، وإن كان المستند الآن الإجماع عليه كما ادّعاه الشيخ رحمه الله (٢).

ودلّت الرواية أيضاً على اعتبار الصمم والخرس معاً ، فلو اتّصفت بأحدهما خاصّة ، فمقتضى الرواية ودليل الأصل عدم التحريم. ولكن أكثر الأصحاب (٣) عطفوا أحد الوصفين على الآخر ب‍ «أو» المقتضي للاكتفاء بأحدهما ، والمصنّف عطف بالواو وهو يدلّ عليه أيضاً. ولكن ورد الخرس وحده في روايتين (٤) فالاكتفاء به وحده حسن. أمّا الصمم وحده ، فلا نصّ عليه بخصوصه يُعتدّ به.

وفي التحرير استشكل حكم الصمّاء خاصّة بعد أن استقرب التحريم (٥) ولو نفى ولدها على وجهٍ يثبت اللعان به لو كانت غير مؤفة ، ففي ثبوت اللعان أو تحريمها به كالقذف وجهان : من مساواته للقذف في التحريم المؤبّد باللعان فيساويه في المعلول الآخر ، ودعوى الشيخ في الخلاف الإجماع على أنّه لا لعان

__________________

(١) رواية أبي بصير [الوسائل ١٥ : ٦٠٣ ، الباب ٨ من أبواب اللعان ، الحديث ٢] رواها الشيخ في الموثّق [التهذيب ٧ : ٣١٠ ، ح ١٢٨٨] والكافي في الصحيح [٦ : ١٦٦ ، الحديث ١٨]. (منه رحمه الله).

(٢) اُنظر الخلاف ٥ : ١٣ ، المسألة ٩ من كتاب اللعان.

(٣) منهم الشيخ في الخلاف في الموضع المتقدّم آنفاً ، والمبسوط ٥ : ١٨٨ ، والقاضي في المهذّب ٢ : ١٨٣ و ٣٠٨ ، والطوسي في الوسيلة : ٣٣٦ ، والديلمي في المراسم : ١٦٥ ، والعلّامة في القواعد ٣ : ١٨٧ ، والتحرير ٤ : ١٢٩.

(٤) الوسائل ١٥ : ٦٠٢ ـ ٦٠٣ ، الباب ٨ من أبواب اللعان ، الحديث ١ و ٤.

(٥) التحرير ٣ : ٤٧١ ، المسألة ٥٠٠٧.

٢١٩

للصمّاء والخرساء (١) ومن عموم الآية (٢) المتناول لكلّ زوجة ، خرج منه قذفهما بالنصّ (٣) أو الإجماع (٤) فيبقى الباقي داخلاً في عموم الحكم باللعان ، وتوقّف التحريم عليه. ولا يلزم من مساواة النفي القذف في حكمٍ مساواته في غيره؛ لأنّ الأسباب متوقّفة على النصّ ، والإجماع إنّما نُقل على عدم لعانهما مع القذف كما صرّح به الشيخ ، فلا يلحق به غيره.

والظاهر أنّه لا فرق هنا مع القذف بين دخوله بهما وعدمه عملاً بالإطلاق ، أمّا نفي الولد فاشتراطه حسن. ومتى حرمت قبل الدخول فالأجود ثبوت جميع المهر؛ لثبوته بالعقد فيستصحب ، وتنصّفه في بعض الموارد لا يوجب التعدّي. وألحق الصدوق في الفقيه (٥) بذلك قذف المرأة زوجها الأصمّ فحكم بتحريمها عليه مؤبّداً حملاً على قذفه لها. وهو مع غرابته قياس لا نقول به.

(الحادية عشرة) :

(تحرم الكافرة غير الكتابيّة) وهي اليهوديّة و (٦) النصرانيّة ، [و] (٧) المجوسيّة (على المسلم إجماعاً و) تحرم (الكتابيّة) عليه (دواماً

__________________

(١) الخلاف ٥ : ١٣ ، المسألة ٩ من كتاب اللعان.

(٢) النور : ٦ ـ ٩.

(٣) اُنظر الوسائل ١٥ : ٦٠٢ ـ ٦٠٣ ، الباب ٨ من أبواب اللعان.

(٤) تقدّم عن الشيخ آنفاً.

(٥) الفقيه ٤ : ٥٠.

(٦) في (ف) و (ش) : أو.

(٧) في المخطوطات : أو.

٢٢٠