العبّاس ابوالفضل ابن أمير المؤمنين عليه السلام سماته وسيرته

السيد محمد رضا الحسيني الجلالي

العبّاس ابوالفضل ابن أمير المؤمنين عليه السلام سماته وسيرته

المؤلف:

السيد محمد رضا الحسيني الجلالي


الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع)
الناشر: مكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدسة
المطبعة: دار الكفيل للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٠٣
  نسخة غير مصححة

لأخيه سبط رسول الله صلى الله عليه وآله والوحيدِ من أولادِ بضعته الزهراء ، وبقيّة الماضين منهم.

فبَدَلاً من أنْ يعرفوا قدرَهُ ، ويغْتَنِمُوا مقامَهُ بينَهم ، ويَتَزَوَّدُوا منه ما يزيدهم معرفةً وبصيرةً بالدين ؛ احتَوَشُوهُ هكذا مُجتمعين لِيَسْتأْصِلُوا وُجُوده ، ويقتُلُوهُ!

إنّه صعبٌ على مثل العَبّاس العارفِ البصيرِ أنْ يرى الإمامَ يواجهُ هكذا ظُلامة ، وأنْ يرى من الأُمّة هكذا ضلالة.

وماذا يملكُ العَبّاسُ حينئذٍ سوى التسليم والصبر ، وسوى نفسه وقوّته ليقدّمها إلى أخيه وقاءً ويبذل روحه لإمامه فداءً : ولذا قدّم إخوتَه ، وهم أشقّاؤه وأعزّته ، قدّمهم أمام الحسين حِسبةً احْتَسَبَهم عندَ الله ، فقال لهم : «يا بني أُمّي ، تقدّمُوا حتّى أراكُم قد نَصَحْتُم للهِ ولِرَسوله» (١).

ولو فرضتْ هذه الكلمات خفيفةً على اللسان ، فإنّها بلا ريبٍ ثقيلةٌ على القلب : أن تُقالَ لإخوةٍ أشقّاء.

لكنّ العَبّاسَ يُريدُ لإخوته الفوزَ بِالشهادة الّتي هي عينُ السعادة ، ويتقرّبُ بما قدّم فداءً للحُسين عليه السلام الّذي لو سلم وبقي ؛ فهم أحياءٌ معه ، كما هُم وهُو بعدَ الشهادة : (أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) سورة آل عمران (٣) الآية (١٦٩).

__________________

(١) الإرشاد للمفيد (٢ / ١٠٩).

٢٠١

وخامساً : الطاعة حتّى الشهادة :

ومن أخلد ما اختصّ به العَبّاس في كربلاء هو انقيادُهُ المُطلقُ لِولي أمره المعصوم الإمام الحُسين عليه السلام وتخصيص الإمام لهُ مهمّة جلب الماء وطلبه ، من حين مَنَعَ العدوُّ وُرُودَهم ، وحتّى الساعة الأخيرة من عزمهما معاً على طلب الماء ، وقد سجّل التاريخُ مواقفَ عظيمةً للعبّاس عليه السلام في هذا السبيل ، كما سبق.

٢٠٢

البابُ السادس :

قتالُ العّبّاس عليه السلام وأرجازُهُ

ومقتلهُ ومرقدهُ ورِثاؤهُ

وقاتلهُ وسالبهُ

١ ـ قتالُ العَبّاس عليه السلام وأرجازُه ومقتلُهُ

٢ ـ مرقدُ العَبّاس عليه السلام ومزاره

٣ ـ رثاؤهُ عليه السلام ونُدبتُه

٤ ـ قاتلهُ وسالبهُ

٢٠٣
٢٠٤

قتالُ العبّاس سلامُ الله عليه وأرْجازُهُ ومقتلهُ

في صباحُ عاشُوراء :

قال الشيخ المُفيدُ : لمّا أصبحَ الحُسينُ بن عليّ عليهما السلام صباحَ عاشُوراء : عَبَّأَ أصحابَهُ بعدَ صلاة الغداة ، وكان معهُ اثنان وثلاثُون فارِساً ، وأربعون راجِلاً.

فجعلَ زُهَيْرَ بنَ القَيْن في ميمَنة أصحابه.

وحَبِيبَ بنَ مُظاهِرٍ في ميسَرة أصحابه.

وأَعطى رايَتَهُ العَبّاسَ أخاهُ.

في خِضَمّ القِتال :

وقاتَلَ أصحابُ الحُسين بن عليّ عليه السلام القومَ أَشَدَّ قِتالٍ ، حتّى انتصفَ النَهارُ.

وكانَ القتلُ يَبِينُ في أصحاب الحُسين عليه السلام لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ. ولم يَزَلْ يَتَقَدَّمُ رَجُلٌ رَجُلٌ من أصحابه ، فيُقْتَلُ ؛ حتّى لم يَبْقَ معَ الحُسين عليه السلام إلاّ أهلُ بيتِه خاصّةً (١).

__________________

(١) الإرشاد للمفيد (٢ / ١١٠).

٢٠٥

العَبّاسُ عليه السلام وإخوتُهُ :

فلمّا رأى العَبّاسُ بن عليّ رحمةُ الله عليه كَثْرةَ القَتلى في أهلِهِ ، قالَ لأخْوَتِهِ مِن أُمّه ، وهَم «عَبْد الله ، وجعفرٌ ، وعثمانُ» :

«يابَنِي أُمّي! تَقَدَّمُوا حتّى أراكُم قد نَصَحْتُمْ للهِ ولِرسوله» (١).

وقال لهم : «تَقَدَّمُوا ـ بِنَفسي أَنْتُم ـ فَحامُوا عن سيّدِكُم حتّى تَمُوتُوا دُوْنَهُ».

فَتَقَدَّمُوا جَميعاً ، فَسارُوا أمامُ الحُسين عليه السلام يَقُوْنَهُ بِوُجُوهِهِم ونُحُورِهِم حتّى قُتِلُوا (٢).

العَبّاس عليه السلام بينَ يَدَي أَخِيه الحُسين عليه السلام :

ولمّا قُتِلَ إخوةُ العَبّاس ؛ تَقَدَّمَ إلى أخيه الحسين عليه السلام وقال :

لقد ضاقَ صَدْري ، وأُريدُ أنْ آخُذَ ثأرِي من هؤلاءِ المُنافقين (٣).

قال الشيخُ المُفيدُ :

وحَمَلت الجماعةُ على الحُسين عليه السلام فغَلَبُوه على عسكرِهِ.

واشتَدَّ به العَطَشُ ، فركبَ المُسنّاةَ يُريد الفُراتَ ، وبينَ يَدَيهِ العَبّاسُ أخُوهُ.

فاعتَرَضَهُ خيلُ ابن سَعْدٍ ، وفيهم رجلٌ من بني دارِم ؛ فقال لهم :

__________________

(١) الإرشاد للمفيد (٢ / ١١٠).

(٢) الأخبار الطوال (٢٥٧).

(٣) بحار الأنوار (٤٥ / ٤١).

٢٠٦

وَيْلَكُم ، حُولُوا بينَهُ وبينَ الفُراتِ ، ولا تُمكِّنُوهُ من الماء!.

فقال الحُسينُ عليه السلام : «الّلهمّ! أَظْمِئْهُ».

فغضبَ الدارِميّ ، ورماهُ بسهمٍ فأثبتَهُ في حَنَكِهِ.

فانتزعَ الحُسينُ عليه السلام السهمَ ، وبَسَطَ يَدَهُ تحتَ حَنَكِهِ ، فامْتلأتْ راحتاهُ بِالدَمِ ، فرَمى بِهِ ، ثمّ قال :

«الّلهمّ ، إنّي أَشْكُو إليكَ ما يُفْعَلُ بِابنِ بنتِ نَبِيّكَ».

ثمّ رَجَعَ إلى مكانِهِ ، وقد اشتَدَّ بهِ العَطَشُ.

قال الدينوري :

وبقيَ العَبّاسُ بن عليّ قائماً أمامَ الحُسين يُقاتِلُ دُونَهُ ، ويميلُ معهُ حيثُ مالَ حتّى قُتِلَ رحمه الله (١).

قال الشيخ المفيد :

وأحاطَ القومُ بِالعَبّاس ، فاقْتَطَعُوهُ مِنهُ ـ أي من الحسين ـ فَجَعَلَ يُقاتِلُهم وَحْدَهُ ، حتّى قُتِلَ (٢).

وقال الخوارزمي ـ بعد ذكر إخوة العَبّاس ومقتلهم ـ :

ثمّ خرجَ العَبّاسُ بن عليّ ـ وهو السقّاء ـ وهو يقول :

أَقْسَمْتُ بِالله الأَعَزِّ الأعْظَمِ

وبِالحَجُونِ صادِقاً وزَمْزَمِ

وبِالحَطِيْمِ والفَنا المُحَرَّمِ

لَيُخْضَبَنَّ اليَومَ جِسْمِي بِدَمِي

__________________

(١) الأخبار الطوال (٢٥٧).

(٢) الإرشاد للمفيد (٢ / ١١٠).

٢٠٧

دُوْنَ الحُسينِ ذِي الفَخارِ الأَقْدَمِ

إمامِ أَهْلِ الفَضْلِ والتَكَرُّمِ

ولم يَزَلْ يُقاتِلُ حتّى قَتَلَ جَماعَةً ، ثمّ قُتِلَ (١).

قطعُ اليَدَيْن :

قال ابن شهر آشوب :

مضى العَبّاسُ عليه السلام يطلبُ الماءَ ، فحَمَلُوا عليه ، وحَمَلَ هُو عليهم ؛ فَفَرَّقَهم ، وجعلَ يقولُ :

لا أَرْهَبُ المَوْتُ إذا المَوتُ زَقا (٢)

حتّى أُوارَى في المَصالِيتِ لُقى

نَفْسي لِنَفْسِ المُصْطَفى الطُهْرِ وِقى

إنّي أَنَا العَبّاسُ أَغْدُوْ بِالسِقا

ولا أَخافُ الشَرَّ يَوْمَ المُلْتَقى

فَفَرَّقَهم.

__________________

(١) مقتل الخوارزمي (٢ / ٣٨٠) والفتوح لابن أعثم (٥ / ٢٠٧).

(٢) كتبتُ عن هذه الأبيات ما نصه :

كذا أورد السماوي هذا الرجز في «إبصار العين» : (ص ٣٣) فقال في شرح الكلمات :

(زقا) : صاحَ ، تزعم العربُ أن للموت طائراً يصيح ويسمونه (الهامة) ويقولون إذا قتل الإنسان ولم يؤخذ بثاره زقت هامته حتى يثأر ، قال الشاعر :

فإنْ تكُ هامةٌ بِهراةَ تَزْقُو

فقدْ أزقيتُ بِالمروين هاما

(المصاليت) جمع (مصلات) وهو الرجل السريع المتشتمر ، قال عامر بن الطفيل :

وإنا المصاليتُ يومَ الوغى

إذا ما المغاويرُ لم تُقْدِمِ

يقول الجلالي : ومعنى الرجز : إنّي لا أخافُ حينَ يعلن الموتُ عن وجوده ، حتى أكون عند اللقاء مقتولاً ملقىً بين الشجعان.

وقد روي الرجز بعبارات أخرى في (بطل العلقمي) للشيخ المظفر (٣ / ص ٢٣١ ـ ٢٣٤) طبعة الحيدرية قم ١٤٢٥ هـ.

٢٠٨

فكَمَنَ له زِيادُ بن وَرْقاء الجَنْبِي من وراء نخلةٍ ، وعاوَنَهُ حُكيمُ بن الطُفَيْل السنبسي ، فضَرَبَهُ على يَمِينِهِ ، فأَخَذَ السيفَ بِشِمالِهِ ، وحَمَلَ عليهم وهُوَ يرتَجِزُ :

واللهِ إنْ قَطَعْتُمُوا يَمِيْنِي

إنّي أُحامِي أَبَداً عَنْ دِيْنِي

وعَن إمامٍ صادِقِ اليَقِيْنِ

نَجْلِ النَبِيِّ الطاهِرِ الأَمِيْنِ

فقاتَلَ حتّى ضَعُفَ.

فكَمَنَ لهُ حُكَيْمُ بن الطُفَيْل الطائِيّ من وراء نخلةٍ ، فضَرَبَهُ على شِمالِهِ فقالَ :

يا نَفْسُ ، لا تَخْشَيْ منَ الكُفّارِ

وأَبْشِرِيْ بِرَحْمَةِ الجَبّارِ

معَ النَّبِيّ المُصْطَفَى المُخْتارِ

قدْ قَطَعُوا بِبَغْيِهِمْ يَسارِيْ

فَأَصْلِهِمْ يا رَبِّ حَرَّ النارِ (١)

وممّا زاد الظالمون في ظُلامة العَبّاس عليه السلام وهو قطعهم يديه الشريفتين ، وهذا أمرٌ تأسّوا فيه بِسَلَفِهم الطالِحِ ، وتأسّى فيه العَبّاسُ عليه السلام بعمّه جعفر بن أبي طالب عليه السلام شهيد مؤتة.

وقد جاء في الخبر المشهور عن الإمام زين العابدين السجّاد عليه السلام حيث قال :

«رحمَ اللهُ العَبّاسَ فقد آثَرَ وأَبْلى ، وفَدى أخاهُ بِنفسه حتّى قُطِعَت يداهُ ؛ فأبْدَلَهُ اللهُ عزّ وجلّ بِهما جناحينِ يطيرُ بِهما معَ الملائكة في الجنّة

__________________

(١) مناقب آل أبي طالب (٤ / ١١٧) وبطل العلقمي (٣ / ٢٣٠ ـ ٢٣٢).

٢٠٩

كما جعلَ لِجَعفر بن أبي طالب» (١).

وجاء في الزيارة الصادرة من الناحية المقدّسة ، قوله : «المَقْطُوعَة يَداهُ».

كما جاء خبر قطع اليدين في المقاتل ، وورد في الأرجاز المرويّة منها عن لسانه عليه السلام كما مرّ.

قطعُ الرِجْلَينِ :

قال النعمان المصريّ : وكان الّذي وَلِيَ قتلَ العبّاس بن عليّ يومئذٍ يزيدُ بنُ زياد الحنفيّ ، وأخذ سلبه حكيم بن طفيل الطّائيّ ، وقيل : إنّه شرك في قتله يزيد.

وكان بعد أن قتل إخوته عَبْد الله وعثمان وجعفر معه قاصدين الماء ، ويرجع وحده بالقِربة ، فيحملة على أصحاب عُبَيْد الله بن زياد الحائلين دون الماء ، فيقتل منهم ويضرب فيهم حتّى ينفرجوا عن الماء ؛ فيأتي الفُراتَ فيملأ القِربةَ ويحملها ، ويأتي بها الحسين عليه السلام وأصحابه ، فيسقيهم.

حتّى تكاثروا عليه ، وأوهنته الجراح من النبل ، فقتلوه كذلك بين الفُرات والسرادق ، وهو يحمل الماء ، وثَمَّ قبرُهُ.

وقطعوا يديه ، ورجليه ، حَنَفاً عليه ، ولِما أبلى فيهم وقَتَلَ منهم ، فلذلك سُمِّيَ السقّاء (٢).

__________________

(١) أمالي الصدوق (ص ٧ ـ ٥٤٨) حديث ٧٣١ وقد مر.

(٢) شرح الأخبار (٣ / ١٩١ ـ ١٩٣).

٢١٠

عمدُ الحديد ومصرعه عليه السلام :

قال ابن شهر آشوب : فقاتَلَ حتّى ضَعُفَ ، فكَمَنَ لهُ حُكَيْمُ بن الطُفَيْل الطائِيّ من وراء نخلةٍ ، فضَرَبَهُ على شِمالِهِ ، فقالَ :

يا نَفْسُ ، لا تَخْشَيْ منَ الكُفّارِ

وأَبْشِرِيْ بِرَحْمَةِ الجَبّارِ

معَ النَّبِيّ المُصْطَفَى المُخْتارِ

قدْ قَطَعُوا بِبَغْيِهِمْ يَسارِيْ

فَأَصْلِهِمْ يا رَبِّ حَرَّ النارِ (١)

فقتله الملعُون بعمود الحديد (٢).

وقال السماويّ : فحمل عليه رجلٌ تميميٌّ من أبان بن دارم ، فضربه بعمودٍ على رأسه ، فخرّ صريعاً على الأرض. ونادى بأعلى صوته : «أدركني ، يا أخي» (٣).

تكالُب القومِ على العبّاس عليه السلام وسلبه :

قال البلاذريّ : قيل : قتل حرملةُ بنُ كاهل ـ الأسديّ ثُمّ الوالبيّ ـ العبّاسَ بنَ عليّ بن أبي طالب ، مع جماعةٍ ، وتعاورُوه (٤).

وفي نصٍّ آخر : حرملةُ بن الكاهل بن الجزار بن سلمة بن الموقد الّذي قَتَلَ عبّاسَ بن عليّ مع الحسين ، وهو الّذي جاء برأسه (٥).

__________________

(١) مناقب آل أبي طالب (٤ / ١١٧) وبطل العلقمي (٣ / ٢٣٠ ـ ٢٣٢).

(٢) المناقب لشهر آشوب.

(٣) إبصار العين.

(٤) البلاذري ، أنساب الأشراف : (٣ / ٤٠٦).

(٥) جمل من أنساب الأشراف : (١٣ / ٢٥٦) وانظر : (١١ / ١٧٥).

٢١١

أقول : الظاهرُ أنّ المقتول على يد حرملة هو العبّاسُ الأصغرُ ، لِما مضى من أنّه كان يحملُ رأسه ؛ وقد علّقهُ على فرسِهِ ؛ في ما نقلهُ أبو الفرج ، وسِبطُ ابن الجوزِيّ (١).

وأمّا العبّاس أبو الفضل ؛ فقد اشترك في قتله زيادٌ وحُكيم ، كما سنذكره.

قاتله وسالبه :

قال الشيخ المفيد : وأحاط القوم بالعَبّاس ، فاقتطعوه من الحسين ، فجعل يقاتلهم وحده ، حتّى قتل رحمة الله عليه ، وكان المتولّي لقتله يزيد ابن ورقاء الحنفيّ وحكيم بن الطفيل السنبسيّ ، بعد أن أُثْخِنَ بِالجراح ، فلم يستطعْ حراكاً (٢). وكذا في المصابيح لأبي العَبّاس الحسني (٣).

وقال القاضي النعمان : وكان الّذي وَلِيَ قتلَ العبّاس بن عليّ يومئذٍ يزيدُ بنُ زياد الحنفيّ ، وأخذ سلبه حكيم بن طفيل الطّائيّ ، وقيل : إنّه شرك في قتله يزيد.

وكان بعد أن قتل إخوته عَبْدل الله وعثمان وجعفر معه قاصدين الماء ، ويرجع وحده بالقِربة ، فيحمل على أصحاب عُبَيْد الله بن زياد الحائلين

__________________

(١) عقاب الأعمال (ص ٢١٨) ح ٨ باب عقاب من قاتل الحسين عليه السلام. وتذكرة الخواصّ (٢ / ٢ ـ ٢٥٣) ومقاتل الطالبيّين (ص ١١٧ ـ ١١٨) والأمالي الخميسيّة (١ / ٢ ـ ١٨٣) والحدائق الورديّة (١ / ٧ ـ ١٢٨).

(٢) الإرشاد للمفيد (٢ / ١١٠).

(٣) المصابيح (ص ٢٧٥).

٢١٢

دون الماء ، فيقتل منهم ويضرب فيهم حتّى ينفرجوا عن الماء ؛ فيأتي الفُراتَ فيملأ القِربةَ ويحملها ، ويأتي بها الحسين عليه السلام وأصحابه ، فيسقيهم.

حتّى تكاثروا عليه ، وأوهنته الجراح من النبل ، فقتلوه كذلك بين الفُرات والسرداق ، وهو يحمل الماء ، وثَمَّ قبرُهُ.

وقطعوا يديه ، ورجليه ، حَنَقاً عليه ، ولِما أبلى فيهم وقَتَلَ منهم ، فلذلك سُمِّي السقّاء (١).

وقال أبو الفرج الأصفهانيّ : حدّثني أحمد بن عيسى قال : حدّثني حسين بن نصر ، قال : حدّثنا أبي ، قال : حدّثنا عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام : أنّ زيد بن رقّاد الجنبيّ ، وحُكيم بن الطُفيل الطّائي ؛ قتلا العبّاس بن عليّ عليه السلام (٢).

وسَلَبَ ثيابَهُ حُكيمُ بن طُفيل الطّائيّ (٣).

فقد اشترك في قتله كلّ من : زياد بن رقّاد الجنبيّ ، وحُكيم بن الطُفيل الطّائيّ السنبسيّ ، وكلاهما ابتلي في بدنه (٤).

وورد في زيارة الناحية : «... لعن الله قاتله يزيد بن الرقّاد الجهني ،

__________________

(١) شرح الأخبار ، ٣ / ١٩١ ـ ١٩٣.

(٢) مقاتل الطالبيّين : (ص ٩٠).

(٣) البلاذري أنساب الأشراف : (٣ / ٦ ـ ٤٠٧) والطبري في التاريخ (٦ / ٦) ومقتل الخوارزمي (٢ / ٢٢٠).

(٤) الرسّان ، تسمية من قتل : (ص ١٤٩) وانظر : ابن سعد في ترجمة الحسين عليه السلام من طبقاته (ص ٧) رقم (٥٧). وراجع أنساب الأشراف للبلاذري (٣ / ٢٠١) وتاريخ الطبري (٥ / ٤٦٨).

٢١٣

وحكيم بن الطُفيل الطائي» (١).

العبّاس آخرُ قتيلٍ :

ولئن كان أوّل قتيلٍ من أهل البيت هو ابن الإمام الحسين عليه السلام عليٌّ المعروف بالأكبر ، وكان مقتله صعباً على قلب أبيه ، لأنّه كان فلذة كبده ، وكان المذكّر بجدّه لشبهه به ، حتّى قال الحسين عليه السلام فيما عندما توجّه إلى ساحة المعركة :

«الّلهمّ اشهدْ على هؤلاء القوم فقدْ بَرَزَ إليهم غُلامٌ أَشْبَهُ الناس خَلْقاً وخُلُقاً ومنطقاً بِرَسُولكَ مُحمّدٍ ، كُنّا إذا اشْتَقْنا إلى وَجْهِ رَسُولك نَظَرْنا إلى وَجْهِهِ.

اللهمّ فامْنَعْهم بَرَكاتِ الأرض ، وإنْ مَنَعْتهم فَفَرِّقْهم تفريقاً ومَزِّقْهم تَمْزيقاً ، واجْعَلْهم طرائِقَ قِدَداً ، ولا تُرْضِ الوُلاةَ عنهم أبَداً ؛ فإنّهم دَعَوْنا لِيَنْصُرُونا ثمّ عَدَوْا علينا يُقاتِلُونا» (٢).

وقال عند مصرعه : قتل الله قوماً قتلوك ، يا بُني! ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة رسول الله ، على الدنيا بعدك العفا (٣).

ولكنّه رغم المُصاب الصعب ، فإنّه مع فقده كانت له سلوةٌ بسائر أهل بيته ، وقوّةُ قلب وقوامُ ظهر ؛ فلذا اقتصر على نعي الدُنيا.

__________________

(١) بحار الأنوار (٤٥ / ٦٦).

(٢) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي (٢ / ٣٤).

(٣) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي (٢ / ٣٦).

٢١٤

وأمّا عند مصرع أخيه العَبّاس ، فقد كان المُصاب عندهُ أصعبَ ، لكونه آخر نصيرٍ ممّن كان معه من أهلٍ وأصحابٍ ، فبقي الحسين بعد العَبّاس وحدَه بلا عضدٍ ولا نصيرٍ.

وإذا اعتبر الحسين عليه السلام قتل ولده عليّ الأكبر ، انتهاكاً لحرمة رسول الله ، فإنّ الوارد في زيارة العبّاس عليه السلام المأثورة ، وغير المقيّدة بزمن معيّن ما نصّه :

«فَلَعَنَ اللهُ أُمّةً قَـتَلَتْكَ ، ولَعَنَ اللهُ أُمّةً ظَلَمَتْكَ ، ولَعَنَ اللهُ أُمّةً اسْتَحَلَّتْ منكَ المَحارِمَ وانْتَهَكَتْ حُرْمَةَ الإسلامِ» (١).

حضور الحسين عليه السلام عند العبّاس ورثاءه وندبته له عليه السلام :

ولمّا قُتِلَ العَبّاس عليه السلام قال الحسين عليه السلام : «الآنَ انكَسَرَ ظَهْري ، وقَلَّتْ حِيْلَتي» (٢) وبهذا كان قد نعى نفسَهُ ووُجُودَهُ الشريف بِقَتلِ أخيه العَبّاس. ولسان حاله يقول :

هوّنتَ بانَ أبي مصارعَ فِتيَتي

والجُرحُ يُسكِنُهُ الّذي هُوَ آلَمُ (٣)

__________________

(١) لاحظ الزيارة في الملحق الثاني (ص ٢٤٩).

(٢) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي (٢ / ٣٠) والبحار (٤٥ / ٤٢).

(٣) من شعر السيّد جعفر الحلّي رحمة الله راجع ديوان «سحر بابل» (ص ٤٣٢).

٢١٥

المرقد المقدّس

دفنه عليه السلام :

في حديث الإمام السجّاد زين العابدين عليه السلام : شَقَّ لهُ ضريحاً وأنزلهُ وَحْدَهُ ، كما فعلَ بأبيهِ الوَصِيّ (١).

وقال المفيد : وبعدَما قَفَلَ جندُ الكوفة من كربلاء ، خَرَجَ أهلُ الغاضريّة من بني أَسَدٍ ، فدَفَنُوا الحُسين وأصحابه. دَفَنُوا الحُسين حيثُ قبرُهُ الآن. ودَفَنُوا عليّ بن الحُسين عند رِجْليهِ. وحَفَرُوا للشُهداء من أهل بيته وأصحابه الّذين صرعوا معه حولَهُ ، ممّا يلي رِجْلَي الحُسين عليه السلام وجمعُوهم فدَفَنُوهُم جميعاً. إلاّ العَبّاس بن عليّ عليهما السلام فإنّهم دَفَنُوهُ في موضِعِهِ الّذي قُتِلَ فيه على طريق الغاضِريّة ، حيثُ قبرُهُ الآن (٢).

وقال أبو نصر البُخاريّ : ليس يُعرَفُ في الطَفّ قبرُ أحدٍ ممّن قُتِلَ مع الحُسين بن عليّ عليهما السلام إلاّ قبر العَبّاس بن عليّ عليهما السلام (٣).

وقال البيهقيّ : قبرُهُ مُفردٌ بكربلاء ، وصلّى عليه جابر بن عَبْد الله الأنصاري (٤).

__________________

(١) كامل الزيارات (ص ٣٢٥) مقتل الحسين عليه السلام المقرّم (٤١٢ ـ ٤١٨).

(٢) الإرشاد (٢ / ١١٤).

(٣) سرّ السلسلة (ص ٨٩) معالم أنساب الطالبيين (ص ٢٥٥).

(٤) لباب الأنساب (١ / ٣٩٧).

٢١٦

وقال ابن عِنَبة : وقبرُهُ قريبٌ من الشريعة (١) حيثُ استشهد (٢).

وقال الشيخ المفيدُ : فهؤلاء سبعةَ عشرَ نَفْساً من بني هاشم رضوان الله عليهم أجمعين إخوةُ الحُسين عليه وعليهم السلام وبنُو ابيه وبنُو عمّهِ جعفرٍ وعقيلٍ ، وهم كلّهم مدفُونُون ممّا يلي رِجلَي الحُسين عليه السلام في مشهدِهِ ، حُفِرَ لَهم حفيرةٌ وأُلقوا فيها جميعاً ، وسُوّيَ عليهم التُرابُ.

إلاّ العَبّاس بن عليّ عليهما السلام فإنّه دُفِنَ في موضع مَقْتَلِهِ ، على المُسنّاة ، بطريق الغاضريّة ، وقبرُهُ ظاهرٌ.

وليسَ لقبور إخوته وأهله الّذين سمّيناهم أَثَرٌ ، وإنّما يزورُهُم الزائِرُ من عند قبر الحُسين عليه السلام ويؤمِي إلى الأرض الّتي نحو رِجْلَيه بِالسلام عليهم وعليّ بن الحسين من جملتهم ، ويقال : إنّه أقربُهم دَفْناً إلى الحُسين عليه السلام.

فأمّا أصحاب الحُسين رحمة الله عليهم الّذين قُتِلُوا معه ، فإنّهم دُفِنُوا إلاّ أنّنا لا نشكّ أنّ الحائر محيطٌ بهم رضي الله عنهم وأرضاهم وأسكنهم جنان النعيم (٣).

__________________

(١) الشريعة من أسماء النهر.

(٢) عمدة الطالب (ص ٣٥٨).

(٣) الإرشاد للشيخ المفيد (٢ / ١٣٠).

٢١٧

مرقد العبّاس عليه السلام والحائر المقدّس :

روى ابن قولويه قال : محمّد بن أحمد بن الحسين العسكريّ ، عن الحسن بن عليّ بن مهزيار ، عن أبيه ، عن ابن أبي عُميْر ، عن محمّد بن مروان ، عن أبي حمزة الثُماليّ ، قال : قال الصادق عليه السلام : إذا أردتَ زيارةَ قبرِ العبّاس بن عليّ وهو على شطّ الفُراتِ بِحِذاءِ الحائر ، فقف على باب السقيفة ، وقل ... (١).

ويدلّ هذا الحديث على أمورٍ تخصّ مرقده الشريف :

١ ـ أنّ مرقد العبّاس عليه السلام كان في عصر الإمام الصادق عليه السلام في بيتٍ مسقوفٍ ، وله بابٌ.

٢ ـ أنّ المرقد خارجٌ عن الحائر المعروف النسبة إلى الامام الحسين عليه السلام والّذي له حكمٌ خاصٌّ مذكورٌ في باب صلاة المسافر من كتاب الصلاة.

٣ ـ أنّه كان واقعاً على شطّ الفُراتِ.

الرأس الشريف ومدفنه :

إنّ من أبشع الجرائم الّتي ارتكبها أنصار آل أبي سفيان في كربلاء ، هو : قطع رؤوس الشهداء من آل أبي طالب ، والتجوال بها في الفيافي والصحارى ، وعرضها للناس ونصبها في ميادين المُدُن.

قال الخوارزمي ـ بعد ذكر الشهداء من أهل البيت عليهم السلام ـ وأخذوا

__________________

(١) ابن قولويه في كامل الزيارات (ص ٢٥٦ ـ ٢٥٨) ونقله المجلسي في البحار (٩٨ / ٢٧٧ ـ ٢٧٨).

٢١٨

رؤوسَ هؤلاء ، فحملتْ إلى الشام ، ودُفِنَتْ جُثَثُهُم بِالطَفّ (١).

وقال ابن حبيب : ونصب يزيد بن معاوية رأس الحسين رضي الله عنه ، وقُتِلَ معه العَبّاس ، وجعفرٌ ، وعَبْد الله ، ومحمّدٌ أبو بكر ؛ بَنُو عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهم.

ثمّ ذكر أسماء بقيّة الهاشميّين الشُهداء معهم ، وقال : وحُمِلَتْ رؤوسُهم إلى يزيد بن معاوية ، ونَصَبَها بِالشام ، وبَعَثَ بِرأس الحسين عليه السلام فنُصِبَ بِالمدينة (٢).

مقام مدفن الرأس الشريف في الشام :

ذكر السيّد الأمين ما نصّه : رأيتُ بعد سنة ١٣٢١ هـ في المقبرة المعروفة بمقبرة (باب الصغير) بدمشق مشهداً وضع فوق بابه صخرة كتب عليها ما صورته :

هذا مدفَنُ رأسِ العَبّاس بن عليّ ، ورأس عليّ بن الحسين الأكبر ، ورأس حبيب بن مظاهِر.

ثمّ إنّه هُدِمَ بعد ذلك بسنتين ، وأُعيدَ بناؤُهُ ، وأُزيلَتْ هذه الصخرة ، وبني ضريحٌ داخل المشهد ، ونُقِشَ عليه أسماءٌ كثيرةٌ لِشُهداء كربلاء ، ولكنّه منسوبٌ إلى الرؤوس الشريفة الثلاثة المقدّم ذكرُها حَسَبَ ما كان موضوعاً على بابه ، كما مرّ.

__________________

(١) مقتل الحسين عليه السلام (٢ / ٤٠٠).

(٢) المحبّر لابن حبيب (٤٩٠ ـ ٤٩١).

٢١٩

قال السيّد الأمين : والظنّ القويّ بصحّة نسبته (١).

وذكر الشيخ فرج آل عمران القطيفي في (الأزهار الأرجية) ما خلاصته : أنّ السيّد عَبْد الحُسين شرف الدين صاحب (المراجعات) قال له : إنّي زرتُ مشهدَ الرؤوس في السنة (السابعة بعد الثلاثماءة والألف من الهجرة) وأنا حينئذٍ ابن (١٧) سنة ، وهي إذ ذاك قبّةٌ صغيرةٌ ، وبعد عدّة سنوات قيّض الله لتعميره الشهم الغيور السيّد سليم مرتضى أحد الأشراف ، وكان هو القيّمُ على المشهد ، وخلفه ذُرّيته ، وقد كتب على المشهد :

وقبّةٌ من بني عدنان ما نَظَرَتْ

عَنْنُ الغَزالة أَعْلى مِنهُمُ نُصُبَا

من كلِّ جسمٍ بوجهِ الأرضِ مُطَّرَحٍ

وكُلّ رأسٍ بِرأسِ لارُمْحِ قد نُصِبَا

هذا مقامُ رُؤوس الشُهداء الستّة عشر من أهل بيت النبيّ الّذين استشهدوا يوم طَفّ كربلاء مع الإمام الحُسين عليه السلام ابن الإمام عليّ بن أبي طالب عليهما السلام.

شيّد هذا المقامُ بِمساعي السيّد أفندي السيّد حُسين مُرتضى ، قائم مقام مراقد أهل البيت عليهم السلام في شوال سنة ١٣٣٠ هـ.

ويقع بقرب محلّ رُؤوس الشهداء مسجد الإمام زين العابدين عليه السلام وهو المسجد الّذي بقي في أُسارى أهل البيت ؛ حين وَرَدُوا دمشق ، وهو أَقْدَمُ مسجدٍ في دمشق ، وكانتْ آثارُ التعمير فيه باديةَ ، فأوّلُ ما أُنزلوا في هذا البيت ، وهي تُسمّى اليومَ بـ «الخَراب» وبِها باتُوا بُرهةً من الزمن ، ثمّ

__________________

(١) أعيان الشيعة (ج ٤ قسم ١ ص ٢٩٠) بتصرّف واختصار.

٢٢٠