العبّاس ابوالفضل ابن أمير المؤمنين عليه السلام سماته وسيرته

السيد محمد رضا الحسيني الجلالي

العبّاس ابوالفضل ابن أمير المؤمنين عليه السلام سماته وسيرته

المؤلف:

السيد محمد رضا الحسيني الجلالي


الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع)
الناشر: مكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدسة
المطبعة: دار الكفيل للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٠٣
  نسخة غير مصححة

لكن الأُردوبادي رجّح أن تكون ولادته في (٢٧ هـ) اعتماداً على مقدّمات وحسابات وافتراضات تفرّد بها (١) وأنّه قُتِلَ شهيداً سنة (٦١ هـ) في العاشر من شهر محرّم الحرام ، في الطَفّ وهي كربلاء (٢).

وأمّا محلّ ولادته :

فقد قال الأُردوبادي : وأمّا محلّ ولادته سلام الله عليه فلا شكّ أنّه المدينة المنوّرة ، فإنّ أمير المؤمنين سلام الله عليه ـ إذْ ذاك ـ كان فيها ، وكانت هجرتُهُ عليه السلام إلى الكوفة بعد ثماني سنين تقريباً (٣) فقد كانتْ في حدود سنة (٣٥ هـ) (٤).

موقف العبّاس عليه السلام من إخوته عند الشهادة :

قال البخاري النسّابة : لمّا كان يوم الطَفّ قدّم الحسين بن عليّ عليهما السلام إخوة العَبّاس ، وهم ثلاثة : جعفر ، وعثمان ، وعَبْد الله أبو بكر ، حتّى قتلوا ... وورثهم العَبّاس ، ثمّ قُتِلَ العَبّاس فورثهم جميعاً ابنه عُبَيْد الله بن العَبّاس (٥). وهذا النصّ دليل على أنّ الإمام الحسين عليه السلام هو الّذي قدّم الإخوة الثلاثة على العَبّاس للقتال ، فقُتِلُوا قبله ، وليس المقدّم لهم هو

__________________

(١) فصول من حياة أبي الفَضْلِ (ص ١ ـ ٤٢).

(٢) عمدة الطالب (ص ٣٥٦).

(٣) فصول من حياة أبي الفَضْلِ (ص ٤٤).

(٤) فصول من حياة أبي الفَضْلِ (ص ٣٥).

(٥) سرّ السلسلة (ص ٨٩) معالم أنساب (ص ٢٥٦).

١٢١

العبّاس ، وإذا كان يرثهم ـ كما عبر البخاريّ ـ فلكونه أخاً لهم من الأبوين ، فهو يحجبُ الإخوة من طرفٍ واحدٍ ، كما عليه فقه الإماميّة (١).

وقال الشيخ المفيد : لمّا رأى العَبّاسُ بن عليّ عليهما السلام كثرة القتلى في أهله ، قال لإخوته من أُمّه ـ وهم عَبْد الله ، وجعفرٌ ، وعُثمانُ ـ : «يا بني أُمّي ، تقدّموا أمامي حتّى أراكم قد نصحتم لله ولرسوله ، فإنّه لا ولد لكم» (٢).

وقال الدينوريّ : لمّا رأى ذلك العَبّاس ، قال لإخوته : عَبْد الله ، وجعفر ، وعثمان : بني عليّ وعليهم السلام ، وأُمّهم جميعاً أُمُّ البنين العامريّة من آل الوحيد : «تقدّموا ـ بنفسي أنتم ـ فحامُوا عن سيّدكم ، حتّى تموتُوا دُونه».

فتقدّموا جميعاً ، فصاروا أمام الحسين عليه السلام يقُونَهُ بِوُجُوهِهم ونُحُورِهم.

فحمل هانئ بن ثبيت (٣) الحَضرميّ على عَبْد الله بن عليّ ، فقتله.

ثمّ حمل على أخيه جعفر بن عليّ ، فقتله أيضاً.

ورمى يزيدُ الأصبحيّ عثمانَ بن عليّ بِسَهمٍ ، فقتله ، ثمّ خرج إليه فاحتزّ رأسه ، فأتى عُمَرَ بنَ سعدٍ ، فقال له : أثِبْنِي! فقال عمرُ : عليك بأميرك ـ يعني عُبَيْد الله بن زياد ـ فسَلْهُ انْ يُثِيبَكَ!

وبقي العَبّاس بن عليّ قائماً أمامَ الحسين يُقاتلُ دُونه ، ويميلُ معهُ

__________________

(١) راجع الروضة البهيّة شرح اللمعة الدمشقية ، ويلاحظ أنّ الأخ من الأبوين إنّما يحجب الإخوة غير الأشقاء فقط ، ولا يحجب غيرهم من الورثة ؛ كالأبوين والزوجة وغيرهما.

(٢) الإرشاد للشيخ المفيد (٢ / ١٠٩).

(٣) كذا الصواب وفي المصدر : ثويب.

١٢٢

حيثُ مالَ ، حتّى قُتِلَ رحمةُ الله عليه (١).

ونقل أبو الفرج ، قال : قال العَبّاس بن عليّ لأخيه من أبيه وأُمّه عَبْد الله ابن عليّ : «تقدّم بين يَدَيَّ حتّى أَراكَ (٢) وأَحْتَسِبَكَ ، فإنّه لا وَلَدَ لَكَ» فتقدّم بين يديه ، وشدّ عليه هانئ بن ثُبَيْت الحضرميّ ، فقتله (٣).

تحريف مبنيّ على تصحيف :

علّق محقّق مقاتل الطالبيين على قول العَبّاس عليه السلام لأخيه عَبْد الله : «تقدّم بين يديَّ حتّى أراك وأحتسبك» ما نصّه : في الخطيّة : حتّى أرثك (٤).

أقولُ : أنّ رسم الخطّ العربيّ القديم هو كتابة الألف المتوسّطة في مثل كلمة (أراك) و(أراكم) بصورة ألفٍ صغيرةٍ على كرسيّ الياء هكذا : (أريك) و(أريكم) ومع حذف الألف القصيرة على الكرسيّ (يـ) وعدم تنقيط الكلمة يُشَبَّهُ على مَنْ لم يعرفْ هذا الرسم ، فتتصحّف الكلمةُ عنده بـ (أرثك) أو (أرثكم) وهذا ما حصل للبعض في نقل كلام العَبّاس عليه السلام.

فعن ابن الأثير : أنّ العَبّاس قال لإخوته من أُمّه : عبد الله وجعفر

__________________

(١) الأخبار الطوال (ص ٢٥٧).

(٢) في هامش المطبوعة ما نصّه : «في الخطيّة (حتّى أرثك»).

أقول : هذا من التصحيف ؛ لأنّ رسم كلمة (أَراكَ) قديماً يُكتب : (أريك) حيثُ تجعل الألف القصيرة على نبرةٍ تشبهُ كرسيّ الياء المتّصلة هكذا (يـ) ومع حذف الألف القصيرة وعدم تنقيط الكلمة تقرب في الرسم من (أرثك) فلاحظ. كما ذكرنا في المتن أيضاً.

(٣) مقاتل الطالبيين (ص ٨٨).

(٤) مقاتل الطالبيين (ص ٨٨) هـ (١).

١٢٣

وعثمان : «تقدّموا حتّى أرثكم فإنّه لا ولد لكم» ففعلوا فقتلوا (١).

وهو المنقول عن الطبري عن أبي مخنف قال : وزعموا أنّ العَبّاس قال ... (٢).

وهو تصحيف أدّى إلى تحريف المَعْنى بلا ريب ، فإنّ المنقول عنه في مهمّات الكتب ـ كما قدّمنا ـ هو حثّ العبّاس عليه السلام إخوتَه على الطاعة والانقياد والتفاني والتضحية في سبيل أخيهم الحسين الإمام عليه السلام ولمّا قدّم الحسينُ عليه السلام إخوته للقتال ، ما كان من العَبّاس إلاّ التشجيع لهم ، وبَعثهم على التقدّم والحماية عن سيّدهم الإمام عليه السلام لأخيه من أبيه وأُمّه عَبْد الله : «أَحْتَسِبَكَ ...» لِما في تحمّلمصيبة قتلهم ؛ وصبرِه على فقدهم من الأجر ، وأرادَ لهم رفيع المنزلة بتحصيل الشهادة ، وهو شاهدٌ على تفانيهم ، وهذا يدلّ على أرفع معاني الكرامة عنده ، وعظيم المحبّة لهم ، وكريم المنزلة لديه حيث حثّهم على مثل ذلك الجهاد العظيم بين يدي الإمام عليه السلام الوحيد.

فمثل هذا الأخ ، وفي ذلك الموقف الحرج الرهيب ، لا يتصوّر منهُ أن يفكّرَ أو يذكر أمَر الإرث وما أشبه من حُطام الدُنيا الفانية ؛ وهو مقبلٌ على نعيم الآخرة الّذي لا يفنى.

وقد أدّى هذا التصحيف إلى اجتهاد خاطئ ، ممّن نقل : أنّ العبّاس بن

__________________

(١) الكامل لابن الأثير (٤ / ٧٦).

(٢) تاريخ الطبري (٥ / ٤٤٩) وانظر فصول الأُردوبادي (ص ٧١).

١٢٤

عليّ ، قدّم أخاه جعفراً بين يديه ، لأنّه لم يكن له ولد ؛ ليحوزَ ولد العبّاس ابن عليّ ميراثه ، فشدّ عليه هانئ بن ثبيت الّذي قتل أخاه ، فقتله (١).

وقد عارض أبو الفرج هذه الرواية بما ذكر بعدها مباشرةً من قوله : «هكذا قال الضحّاك».

ولعلّ كلام الضحّاك هذا هو الذي سبب تصحيف الكلمة الواحدة من (أراكم) إلى (أرثكم).

فانظر : كيف أدّى إلى تحريف المعنى السامي الذي أراده العبّاس عليه السلام إلى معنى هابطٍ رذلٍ بعيدٍ عن روح النضال والجهاد والتضحية والمواساة؟.

وتَعِسَ من يُحاولُ أن يُسيء إلى تلك الروح العالية ، ويهبط بالكرامة والنجدة والمواساة إلى ما يُعارضها ويُنافيها من التفكير بالمادّة ، وما يتبع ذلك من الرذالة والخساسة الّتي هي من شأن أعداء آل محمّد ، ويجلّ آل البيت عليهم السلام ومن معهم منها ، كما نربؤ بهم عنها.

__________________

(١) مقاتل الطالبيين (ص ٨٨).

١٢٥
١٢٦

البابُ الثاني

سِماتُ العَبّاس عليه السلام الجَسَدِيّةُ

١٢٧
١٢٨

كان العبّاس عليه السلام طوالاً من الرجال

قال أبو الفرج الأصفهانيّ : كانّ العَبّاس رجلاً وسيماً جميلاً ، يكرب الفَرَسَ المُطَهَّم (١) ورجلاه تخطّان الأرض ، وكان يقال له : قمر بني هاشم (٢).

وقال أبو العَبّاس الحَسَنيّ في ذكر آخر من قُتِلَ من أهل البيت عليهم السلام مع الحسين : ثمّ العَبّاس بن علي بن أبي طالب ، وكان يُقاتلُ قتالاً شديداً ، فاعتوره الرجّالةُ برماحهم فقتلُوه ، فبقي الحسين عليه السلام وحدَهُ ليسَ معهُ أَحَدٌ (٣).

وقال ابن الطِقْطقَى : كان العَبّاس عليه السلام شجاعاً ، فارساً ، كريماً ، باسلاً ، وفيّاً لأخيه ، واساه بنفسه عليه وعلى أخيه صلوات الله (٤).

أقول : إنّ ضخامة الجسم بطول اليدين والرجلين ، والشجاعة تقتضي البسالة وشدّة القتال ، وقد وفى العبّاس عليه السلام بحقّ ذلك وأبلى في الأعداء ، فحنَقُوا عليه ، وقطعوا يديه ورجليه (٥).

__________________

(١) المطهّم : السمين الفاحش السمن ، وـ المنتفخ الوجه ، وـ التامّ من كلّ شيء ، المعجم الوسيط (طهم) ص ٥٦٩ ، والمراد هنا : الفرس الضخم المرتفع.

(٢) مقاتل الطالبيين (ص ٩٠).

(٣) المصابيح (ص ٣٣١).

(٤) الأصيلي (ص ٣٢٨).

(٥) راجع : شرح الأخبار للقاضي النعمان المصري (٣ / ١٩١ ـ ١٩٣).

١٢٩

رأس العبّاس الأصغر :

ثمّ إنّ الشيخ الصدوق (١) نقل عن هِشام بن محمّد ، عن القاسم بن الأَصْبَغ المُجاشعيّ قال : لمّا أُتِيَ بِالرؤوس إلى الكوفة إذا بِفارسٍ قد عَلّقَ في لَبَبِ فَرَسِهِ (٢) رأسَ غُلامٍ أَمْرَدَ ، كأنّهُ القمرُ في ليلة تَمِّهِ ، والفَرَسُ يَمْرَحُ ، فإذا طأطأَ رأسَهُ لَحَقَ الرأسُ بالأرض. فقلتُ لهُ : رأسُ مَنْ هذا؟

فقال : رأسُ العَبّاسِ بن عليٍّ.

قلتُ : ومنْ أنتَ؟ قال : حَرْمَلَةُ بنُ كاهِلِ الأسديّ.

ونقله سبط ابن الجوزيّ ، واللفظ له (٣) وانظر ما رواهُ أبو الفرج (٤).

ومن الواضح أنّ وصف «الغُلام الأمرد» لا يَتناسَبُ مع أوصاف العَبّاس الأكبر السقّاء عليه السلام.

فلابدّ من حمله على أخيه العَبّاس الأصغر من الأصاغر من أولاد أَمِيْر المُؤْمِنِيْنَ عليه السلام وقد سبق ذكره ، وذكرنا أنّ أُمّهُ أُمُّ ولدٍ ، كما عن بعض ، وغيرها عن آخرين.

__________________

(١) عقاب الأعمال (ص ٢٥٩ ـ ٢٦٠) ح ٨ باب عقاب من قاتل الحسين عليه السلام.

(٢) اللبب : ما يشدّ في صدر الدابة ليمنع تأخّر السرج (المعجم الوسيط : لبب).

(٣) تذكرة الخواص (٢ / ٢ ـ ٢٥٣).

(٤) مقاتل الطالبيين (ص ١١٧ ـ ١١٨) والأمالي الخميسية (١ / ٢ ـ ١٨٣) والحدائق الوردية (١ / ٧ ـ ١٢٨) ولاحظ تذكرة الخواص (ص ٢٩١) وثواب الأعمال (٢١٩).

١٣٠

البابُ الثالث

سِماتُ العَبّاس عليه السلام الروحيّة

١٣١
١٣٢

إنّ مَنْ يترعرع في البيت الّذي طهّرَ اللهُ أهلَهُ ، فقال : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (الآية ٣٣ من سورة الأحزاب).

لَحَرِيٌّ بكلّ الكمالات الروحيّة ، والعَبّاس عليه السلام نشأ في أحضان أَمِيْر المُؤْمِنِيْنَ عليه السلام ونَما في كنف الحَسَنِ المُجتبى ، وزاول الحياة في مدرسة الحُسين عليه السلام فاستأهَلَ المقاماتِ المعنويّة العالية ، واستحقّ المديحَ الصادقَ على لسان المعصومين عليهم السلام وقد رُوِيَت عنهم فيه ما يلي :

في كلمات الإمام الحسين عليه السلام ـ :

فهو من أهل بيت الحُسين عليه السلام الّذين توّجَهُمْ ليلةَ عاشوراء وأكرمهم بقوله :

«أمّا بعد ، فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ، ولا أهل بيت (أبرّ ولا أوصل) (١) من أهل بيتي ، فجزاكم الله عنّي خيراً (٢).

فقد آزرتم وعاونتم ، والقوم لا يريدون غيري ، ولو قتلوني لم يبتغوا غيري أحداً ، فإذا جنّكم الليلُ فتفرّقوا في سواده فانجوا بأنفسكم».

فقام إليه العَبّاسُ بنُ عليّ أخوه ، وعليٌّ ابنه ، وبَنُو عقيلٍ ؛ فقالوا :

__________________

(١) في مقاتل الطالبن (خيراً) بدل ما بين القوسين.

(٢) إلى هنا من الإرشاد للمفيد (٢ / ٩١).

١٣٣

معاذَ الله ، والشهر الحرام ، فماذا نقول للناس؟! (١).

قال الشيخ المفيد :

فقال له إخوتُه ، وأبناؤُهُ ، وبَنُو أخيه ، وابنا عَبْد الله بن جعفر : لِمَ نفعلُ ذلك؟ لنبقى بعدك؟! لا أرانا الله ذلك أبداً.

بَدَأَهُم بِهذا القول العَبّاسُ بنُ عليٍّ رضوانُ الله عليه ، واتّبعته الجماعة عليه ، فتكلّموا بمثله ونحوه (٢).

وقال أبو الفرج :

فقام إليه العبّاس أخوه ، وعليٌّابنه ، وبنو عقيلٍ فقالوا له :

معاذ الله والشهر الحرام! فماذا نقول للناس إذا رجعنا إليهم؟ إنّا تركنا سيّدنا وابن سيّدنا وعمادنا ، وتركناهُ غرضاً للنبل ودريئةً للرماح ، وجزراً للسباع.

وفررنا منه رغبةً في الحياة!؟ معاذ الله! بل نحيا بحياتك ، ونموت معك (٣).

إنّ وصف الإمام الحسين عليه السلام لأهل بيته بالبرّ والصلة ، وجعلهم خيرَ أهلِ بيتٍ في المؤازرة والمعاونة ، والتمجيد لهم بهذه الكلمات الذهبيّة ؛ لهي شارةُ مجدٍ وكرامة في صَدْرِ مَنْ حَضَرَ من أهل بيته معهُ في تلك المِحنة الرهيبة ، وفي ذلك الموقف الصعب العصيب.

__________________

(١) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج (٢ ـ ١١٣).

(٢) الإرشاد للمفيد (٢ / ٩١) وراجع الكامل في التاريخ لابن الأثير (٤ / ٥٧).

(٣) مقاتل الطالبيين (ص ١١٣).

١٣٤

ثمّ إنّ تقدّم العَبّاس عليه السلام على جميع الحاضرين من أهل البيت ومن الأصحاب ، وفيهم أبناءُ الإمام وصحابة الرسول ، وكبار الشيبة والمشايخ ، وكون العَبّاس هو المتكلّمَ الأوّلَ في هذا المجمعِ الضخمِ الفخمِ ، والملتقى الشريف ، وفي مثل الموقف الحرج الّذي يرتج فيه الكلامُ على كلّ منطيقٍ ، إنّ تصدّرَ العَبّاس بمثلِ ذلك الكلام ، لدليلٌ على تملّيهِ بالإيمان واليقينِ بِما يقومُ به من المُتابعة لإمامِهِ ، كما ينمُّ عمّا يملكهُ من البُطولة والحميّة والدفاع عن الحقّ وأهله.

وممّا جاء في حديث المقتل : أنّ الإمام عليه السلام خاطب أخاهُ العَبّاس ، عند زحف جيش الكوفة نحو المخيّم الحسينيّ ، عصر التاسع من المحرّم ، فقال الإمام عليه السلام له :

يا عبّاسُ ، اركبْ ـ بِنفسي أنْتَ ، يا أخي! ـ حتّى تلقاهم ، فتقول لهم : مالكُم؟ وما بدا لكُم؟ وتسألهم عمّا جاء بهم (١)؟

إنّ تخصيصَ الإمام عليه السلام لأخيه العَبّاس لهذه الرسالة المهمّة فيها من الدلالة على المدى الفائق في اعتماده عليه بلا ريبٍ ، وهذا ما سنتحدّث عنه في الباب التالي من هذا الكتاب.

لكن تَفَدِّي الإمامِ بنفسهِ الشريفةِ أخاهُ العباسَ بقوله : «بِنفسي أنْتَ ، يا أخي! ...» فيه دلالةٌ أكبرُ ، لأنّ نفس الإمام عليه السلام هي أشرفُ نفسٍ على وجه الأرض ، والعَبّاس وكلُّ مَن معهُ إنّما حَضَرُوا معهُ لِيُحافِظُوا على نَفسهِ

__________________

(١) تاريخ الطبري (٥ / ٤١٦).

١٣٥

العزيزة والعظيمة ، وهذا واجبُهُم الإلهيّ ، فكيفَ يَتفَدّى الإمامُ بِنفسهِ هذِهِ لِلعبّاسِ!

إنّ في ذلك تقديساً لِلعَبّاسِ يُساوي قُدسيّة نفسِ الإمامِ عليه السلام ويرفع مستوى عظمة العَبّاس وكرامته إلى مُستوى اليقينِ بعظمةِ الإمامِ وكرامته.

وهذا ما تُؤكّدُهُ مجموعةُ الأحاديث والروايات الواردة عن الأئمّة عليهم السلام في حقّ العَبّاس عليه السلام وتبيين بعض فضائله وفواضله ، نسردها هُنا :

كلام الإمام زين العابدين السجّاد عليه السلام في عمّه العَبّاس :

أسندَ الشيخُ الصدوقُ إلى أبي حمزة الثُمالي ؛ ثابت بن أبي صفيّة ، قال : نظر سيّدُ العابدين عليُّ بنُ الحسين عليهما السلام إلى عُبَيْد الله بن العَبّاس بن عليّ ابن أبي طالب عليهم السلام فاستعبرَ ، وقال :

«ما من يومٍ أشدَّ على رسول الله صلى الله عليه وآله من يومِ أُحُدٍ ، قُتِلَ فيه عمّه حمزةُ ابن عَبْد المطّلب أسدُ الله وأسدُ رسوله ، وبعدهُ يوم مُؤتة قُتِلَ فيه ابن عمّه جعفرُ بنُ أبي طالب.

ثمّ قال : ولا يومَ كيومِ الحسين عليه السلام ازدلَفَ إليه ثلاثونَ ألفِ رجلٍ يزعمون أنّهمْ من هذه الأُمّة!!؟؟ كلٌّ يَتَقَرَّبُ إلى اللهِ عزّ وجلّ بِدَمِهِ!!! وهو باللهِ يذكّرهُمْ فلا يتّعِظُون ، حتّى قَتَلُوهُ بَغْياً وظُلْماً وعُدْواناً.

ثمّ قال : رَحِمَ اللهُ العَبّاسَ ، فقدْ آثَرَ ، وأَبْلى ، وفَدَى أخاهُ بِنَفسهِ ، حتّى قُطِعَتْ يداهُ ، فأبْدَلَهُ اللهُ عزّ وجلّ بِهما جَناحينِ يَطِيرُ بِهما مَعَ الملائكةِ في الجنّة ، كما جَعل لِجَعفرِ بنِ أبي طالب.

١٣٦

وإنّ للعبّاسِ عندَ اللهِ تبارك وتعالى منزلةً يغبطُهُ بِها جميعُ الشُهداء يومَ القيامةِ» (١).

إنّ ما يحتويه هذا النصُّ من كلمات الثناء والتمجيد لِمواقِفِ العَبّاسِ واضحةٌ صريحةٌ ، ونقرأُ وراءَها دلالاتٍ عميقةٍ :

فتذكيرُ الإمام السجّاد عليه السلام بأيّام الرسول صلى الله عليه وآله وغزواته ، وما جرى فيها عليه من الشدائد بِقَتل أهلِ بيتهِ في أُحُدٍ ومُؤتَةَ ، تدلُّ على المُقارَنةِ بينَ تلكَ الأيّامِ ، وبين يومِ الحُسين عليه السلام وفي ذلك :

١ ـ التوحيد بين الأهدافِ في الأيّامِ كلّها ، بِفارقِ أنّ القائدَ هُناكَ هُو رسول الله ، وهُنا هو ابنُه الحُسين الّذي نَصَّ على أنّهُ «مِنْهُ» في حديث : «حُسينٌ مِنّي وأنا من حُسينٍ أَحَبَّ اللهُ مَن أَحَبَّ حُسيناً» (٢).

وبهذا حدّد الرسولُ صلى الله عليه وآله المسيرَ والمصيرَ ، بأنّ حركة الحسين عليه السلام هي استمرارٌ لحركة الرسول صلى الله عليه وآله.

وعلى ذلك فإنّ المقارنة تقعُ بين أصحاب الرسول في تلك الأيّام ، والأصحاب في يوم الحسين عليه السلام. وتخصّص المقارنة بين الشهداء في أيّام الرسول من أقاربه وأهل بيته ، والشهداء في يوم الحسين من أهل بيته.

__________________

(١) الأمالي للصدوق (ص ٧ ـ ٥٤٨) وهو آخر حديث في المجلس (٧٠) تسلسل (٧٣١) ورواه في كتابه الخصال (ص ٦٨ رقم ١٠١) بالسند ، من قوله : «رحم الله العَبّاس ...» إلى آخره وقال : والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة ، وقد أخرجته بتمامه مع ما رويته في فضائل العَبّاس بن علي عليهما السلام في كتاب (مقتل الحسين بن عليّ عليهما السلام).

(٢) وقد شرحنا الحديث في كتابنا (الحسين عليه السلام سماته وسيرته) الفقرة (١١).

١٣٧

وقد سبق الإمام أَمِيْر المُؤْمِنِيْن عليّ عليه السلام إلى ذلك في ما رواه الگنجي عنه ، أنه قال عند مروره بكربلاء : «يقتل في هذا الموضع شهداء ليس مثلهم شهداء إلا شهداء بدر» (١).

٢ ـ ثمّ المقارنة بين حمزة الّذي مثّلَ بِجسدهِ الكُفّارُ يومَ أُحُدٍ ، وبين منْ قطّع إرباً إرباً في كربلاء يوم عاشُوراء. وبين جعفر الطيّار ابن عمّ الرسول صلى الله عليه وآله وبين العَبّاس أخ الحسين عليه السلام وصولاً إلى تساويهما في ما جرى عليهما من قطع اليدين ، وإبدالهما بجناحين ، فهما معاً يطيران في الجنّة مع الملائكة. على أنّ العبّاسَ امتاز بقطع الرِجْلين كما سيأتي عند ذكر مقتله عليه السلام.

٣ ـ وفي المقارنة الدلالةُ على أنّ يوم الحُسين عليه السلام هو كأيّام رسول الله صلى الله عليه وآله الّتي حدثتْ واستمرّتْ باستمرار الحقّ الّذي جاءَ بهِ الرسُولُ وضحّى بوجوده وأهل بيته وأصحابه ، كما الحُسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه.

٤ ـ وفي المقارنة دلالةٌ أُخرى عميقةٌ ، وهي أنّ الرسول صلى الله عليه وآله إنّما كان يقدّم أهلَ بيته أضاحي في سبيل مَبْدَئِهِ ورسالته ، وهو من أبلغ الأدلّة على حقّية رسالته ، بل أهل بيته بما قدّموه من التضحيات الكبيرة هُم مِن المُعجزات الإلهيّة للرسول ، حيثُ إنّ الملوك يُحاوِلُون الاحتفاظَ بِذويهم والابتعاد بهم عن مواقعِ الخطرِ ، لكن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقدّم أعزَّ أهلِهِ وذَويهِ في لَهَواتِ الحُرُوبِ ، يُدافِعُون عن الحقّ حتّى الشهادة.

__________________

(١) كفاية الطالب (ص ٤٢٧) وتاريخ دمشق لابن عساكر (١٤ / ٢٢٢).

١٣٨

فكذلك الحُسينُ عليه السلام اتِّباعاً لسيرةِ جدّهِ وأبيهِ قَدَّمَ أمامَ المُواجهاتِ الرَهيبةِ ، أَعَزَّ مَن كانَ معهُ من أهلِ بيتهِ ، فلا بُدّ أنْ تعدّ معركةُ كربلاء من مُعجزات الحسين صلى الله عليه وآله.

٥ ـ ثمّ إنّ المفارقةَ المؤلِمَةَ بين تلك الأيّام ـ أيّام الرسول ـ وبين يوم الحسين : أنّ المُواجهةَ في أيّام الرسول صلى الله عليه وآله كانت بين الكُفّار ؛ وبين المُسلمين ، والحُدودُ والأهدافُ كانت مُتمايِزةً ومعروفةً وواضحةً. لكنّها في يوم الحسين عليه السلام كانت بين الحسينِ سِبطِ رسول الله وأصحابِه من جِهَةٍ ، وبينَ شرذمةٍ مِمّن يَدَّعُون الانتِماءِ إلى دينِ جدِّهِ الرسول ، ويعتبرُونَ أنفسَهم مسلمين ومن أُمّتِهِ! ، لكنّهم جاءُوا : (يَتَقَرَّبُون إلى الله بِسفكِ دَمِ سبطهِ وريحانته الحُسين).

إنّها من أصعبِ المواقِفِ وأحرجِها ، حيثُ صارت الحقيقةُ خافيةً على الأُمّةِ إلى هذهِ الدرجةِ ، ولمّا يَمْضِ على وفاةِ رسول الله نصفُ قرنٍ (خمسون سَنَةً) فقط!!!

فما أضلَّها من أُمّةٍ؟! وما أكثرها من خسارة أن تضيع تلك الجهود الغالية ، في سبيل هداية الأمّة!.

وما أقبحَها من رِدّةٍ على الأعقابِ!؟

وما أسرعَه من نقض للعهد!!؟؟

وما أعظمَ مقامَ مَن وَقَفَ مَعَ الحَقّ ، وجاهَدَ في سبيلهِ! في مثل ذلك الجهلِ والعَمى المُطبق!

١٣٩

وقد ذكر الإمام السجاد عمه أبا الفضل في حديث آخر :

أورده الشيخ الصدوق (١) ، قال : حدّثنا المظفّر بن جعفر [بن المظفّر] ابن العلويّ السّمر قنديّ : حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسعود العيّاشيّ ، عن أبيه ، قال : حدّثنا عبد الله بن محمّد بن خالد الطّيالسيّ ، قال : حدّثني أبي ، عن محمّد بن زياد ، عن الأزديّ ، عن حمزة بن حُمران ، عن أبيه حُمران ابن أعين ، عن أبي جعفر ؛ محمّد بن عليّ الباقر عليهما السلام قال :

كان عليُّ بنُ الحسين عليهما السلام يُصلِّي في اليوم والليلة أَلْفَ رَكعة [...].

ولَقَدْ كانَ بَكى على أَبيهِ الحُسين عليه السلام عِشرينَ سنةً ، وما وُضِعَ بَينَ يَديهِ طعامٌ إلاّ بَكى ، حتّى قال له مَولىً لهُ : يا ابنَ رَسُول الله! أَمَا آنَ لِحُزْنِكَ أنْ يَنْقَضِيَ؟! فقالَ له : وَيْحَكَ إنّ يَعقُوبَ النّبيَّ عليه السلام كانَ لهُ اثنا عَشَر ابْناً ، فغَيّبَ اللهُ عنهُ واحِداً منهم ، فابْيَضَّتْ عَيْناهُ من كَثْرةِ بُكائِهِ عليهِ ، وشابَ رَأسُهُ من الحُزْنِ ، واحْدَوْدَبَ ظَهْرُهُ من كَثْرةِ بُكائِهِ عليهِ ، وشابَ رَأسُهُ من الحُزْنِ ، واحْدَوْدَبَ ظَهْرُهُ من الغَمِّ ، وكان ابْنُهُ حَيّاً في الدُنْيا ؛ وأنَا نَظَرْتُ إلى أَبِي ، وأَخِي ، وعَمِّي ، وسَبعة عَشَرَ من أَهل بَيْتِي : مَقْتُولِين حَوْلِي!!! فَكيفَ يَنْقَضِي حُزْني؟؟؟ (٢).

والمراد بقوله : «عمّي» هو العباس عليه السلام. فمِن هُنا كانت كلمة : «لا يومَ كيومِ أبي عَبْد الله الحُسين» أصدقَ. وكان مقامُ شُهداء كربلاء أشرفَ. وكانَ مقامُ العَبّاسِ يومَ القيامة بحيثُ «يغبِطُهُ جميعُ الشُهداء» بِلا استثناءٍ.

__________________

(١) الخصال للشيخ الصدوق (ص ٥١٧ ـ ٥١٩) باب «ثلاث وعشرين» من الخصال المحمودة.

(٢) الخصال ، للشيخ الصدوق (٢ / ٦١٥ ـ ٥١٨) ومناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب (٤ / ١٨٠) وراجع : حلية الأولياء لأبي نعيم (٣ / ١٣٣ ـ ١٤٥) (١٣٨) والبحار (٤٦ / ٣٦).

١٤٠