شفاء الصدور في شرح زيارة العاشوراء - ج ١

ميرزا أبي الفضل الطهراني

شفاء الصدور في شرح زيارة العاشوراء - ج ١

المؤلف:

ميرزا أبي الفضل الطهراني


المحقق: محمّد شعاع فاخر
المترجم: محمّد شعاع فاخر
الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: انتشارات المكتبة الحيدريّة
المطبعة: شريعت
الطبعة: ١
ISBN: 964-503-000-5
ISBN الدورة:
964-503-002-1

الصفحات: ٤٣٩

[المقصد الأوّل]

[في سند الحديث الشريف]

الفصل الأوّل

في تعريف آحاد الرواة لهذا الحديث وبيان حاله بحسب الاصطلاح

من حيث الاعتبار والضعف

أمّا رواية الشيخ فإنّ بيانها كما يلي :

نقل الشيخ رحمه الله عن «محمّد بن إسماعيل» ومن المعلوم أنّ هذه الرواية تدلّ على حدوث النقل من كتابه وكانت الكتب في ذلك الزمان مقطوعاً بصدورها من مؤلّفيها ، وإنّما يذكر وسط السند لغرض اتصاله فحسب ، فلو كان الطريق ضعيفاً فلا يضرّ ضعفه صاحب الكتاب أي لو كان الطريق إلى صاحب الكتاب ضعيفاً فلا يضرّ بحاله.

ولكنّنا لسنا بحاجة إلى هذا التقريب فإنّ طريق الشيخ ـ الطوسي ـ ينتهي بمحمّد بن إسماعيل وهو طريق صحيح كما صرّح العلّامة وغيره بذلك ، بل لا يحتاج حتّى للتأمّل : لأنّ الشيخ يروي عن المفيد وهو عن الصدوق وهو عن أبيه وهو عن أحمد بن محمّد بن عيسى وهو عن محمّد بن إسماعيل. وهذه الطبقة جميعاً من مشايخ الإماميّة بحيث يمكن الوثوق والقطع برواية كلّ واحد منهم.

٦١

ومحمّد بن إسماعيل نفسه من أجلّة الثقاة عند الإماميّة وقد أجمعت الطائفة على جلالة قدره وعظم شأنه. وتسري وثاقته إلى من يروي عنه أي إلى شيخه ؛ لأنّ ذلك دليل على توثيقه والاعتماد عليه.

«عن صالح» وهو مروي عنه أيضاً. وصالح هو ابن عُقْبة ـ بضمّ العين وسكون القاف ـ ابن قيس بن سمعان ـ بفتح السين ـ. ذكره النجاشي في الرجال فقال : قيل : إنّه روى عن أبي عبدالله عليه السلام (١).

وذكر النجاشي للراوي في كتابه دليل على كونه إماميّاً ـ كما حقّقنا ذلك في موضعه ـ لأنّه كتب كتابه أصلاً لإحصاء مؤلّفي الشيعة وقد التزم النجاشي بذكر القدح أيضاً لو كان حاصلاً ؛ سواءاً في ترجمة الراوي أو في موضع سواه من الكتاب ، ولمّا لم يورد فيه قدحاً علم أنّه سالم من عيوب الرواة ، وهذا نوع مدح له.

ومن هذه الجهة كان الشيخ الفاضل تقي الدين الحسن بن داود رحمه الله يذكر ذلك في كثير من مواضع كتابه فيقول «أثنى عليه النجاشي» فيعترض من لا علم له ولا اطّلاع عليه بقوله : لم نعثر على هذا الثناء في كلام النجاشي وما دروا أنّ الغرض من الثناء هو عدم ذكر القادح.

وقد أشار فحول هذه الصناعة إلى ذكر هذا المطلب في محلّه وقد ذكرت أنا ذوالبضاعة المزجاة في حاشية رجال النجاشي مواقع هذه الفوائد بإشارات وافية ، ولكن على سبيل الإجمال.

وذكره الشيخ في فهرسته وقال : «له كتاب» (٢) وهذا دليل على استقامة الراوي في المذهب ؛ لأنّ الشيخ التزم في الفهرست بذكر علماء الإماميّة في المواضع

__________________

(١) رجال النجاشي ١ : ٢٠٠ رقم ٥٣٢.

(٢) الطوسي ، الفهرست : ٨٤ رقم ٣٥٢. (المترجم)

٦٢

التي يذكر فيها خلافاً ، ولا يخلو إثبات الكتاب له من مدحه.

وقال العلّامة في حقّه «كذّاب غالٍ لا يلتفت إليه». وتبادر إلى فهم محقّقي هذا الفنّ كالعلّامة المجلسي الأوّل والأُستاذ الأعظم أنّ هذا القدح من ابن الغضائري ؛ لأنّ الغالب على كتاب الخلاصة للعلّامة أنّه تابع في الجرح والتعديل إلى الأُصول الرجاليّة الخمس :

١ ـ رجال الشيخ ؛

٢ ـ الفهرست ؛

٣ ـ رجال الغضائري ؛

٤ ـ رجال النجاشي ؛

٥ ـ رجال الكشي.

وورد قليل من الجرح والتعديل في هذا الكتاب مستقلّاً عنها. وكان من عادة ابن الغضائري الوقيعة في الثقاة وجرحهم والقدح في العدول ونسبة الغلوّ بسبب الروايات المتضمّنة مدح أهل البيت ، وظاهر النجاشي كما جرى التمهيد له عدم صحّة هذا القدح. ورواية محمّد بن إسماعيل ومحمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب عنه مرشدة إلى اعتباره ودليل على الاعتماد عليه ، وظاهر الصدوق الاعتماد على كتابه. لذلك عمل المشايخ الثلاثة : الصدوق والمفيد والطوسي ـ وهم مدار الفقه الجعفري ـ بأخباره.

إذاً الأقوى والأصحّ سلامة الخبر الذي يرويه من الطعن.

وكان أبوه عقبة بن قيس من أصحاب الصادق عليه السلام وقد وثّق الشيخ المفيد وابن شهر آشوب في معالم العلماء جميع أصحاب الإمام الصادق عليه السلام ، وإذا ثبتت رواية صالح عن الإمام الصادق عليه السلام فهي دليل وثاقته أيضاً. وتثبت استقامته على المذهب عن طريق هذه الرواية.

٦٣

ومجمل القول : بناءاً على رأي الشيخ أنّ الخبر هنا يتأرجح بين الحسن والصحّة ـ طبقاً لمذهب المتأخّرين ـ وبناءاً على طريقة السابقين الذين يصحّحون ما هو قطعيّ الصدور من الأخبار أنّ الخبر صحيح قطعاً. ووفقاً لطريقتنا التي تابعنا بها المتأخّرين في الاصطلاح ، ولا تخلو حجّيّة متابعة المتقدّمين من حجّة ، وإن لم يصرّحوا بالصحّة.

هذا كلّه بقطع النظر عن ذيل الحديث فإنّ الأمر فيه أخفّ ؛ لأنّ فيه يروي محمّد ابن إسماعيل الحديث عن سيف بن عميرة ـ بفتح السين المهملة ـ وهو عن علقمة وظاهر الرواية أنّ علقمة كان حاضراً وسمع الكلام وسأل تعليم الدعاء ، مع أنّ حاجتنا تنحصر فيما نقله علقمة.

وصرّح الشيخ في الفهرست والنجاشي والعلّامة في الخلاصة بوثاقة سيف. وقال النجاشي في حقّه : «له كتاب يرويه جماعات من أصحابنا» (١) وهذا مدح عظيم ولم يقدح فيه أحد سوى الآبي في محكي «كشف الرموز». وجاء في الطعن وإنّه قال : «مطعون فيه ملعون». واستند فيه ظاهراً إلى ما نسبه ابن شهرآشوب إليه من الوقف ومن هذه الجهة قال الشهيد : «وربّما ضعّف بعضهم سيفاً والصحيح إنّه ثقة». وكلام ابن شهرآشوب مخالف لصريح الفهرست والنجاشي مع أنّ أحداً لم يوافقه عليه ، وقول الشيخين مقدّم على قوله البتّة.

وطعن كشف الرموز مستند إلى قدح ابن شهرآشوب فيه كما مرّت الإشارة إليه مع «انضمام عدم حجيّة الموثّق» (٢). ولو أنّنا افترضنا تقديم قول ابن شهرآشوب فإنّ شهادة المشايخ الثلاثة : النجاشي والعلّامة والشهيد بوثاقته باقية على حالها.

__________________

(١) النجاشي : له كتاب يرويه جماعة يختلف برواياتهم. (رجال النجاشي ٢ : ٢٠٧ رقم ٥٠٤). (المترجم)

(٢) يقدّم رأي الجارح على المعدّل ؛ لأنّه ربّما اطّلع على أمر لم يطّلع عليه المعدِّل أو الموثِّق. (المترجم)

٦٤

وقد استوفينا حجيّة الأخبار في محلّها وأظهرناها على منصّة الثبوت.

أمّا «علقمة بن محمّد» فإنّ الشيخ في كتاب الرجال اعتبره من أصحاب الباقر والصادق عليهما السلام وقال : «أسند عنه» (١) وهذه العبارة تفيد المدح في مذهب الكثيرين وإن كانت محلّ تأمّل. ولكن الشيخ الكشي نقل عنه مناظرة مع زيد بن عليّ تدلّ على بصيرته وحسن حاله. ويفهم من ذيل الرواية أنّ جلالة قدره بلغت شأنها الأقصى أنّ عدم ذكره في الرواية عارض رواية صفوان ، ولا يندرج في الاحتمال نسيانه أو تجاهله وقد اعتذر صفوان بعذر آخر وزعم أنّ الحديث صدر في موضع آخر واشتمل على الدعاء.

وخلاصة القول : إنّه يظهر من كلام سيف وصفوان أنّ شراياط الرواية ذاتاً متوفّرة في علقمة ، وهذا يعتبر إمّا تعديلاً أو مدحاً كبيراً. وبناءً على عموم شهادة الشيخ المفيد وابن شهرآشوب إنّه يكون ثقة من ثمّ يعتبر الخبر بين الحسن والصحيح لهذا السبب ، إذا لم نأخذ بظاهر الشهادة كما هو الظاهر من عدم اعتبار العلماء هذا العلوم موجباً للتوثيق ، وللحصول على التفصيل في هذا المجال تراجع المطوّلات. وعلى كلّ حال فإنّه يكون حجّة على الصحيح.

وطريق آخر وقع للشيخ في ذيل هذا الحديث حيث رواه رحمه الله عن محمّد بن خالد الطيالسي ـ بكسر اللام ـ منسوب إلى الطيالسة جمع الطيلسان لبيعه لها ، وطريقه إليه كما هو مذكور في الفهرست ورجال النجاشي ، ولم يقدح به أحد منهما بل ذكر أنّه صاحب كتاب ونوادر ثمّ هو إمااميّ ممدوح ، وروى عنه عليّ بن الحسن بن فضّال ومحمّد بن عليّ بن محبوب وجماعة من أجلّاء القوم وهو دليل على غاية الاعتماد والاستناد.

__________________

(١) رجال الطوسي : ٢٦٢. (المترجم)

٦٥

وقال الشيخ في الرجال : روى عنه حميد أُصولاً كثيرة (١).

وهذا أيضاً يعتبر في عرفهم مدحاً جليلاً.

ومن مجموع هذه الأمارات يحصل الظنّ بعدالته لممارس علم الرجال من حيث قول اليشخ : قال سيف بن عميرة ، فإذا كان حديث بهذه المثابة صحيحاً بالاتفاق لأنّ سنده طريق الشيخ إلى سيف وهو معلوم الصحّة ، وجلالة قدر صفوان لا تكاد تخفى على أحد ولا تحتاج إلى تنبيه. ثمّ إذا كان ذيل هذا الحديث من تتمّة رواية محمّد بن خالد كما هو الظاهر فإنّه يحكم على ظاهره بالصحّة واحتمال تصنيفه في الحديث الحسن احتمال بعيد.

ونتيجة البحث : إنّ هذه الرواية متناً وذيلاً في هذا المكان من المصباح نقلت بثلاث طرق ، ومن ملاحظة ما تقدّم فإنّ المحدّث الخبير والفقيه البصير يعذر إذا قطع بصدوره.

أمّا رواية الكامل فقد اشتملت على طريقين أو سندين :

الأولى : حكيم بن داود ، عن محمّد بن موسى ، عن محمّد بن خالد الطيالسي. وهذا الطريق وإن عُلّ بمحمّد بن موسى لأنّه ضعيف ظاهراً ، وعندي أنّ حكيم بن داود مجهول الحال فعلاً ، ولكنّ الظاهر ظهوراً بيّناً أنّ ذكر الطريق لأجل اتصال السند والرواية أخذت من الكتاب كما هو ظاهر عبارة الشيخ رحمه الله من أنّ كتاب محمّد بن خالد موجود بحيازته بل صريح عبارة الفهرست ذلك ، ويغلب على الظنّ أنّ الكتاب أيضاً موجود عند ابن قولويه وبهذا الاستظهار لا يتردّد أهل الفنّ عن القطع به.

كما أنّنا أوضحنا حال محمّد بن خالد وسيف بن عميرة. وصالح بن عقبة ومحمّد بن علقمة.

__________________

(١) رجال الطوسي : ٤٤١. (المترجم)

٦٦

والطريق الثاني : يبدأ سنده بمحمّد بن إسماعيل وقد حذف السند لتواتر الكتاب عنه. وعبارته التي يقول فيها : «ومحمّد بن إسماعيل» إنّه ليس عطفاً على علقمة بن محمّد لتكون جزءاً من السند السابق ـ كما توهّم ذلك بعض الأكابر ـ وإنّما هو سند مستأنف والعطف فيه على «حكيم بن داود» ومحمّد بن موسى ؛ وهؤلاء طريق ابن قولويه إلى محمّد بن إسماعيل.

وعلى أيّة حال فإنّ المتأمّل يقطع بفساد الاحتمال الأوّل (١) بأدنى التفات بل لا يحصل الترديد في أوّل النظرة في السند بين الاحتمالين.

وحال «صالح بن عقبة» معلومة.

و «مالك الجهني» من أصحاب الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام وقد مدح الإمام الباقر في أبيات أخرجها صاحب الإرشاد ، وهي :

إذا طلب الناس علم القرآن

كانت قريش عليه عيالا

 وإن قيل أين ابن بنت النبي

نلت بذاك فروعاً طوالا

نجوم تهلّل للمدلجينّ

جبال توازن علماً جبالا (٢)

وفي ال كافي بسند صحيح أنّ الإمام الباقر قال له : أنتم شيعتنا ، ألا ترى أنّك تفرط في أمرنا ، أنّه لا يقدر على صفة الله ، فكما لا يقدر على صفة الله كذلك لا يقدر على صفتنا ، وكما لا يقدر على صفتنا كذلك لا يقدر على صفة المؤمن ، إنّ المؤمن ليلقى المؤمن فيصافحه فلا يزال الله ينظر إليهما والذنوب تتحاتّ عن

__________________

(١) كون العطف على «علقمة بن محمّد». (المترجم)

(٢) الإرشاد ٢ : ١٥٧ و ١٥٨. وفيه : «توارث علماً».

٦٧

وجوههما كما يتحاتّ الورق عن الشجر حتّى يتفرّقا ، فكيف يقدر على صفة من هو كذلك (١).

وهذا الخبر يتضمّن مدحاً جليلاً لأنّ وصف الراوي بكونه لهم شيعة خير من النصّ على العدالة مأة مرّة.

وطريقه وإن اشتمل على محمّد بن عيسى العبيدي عن يونس وقد توقّف فيه بعض العلماء ، ولكنّنا أثبتنا بنحو واف عدالته وجلالة أمره في مواضع كثيرة. وقد شهد له بالوثاقة جمع من الأعيان والأكابر.

قال النجاشي في الرجال : «ثقة عين كثير ال رواية حسن التصنيف» (٢). وفي ردّه على الصدوق لقوله : «ما يكتبه محمّد بن عيسى عن يونس ويرويه لا صحّة له» قال : وأنا رأيت الأصحاب ـ وهذه علامة على الإجماعة ـ ينكرون على ابن بابويه ويقولون : «من مثل أبي جعفر؟».

وقال الفضل بن شاذان في حقّه : «ومن في الأقران مثله؟».

وصرّح الكشي في ترجمة محمّد بن سنان بعدالته ونحن في رسالة «الإصابة» أثبتنا أنّ جميع ما في كتاب «اختيار معرفة الرجال» هو مختار الشيخ ، والشيخ موافق على توثيق يونس ، وأمّا تضعيفه في الفهرست فإنّه اتّباع وترديد لما قال ابن بابويه.

وجاء في رسالة «أبو غالب» في بيان حال آل أعين إنّه كاتب الإمام صاحب

__________________

(١) الكافي ٢ : ١٨٠ ح ٦. علي بن إبراهيم ، عن محمّد بن عيسى ، عن يونس ، عن يحيى الحلبي ، عن مالك الجهني قال : قال لي أبو جعفر. (هامش الأصل ، وقد جرت مطابقته مع نسخة تحقيق غفاري ط ١٣٦٥ هـ دار الكتب الإسلاميّة).

(٢) عبارة النجاشي في الرجال كالتالي : كان وجهاً من أصحابنا متقدّماً عظيم المنزلة. (الرجال ٢ : ٤٢٠ ـ ٤٢١). (المترجم)

٦٨

الزمان أرواحنا له الفداء بدون واسطة وصدرت في حقّه توقيعات كريمة من الناحية المقدّسة. وهذا حال عمّا للرجل من المقام الرفيع والمرام المنيع ، ولم يكن قدح ابن بابويه فيه لضعف في نفسه بل الظاهر أنّ ذلك راجع إلى تشكيك ابن الوليد في جواز إجازة الصغير ، وليس لهذا وجه ، إذ سنّ البلوغ مشترط في الراوي عند الأداء لا عند التحمّل ، ولو سلّمنا جدلاً بذلك فإنّ اتفاق الأصحاب على خلافه كاف في ردّه.

ثمّ إنّ شهادة الكشي التي وجدناها في حقّه وعبارة «رسالة أبي غالب» بالتفصيل الذي ذكرنا في محلّه وتوثيق النجاشي له يرفع (١) جميع وجوه الإشكال ، لهذا جزم جماعة من الأكابر والمحقّقين بعدالته ووثاقته.

ولا يضير اشتمال السند على «مالك» لأنّه واقع في طريق يونس بن عبدالرحمن ومقتضى القاعدة أنّ العصابة أجمعت على صحّة الحديث المنتهي سنده إليه. وهذه العبارة إن لم تدلّ على عدالة جميع من يروي عنه فهي دليل على صحّة الخبر كما حقّقنا ذلك على الوجه الأتم والأوفى في «رسالة الإصابة في قاعدة إجماع الصحابة». وقد بيّنّا وجوهه ودلائله وأمارته ، وبناءاً على هذا يكون السند صحيحاً ولا مجال للمناقشة فيه. ويوجد في روضة الكافي خبر عن عبدالله ابن مسكان وهو من أصحاب الإجماع منقولاً عنه (٢). وهذا يدلّ على علوّ رتبته في الرواية.

ومن مجموع هذه الأمارات تكون عدالته وجلالته أظهر من الشمس (٣) مضافاً

__________________

(١) فاعل الفعل «يرفع» قوله : شهادة الكشي. (المترجم)

(٢) روضة الكافي : ١٤٦ ح ١٢٢. (هامش الأصل) عنه ع ابن مسكان عن مالك الجهني قال : قال لي أبو عبدالله .. الخ. (المترجم)

(٣) قرن الغزالة ـ المؤلّف.

٦٩

إلى أنّ رواية ابن مسكان ويونس بذاتها أمارة على المدح وابن أبي عمير الذي لا يروي إلّا عن ال ثقات يروي عنه ، وهذا وحده كاف في تعديله ، كما اعتمد على ذلك كثير من الأساطين وبيّنّا ذلك في الرسالة المذكور بإطناب. ونظراً لما قلناه فإنّ العلّامة والشهيد قدّس سرّهما في كتاب المواريث حكما بصحّة حديثه.

ومجمل القول : إنّ رتبة الحديث في الطريق الثاني هي «الحسن» وقد بيّنّا حسن حال صالح بن عقبة على طريقة الإجمال لا التفصيل. وتحصّل بأيدينا أنّ صدر هذا الحديث المبارك نقله عدّة من أصحاب الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام وهم عقبة بن قيس وعلقمة بن محمّد ومالك الجهني. ونقل متن الزيارة الشريفة علقمة عن الإمام الباقر عليه السلام كما فعل صفوان عن الإمام الصادق عليه السلام بالسند الذي سمعت وتكرّر مجيئه في الكتب المعتبرة ، وروى الدعاء آخر الزيارة صفوان واشتهاره بدعاء علقمة لا وجه له وهو خطأ محض.

ومجمل القول أنّه لا ريب في اعتبار سند الرواية ، وكان عمل الشيعة على تطاول الزمان وتمادي العصور والدهور على هذه الرواية حيث جعلوا هذه الرواية من أورادهم اللازمة وأذكارهم الدائمة ، وتكون مع انضمام هذه القرائن قطعيّة الصدور مضافاً إلى كون إسنادها منه ما هو الصحيح ومنه ما هو الحسن.

وأخيراً بناء على رويّة مذهب التحقيق ليس في وثاقة سندها أدنى تأمّل على الإطلاق. لهذا لم يطعن أحد من العلماء بصحّة سندها ولم يتوقّف فيه.

٧٠

الفصل الثاني

لابدّ من التعرّض هنا لما قاله العلّامة المجلسي في هذا الباب ، فنقول : قال في زاد المعاد :

أمّا زيارته عليه السلام المشهورة فقد رواها الشيخ الطوسي وابن قولويه وغيرهما عن سيف بن عميرة وصالح بن عقبة وكلاهما رواها عن محمّد بن إسماعيل وعقبة بن محمّد الحضرمي وكلاهما عن مالك الجهني فإنّه قال : قال الإمام محمّد الباقر عليه السلام ، ثمّ يأخذ بترجمة حديث كامل الزيارة حتّى يصل إلى حديث محمّد بن خالد الطيالسي وينقله أيضاً ، وبعد نقل الدعاء المذكور يشرع في ترجمة حديث سيف ابن عميرة ، وعبارة تحفة الزائر قريبة من هذه العبارة ، وظاهر كلامه يدلّ على أنّ المجموع من النقول ما هو إلّا عبارات مشتركة بين الشيخ وابن قولويه.

وفي هذا القول وجوه من المناقشات يجلّ عنها مقام هذا العلّامة الذائع الصيت والمحدّث الكبير العلمي (١) ولكن نزولاً عند قوله تعالى : (الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ) (٢) لأجل تنبيه الغافلين وتبيان الحقّ وإيضاح وجه الصواب فلابدّ من ذكرها بحيث لا تصطدم مع ما للشيخ من جلالة القدر ، ولقد اطّلعت على جانب منها في كلام السيّد الأجل الأعظم حجّة الفرقة ، سيّد الطائفة ، الحاج السيّد محمّد باقر الرشتي الأصفهاني قدس سره (٣) وأنعم به اتفاقاً ونلت من هذا الاطّلاع قدراً من الاستفادة ، والله الموفّق.

__________________

(١) «العلمي» صفة لمقام. (المترجم)

(٢) يونس : ٣٥.

(٣) كان هذا البحث جواباً على سؤال ورد على المرحوم آية الله عن زيارة عاشوراء وطبع ضمن مجموع «الأسئلة والأجوبة» ص ٢٥ ـ ٤١. (هامش المحقّق)

٧١

المناقشة الأُولى :

أنّ محمّد بن إسماعيل بحسب ما أفادته الرواية روى عن شيخين هما سيف ابن عميرة وصالح بن عقبة ولكن المجلسي قصّر الرواية على محمّد بن إسماعيل واعتبرها منتهية إليه ؛ وهذا خلاف الواقع ؛ لأنّ عبارة «المصباح» و «كامل الزيارة» تنصّ على روايته عن شيخه صالح ، وذيل عبارة المصباح صريحة بروايته عنه وعن سيف ، وهذا غاية في الغرابة لكونه منافٍ للوضع الطبقي للرواة لأنّهما أسنّ من محمّد بن إسماعيل فهما من أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام وهو من أصحاب الكاظم والرضا والجواد عليهم السلام ، والذي درج عليه الناس وشاع بين الرواة هو روواية الأصاغر عن الأكابر لا العكس ، وإن لم يكن مستحيلاً. ولكن العمل الرجالي قائم على تمييز الأسماء المشتركة بتميّز الطبقات غالباً ، وجعل هذا الأمر خاصّاً بهؤلاء الرواة يبدو بعيداً ، ولو ألغينا هذا الوجه من الاعتبار ولم نسلم به فإنّ الوجه الأوّل يكفي في ردّ قول المجلسي.

المناقشة الثانية :

وأمّا قول المجلسي «وكلاهما عن مالك الجهني» يقتضي أنّ رواية محمّد بن إسماعيل عن مالك وهذا خلاف الواقع ؛ لأنّ رواية «المصباح» و «كامل الزيارة» تنصّ على أنّه رواها عن صالح ولا يوجد في أيّ كتاب ما يحمل على التوهّم من روايته عن كلا الاثنين ، أضف إلى ذلك أنّ البحث في أحوال الرواة وترتيب الطبقات يقضي بفساد هذا الاحتمال ؛ لأنّ الشيخ قدّس الله نفسه قال عن مالك بأنه توفّي في عصر الإمام الصادق عليه السلام ، ولم يعتبر أحدٌ محمّداً بن إسماعيل من أصحاب الصادق عليه السلام بل اعتبروه من أصاغر أصحاب الكاظم وفتيانهم ، وأدرك

٧٢

آخر أيّام الإمام الكاظم عليه السلام وبقي على قيد الحياة حتّى وافى زمن الإمام الجواد ، من هنا جزمنا ببُعد رواية صالح عنه كلّ البُعد.

المناقشة الثالثة :

أنّه نسب الرواية بهذا السند إلى الشيخ وابن قولويه كليهما ونحن فيما سلف نقلنا عبارة الإثنين بالتفصيل وبان لنا رواية الشيخ عن محمّد بن إسماعيل عن صالح بن عقبة التي يرويها عن أبيه عقبة ولم يرد ذكر لمالك في عبارة الشيخ سواء ما جاء منها في المصباح أو ال تي نقلها هذا المحدّث النحرير في البحار (١).

المناقشة الرابعة :

أنّ علقمة روى الرواية عن الباقر عليه السلام من دون واسطة كما ورد في المصباح وكامل الزيارة ، وكما نقلناها عنهما ولم نعثر على موضع منها أنّ علقمة رواها بواسطة مالك ، وربّما كان منشأ الوهم هو ما أشرنا إلى فساده من اعتبار المجلسي عبارة «ومحمّد بن إسماعيل» عطفاً على علقمة بن محمّد في كامل الزيارة بينما هو سند مستأنف وعلى أساس من هذا الوعهم عزا رواية سيف وصالح عن محمّد بن إسماعيل ، وقد علمت فيما سلف أنّ العطف إمّا أن يكون على حكيم بن داود على أبعد الوجهين ، أو على محمّد بن خالد وهو الأظهر فعلاً في نظره.

وممّا ينتظم في هذا النسق أنّه صرّح في ذيل حديث سيف ابن عميرة أنّ علقمة روى هذا الخبر بدون واسطة عن الإمام الباقر عليه السلام وهذا العلامة نفسه ترجم عين العبارة ولاحظ الأصل في كتابين إجمالاً وتفصيلاً ، وحكاه في البحار ، ومع كلّ هذا

__________________

(١) بحار الأنوار ٩٨ : ٢٩٣ ط بيروت. (هامش المحقّق وجرى تطبيقها)

٧٣

فقد اعتبر علقمة راوياً عن مالك مع قول علقمة نفسه «قلت لأبي جعفر عليه السلام» ومع هذا التصريح لا يتطرّق علينا احتمال حذف الواسطة بينه وبين الإمام الباقر عليه السلام.

المناقشة الخامسة :

أنّ ظاهر كلامه يدلّ على أنّ محمّداً بن إسماعيل وعلقمة بن محمّد متعاصران ويعيشان في زمن واحد وكلاهما يروي عن راوٍ واحد ، وعلمت فيما سبق بأنّ علقمة من أصحاب الصادقين عليهما السلام في حين أنّ محمّداً بن إسماعيل من أصحاب الكاظم والرضا والجواد عليهم السلام ولا يمكن اتحاد طبقتهما ، ويستحيل في ميزان الاعتبار تعاصرهما.

المناقشة السادسة :

لم يرد في أيّ كتاب آخر نسبة هذه الرواية وبهذا السند إلى غير الشيخ وابن قولويه ، ولم يسمع أحد بهذا في أُذنيه ولم يشاهده بعينيه وكما علمت أنّ الرواية مطلقاً لم تصحّ عن أحد ، وأوّل من عزاها إلى غير الشيخ وابن قولويه هو المرحوم المجلسي وما وجدناه في الطروس ، إنّ الرواية رويت عن علقمة ؛ إمّا بطريق الشيخ أو بطريق ابن قولويه وإمّا مرسلة.

المناقشة السابعة :

ما نسبه إلى الشيخ من أنّ رواية المصباح نصّت على أنّ ثواب زيارة يوم عاشوراء تعدل ألفي ألف حجّة وهكذا ، وفي ذيل العبارة : أنّ ثواب زيارة البعيد تعدل ألف ألف حجّة مع أنّ المذكور في المصباح لا يتعدّى الألفين والألف ، والذي ذكره من مضاعفة الألف إنّما هو رواية كامل الزيارة وقريب من هذا الخلط وقع في البحار كما قلنا ذلك.

٧٤

المناقشة الثامنة :

ما ورد في ذيل حديث علقمة من ترجمة هذه العبارة «يا علقمة إذا أنت صلّيت ركعتين بعد أن تومي إليه بالسلام وقلت بالإيماء إليه هذا القول ، فإنّك إذا قلت ذلك فقد دعوت بما يدعو به من زاره من الملائكة .. الخ» (١) وهذه الترجمة عبارة كامل الزيارة ، بينما لم تذكر العبارة التي ينبغي أن تذكر بعد قوله : «إنّك إذا قلت ذلك» ، ولقد سمعت عبارة الشيخ ولاحظت سياق ترجمتها وعرفت الفرق بينها وبين عبارة كامل الزيارة ، بل إنّ لفظ «بعد الركعتين» كما سيأتي تصحيف لقوله بعد التكبير ، وهذا الاختلاف صار منشأ لمعركة آراء بين الفقهاء إذ كيف يسوغ لمحدّث أمين أن ينسب ذلك إلى الشيخ مع أنّه لا يوجد له عين ولا أثر في كلامه ، وبالطبع يحمل ذلك على سائر الفقرات اليت بدرت سهواً من مزبره رحمه الله.

المناقشة التاسعة :

أنّه نسب رواية محمّد بن خالد الطيالسي التي أوردها بعد نقل الزيارة في المصباح إلى ابن قولويه ولكنّه لا أثر لذكر هذا الدعاء على الإطلاق ولا لهذا ال خبر عن ابن قولويه في كامل الزيارة.

المناقشة العاشرة :

أنّه نسب رواية صفوان إلى ابن قولويه ، وليس عنده من ذلك عين ولا أثر في كتاب كامل الزيارة ، وقد تنبّه نفسه إلى ذلك في بحار الأنوار فنقل صدر الحديث من كامل الزيارة ونسب الذيلين إلى الشيخ.

__________________

(١) كامل الزيارة : ٣٢٧.

٧٥

وهذه في حسابنا عشر مناقشات ولكنّها تنحلّ بعد التأمّل إلى اثنى عشر مناقشة ؛ لأنّ المناقشة الأُولى والثانية تتضمّن جهتين من البحث ؛ أحدهما مخالفة الواقع ، والثانية : مخالفة الطبقات. مضافاً إلى أنّنا حين نتتبّع خصوصيّات كلامه وجزئيّاته من ملاحظة كامل الزيارة ونسبة ما فيها للشيخ وبالعكس وبمراجعة ما ترجمناه والبحث في زاد المعاد وتأمّل متن الخبر وملاحظة مواضع الاختلاف التي أشرنا إليها في الحاشية يظهر ذلك واضحاً.

ووقوع هذه الأخطاء من هؤلاء العظماء إنّما حدثت بعين الله وذلك لنفي العصمة عنهم ولكي لا تتجمّد الأذهان والقرائح في البحث والطلب ، ولكلّ واحد بناءاً على ما قاله الأديب الحكيم :

لكلّ مجتهدٍ حظٌّ من الطلبُ

فاسبق بعزمك سير الأنجم الشهب

حظّه من بذل الجهد واستفراغ الوسع وخلع ربقة التقليد ووضع قدمه في وادي حلّ المشكلات بتأمّل وتحقيق مستمدّاً العون من الله تعالى بشفاعة الأئمّة وإعانتهم وبالطبع لا يرجع خائباً بائساً ، فارغ الوفاظ والله الموفّق وهو العاصم.

٧٦

المقصد الثاني

في فقه الحديث وذكر محتملاته وتحقيق ما هو

المطلوب من العمل بهذه الزيارة وذكر بعض

الفوائد المتعلّقة بها متناً وحكماً وفضلاً

ولمّا قضى قانون التعليم أن يوعب الحقّ الصراح والصدق القراح في الذهن الساذج والفهم الفارغ لكي يغرس جذره في تربة صالحة ويتمكّن من النمو والرسو في تلك التربة ، كما قيل :

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى

فصادف قلباً فارغاً فتمكّنا

لأنّ ذكر الباطل إذا أخذ طريقه إلى القلب قبل غيره ربّما تمكّن منه ، وكان البرهان المتأخّر عنه غير قادر على إزالة آثاره ، وهذا شأنه شأن الصحيفة البيضاء النقيّة فإنّ ما يكتب فيها أوّل مرّة تعسر إزالته إلّا بمحوه ، وربّما فارق بضاعته الأُولى.

اى برادر مزرع ناكشته باش

كاغذ اسپيد نابنوشته باش

كن كارض البكر لا زرع بها

أو كطرس ما جرى فيه قلم

لذلك نشرع أوّلاً بذكر الاحتمال المرضي المختار ثمّ نتبع ذلك بذكر الأُمور المحتملة الأُخرى ، مع مناقشتها وبذل المحاولة في ردّها بالأدلّة المقنعة بإذن الله

٧٧

تعالى التي ترفع الشكّ وتكشف غش الريب وتزيل الخطأ.

وقبل أن نبدأ بذلك يجب أن يعلم بأنّ خلافات عريضة جرت لفهم هذا الخبر ، كما حدثت مشاجرات طويلة بين العلماء العظام والفقهاء الكرام ، ومنشأ الخلاف في الأعمّ الأغلب يعود إلى الاختلاف في عبارات نسختي الكامل والمصباح ، وهناك وجوه إضافيّة سوف نتعرّض لها أثناء الحديث بالشرح والتفصيل ، كما نعرض لمختلف الاحتمالات التي يثيرها هذا الخبر الشريف سواءاً اعتمدها جماعة من العلماء أو كانت مجرّد احتمال معروض للبحث والمداولة ولم ينسب إلى أحد وذلك في وجوه :

الوجه الأوّل :

من لوازم هذه الزيارة التوجّه إلى الصحراء أو الصعود إلى السطح مع التكبير والإيماء إلى القبر المقدّس ثمّ تلاوة الزيارة بعد ذلك مصحوبة باللعن مأة مرّة والسلام مثلها ثمّ يدعو بدعاء اللهمّ خصّ ..» ويقرأ دعاء السجود وبعد ذلك يصلّي ركعتين ، هذا ما ورد في وجه أدائها.

ويمكن أن يقال بجواز خلوّها من التكبير والإصحار بها أو رقي السطح لها واعتبار ذلك من الآداب المكمّلة لا قوامها الذي هو جزء وجودها ، بل قال العالم المتبحّر الآقا محمّد علي الكرمانشاهي قدس سره في المقامع في زيارة البعيد يجوز التوجّه إلى القبلة كما يجوز التوجّه إلى القبر الشريف ولكن احتمال كون هذه الاُمور غير مشترطة خلاف لظاهر الرواية لاسيّما الإشارة والتكبير الذي يتركّب العمل منه ويترتّب الثواب عليه. نعم ربّما قيل بسقوط الإصحار والسطح وله وجه وتوضيح هذا الوجه بحيث يرفع غواشي الأوهام ويسهل مسالك الأفهام ، وظاهر الرواية كما يلي :

٧٨

وذلك أنّ الإمام عليه السلام بعد أن أوضح زيارة عاشوراء لمالك أو لعقبة بن قيس وأمره بالصعود على السطح وبالإصحار والإيماء كان علقمة بن محمّد شاهد الحال أيضاً فسأله أن يعلّمه دعاءاً خاصّاً يقوله عند الإشارة ، ولم يكتف بمطلق السلام فأجاب الإمام طلبه وعلّمه الدعاء الذي هو عبارة عن زيارة عاشوراء ، والظاهر في العمل السابق أنّ الصلاة مقدّمة على الإيماء ولكنّه لمّا طلب الدعاء مقارناً للإيماء إلى القبر الشريف علم منها أنّ الصلاة مقدّمة على الزيارة ، وهذه قرينة واضحة ودلالة بيّنة على المطلوب لأنّه لو كانت الزيارة بعد الصلاة والإيماء لكانت عملاً مستقلّاً ولا ترتبط بسؤال علقمة.

ثمّ إنّ آداب المحاورة وحكمة السؤال والجواب وحكمهما لا يبيح أدباً عدم إجابة السائل إمّا نفياً وإمّا إثباتاً ، ثمّ لا ينبغي عند البلغاء أن يتخلّل الكلام المتّصل في موضوع كلام أجنبيّ عنه دون أن ينبّه عليه الإمام لأنّه يوهم ارتباطه من غير تنبيه بمجمل الموضوع المتكلّم فيه.

وهذا لو كان صادراً من العامّة والحوشية لكان ساقطاً مستهجناً فكيف يظنّ فيه ذلك وهو صادر من مشكاة الإمام مشرع الفصاحة وينبوع المحاسن تعالى شأنه عن ذلك علوّاً كبيراً.

وبناءاً على هذا فقوله : «أومأت» الواردة في عبارة السؤال معناها إرادة الإيماء أو أنّها تعني نفس التوجّه والانصراف إلى القبر الشريف المقدّس وبالطبع فإنّ التأويل الثاني في عبارة «المصباح» يبدو بعيداً وهو قوله : «أومأت إليه منبعد البلاد بالتسليم». ومن المعلوم أنّ القصد من الإيماء هو المصاحب للسلام ومحصّله الإشارة مع السلام كما أنّ الظاهر من حال علقمة أنّه طلب الدعاء الخاصّ بمقتضى سياق الرواية كما أشرنا إليه سابقاً للزيارة وليس بعدها.

وهنا دقيقة من دقائق الكلام وهو أنّ نصّ الجواب دليل على المطلوب وذلك

٧٩

أنّ في بعض نسخ المصباح وتمام نسخ كامل الزيارة «قلت» أو «فقل عند الإيماء» وفي بعض النسخ ورد بلفظ «بعد الإيماء» أيضاً ولا يوثق بصحّة هذه العبارة وعلى فرض صحّتها يكون معناه بعد إرادة الإيماء أو بعد التوجّه بقرينة وجوب انطباق السؤال على الجواب.

ويجب أن يعلم أنّ المراد بالإيماء إن كان مطلق التوجّه أو الإشارة فما من داع للزوم الإصحار أو الصعود على السطح ، وإن كان إشارة إلى السؤال كما يدلّ على ذلك اقترانه بـ «لام التعريف» مبنى على دستور العمل السابق حيث يقول : فإذا أدّيت العمل الذي أُمرت به فلابدّ من أن أتلو دعاءاً بعده وحينئذٍ يكون لازماً بعد فرض اللزوم.

والظاهر من إرادة الصحراء ليست على الحقيقة فلا خاصيّة له بل المراد مكان واسع وفضاء مفتوح كيفما كان ، وبالطبع لابدّ من فعل هذه الخصوصيّة من المكان الواسع أو الصعود على ظهر سطح لإحراز الواقع. ومن الشواهد على مذهبنا في توجيه الحديث ما ورد في نسخة «كامل الزيارة» : إذا أنت صلّيت الركعتين بعد أن تومئ إليه وقلت عند الإيماء هذا القول فإنّك إن قلت ذلك فقد دعوت. لأنّ صريح هذه الرواية قاضٍ بأنّك إذا صلّيت الصلاة بعد الإيماء وقلت هذا الكلام أثنائه فإنّك تحصل على الثواب ولايبعد أن تكون عبارة كامل الزيارة «من بعد الركعتين» تحريف من الكتّاب ولفظ الحديث هو من بعد التكبير الوارد في نسخة المصباح.

ولا يعتري المتأمّل البصير والناقد الخبير ريب بأنّ هذا الحديث الوارد في الكتابين هو حديث وواحد وإن ورود اختلاف فيه بالنقل ووقع ذلك في المتن والسند منه بحسب اختلاف الناقل أن تعدّد النقل أو خطأ الرواة ، ولكن الظنّ القوي قائم باتحاد الحديث ونسخ المصباح غالباً أصحّ من نسخ كامل الزيارة بل وكما قال بعض الناقدين : إنّ كامل الزيارة ليست من الكتب المقرونة والمسموعة

٨٠