شفاء الصدور في شرح زيارة العاشوراء - ج ١

ميرزا أبي الفضل الطهراني

شفاء الصدور في شرح زيارة العاشوراء - ج ١

المؤلف:

ميرزا أبي الفضل الطهراني


المحقق: محمّد شعاع فاخر
المترجم: محمّد شعاع فاخر
الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: انتشارات المكتبة الحيدريّة
المطبعة: شريعت
الطبعة: ١
ISBN: 964-503-000-5
ISBN الدورة:
964-503-002-1

الصفحات: ٤٣٩
  نسخة غير مصححة

وسوف تسمع رأي أبناء العامّة في ابن الزنا بأنّه أكثر نجابة (١) ، والحقّ يقال : إنّه لا أحد بعد الثاني أنجب من ابن زياد.

ولد ابن زياد ظاهراً في سنة ثمانٍ وعشرين أو تسع وعشرين بعد الهجرة ، وجمع له العراقان وهو ابن الثانية والثلاثين أي في سنة ستّين من الهجرة ، وكان أوّل وال يحوز في ولايته خراسان وآذربيجان والبحرين وعمّان والهند وغالب الممالك الإيرانيّة ، ويقال : إنّ والده زياداً سبقه إلى ذلك. وفي عام واحد وستّين شرع في قتل الحسين أرواحنا له الفداء.

وفي كتاب العقد الفريد أنّ عدد جيش الكوفة في عهد زياد كان ستّين ألف مقاتل ، ومن هنا يمكن العلم بما ورد في الأخبار المعتبرة من أنّ عدد الخارجين على الحسين كانوا ثلاثين ألفاً ولا غرابة في ذلك ؛ لأنّ الجيش الذي قوامه ستّون ألفاً يمكن تعبئة ثلاثين ألفاً منه في مدّة وجيزة علاوة على ما يقال من أنّ ابن زياد يومها كان يستعدّ لقتال أهل الديلم ولكن طرأت وقعة كربلاء أثناء ذلك فحوّلت وجهه إليها دون بلاد الديلم ، وبناءاً على هذا لا استبعاد في كثرة الجنود وتتابعها ، فلعنة الله عليه وعلى جنوده.

__________________

(١) إنّ ال أحاديث الواردة في خبث ولد الزنا كثيرة ، وفيها عناوين :

منها : إنّ لولد الزنا علامات أحدها بغضنا أهل البيت. راجع سفينة البحار ، ذيل زنى.

ومنها : ولد الزنا شرّ الثلاثة. راجع جامع الاُصول لابن الأثير عن أبي هريرة ٨ : ٧٩ الحديث ٥٩٢٤ ولكنّ بعض العامّة يكذّبون ذلك ويقولون :

كذب الروافض ويلهم فيما ادّعوا

في قولهم ابن الزنا لا ينجب

 هذا ابن خطّا الأمير وإنّه

أزكى البريّة والأنام وأطيب

تجارب السلف ، تصنيف هندوشاه صاحب نخجواني : ٢٠ طبع بهمّة مير سيّد حسن روضاتي ابن العلّامة السيّد محمّد علي الروضاتي.

وقال ميرزا حسن ابن الحكيم الصمداني في كتاب (الشمع واليقين) في معرفة الحقّ واليقين [بما يرجع إلى] قال القطب الشيرازي الشافعي في كتاب نزهة القلوب ، نسب معاوية .... (المتحقّق).

٣٨١

وفي سنة سبع وستّين هجريّة ـ وكان عمره تسعاً وثلاثين عاماً ـ وصل إلى دركات الجحيم بيد واسطة الرحمة الإلهيّة والنعمة اللامتناهيّة إبراهيم بن الأشتر رضي الله عنهما ، وتوجد في المقتل المنسوب إلى أبي مخنف واقعة عجيبة عن كيفيّة قتله ، ولمّا كانت الحكاية مستبعدة أعرضت عنها مع أنّه لا غرض معتدّ به في هذه التفاصيل.

ومن العجايب أنّ قتله صادف يوم عاشوراء ، ولمّا حملوا رأسه إلى الإمام السجّاد فاُدخل عليه وهو يتغدّى ، فقال عليّ بن الحسين عليهما السلام : اُدخلت على ابن زياد لعنه الله وهو يتغدّى ورأس أبي بين يديه ، فقلت : اللهمّ لا تمتني حتّى تريني رأس ابن زياد وأنا أتغدّى ، فالحمد لله الذي أجاب دعوتي (١) كما فعل المخذول برأس الإمام المظلوم المبارك عليه وعلى جدّه وأبيه واُمّه وأبنائه أفضل الصلاة والتحيّة والسلام ما هدر حمام وهمر ركام ...

__________________

(١) بحار الأنوار ٤٥ : ٣٣٦. (هامش الأصل) و ٤٥ : ٣٣٥. (المترجم)

٣٨٢

وَلَعَنَ اللهُ عُمَرَ بْنَ سَعْدٍ ..

الشرح : عمر بن سعد بن أبي وقّاص من الصحابة وأصحاب الشورى المتخلّفين عن أميرالمؤمنين ، وكان من كبار رجال عصره ، وكان يرمى بالدعوة ـ بكسر الدال ـ وقد تعرّض علماء النسب لذكر نسبه. وجاء في مروج الذهب حديث حول المقام ننقله استطرافاً واستطراداً وهو كما يلي :

روى المسعودي عن محمّد بن جرير الطبري قال : لمّا حجّ معاوية طاف في البيت ومعه سعد ، فلمّا فرغ انصرف معاوية إلى دار الندوة فأجلسه معه على سريره ، ووقع معاوية لعنه الله في عليّ عليه السلام وشرع في سبّه.

فزحف سعد ثمّ قال : أجلستني معك على سريرك ثمّ شرعت في سبّ عليّ ، والله لئن يكون فيّ خصلة واحدة من خصال كانت لعليّ أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس ، والله لئن أكون صهراً لرسول الله صلى الله عليه وآله وإنّ لي من الولد ما لعليّ أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس. والله لئن يكون قال لي ما قاله يوم خيبر : لاُعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّه الله ورسوله ويحبّ الله ورسوله ليس بفرّار ، يفتح الله على يديه أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس. والله لئن يكون رسول الله صلى الله عليه وآله قال لي ما قال له في غزوة تبوك : ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس ، وأيم الله لا دخلت لك داراً ما بقيت ، ثمّ نهض.

ثمّ يقول المسعودي رحمه الله : ووجدت في وجه آخر من الروايات وذلك في كتاب عليّ بن محمّد بن سليمان النوفلي في الأخبار عن ابن عائشة وغيره : إنّ سعداً لمّا

٣٨٣

قال هذه المقالة لمعاوية ونهض ليقوم ضرط له معاوية (١) وقال له : اقعد حتّى تسمع جواب ما قلت : ما كنت عندي قطّ ألأم منك الآن ، فهلّا نصرته وقد قعدت عن بيعته؟ فإنّي لو سمعت من النبيّ صلى الله عليه وآله مثل الذي سمعت فيه لكنت خادماً لعليّ ما عشئت.

فقال سعد : والله إ نّي لأحقّ بموضعك منك.

فقال معاوية : يأبى عليك ذلك بنو عذرة ، وكان سعد فيما يقال لرجل من بني عذرة.

قال النوفلي : وفي ذلك يقول السيّد بن محمّد الحميري :

سائل قريشاً بها إن كنت زاعمه

من كان أثبتها في الدين أوتاداً

 من كان أقدمها سلماً وأكثرها

حلماً وأطهرها أهلاً وأولادا

 من وحّد الله إذ كانت مكذّبة

تدعو مع الله أوثاناً وأنداد

 من كان يقدم في الهيجاء إن نكلوا

عنها وإن بخلوا في أزمة جادا

 من كان أعدلها حكماً وأقسطها

حلماً وأصدقها وعداً وإيعادا

 إن يصدقوك فلم (٢) بعدوا أباحسن

إن أنت لم تلق للأبرار حسّادا

 إن أنت لم تلق من تيم أخا صلف

ومن عديّ لحق الله حجّادا

 أو من بني عامر أو من بني أسد

رهط العبيد ذوي جهل وأوغادا

 أو رهط سعد وسعد كان قد علموا

عن مستقيم صراط الله صدّادا

 قوم تداعوا زنيماً ثمّ سادهم

لولا خمول بني زهر لما سادا (٣)

__________________

(١) ضرط له : عمل بقيه ما يشبه الضراط والمؤلّف فهم المعنى على الحقيقة ولذا قال : بادى از خود رها كرد براى او ، أي أطلق له الريح من تحته ، وهذا ينافي ما هم عليه لعن الله معاوية. (المترجم)

(٢) فلن.

(٣) مروج الذهب ٣ : ١٥ ط دار الهجرة ـ ايران. (هامش الأصل) ٣ : ٢٤ و ٢٥ ط مؤسسة الأعلمي تحقيق عبدالأمير مهنّا. (المترجم)

٣٨٤

ومن هنا يعرف نسب عمر بن سعد وسلامة فطرته عليهما اللعنة ، فقد ورث الولادة المشبوهة من والده المنافق.

وحكي عن تقريب ابن حجر قيل إنّه من الصحابة وهذا خطأ لأنّ يحيى بن معين جزم بولادته يوم وفاة عمر بن الخطّاب (١) ولا ينافي هذا الجزم ما ورد في الكامل بأنّه سعى لنيل أبيه الخلافة بعد هلاك عثمان (٢) لأنّه يعلم منه أنّه لم يكن في ذلك الوقت طفلاً.

وفي الكامل أيضاً : عن ابن سيرين : قال عليّ لعمر بن سعد : كيف وأنت إذا قمت مقاماً تخيّر فيه بين الجنّة والنار فتختار النار (٣).

وفي أمالي الشيخ الصدوق رواية يرويها عن أبيه المعظّم عن الكميداني [الكمنداني ـ المؤلّف] عن ابن عيسى ، عن ابن أبي نجران ، عن جعفر بن محمّد الكوفي ، عن عبدالله السمين ، عن سعد بن طريف ، عن الأصبغ بن نباتة قال : بينا أميرالمؤمنين عليه السلام يخطب وهو يقول : سلوني قبل أن تفقدوني ، فوالله لا تسألوني عن شيء يكون إلّا نبّأتكم به.

فقام إليه سعد بن أبي وقّاص ، فقال : يا أميرالمؤمنين ، أخبرني كم في رأسي ولحيتي من شعرة.

فقال له : أما والله لئن سألتني عن مسألة حدّثني خليلي رسول الله إنّك ستسألني عنها وما في رأسك ولحيتك من شعرة إلّا وفي أصلها شيطان جالس ، وإنّ في بيتك لسخلاً يقتل الحسين ابني ، وعمر بن سعد يومئذٍ يدرج بين يديه (٤).

__________________

(١) يقال : إنّ المولود في تلك الليلة هو عمر بن أبي ربيعة ولذا سمّي باسم عمر. (المترجم)

(٢) كامل ابن الأثير ٣ : ٣٣ بيروت ـ دار صادر. (هامش الأصل)

(٣) الكامل لابن الأثير ٣ : ٣٣ بيروت ـ دار صادر. (هامش الأصل) ٤ : ٤٧. (المترجم)

(٤) أمالي الشيخ الصدوق : ١٣٣.

٣٨٥

وهذا الخبر غاية في الضعف لضعف الكمنداني ، وجعفر بن محمّد الكوفي ، وعبيد بن سمين مجهول بل ابن عيسى أيضاً ، وإن كان المناسب في تدرّج الطبقات أن يكون الواسطة بين الكمنداني وابن أبي نجران أحمد بن محمّد بن عيسى ، ولكن كان التعبير بابن عيسى خلاف المعهود.

وزبدة القول أنّ السند معلول والقرائن الدالّة على خلافه واحد أو اثنان ، وأوضحها أنّ سعداً كان من المتخلّفين عن بيعة الإمام عليه السلام ولم يطأ أرض الكوفة يومئذٍ ولم يضمّه مجلس تحت منبر الإمام عليه السلام مضافاً إلى أنّ سعداً يحظى بشيء من الاحترام لهجرته ولكونه أحد الذين رشّحهم عمر للخلافة ، ولمّا كان عصر الإمام يتّسم باضطراب الاُمور وعدم الانتظام فلا يستدعي الحال هذا الجواب الشديد من جانب الإمام عليه السلام ، بل كان الإمام نفسه على طرف التقيّة وتأليف القلوب على أنّ سمة الصلاح الظاهري على سعد يردعه عن سؤال الجهّال والحمقى.

ويؤيّده ما ورد في الاحتجاج نظير هذه الرواية مع اختلاف يسير وفيها مكان سعد : وقام رجل وصرّح بطفولة وصغر تلك السخلة التي ما زالت تحبو على يديها ورجليها ويمكن أن يراد منه يزيد أبو خولّى أو أنس أبو سنان ، أمّا ذوالجوشن أبو الشمر فلم يكن أسلم بعد (١). وكان الشمر في زمن أميرالمؤمنين يعدّ من الرجال الأبطال كما سنذكره قريباً.

وخلاصة القول : كان لعمر بن سعد يوم عاشوراء من العمر سبع وثلاثون عاماً ، وقتل في سنة ستّ وستّين هجريّة بيد كيسان أبي عمرة بأمرٍ من المختار ، وأقبلوا

__________________

(١) ترجم له ابن حجر في الإصابة وقال : اسمه ذوالجوشن الضبابي ـ إلى أن يقول : ـ وقيل له ذلك «ذوالجوشن» لأنّ صدره كان ناتئاً وكان فارساً شاعراً ـ إلى أن يقول : ـ وله حديث عند أبي داود من طريق أبي إسحاق عنه وقال إنّه لم يسمع منه وإنّما سمعه من ولد شمر ، والله أعلم. [٢ : ٤١٠] وهذا يدلّ على أنّه أسلم ولا يشكّ أحد بذلك ولكنّه سرق من صدقات رسول الله عندما استعمله عليها. (المترجم)

٣٨٦

بالرأس إلى مجلسه ووضع بين يدي ولده حفص ، وقال له المختار : هل تعرف هذا؟ فقال : نعم ولا خير في الحياة بعده ، فأمر المختار بقطع رأسه وقال : عمر بالحسين وحفص بعليّ بن الحسين ، لا والله ولو قتلت ثلاثة أرباع قريش لا تعدل أنملة من أنامل الحسين عليه السلام ، واستجيب للحسين دعائه عليه حيث قال : «سلّط الله عليك من يذبحك على فراشك» لأنّه وصل إلى دركات الجحيم من بيته وهو آمن في غاية الذلّ والمهانة.

نادرة

في تقريب ابن حجر ـ كما نقل الرواة ذلك ـ أنّ عمر بن سعد بن أبي وقّاص المدني نزيل الكوفة صدوق لكن مقته الناس لكونه أميراً على الجيش الذين قتلوا الحسين من الثانية ، قتله المختار سنة خمس وستّين أو بعدها ووهم من ذكره في الصحابة فقد جزم ابن معين بأنّه ولد يوم مات عمر بن الخطّاب .. (١) انتهى.

وهنا يملك الإنسان العجب من اعتبار ابن سعد من طبقة التابعين بإحسان ويُعدّ له ويريد بحيلة أن يبرئه من قتل ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله حيث يقول : كان أميراً ولا يقول : قتل الحسين عليه السلام.

والحقّ يقال : إنّ الدين الذي يرى يزيد إماماً مفترض الطاعة لا بدع إذا رأى ابن سعد عادلاً صادق اللهجة ، ومنه يأخذون أحكام الدين وسوف نشير إلى ذلك فيما يأتي (٢) من أنّ قواعد دين أهل السنّة توجب أن لا يكون هؤلاء خارجين على الدين ، أنعم بهذه الشريعة والملّة ، وأنعم بهذه الطريقة والمذهب (٣).

__________________

(١) تقريب التهذيب ١ : ٧١٧ طبعة ثانية ١٤١٥ ، بيروت ـ دار الكتب العلميّة. (المترجم)

(٢) في شرح «اُمّة أسرجت وألجمت وتنقّبت» وشرح حال يزيد بن معاوية لعنهما الله. (هامش الأصل)

(٣) يقول ذلك على طريقة الهزء بهم ، أنعم وأنعم. (المترجم)

٣٨٧

وَلَعَنَ اللهُ شِمْراً ..

الشرح : شمر هو ابن ذي الجوشن لعنه الله ، وقيل اسمه أوس ، وقيل اسمه شرحبيل بن الأعور الضبابي.

وجاء في اُسد الغابة لابن الأثير في باب الذال : وإنّما قيل له ذوالجوشن لأنّ صدره كان ناتئاً.

يقول : أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله بابن فرس لي يقال لها القرحاء ، فقلت : يا محمّد ، أتيتك يابن القرحاء للتخذه ، قال : لا حاجة لي فيه ، إن أحببت أن اُقيّضك به المختارة من دروع بدر فعلت. قال : قلت : ما كنت لاُقيّضه ، قال : فلا حاجة لي فيه.

ثمّ قال : يا ذا الجوشن ، ألا تسلم فتكون من أوّل هذه الاُمّة؟ قال : قلت : لا ، قال : ولم؟ قال : قلت : لأني رأيت قومك قد ولعوا بك ، قال : وكيف قد بلغك مصارعهم؟ قال : قلت : بلغني. قال : فأنّى يهدى بك؟ قلت : أن تغلب على الكعبة وتقطنها ، قال : لعلّ إن عشت أن ترى ذلك ، ثمّ قال : يا بلال ، خذ حقيبة الرجل فزوّده من العجوة (أغلى التمر ـ المؤلّف) فلمّا أدبرت قال : إنّه من خير فرسان بني عامر.

قال : فوالله إنّي بأهلي بالعودة إذ أقبل راكب ، فقلت : من أين؟ قال : من مكّة ، فقلت : ما الخبر؟ قال : غلب عليها محمّد وقطنها ، قال : قلت : هبلتني اُمّي لو أسلمت يومئذٍ ثمّ سألته الحيرة لأقطعنيها (١) وهذا مختصر الكلام المنقول عن ابن الأثير.

ثمّ يقول ابن الأثير بعد ذلك : وقيل : إنّ ابن إسحاق لم يسمع منه وإنّما سمع

__________________

(١) ابن الأثير ، اُسد الغابة ٢ : ١٣٨. (المترجم)

٣٨٨

حديثه من ابنه شمر بن ذي الجوشن (١) لعنه الله ..

واُمّ الشمر كما يظهر ذلك من خطاب الإمام الحسين له (يابن راعية المعزى) (٢) يظهر من حاله أنّها معروفة بدنائة الفطرة وخبث الذات ، لأنّ هذه الكلمة سواء اُجريت على الحقيقة أو المجاز فإنّها دالّة على القصد ولا شبهة في خباثة مولد الشمر وسوء نسبه وأنّه لغير رشده مطلقاً.

وكان الشمر لعنه الله يُعَدّ من شجعان الكوفة أصحاب الصيت ، وكان في أوّل أمره مع أميرالمؤمنين عليه السلام في عسكره.

وفي كتاب «نصر بن مزاحم» وذكر ذلك غير واحد من المؤرّخين العامّة والخاصّة وروا عنه أنّه قد كان خرج أدهم بن محرز من أصحاب معاوية إلى شمر بن ذي الجوشن في هذا اليوم ، فاختلفا ضربتين فضربه أدهم على جبينه فأسرع فيه السيف حتّى خالط العظم وضربه شمر فلم يصنع شيئاً فرجع إلى عسكره فشرب ماءاً وأخذ رمحاً ثمّ أقبل وهو يقول :

إنّي زعيم لأخي باهله

بطعنة إن لم أمت عاجله (٣)

 وضربة تحت الوغى فاصله

شبيهة بالقتل أو قاتله

ثمّ حمل على أدهم وهو يعرف وجهه ، وأدهم ثابت له لم ينصرف ، فطعنه فوقع عن فرسه (٤).

ورأيت في بعض الكتب وأنا أتذكّرها الآن أنّه انتمى إلى الخوارج وفعل فعلته الشنعاء يوم عاشوراء وهو منهم.

__________________

(١) نفسه ٢ : ١٣٨. (المترجم)

(٢) بحار الأنوار ٤٥ : ٥ ط لبنان. (هامش الأصل) جرت مطابقته ، ويوجد في لواعج الأشجان للسيّد الأمين رحمه الله : ١٢٣. (المترجم)

(٣) (إن لم تكن عاجله ـ المؤلّف) ولا معنى لها. (المترجم)

(٤) ابن أبي الحديد ، شرح النهج ٥ : ٢١٣. (المترجم)

٣٨٩

كان الشمر رجلاً أبرص. وروي في كتب العامّة والخاصّة مثل حياة الحيوان والبحار وغيرهما عن صادق آل محمّد ، قيل له : كم تتأخّر الرؤيا؟ (فذكر منام رسول الله صلى الله عليه وآله فكان التأويل بعد ستّين سنة) (١) أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله رأى كلباً أبقع ـ أسود وأبيض ـ يلغ في دمه فعبّرت الرؤيا بالشمر لعنه الله (٢).

وكذلك جاء في بحار الأنوار عن سيّدالشهداء إنّه قال للشمر : رأيت كلاباً تنهشني ، أشدّها عليّ كلب أبقع (٣) ، فلعنة الله عليه لعناً يملأ أقطار السماوات وآفاق الأرضين.

وقد أطرف الحسين بن الحجّاج البغدادي في قوله ـ ولعلّه يهجو به ابن سكرة الناصبي خذله الله ـ :

وأبرص من بني الزواني

ملمّع أبلق اليدين

 قلت وقد لجّ في أذاه

وزاد ما بينه وبيني

 يا معشر الشيعة أدركوني

قد ظفر الشمر بالحسين

وأخيراً قبض عليه المختار بن أبي عبيد ستّ وستّين للهجرة وأناله جزائه كما ورد في الكامل (٤).

أن إنّه قُتل بيد أبي عمرة في قرية قريبة من الكوفة كما جاء ذلك في رسالة الشيخ الأجل ابن نما (٥) سقى الله قبره.

__________________

(١) هذا ما ذكره صاحب البحار ولكن المؤلّف أورد قول النبي : رأيت كلباً أبقع بلغ ما في دماء أهل بيتي [بحار الأنوار ٤٥ : ٣١]. (المترجم)

(٢) بحار الأنوار ٤٥ : ٣١. (هامش الأصل)

(٣) نفسه ٤٥ : ٥٦. (هامش الأصل) ص ٨٨. (المترجم)

(٤) بحار الأنوار ٤٥ : ٣٣٦ ، كامل ابن الأثير ٤ : ٢٣٧ ط بيروت. (هامش الأصل)

(٥) بحار الأنوار ٤٥ : ٣٣٨. (هامش الأصل)

٣٩٠

وعن أبي الحسن عليّ بن سيف المدائني المؤرّخ المعروف ، وفي أمالي (ابن) الشيخ رضي الله عنهما أنّ شمراً طلبه المختار فهرب إلى البادية ، فسعي به إلى أبي عمرة فخرج إليه مع نفر من أصحابه فقاتلهم قتالاً شديداً فأثخنته الجراحة فأخذه أبو عمرة أسيراً وبعث به إلى المختار فضرب عنقه وأغلى له دهناً في قدر وقذفه فيها فتفسّخ ووطئ لآل حارثة بن مضروب وجهه ورأسه (١).

ولكن ذكر في نفخ الطيب تأليف أحمد بن محمّد المقري المالكي المغربي في تاريخ الأندلس أنّ الشمر قد فرّ من المختار بولده من الكوفة إلى الشام (فلمّا اخرج كلثوم بن عياض للمغرب كان الصميل فيمن خرج معه ودخل الأندلس في طالعة بلج وكان شجاعاً جسوراً على قلب الدول قبلغ ما بلغ (٢).

وإمارة الصميل وإن ذكرت في عبر ابن خلدون وغيره إلّا أنّ هروب الشمر من الشام لا يلائم الواقع لأنّ مؤرّخي المشرق اتفقت كلمتهم على قتله ، ويمكن أن يكون في هروبه الأوّل الذي نقلناه عن ابن نما ، لم يمكّن الله من أولاده الخبيث فتواروا في بلاد الشام التي هي معدن النواصب واستقرّوا هناك ، ومن الشام انتقلوا إلى الأندلس التي تعرف اليوم بأسبانيول ، وكانت تشتهر قديماً باسم اسبانيا ، فلعنة الله عليه وعلى من انتسب بعمله إليه.

__________________

(١) الأمالي ١ : ٢٥٠ الجزء التاسع ط النجف. (هامش الأصل) ونقلنا العبارة كلّها من أمالي الطوسي : ٢٤٤ المجلس التاسع. (المترجم)

(٢) هذا ما ذكره المقري ٣ : ٢٦ ، وليس فيه ما ذكره المؤلّف من أنّ ال صميل بن حاتم بن شمر بن ذي لاجوشن تأمّر هناك وإنّما قال : وإنّما ذكر ابن حيّان أنّ القائم بدولة يوسف والمتولي عليها الصميل بن حاتم بن شمر بن ذي الجوشن الكلابي وجدّه شمر قاتل الحسين. ٣ : ٢٧. (المترجم)

٣٩١

وَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً أَسْرَجَتْ وَأَلْجَمَتْ وَتَنَقَّبَتْ وَتَهَيَّأَتْ لِقِتالِكَ ..

الشرح : الإسراج اشتقاق جعلي من لفظ سرج وهو جامد لأنّ كلّ لفظ يتوقّف جريان الحدث في معناه فهو جامد ، ويكون الاشتقاق منه خلافاً للأصل ، لأنّ معنى الجريان والتحوّل الذي هو من لوازم المصادر لا يوجد فيه ، مِن ثَمّ يسمّى هذا النوع من الاشتقاق الاشتقاق الجعلي ، وقولهم في تعرّف التعدية بـ «جعل الشيء ذا مصدره» مبنى على التغليب أو أنّ القصد هو المصدر المطلق الذي هو المبدء ومعنى أسرج جعله ذا سرج كما لا يخفى.

الإلجام : نظير الإسراج وهو مأخوذ من اللجام وهو معرب لكام تحقيقاً كما جزم بذلك الجوهري ولا وجه لترديد الفيّومي والخفاجي.

تنقّبت : يحتمل لهذا اللفظ وجوه منها ما ذكرها العلماء ومنها ما اختصصت باستنباطه.

منها : أنّه مأخوذٌ من النقاب الذي تضعه المرأة على وجهها حقيقةً وذلك إشارة إىل ما كان يفعله القوم في الحروب حين ينتقبون ، وهذا الوجه ذكره في البحار (١). (٢)

الوجه الثاني : أن يكون من ذلك المعنى على وجه الاستعارة فإنّ النساء ينتقبن حين الخروج من منازلهنّ ومثلهنّ الرجال حين يخرجون إلى الحرب يحملون

__________________

(١) بحار الأنوار ١٠١ : ٣٠١ ط طهران. (هامش الأصل) و ٩٨ : ٣٠٢ ، قال الكفعمي : يمكن أن يكون المعنى مأخوذاً من النقاب الذي للمرأة ، أي اشتملت بآلات الحرب كاشتمال المرأة بنقابها فيكون النقاب هنا استعارة.

(٢) (يشهد له ما في البحار ٣٥ : ٦٠ ط طهران. ابن عبّاس قال : لمّا نكل المسلمون عن مقارعة (قارع القوم : ضارب بعضهم بعضاً) طلحة العبدوي تقدّم إليه أميرالمؤمنين عليه السلام ، فقال طلحة : من أنت؟ فحسر لثامه) (ما كان على الأنف وما حوله من ثوب أو نقاب) فقال : أنا القضم : (السيف) عليّ بن أبي طالب.

٣٩٢

السلاح ويشتملون عليه شبّه لامة الهيجاء بنقاب النساء ، وهذا الوجه ذكره الكفعمي في حاشية المصباح (١).

وكلا الأمرين بعيد غاية البعد لاسيّما الثاني وهو ينافي الأذواق السليم إذ لا وجه بين نقاب المرأة واستعداد الرجال للحرب ، اللهمّ إلّا علاقة التضاد وإن لم يذكره.

الوجه الثالث : مأخوذ من التنقيب بمعنى السير في الطريق مثل : (فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ) (٢) وهذا المعنى قريب معناه بعيد لفظه وهو من الكفعمي أيضاً (٣) عليه الرحمة.

الوجه الرابع : يكون مأخوذاً من النقبة وهو ثوب يشتمل به كالإزار (٤) وهو شبيه بالسروال ، وتجعل له حجزة أي الموضع الذي يعقد منه ويمرّ الحزام منه من دون خصر. ويظهر من بعض موارد الاستعمال أنّه لباس يلتجأ إليه الفارس أحياناً بسهولته أو لأسباب غيرها. إذن ، هو كناية عن ذلك التهيّؤ والإعداد. ومن موارد استعماله العبارة المنسوبة إلى عمر التي تعرّض العلماء لشرحها مفرقة وقد وردت بتمامها في شرح نهج البلاغة. قال يذكر حال صباه في الجاهليّة : لقد رأيتني مرّة واُختاً لي نرعى على أبوينا ناضحاً لنا قد ألبستنا أمناً نقبتها وزودتنا يمنتيها من

__________________

(١) مصباح الكفعمي : ٤٨٣ ، بحار الأنوار ١٠١ : ٣٠٢. (هامش الأصل)

(٢) ق : ٣٦.

(٣) أو يكون معنى تنقّبت سارت في نقوب الأرض وهي طرقها الواحد نثب ، ومنه قوله تعالى : (فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ) أي طوفوا وساروا في نقوبها أي طرفها ، قال :

لقد نقّبت في الآفاق حتّى

رضيت من الغنيمة بالإياب

راجع مصباح الكفعمي : ٤٨٣ ، والبحار ٩٨ : ٣٠٢. (المترجم)

(٤) بحار الأنوار ٩٨ : ٣٠٢.

٣٩٣

الهبيد فنخرج بناضحنا ، فإذا طلعت الشمس ألقيت النقبة إلى اُختي وخرجت أسعى عرياناً فنرجع إلى اُمّنا وقد جعلت لنا لفيتة من ذلك الهبيد فياخصباه (١).

ومنه يعلم حاله مع اُخته في البادية وحال الناس معه عرياناً فتذكر حديث الإمارة التي سبق إلى ذكرها الإشارة (٢) وتأمّل حقّ التأمّل في هذه العبارة.

وبناءاً على هذا تكون العبارة كقول القائل : ارتدى ثوبه أو لبس سرواله ، وهذا المعنى عرض لي أوّلاً ثمّ عثرت عليه في إشارة وردت في كلام الكفعمي (٣).

الوجه الخامس : لا يبعد أن يكون المعنى كما ترائى لي أنّه مأخوذ من نقب خفّ البعير إذا رقّ كما جاء في الشعر :

اُقسم بالله أبو حفص عمر

ما مسّها من نقب ولا دبر

وصرّح في الأساس أنّ تنقّب بمعنى نقب ، وهو كناية عن التعب والعنت في هذا العمل.

الوجه السادس : واحتمل احتمالاً أن يكون مأخوذاً من النقابة بمعنى الرياسة ومعنى ذلك أنّهم جمعوا العساكر وجيّشوا الجيوش.

الوجه السابع : مأخوذ من النقاب بمعنى العريف أو بمعنى البصيرة ، وانطباقه على ما نحن فيه أنّه إشارة إلى أنّهم علموا بالحرب وتأكّدت لديهم أسباب القتال وتعرّف وجوه الجدال ، وتنقّب بمعنى تجسّس وتتبّع (٤).

__________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٢ : ٢٠ مع اختلاف بسيط في بعض الكلمات. (المترجم) ابن أبي الحديد ١٢ : ١٣٠ ط بيروت. (هامش الأصل)

(٢) تجدها في شرح «لعن الله عمر بن سعد» تحت عنوان «نادرة». (هامش الأصل) أورد المؤلّف العبارة بالعربيّة.

(٣) المصباح للكفعمي : ٤٨٣ ، بحار الأنوار ١٠١ : ٣٠٢ ط طهران. (هامش الأصل)

(٤) لسان العرب ، مادة نقب. والنقاب العالم بالأمور ، والنقاب المنقّب ـ بالكسر والتخفيف ـ الرجل العالم بالأشياء الكثير البحث عنها والتنقيب عليها.

٣٩٤

الوجه الثامن : أنّه مشتقّ من النقيبة بمعنى المشاورة.

وهذان الوجهان الأخيران لم أجدهما في كتاب أحد والذي ثبت في كتب اللغة من هذه الوجوه هو تنقّب المرأة وتنقّب خفّ البعير ، ولم أعثر على باقي الوجوه لحدّ الآن في كتب اللغة ، ولكن بما أنّ هذا الاستعمال ثابت وأنّ الإختلال بوجوه المشتقّات من المجرّد والمزيد أكثر من النجوم وخارجة عن حدّ الإحصاء والحصر ، وكلّ واحدة من هذه المحتملات من الوجوه لا تخلو من مناسبة فلا مانع من ذكرها ، وإن كان ـ والحقّ يقال ـ لا يخلو وجه منها من وجود الخلل ، وعللّ الله يحدث بعد ذلك أمراً.

التهيّؤ : مشتقّ من الهيئة وهو بمعنى الكيفيّة الحاصلة من اكتناف أعراض مختلفة مثل الوضع واللون والمقدار على الجسم والفرق مابينها وبين الصورة يظهر باختلاف العرضيّة والجوهريّة اصطلاحاً وإن استعملت الصورة عرفاً بالمعنى الأعمّ ، والظاهر أنّ الأيئة والهيئة من أصل واحد ، وحصل هذا الاختلاف من الإبدال. وباب الإبدال واللثغ باب واسع في لغة العرب ، وعمد جماعة إلى استيفاء هذين البابين ومع ذلك بقيت عليهم مستدركات ، وفي الزوايا خبايا ، وهذا المعنى اشتبه على صاحب القاموس في غالب ما كتب عنه ، وعزى موارد الإبدال إلى تعدّد اللغة ، ومن المواضع المنصوصة :

إبدال الهمزة والهاء : «هيم الله وأيم الله» في القسم.

و «هنا وأنا» في ضمير المتكلّم.

و «هيا وأيا» في النداء.

و «لهنّك ولأنّك» في التأكيد.

و «يهه وايه» في الاستزادة.

و «هال وآل» و «هداه وأداه» و «هروت وأروت» و «هراق وأراق» في الإراقة.

٣٩٥

و «هسد وأسد» و «هجيج وأجيج» و «هيّاك وأيّاك» في الخطاب.

و «هوقه وأوقه» بمعنى الجماعة.

و «باه وباء» بمعنى الجماع.

و «أرجاه وأرجاء» بمعنى التأخير.

و «بده وبدأ» و «دلره ودرأ» بمعنى طلع ودفع.

إلى غير ذلك من المواضيع. ويؤيّد قول النافين إصالة عدم الوضع والذي له اُنس ومعرفة بوجوه لغة العرب واختلاف ألسنتهم في الزيادة والنقصان التغيير والتبديل يجزم بصحّة دعوى النفي.

وجملة القول : معنى التهيّؤ اتخاذ هيئة أمرٍ مّا والاستعداد لأدائه ، والتهيئة إعطاء الهيئة وإعداد العدة للأمر ، والله العالم.

٣٩٦

بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ..

الشرح : وضع هذه الجملة في الأصل للدعاء بالفداء ، ويكون المعنى هكذا : إذا داهمك بلاء أو آفة يجعل الله روح أبي واُمّي فداء ووقاءاً لك ، ويقع بهما البلاء دونك ، ويدلّ هذا الكلام على تقديم المفدّى في المحبّة والإعزاز على الوالدين ، وتتوقّف صحّة الاستعمال على حياة المخاطب وحياة الوالدين ، لأنّ الميّت لا يفدى ولا يُفدّى ، وهذا المعنى غير خاف على أهل الفهم والإدراك. ومن هذا المعنى قول الكميت بن يزيد الأسدي رضي الله عنه في إحدى هاشميّاته السبع يذكر فيها النبيّ صلى الله عليه وآله فيقول :

أنقذ الله شلونا من شفا النار

به نعمة من المنعام

 لو فدى الحيّ ميّتاً قلت نفسي

وبنيّ الفدا لتلك العظام

وفيه نقد يعرفه من ذاق طعم الأدب ونسل إليه ولو من حدب (١).

وجملة القول : أنّ هذه الجملة التي نُقلت بلغت أعلى حدّ للظهور ؛ إمّا لغلبة الاستعمال أو للشهرة في مطلق التعظيم والإكبار لأحد من الناس ، وهذا القول لازم

__________________

(١) لعلّه يشير إلى قوله : «أنقذ الله شلونا» لأنّ الشلو الجلد والجسد من كلّ شيء وكلّ مسلوخة أكل منها شيء فبقيتها شلو ولكن الشلو مأثور عن غيره من الشعراء كما قال الراعي :

فادفع مظالم عيّلت أبناءنا

عنّا وأنقذ شلونا المأكولا

فليس على الكميت نقد في استعمال هذا اللفظ على سنن إخوانه الشعراء ، وأغلب الظنّ أنّ المؤلّف انتقده على لفظ العظام التي أطلقها على النبيّ وهي لفظة مستكرهة في نعته صلى الله عليه وآله. (المترجم)

٣٩٧

المعنى الأوّل وغالباً ما يؤتى بها ، ولا يراد منها إلّا تجليل المخاطب وتعظيمه (١) ،

__________________

(١) الغرض من ذلك تجليل وتعظيم المخاطب ليس إلّا لأنّ في كثير من الموارد لا توجد شرائط الفداء وبيان هذا المطلب كما يلي :

أربعة شروط لازمة في الفداء الحقيقي :

١ ـ أن يكون المفتدي ـ اسم فاعل ـ حيّاً.

٢ ـ أن يكون المفتدى ـ اسم مفعول ـ حيّاً أيضاً.

٣ ـ من يفدي أدنى قدراً ممّن يفدى ـ بالبناء للمجهول.

٤ ـ لا يجوز أن يكون الفادي أسمى قدراً.

فإذا فقدت هذه اللوازم الأربعة كان الفداء صوريّاً لا واقعيّاً ، ونحن نشاهد عدم رعاية هذه اللوازم الأربعة في كثير من الحالات في الأحاديث المرويّة عنهم ، ومن أجل إثبات ذلك نأتي بشاهد من الروايات لكلّ لازم من هذه اللوازم الأربعة.

أمّا الأوّل : عن عليّ بن الحسين عليه السلام ... وأقبل أميرالمؤمنين ونزل جبرئيل على النبيّ صلى الله عليه وآله فقال له : يا محمّد ، اقرأ (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ) [سورة الليل] إلى آخر السورة ، فقام النبيّ صل ىالله عليه وآله وقبّل بين عينيه ثمّ قال : بأبي أنت ، قد أنزل الله فيك هذه السورة كاملة. [بحار الأنوار ٤١ : ٣٧ الرقم ١٥ ، وراجع : بحار الأنوار ٤١ : ٢٧٠ طبع طهران].

أمّا الثاني : سويد بن غفلة قال : دخلت على عليّ بن أبي طالب ... ويحك يا فضّة ، ألا تتقين الله في هذا الشيخ؟ ألا تتخلون له طعاماً ممّا أرى فيه من النخالة؟ فقالت : لقد تقدّم إلينا أن لا ينخل له طعام ، قال : ما قلت لها فأخبرته [أي عليّاً] فقال : [عليّ عليه السلام] بأبي من لم ينخل له طعام ولم يشبع من خبز البرّ ثلاثة أيّام حتّى قبضه الله عزّ وجلّ [بحار الأنوار ٤٠ : ٣٣١ ، ومثله بحار الأنوار ٤١ : ١٣٨].

أمّا الثالث : بالإسناد عن جابر بن عبدالله أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله أقام أيّاماً لم يطعم طعاماً حتّى شقّ ذلك عليه وطاف في منازل أزواجه فلم يصب عند واحدة منها شيئاً فأتى فاطمة فقال : يا بنيّة ، هل عندك شيء آكله فإنّي جائع؟ فقالت : لا والله بأبي أنت واُمّي ، فلمّا خرج ... فرجع إليها ، فقالت : بأبي أنت واُمّي قد أتانا الله بشيء. [بحار الأنوار ٤٣ : ٦٨]

وهذه التفدية من العجايب فإنّ فاطمة أفدت (كذا) أباها لأبيها ، ولا تعدّد في ذلك وأفدت (كذا) اُمّها الميّت (كذا) للحي.

أمّا الرابع : روى المجلسي بالإسناد عن ابن عبّاس : لمّا كنّا في حرب صفّين دعا عليّاً ابنه محمّداً بن

٣٩٨

وصارت من الألفاظ المتداولة للتعارف كالألفاظ التي تصدر بها المكاتيب ومبادئ المراسلات في هذا الزمان من قبيل : فداك ما عداك ، وروحي فداك ، وغيرها ، وليس غرض القائل أو الكاتب الفداء الواقعي منها وإنّما تذكر لبيان رعاية عظمة المكتوب إليه وملاحظة قدره.

ومن هذا النمط عبارات الزيارة ، وإن كان الإمام المخاطب باعتقادنا حيّاً وسميعاً بصيراً ، ولكن ذلك لا يؤقّر في المعنى ، لأنّ صحّة استعمال هذا الكلام مبنيّ على الحياة الصوريّة الدنيويّة ، مضافاً إلى أنّ الفداء وهو الأبوان غالباً ما يكونان في عداد الموتى ، ولم يحتمل أحدٌ التفصيل في صحّة الخطاب ، فيصحّ إن كانا حيّين ويبطل عند موتهما ، وإن كان بالإمكان رفع هذا الإشكال بالتنزيل والفرض ، فيقال : إنّ مراد القائل للمخاطب إنّك أصبحت عندي بمنزلة لو كان والدايّ حيّين لفديتهما لك ولكن هذا الفرض لا يطرد في جميع الأمثلة.

ولا يصحّ استعمال هذه العبارة في كثير من الموارد كالرواية المنقولة عن الإمام الباقر في خطابه لأصحاب سيّد الشهدا : بأبي أنت واُمّي (١). ولو احتُمل كون الإمام قال ذلك للتعليم ولم يقصد أباه بل تعليم السامع كيفيّة الزيارة مع كونه بعيداً.

ويمكن دفع الإشكال بقولنا إنّ الأئمّة داخلون في عموم الحكم ، وحينئذٍ

__________________

الحنفيّة ، وقال له : يا بني ، شدّ على عسكر معاوية فحمل على الميمنة ... ثمّ رجع وبه جراحات وهو يقول الماء الماء يا أبتاه ... فسقاه جرعة من الماء وصبّ باقيه بين درعه وجلده ، ثمّ قال : يا بني ، شدّ على القلب فحمل عليهم وقتل منهم فرساناً ثمّ رجع إللى أبيه وهو يبكي وقد أثقلته الجراح ، فقام إليه أبوه وقبّل مابين عينيه (ممّا بين عينيه ـ خ) وقال له : «فداك أبوك فقد سررتني والله يا بني بجهادك هذا بين يدي فما يبكيك أفرحاً أم جزعاً [بحار الأنوار ٤٢ : ١٠٦ طهران ، وراجع أيضاً ٤٢ : ١١٧ و ٤٣ : ١٤٢ و ١٥٣ الرقم ١١ ط طهران]. (المحقق)

(١) كامل الزيارات : ١٧٦ ـ ١٧٩ ، بحار الأنوار ١٠١ : ٢٩٢ ط طهران. (هامش الأصل)

٣٩٩

يستحبّ لهم تلاوة هذه الزيارة والقول للأصحاب «بأبي أنت واُمّي» ، ووالد الإمام إمام وبالطبع لا يصحّ فدائه لأيّ واحد من صحابة الحسين عليه السلام بالضرورة.

ومن هذا القبيل كلمات عقيلة الرسالة سلام الله عليها : «بأبي المهموم حتّى مضى ...» إلى آخر ما قالته في نياحتها على الإمام المظلوم (١) ذلك اليوم ، لأنّ الإمام أميرالمؤمنين أجلّ قدراً من الإمام الحسين عليه السلام.

وذكرها النبيّ وفاطمة وخديجة في النياحة إمّا لأنّ فقد الحسين سيّدالشهداء فقد لهم جميعاً كما قالت ليلة العاشوراء : «اليوم مات جدّي رسول الله» (٢) فناحت عليهم جميعاً ، أو أنّ العرف جرى بذكر النائح المعزّى كبار أهله وإشرافهم من الموتى ويبكي على كلّ واحد منهم على حدة كما عليه الحال اليوم وعلى كلّ حال ما من وسيلة لدفع الإشكال في قوله : «بأبي خديجة الكبرى» إلّا ما قلناه من الإشارة التي سلفت. والمنصف المتتبّع لا يغفل من رشاقة هذا التحقيق.

__________________

(١) «بأبي المهموم حتّى قضى ، بأبي العطشان حتّى مضى ، بأبي من شيبته تقطر بالدماء ، بأبي من جدّه رسول إله السماء ، بأبي من هو سبط نبيّ الهدى ، بأبي محمّد المصطفى ، بأبي خديجة الكبرى ، بأبي عليّ المرتضى ، بأبي فاطمة الزهراء سيّدة النساء ، بأبي من رُدّت عليه الشمس حتّى صلّى ...» [بحار الأنوار ٤٥ : ٥٩ ، ط بيروت]. (هامش الأصل)

(٢) «يا حزناه ، يا كرباه ، اليوم مات جدّي رسول الله» [بحار الأنوار ٤٥ : ٥٩ لبنان]. «اليوم ماتت اُمّي فاطمة وأبي عليّ وأخي الحسن» [بحار الأنوار ٤٥ : ٢ ط لبنان]. (هامش الأصل)

٤٠٠