شفاء الصدور في شرح زيارة العاشوراء - ج ١

ميرزا أبي الفضل الطهراني

شفاء الصدور في شرح زيارة العاشوراء - ج ١

المؤلف:

ميرزا أبي الفضل الطهراني


المحقق: محمّد شعاع فاخر
المترجم: محمّد شعاع فاخر
الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: انتشارات المكتبة الحيدريّة
المطبعة: شريعت
الطبعة: ١
ISBN: 964-503-000-5
ISBN الدورة:
964-503-002-1

الصفحات: ٤٣٩
  نسخة غير مصححة

بها من قربى قد أبعدها الله ما لم يدخل الدين خلل مثله ، ولم ينل الإسلام تبديلاً يشبهه.

ومن ذلك إيثاره بخلافة الله على عباده ابنه يزيد السكّرين الخمّير صاحب الديكة والفهود والقردة ، وأخذ البيعة له على خيار المسلمين بالقهر والسطوة والتوعّد والإخافة والتهديد والرهبة وهو يعلم سفهه ويطلع على رهقه وخبثه ، ويعاين سكراته وفعلاته وفجوره وكفره ، فلمّا تمكّن قاتله الله فيما تمكّن منه طلب بثارات المشركين وطوائلهم عند المسلمين ، فأوقع بأهل المدينة في وقعة الحرّة الوقعة التي لم تكن في الإسلام أشنع منها ولا أفحش (١) فشفى عند نفسه غليله ، وظنّ أنّه انتقم من أولياء الله وبلغ الثار لأعداء الله ، فقال مجاهراً بكفره ومظهراً لشركه :

ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل

قول لا يرجع إلى الله ولا إلى دينه ولا إلى رسوله ولا إلى كتابه ولا يؤمن بالله وبما جاء من عنده ، ثمّ أغلظ ما انتهك وأعظم ما اخترم سفكه دم الحسين بن عليّ عليهما السلام مع موقعه من رسول الله ومكانه ومنزلته من الدين والفضل والشهادة له ولأخيه بسيادة شباب أهل الجنّة اجتراءاً على الله وكفراً بدينه وعداوة لرسوله ومجاهرة لعترته واستهانة لحرمته كأنّما يقتل منه ومن أهل بيته قوماً من كفرة الترك والديلم ولا يخاف من الله نقمة ولا يراقب منه سطوة فبتر الله عمره وأخبث [اجتثّ ـ المصدر] أصله وفرعه ، وسلبه ما

__________________

(١) ترى هذا الخبيث العبّاسي الذي لا يقلّ خبثاً عمّن تبرّأ منه لا يذكر ما فعله معاوية بالحسن وكيف قضى عليه بالسمّ فهو يعدّد جرائمه ويقفز على هذه الجريمة لأنّ أجداده وآبائه لم يقلّوا إجراماً عمّا جنى معاوية ونغله بحقّ أهل البيت عليهم السلام. (المترجم)

٣٦١

تحت يده ، وأعدّ له من عذابه وعقوبته ما استحقّه من الله بمعصيته.

هذا إلى ما كان من بني مروان من تبديل كتاب الله وتعطيل أحكام الله واتّخاذ مال الله بينهم دولاً ، وهدم بيت الله ، واستحلالهم حرامه ونصبهم المجانيق عليه ورميهم بالنيران إيّاه [إليه ـ المصدر] لا يألون له إحراقاً وإخراباً ، ولما حرم الله منه استباحة وانتهاكاً ، ولمن لجأ إليه قتلاً وتنكيلاً ، ولمن أمنه الله الانتقام ، وملأوا الأرض بالجور والعدوان ، وعموا بلاد الله بالظلم والاقتسار ، وحلّت عليهم السخطة ، ونزلت بهم من الله السطوة ، أتاح الله لهم من عترة نبيّة وأهل وراثته ، ومن استخلصه منهم لخلافته مثل ما أتاح من أسلافهم المؤمنين ، وآبائهم المجاهدين لأوائلهم الكافرين ، فسفك الله به دمائهم مرتدّين كما سفك بآبائهم دماء آبائهم المشركين ، وقطع الله دابر الذين ظلموا والحمد لله ربّ العالمين.

أيّها الناس ، إنّما أمر ليطاع ، ومثّل ليتمثّل ، وحكم ليفعل ، قال الله سبحانه وتعالى : (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا) (١) وقال : (أُولَـٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) (٢) فالعنوا أيّها الناس من لعنه الله ورسوله ، وفارقوا من لا تنالون القربة من الله إلّا بمفارقته.

اللهمّ العن أبا سفيان بن حرب بن اُميّة ويزيد بن معاوية ومروان بن الحكم وولده وولد ولده.

اللهمّ العن أئمّة الكفر وقادة الضلال وأعداء الدين ومجاهدي الرسول

__________________

(١) الأحزاب : ٦٤.

(٢) البقرة : ١٥٩.

٣٦٢

ومعطّلي الأحكام ومبدّلي الكتاب ومنتهكي الدم الحرام.

اللهمّ إنّا نبرأ إليك من موالاة أعداءك ، ومن الإغماض لأهل معصيتك كما قلت : (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) (١).

أيّها الناس ، اعرفوا الحقّ تعرفوا أهله ، وتأمّلوا سبل الضلالة تعرفوا سابلها فقفوا عندما وقفكم الله عليه ، وانفذوا كما أمركم الله به ، وأميرالمؤمنين يستعصم بالله لكم ويسأله توفيقكم ، ويرغب إليه في هدايتكم ، والله حسبه وعليه توكّله ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم (٢).

وإذا شئت الاطّلاع على مساوئ بني اُميّة بأكثر من هذا اُنظر «مفاخرة بني هاشم وبني اُميّة» الواردة في الشرح المذكور (٣) مضافاً إلى الفوائد التي ساقها الشارح من عنده لأ نّ الجاحظ وإن كان من أعداء أميرالمؤمنين عليه السلام وكان كتب رسالة في إثبات إمامة المروانيّة وسمّاها «كتاب إمامة أميرالمؤمنين معاوية ..» فقد ذكر في رسالة المفاخرة شطراً مقنعاً وفصلاً مشبعاً من خبث أعراق هذه الشجرة الملعونة والطائفة المشئومة وسوء أخلاقها ودنائة حسبها وردائة نسبها ، ولله درّ أبي القاسم المغربي رحمه الله حيث قال :

ثمّ امتطاها عبد شمس فاعتدت

هزواً وبدّل ربحها بخسار

 وتنقّلت في عصبة اُمويّة

ليسوا بأطهار ولا أبرار

 مابين مأفون إلى متزندق

ومداهن ومضعّف وحمار

__________________

(١) المجادلة : ٢٢.

(٢) تاريخ الطبري ٨ : ١٨٣ في ما وقع سنة ٢٤٨ ، بحار الأنوار ٨ : ٥٤٣ ط اُفست. (هامش الأصل) وتجده أيضاً في الطبري ١٠ : ٥٥ طبعة أخرى ، وشرح ابن أبي الحديد ١٥ : ١٨٠. (المترجم)

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٥ : ٢٦٢ ط بيروت.

٣٦٣

قال ابن أبي الحديد : فأمّا قوله في بين اُميّة «ما بين مأفون ..» البيت ، فمأخوذ من قول عبدالملك [بن مروان ـ مصدر] وقد خطب فذكر الخلفاء من بني اُميّة قبله ، فقال : إنّي والله لست بالخليفة المستضعف ، ولا بالخليفة المداهن ، ولا بالخليفة المأفون ، عنى بالمستضعف عثمان ، وبالمداهن معاوية ، وبالمأفون يزيد بن معاوية ، فزاد هذا الشاعر فيهم اثنين : وهما المتزندق وهو الوليد بن يزيد بن عبدالملك ، والحمار وهو مروان بن محمّد بن مروان (١).

تنبيه

في البحار عن كامل البهائي ـ وهو من مصنّفات عماد الدين الحسن بن عليّ الطبري المعاصر للمحقّق واُستاذ البشر قدّس سرّهما وكتبه لبهاء الدين محمّد الجويني في عهد هلاكو كما يستفاد ذلك من رياض العلماء للفاضل المتتبّع الميرزا عبدالله المعروف بالأفندي تلميذ العلّامة المجلسي قدس سره ـ ونقل عنه أنّه قال : إنّ اُميّة كان غلاماً روميّاً لعبد شمس فلمّا ألقاه كيّساً فطناً أعتقه وتبنّاه ، فقيل اُميّة عبد شمس كما كانوا يقولون قبل نزول الآية زيد بن محمّد ، والآية : (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ) (٢) ولذا روي عن الصادقين عليهما السلام في قوله تعالى : (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ) (٣) أنّهم بنو اُميّة. ومن هنا يظهر نسب عثمان ومعاوية وحسبهما وأنّهما لا يصلحان للخلافة لقوله صلى الله عليه وآله : «الأئمّة من قريش» (٤).

وفي البحار أيضاً عن إلزام الناصب قال : إنّ اُميّة لم يكن من صلب عبد شمس

__________________

(١) ابن أبي الحديد ٦ : ١٧ ط بيروت ، واللفظ من المصدر لا شفاء الصدور فإنّه فيه تصحيفات. (هامش الأصل) وقد جرت مطابقته من المترجم.

(٢) الأحزاب : ٤٠.

(٣) الروم : ١ و ٢.

(٤) البحار ٨ : ٣٦١ ط اُفست. (هامش الأصل) و ٣١ : ٥٤٣ ط دار الرضا بيروت ـ لبنان. (المترجم)

٣٦٤

وإنّما هو من الروم فاستلحقه عبد شمس فنسب إليه ، فنبو اُميّة كلّهم ليسوا من صميم قريش وإنّما هم يلحقون بهم ، ويصدّق ذلك قول أميرالمؤمنين عليه السلام : لساق وليسوا صحيحي النسب إلى عبدمناف ، ولم يستطع معاوية إنكار ذلك (١).

وروى المحقّق المحدّث الكاشاني قدّس سرّه النوراني من كتاب «الاستغاثة في بدع الثلاثة» ـ وهو على التحقيق من مصنّفات عليّ بن أحمد الكوفي صاحب كتاب (الأنبياء) وكتاب (الأوصياء) وهذا الكتاب مذكور في رجال النجاشي باسم (كتاب بدع الثلاثة) كما أورد ذلك المحقّق النحرير الشيخ أسد الله الشوشتري ناقلاً عن تلميذه المتتبّع الشيخ عبدالنبي الكاظمي في حاشية (نقد الرجال) مستمدّاً من إشارة الشيخ يوسف البحراني رحمه الله ويؤكّد نسبة الكتاب إلى عليّ بن أحمد روايته بلا واسطة عن جعفر بن محمّد بن مالك الكوفي ، ومع كلّ ما تقدّم نسب المحقّق المذكور في كتاب الصافي والمحدّث المتبحّر المجلسي في مقدّمة بحار الأنوار الكتاب لابن ميثم البحراني وهذا غريب جدّاً منهما مع سعة باعهما وكثرة اطّلاعهما ـ.

وبالجملة ؛ ورد في الكتاب المذكور وهو مرويّ عن علماء أهل البيت بأسرارهم وعلوّهم ووصل إلى علماء الشيعة أنّ قوماً ينسبون إلى قريش وليسوا منهم في حقيقة النسب وهذا من الأخبار التي لا يعلمها إلّا معادن النبوّة وورثة علم الرسالة وذلك نظير بني اُميّة حيث نفوذهم عن قريش وألحقوهم نسباً بالروم وفيهم ورد تأويل هذه الآية (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ) ومعناها أنّهم غلبوا على الملك وسيغلبهم بنو العبّاس عجلين ، وهذا التأويل يناسب قرائة (غلبت) بصيغة المعلوم كما في الصافي ، وجعلت هذه القرائة من الشواذّ.

__________________

(١) بحار الأنوار ٣١ : ٥٤٤.

٣٦٥

وفي البحار عن كنز الفوائد للعلّامة الكراجكي روى قريباً من هذا المعنى بطريقين : أحدهما عن ابن عقدة ، والآخر عن محمّد بن العبّاس الماهيار صاحب التفسير المعروف ، ويمكن أن يشار إلى ضعف النسب الأموي بأشعار أبي العطاء السندي وهو من مشاهير شعراء الدولتين المخضرمين التي نظمها في هجاء بني اُميّة ، والشعر بنفسه مرغوب فيه وإن لم يؤت به شاهداً على ما تقدّم من نسب الأمويّين ، فللّه درّه وعلى الله برّه ، فلقد أجاد ما شاء :

إنّ الخيار من البريّة هاشم

وبنو اُميّة أفجر الأشرار

 وبنو اُميّة عودهم من خروع

ولهاشم في المجد عود نضار

 أمّا الدعاة إلى الجنان فهاشم

وبنو اُميّة من دعاة النار

 وبهاشم زكت البلاد وأعشبت

وبنو اُميّة كالسراب الحارِ

النصائح الكافية : ١٣٨ (١)

فائدة

حكمت طائفة من بني اُميّة في المغرب ، وسمّوا أنفسهم خلفاء ولكنّهم لا يُعتدّ بهم ، ولا يُعدّون شيئاً ، لاضطراب أيّامهم على الأغلب ، وتدهور اُمور مملكتهم ، وكانت رقعة الأندلس صغيرة ، من ثَمّ لم تتّجه إليهم الأنظار ، ولم يحسب ملكهم في الأندلس من أيّام بني اُميّة ، كما أنّ أيّام عبدالملك لم تُعدّ لأنّها صاحبت فتنة ابن الزبير ، لأنّ خلافته اختصّت بالاُردن ودمشق وما حولها (٢) ، ومثله معاوية فلم يُسمّ خليفة مع وجود الإمام الحسن وإن حكم مصر والشام.

__________________

(١) النصائح الكافية : ١٤٣. (المترجم)

(٢) لعلّ المؤلّف يقصد مروان أبا عبدالملك وأمّا عبدالملك ففي عهده قتل ابن الزبير وانتظمت له الاُمور وخضع له العباد والبلاد.

٣٦٦

فتبيّن من هذا أنّ ضيق رقعة الملك وقلّة المملكة توجب عدم الاعتداد بالمتحكّم ، ولا خصوصيّة للمشرق أو المغرب في ذلك ، كما هي الحال في بحار الأنوار فقد كانت وجهته المشرق فلم يعتدّ بغيره وكان عليه اعتماده وله عنايته ، وهذا الوجه وإن كان بسبب ما قلناه من ضيق الرقعة وقلّة البلاد والحكم فهو صحيح من هذه الناحية وإلّا فهو ضعيف وموهون.

توضيح

ظاهر العبارة في هذه الزيارة بصرف النظر عن تأكيد التعميم بلفظ قاطبة حيث يوجب سياق الكلام بها منع التخصيص ، تكشف عن أنّ بني اُميّة أجمعين أكتعين أبصعين أتبعين خبثاء مستحقّو اللعن.

لأنّ المتكلّم لم يأخذ وصفاً في عنوان الحكم لينسحب على العامّ ويتعنون به فلا يوجد في عموم الأفراد وصف قابل لمعارضة الحكم ، فإذا حصل لنا الشكّ في جماعة من بني اُميّة هل قضوا على العقيدة الحقّة والفطرة النقيّة وماتوا حين ماتوا مؤمنين بالحقّ غير دافعين له بل منكرين لسيرة ذويهم ، فإنّنا نحكم بفساد اعتقادهم بناءاً على مقتضى هذا العموم في النصّ ، حيث لعنهم قاطبة ، والمؤمن لا يستوجب اللعن إذاً فلا يكون مؤمناً.

وهذا نظير ما إذا قال المولى لغلامه : أكرم جيراني ، فمع كون حاله تدلّ على عدم إكرام أعدائه ، فإنّ العبارة المذكورة كاشفة أنّ العدوّ لا يوجد في جيرانه وقد حقّقنا هذا المطالب في الاُصول بصفة مستوفاة وشرحه والدنا المحقّق قدس سره في كتاب (مطارح الأنظار) شرحاً وافياً وكان له تحقيق مغنٍ في هذا الباب عمّا عداه.

ولكن يستخلص من هذه العبارة إشكال بيّن لا مندوحة من ذكره ، وهو أنّ الحكم على بني اُميّة عامّة بعدم الإيمان يعارضه وجود جماعة من القدماء والمتأخّرين كانوا يوالون أهل البيت مثل خالد بن سعيد بن العاص وأبو العاص

٣٦٧

ابن الربيع وهو من الأولى تخلّفوا عن بيعة أبي بكر ، وثبت مع أميرالمؤمنين عليه السلام ، كما نصّ على ذلك العامّة والخاصّة في كتبهم ، واعتبر الحرّ العاملي في أمل الآمل ، الأموي الأبيوردي الشاعر من علماء الشيعة وكذلك يظهر لنا بالتتبّع أنّ كثيراً من الرجال والنساء المنسوبين إلى هذه الطائفة كانوا على جانب كبير من الاستقامة مثل أمامة بنت أبي العاص التي تزوّجها الإمام أميرالمؤمنين بعد وفاة الصدّيقة الطاهرة عليها السلام بوصيّة منها ، ومثل محمّد بن حذيفة واُمّه بنت أبي سفيان وكان من خواصّ أميرالمؤمنين عليه السلام وتحمّل المشاقّ الصعبة في سبيل محبّته ، ودخل سجن معاوية في هذا السبيل ، وعانى منه سنين عدداً ومعاوية لعنه الله خاله ، ولم يتفق معه قطّ.

والجواب على هذا الاعتراض يمكن تحقيقه في وجوه :

الوجه الأوّل : الظاهر أنّ عموم اللفظ يشمل الموجودين ساعة الخطاب ، لأنّ حكم الإضافة في الوضع أنّها حقيقة في المعهود ولا معهود في تلك الآونة إلّا الموجودون من الأمويّين وهذا الوجه ضعيف. لأنّ المراد من الموجودين إن كانوا في زمن الراوي الذي هو زمن الإمام الصادق أيضاً فينبغي أن لا يتناول اللفظ أولئك المتقدّمين من بني اُميّة وهم الأكثر ونحن نقطع بدخول معاوية ويزيد في هذا اللعن. وإن كان القصد جميع الأزمان السابقة من إمام إلى إمام فالإشكال باق على حاله في الأخيار المتقدّمين منهم.

الوجه الثاني : أن نلتزم بفساد الفطرة الأمويّة وانحرافها وإن حصل لبعضهم الاستقامة في عهدٍ مّا من المجتمع فإنّ حكم الفطرة المعوجّة يغلب عليهم ويؤدّي إلى انحرافهم عن جادّة الصواب ويحملهم ذلك على الارتداد ويخرجون من الدنيا على الضلال ، نعوذ بالله العظيم.

ولو أنّنا قطعنا باستقامتهم السابقة فلا دليل على إحرازها ساعة الوفاة إلّا

٣٦٨

بالاستصحاب ، والدليل المذكور المتضمّن لتجويز لعنهم قاطبة أمارة كاشفة عن استيعاب واستغراق جميع الأفراد بحكم خبائتهم ، من هنا نحكم بجواز لعنهم والبرائة منهم.

ويجب أن يعلم أنّ المراد ببني اُميّة بحكم الوضع واللغة هم الرجال المنسوبون بالآباء إلى اُميّة فلا وجه لعدّ أمامة وهي بنت أو محمّد بن حذيفة وهو منسوب إليهم من جهة أمّه وأمثالهما منهم ، بل لا سبيل لعدّ أبي العاص من بني اُميّة وإن جاء في ذلك خبر ضعيف (١).

وفي رسالة مفاخرة الجاحظ أنّ بني اُميّة استدلّوا على نفي الشجرة الملعونة عنهم بوجود أبي العاص فيهم (٢).

وهذا القول غير ملتئم في ميزان تصحيح الأنساب لأنّ أبا العاص بن ربيع بن عبدالعزّى بن شمس بن عبدمناف وهو عبشمي كما ذكر ذلك في اُسد الغابة وغيرها.

ولا وجه لذكر الأبيوردي في الشيعة وإن ذكر ذلك الشيخ الحرّ قدس سره في أمل الآمال ، ولم يقم شاهداً على ذلك وكان بأشعاره يفخر بأمويّته ويأسف على ضياع

__________________

(١) محمّد بن أحمد الكوفي الخزّاز ، عن أحمد بن محمّد بن سعد الكوفي ، عن ابن فضّال ، عن إسماعيل بن مهران ، عن أبي مسروق النهدذي ، عن مالك بن عطيّة ، عن أبي حمزة قال : دخل سعد بن عبدالملك وكان أبو جعفر يسمّيه سعد الخير وهو من ولد عبدالعزيز بن مروان على أبي جعفر عليه السلام فبينا ينشج كما تنشج النساء ، قال : فقال له أبو جعفر عليه السلام : ما يبكيك يا سعد؟ قال : وكيف لا أبكي وأنا من الشجرة الملعونة في القرآن! فقال له : لست منهم ، أنت أمويّ منّا أهل البيت ، أما سمعت قول الله تعالى عزّ وجلّ يحكي عن إبراهيم عليه السلام : (فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي) [إبراهيم : ٣٦]. [الاختصاص : ٥٩ ، بحار الأنوار ٤٦ : ٣٣٨ ط لبنان]. (هامش الأصل) الاختصاص : ٨٥ تحقيق غفّاري ط جماعة المدرسين ـ قم ، والبحار ٤٦ : ٣٣٦. (المترجم)

(٢) ابن أبي الحديد ١٥ : ٢٦٣ ط بيروت. (هامش الأصل)

٣٦٩

الملك منهم وهذا الأمر ينافي التشيّع بل تقتضيه الفطرة الأمويّة الخبيثة.

وأخطاء الشيخ الحرّ من هذا النمط كثيرة ، لأنّه عدّ أبا الفرج الأصفهاني وهو مروانيّ من علماء الشيعة الإماميّة ، لأنّه لم يكن إماميّاً بالإجماع بل كان من علماء الزيديّة ، وسرى الخطاء إلى الشيخ من قول بعضهم أنّه من الشيعة وتخالف رواياته روايات الإماميّة غالباً كما يظهر ذلك التتبّع والتقصّي في كتابه الأغاني ، إذ لا يجيز الإمامي أن ينسب إلى عبدالله بن جعفر ذي الجناحين الذي هو في عصره ثاني الحسنين وثالث القمرين استماع الغناء مع أنّ حليلته زينب سلام الله عليها وهي عقيلة خدر الرسالة ومحجوبة ستر الإمامة ورضيعة ثدي الزهد والعصمة والوليّة ، وربيبة حجر العلم الحكمة النبويّة ، وكانت تعيش معه في بيت واحد.

وهكذا تجد من طراز هذه الترّهات والخزعبلات في الأغاني الكثير .. وهو الذي نسب الندم إلى الحسين من مسيره إلى كربلاء في يوم عاشوراء وكتابه (مقاتل الطالبيّين) معروف ، وتعرّضنا لشرح حاله وإن جاء على سبيل الاستطراد ولكنّه إن تأمّلت مطلوب لذاته.

ومجمل القول إنّي أذكر في هذا المقام قطعة من الشعر له تدلّ على اختلال عقيدته :

ملكنا أقاليم البلاد فأذعنت

لنا رغبة أو رهبة عظمائها

 فلمّا انتهت أيّامنا علقت بنا

شدائد أيّام قليل رخائها

 وكان إلينا في السرور ابتسامها

فصار علينا بالهموم (١) بكائها

 وصرنا نلاقي النائبات بأوجه

رقاق الحواشي كاد يقطر مائها

وفي البيت الذي يقول فيه «وصرنا نلاقي» تداعى في خاطري شعر سيّد

__________________

(١) في الهموم ـ وفيات. (هامش الأصل)

٣٧٠

الشعراء وخاتم الاُدباء الشاعر الماهر والأديب المعاصر السيّد حيدر الحلّي رحمه الله حيث يقول :

من أين تخجل أوجه أمويّة

سكبت بلذّات الفجور حيائها

ومن الشعر الذي يفخر به بنسبه هذه الأبيات وهي من نجديّاته :

قالت لصحبي سرّاً إذ رأت فرسي

من الذي يتعدّى مهره خبيا

 فقال أعلمهم بي إنّ والده

من كان يجهد أخلاف العلى حلبا

 ما مات حتّى أقرّ الناس قاطبة

بعزّه وهو أعلى خندف نسبا

لم يكتف بالفخر العنصر الأموي فحسب بل جعله أعلى قبائل خندف في النسب مع ما علمت من ردّ بعضهم نسبهم في قريش وسوف يتجلّى نسب أبي سفيان واُمّه حمامة وأهون بالخيبة والفضيحة من النسب الذي ينتهي إلى أبي سفيان ثمّ منه إلى اُميّة.

ولو قيل للكلب أمثاله

عوى الكلب من لؤم هذا النسب (١)

وفي غيره من نجديّاته يقول :

وإنّي وإن كان الهوى يستفزّني

لذو مرّة قطّاعة للقرائن

 أروم العلى والسيف يخضبه دم

بأبيض بتّار وأسمر مارن

 وإن خاشنتني النائبات تشبّثت

بأروع عبل الساعدين مخاشن

 إذا سمّته خسفاً تلظّى جماحه

وأجلين عن خصم ألدّ مشاحن

 لئن سلبتني نخوة أمويّة

خطوب اُعاينها فلست بحاضن

__________________

(١) المشهور في البيت :

ولو قيل للكلب يا باهلي

عوى الكلب من لؤم هذا النسب

ولا معنى لقوله : أمثاله. (المترجم)

٣٧١

قاتله الله ما أشعره وفي موضعٍ آخر من نجديّاته. يقول خارج أدب النسيب ويشتدّ في تحمّسه في الغزل ثمّ يقول :

بني خيثم الله الله في دمي

فطالبه الذي قوله الفعل

 ومرد على جرد بأيدٍ تمدّها

إلى الشرف الضخم الخلائف والرسل

 دم أمويّ ليس ينكر فرده

وما بعده إلّا الفرار أو القتل

 ألم يك في عثمان للناس عبرة

فلا ترحضوه طلّه إنّه يغلوا

 ولولا الهوى سارت إليكم كتيبة

يعضل من نجد بها الحزن والسهل

ومن تأمّل أشعاره هذه لا يبقى عنده أدنى شكّ في انحرافه وعدم استقامته ، وأكثر شعره تصريحاً بنواياه المقطوعة الأخيرة التي يستعيد فيها ذكرى دم عثمان ويتباهى بحروب الجمل وصفّين ، بل إنّ له أشعاراً في يوم الطفوف كما سوف تعلم أنّ بني اُميّة إنّما ألبسوها قميص عثمان وأثاروها معنونة بالطلب بدم عثمان ، ولقد ارتكبوا اُموراً شنعاء انتقاماً لدمه وأخذاً بثأره.

والعجيب أنّ المقطوعة الاُولى من شعره التي سلفت منّا مذكورة في الوفيات ، والشيخ الحرّ العاملي أخذ شرح أحواله من الكتاب نفسه ولكنّه غفل عن مضمون هذا الشعر (١).

وجملة القول : إنّك عرفت تقريب الوجه الثاني ، والإنصاف أنّ الالتزام بهذا الوجه على الوجه الذي يلجئنا إلى رفع اليد عن الاُمور المقطوع بها مع فرض التحقّق من تحكيم هذا الدليل على استصحاب سلامة عقيدتهم أمر مشكل جدّاً

__________________

(١) وفيات الأعيان ٤ : ٤٤٦. وفي القطعة بيت سقد من الناس وهو قوله :

إذ ما هممنا أن نبوح بما جئت

علينا الليالي لم يدعنا حيائها

والمؤلّف ذكره بقرينة استشهاده بيت الحلّي ولكنّ الناسخ أهمله غفلة. (المترجم)

٣٧٢

لاسيّما وأنّ هناك عمومات اُخرى في فضائل المؤمنين بأيدينا لا يسهل الالتزام بتخصيصها بل هو صعب مستصعب ، وربّما كان في رواية حياة الحيوان التي سلفت (ذيل وآل مروان) لا تخلو من تأييد من أنّ النبيّ قال : ما أقلّ المؤمنين فيهم (١).

لأنّ هذا الخبر مع ملاحظة اشتماله على ذمّ بني اُميّة ، مظنون الصدق ، ولا أرى أحداً يقدح بخالد بن سعيد تمسّكاً بهذا الحديث مع ما كان عليه خالد بن سعيد من إظهار الإخلاص والتودّد والثبات ، وما أظهره من حسن البيان في المسجد مع معارضته أبابكر وامتناعه من بيعته ، وهذا بأجمعه مذكور بأهمّ المصادر التاريخيّة وتشتمل عليه اُمّهات الكتب الموثّقة (٢) ثمّ إنّه بعد هذا وذاك صحابيّ مؤمن مطيع لأهل بيت نبيّه صلى الله عليه وآله والعمومات الواردة في فضل الصحابة ومدايح المهاجرين تشمله ولا دليل على إخراجه بخصوصه منها علاوة على أنّ الوجه الثالث موجب لظهور الوهن والضعف في هذا الوجه.

الوجه الثالث : المراد من بني اُميّة خصوص أولئك الذين أعانوا في غصب الخلافة وإطفاء نور الله وجحد كلمة الولاية ، وشاركوا في مجريات الأحداث

__________________

(١) رواية الخصال باب الأربعة : ١٠٨ بالإسناد عن الرضا عن أبيه عن آبائه عليهم السلام أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله كان يحبّ أربع قبائل : كان يحبّ الأنصار وعبدالقيس وأسلم وبني تميم ، وكان يبغض بني اُميّة وبني حنيف [حليف ـ ظ] وبني ثقيف وبني هذيل ، وكان صلى الله عليه وآله يقول : لم تلدني اُمّ بكر ولا ثقفيّة ، وكان صلى الله عليه وآله يقول : في كلّ حيّ نجيب إلّا في بني اُميّة.

(٢) في الاحتجاج للطبرسي : ٤٧. والخصال باب الإثني عشر ٢ : ٦٧ : إنّه من الإثني عشر الذين أنكروا على خلافته وجلوسه مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله ، بل أوّلهم ، حيث قام فقال : يا أبابكر ، اتّق الله ...

وفي الاحتجاج : ٥١ ، قال لعمر : يابن صهّاك الحبشيّة ، أبأسياقكم تهدّدوننا أم بجمعكم تفزعوننا؟ والله إنّ أسيافنا أحدّ منكم وإنّا لأكثر منكم وإن كنّا قليلين لأنّ حجّة الله فينا ، والله لولا أنّي أعلم أنّ طاعة الله ورسوله وطاعة إمامي أولى لشهرت سيفي وجاهدتكم في الله إلى أن أبلي عذري. فقال أميرالمؤمنين : اجلس يا خالد فقد عرف الله مقامك وشكر لك سعيك. وراجع ترجمته في التنقيح ١ : ٣٩١. (هامش الأصل)

٣٧٣

بالسيف والسنان والقلم واللسان ، وأظهروا بغض أهل البيت ، ويؤيّد هذه القضيّة أنّ هذا هو المتبادر إلى الأذهان من ذكر القضيّة مع ملاحظة الإشكال السابق. أضف إلى ذلك قلّة مصاديق عنوان بني اُميّة لأنّ أبنائه النسبيّين قليلو العدد ، وأمّا الحكم وأولاده فكلّهم أبناء سفاح ولغير رشدة ، وأمّا أولاد أبي سفيان فهم متّهمون بخبث الولادة بل على التحقيق كانوا لغير رشدة كما سوف اُشير إليه في محلّه إن شاء الله ، وأمّا أولاد أبي معيط وهم أولاد ذكوان أبيه فهم لصقاء ؛ لأنّ ذكوان في رأي جماعة إنّه غلام اُميّة وألحقه بنسبه وتبنّاه كما أشار إليه في اُسد الغابة (١).

فلابدّ من حمل العموم في الجملة المذكورة على الزيادة على الطائفة المشتملة على خلفائهم واُمرائهم ، ويكون بناءاً على هذا لفظ بني اُميّة عنواناً عرفيّاً من أجل الإشارة إلى تلك الجماعة المعهودة ، وحقيقة الإضافة في العهد شاهد صدق هذه الدعوى ، ومجملاً يؤيّد بل يصدّق هذا المعنى الخبر المذكور في الخصال في باب السبعة : للنار سبعة أبواب ، وباب يدخل منه بنو اُميّة هو لهم خاصّة لا يزاحمهم فيه أحد ، وهو باب لظى ، وهو باب سقر ، وهو باب الهاوية تهوي بهم سبعين خريفاً ....

وفي آخر الحديث : قال محمّد بن فضيل الرزقي راوي الحديث : فقلت لأبي عبدالله عليه السلام : الباب الذي ذكرت عن أبيك عن جدّك عليهما السلام أنّه يدخل منه بنواُميّة يدخله منهم من مات على الشرك أو من أدرك منهم الإسلام؟ فقال : لا اُمّ لك ، ألم تسمعه يقول : وباب يدخل منه المشركون والكفّار ، فهذا الباب يدخل فيه كلّ مشرك وكلّ كافر لا يؤمن بيوت الحساب ، وهذا الباب الآخر يدخل منه بنو اُميّة لأنّه

__________________

(١) وقد قيل إنّ ذكوان كان عبداً لاُميّة فاستلحقه [اٌسد الغابة ٥ : ٩٠] وفي ١ : ٢٥١ : ثمّ أدركته «اُميّة» وقد عمي يقوده غلام له يقال له ذكوان ...

٣٧٤

هو لأبي سفيان ومعاوية وآل مروان خاصّة يدخلون من ذلك الباب فتحطمهم النار حطماً لا تسمع لهم فيها واعية ، ولا يحيون فيها ولا يموتون (١).

وثبت هنا أنّهم فسّروا بني اُميّة بتلك الجماعة المخصوصة التي تقمّصت سروال الخلافة وتشبّثت بأذيالها ، وهذا التوجيه بنظري أقرب إلى التحقيق ، وهذا ليس تخصيصاً ليقول القائل : سياق هذا العام من حيث التأكيد يأبى التخصيص بل هو تخصّص ومؤكّد للتأكيد.

وفي هذا المقام مقال هو أهل لأن نعرض له بل ذكره لازم حتماً ، ومجمله كما يلي : يظهر من طائفة من الأخبار والآثار في الجملة مدح عمر بن عبدالعزيز من قبيل ما فعله من رفع السبّ عن أميرالمؤمنين عندما تسنّم غارب الخلافة ، وكان معمولاً به في العهد الأموي وأشاد به كثير عزّة وقال الأبيات التالية في مدحه :

وليت فلم تشتم عليّاً ولم تخف

بريّاً ولم تتبع مقالة مجرم

 تكلّمت بالحقّ المبين وإنّما

تبيّن آيات الهدى بالتكلّم

 وصدقت معروف الذي قلت بالذي

فعلت فأضحى راضياً كلّ مسلم

 ألا إنّما يكفي الردى بعد زيفه

من الأولاد البادي ثقاف المقوّم

وردّ فدك على أهلها من آل مروان بعد أن نحلها عثمان مروان بن الحكم ، وأحسن إلى أهل البيت فلم يظلم منهم أحداً.

ونقل عن فاطمة بنت سيّدالشهداء أنّها قالت : لو كان عمر بن عبدالعزيز حيّاً لما احتجنا.

__________________

(١) الخصال ٢ : ١٢ باب للنار سبعة أبواب. (هامش الأصل) الخصال : ٣٦١ تحقيق غفاري ، نشر جماعة المدرّسين في الحوزة العلميّة. (المترجم)

٣٧٥

ونقل العامّة عن باقر علوم النبيّين : لكلّ قوم نجيب وعمر بن عبدالعزيز نجيب بني اُميّة (١).

ومن الأقوال المشهورة : الناقص والأشجّ أعدلا بني مروان ، والناقص هو يزيد بن الوليد الذي نقص أعطيات أبيه ، والأشجّ هو همر بن عبدالعزيز لوجود شجّة في رأسه.

وفي كتاب قرب الإسناد ويصل السند إلى صادق آل محمّد صلى الله عليه وآله عن أبيه الباقر عليه السلام إنّه قال : لمّا ولّى عمر بن عبدالعزيز أعطانا عطايا عظيمة ، قال : فدخل عليه أخوه فقال له : إنّ بني اُميّة لا ترضى منك بأن تفضّل بني فاطمة عليهم ، فقال : أفضّلهم لأنّي سمعت حتّى لا اُبالي أن أسمع أو لا أسمع أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول : إنّ فاطمة شجنة منّي ، يسرّني ما أسرّها ، ويسوئني ما أسائها ، فأنا أتّبع سرور رسول الله صلى الله عليه وآله وأتّقي مسائته .. (٢).

ويعثر المتتّبع على أخبار من هذا القبيل ومن هذه الجهة توقّف بعض الأكابر وهو الفاضل المتبحّر الميرزا عبدالله أفندي صاحب «رياض العلماء» في هذا الكتاب جازماً عن لعنه ونقل كلامه وحكاه عنه ، ولست أودّ أن أذكر اسمه الشريف وأنسب إليه هذه الدعوى الباطلة في هذا الكتاب .. ولا وجه لذلك (٣) بل

__________________

(١) تاريخ الخلفاء : ٢٣٠ ط السعاد بمصر. (هامش الأصل) وسُئل محمّد بن عليّ بن الحسين عن عمر بن عبدالعزيز ، فقال : هو نجيب بني اُميّة وإنّه يبعث يوم القيامة اُمّة وحده .. الخ ، والسياق يخالف ما ذكره المؤلّف. (المترجم)

(٢) قرب الإسناد ١ : ٥٣. (المترجم) تاريخ الخلفاء : ٢٣٠ ط السعادة بمصر. (هامش الأصل)

(٣) أدع شيخي الجليل على رأيه في جواز لعن الرجل وأسأله عن الخلافة هل كان باستطاعته أن يردّها إلى أهل البيت بين عشيّة وضحاها؟ ومن أين لشيخنا أنّ ابن عبدالعزيز لا ينوي ردّها وقد كان فيما بلغنا من أخباره أنّه ينوي التغيير والثورة على بني اُميّة حتّى أنّ ابنه عبدالملك طالبه بإعلان الثورة على كلّ ما هو

٣٧٦

لعنه أوضح الواضحات وأوجب الواجبات لأنّه لا ذنب أعظم من ذنب غصب الخلافة وادّعاء الإمامة وقد فعلهما ، وتحمّل هذا الوزر العظيم حيّاً وميّتاً ، ولا ضرر على الاُمّة أعظم من منع الأئمّة حقّهم في الأمر النهي ، وإذا كان قد أحسن فهو من أجل المصانعة ومداراة الملك.

والحقّ يقال أنّ أهل السنّة أثنوا عليه ثناءاً جميلاً وسمّوه عمر الثاني ، ونحن نصفه أيضاً بهذا الوصف وننحو بحقّه هذا النحو ، ونعتقد فيه نفس المعتقد ، ولقد نال العدل التقديري من عمر بالإرث لأنّه اُمّه بنت عاصم بن عمر بن الخطّاب ، بل تميّزت سيرته الظاهريّة عن سائر بني اُميّة ، وكلام الإمام الباقر ـ إن صحّ ـ فإنّه يحمل على نفس المعنى ، فقول : عمر نجيب بني اُميّة ، معناه مضافاً إلى هذه الطائفة وإن كان في نفسه أخبث خلق الله ، ومثله قول : أعدلا بني مروان أي إنّ عدلهما بالنسبة إلى سائر الأمويّين ، وإن كان قياسهم إلى العدول قياس الظالم إلى العادل.

وكيف يطلب عمر بن عبدالعزيز رضا فاطمة ولم يعهد بالخلافة إلى ولدها الإمام الباقر وهو إمام واجب الطاعة ومعجزاته وكراماته ملأت السهل والجبل ، وملأت سمع العدوّ وبصره وقمه ويده وكان معاصراً له ، ذلك هو الخسران المبين.

وروى في أصل عاصم بن حميد الحنّاط ـ الذي ملكت نسخته بعنايةٍ من الله جلّ ذكره ـ عن عبدالله بن عطا أنّه قال : كانت يدي بيد الإمام الباقر عليه السلام لمّا كان على عمر بن عبدالعزيز ثوبين ممصّرين ، فقال الإماام الباقر : ليلينّ الولاية سريعاً ثمّ

__________________

أمويّ لكنّ أباه أجابه إنّي أخشى أن يستعينوا علينا بمن نثور من أجلهم أي الضعفاء ، ومعناه أنّ الثورة لم تنضج بعد. ثمّ أسأل الشيخ عن قول الشريف :

غير أنّي أقول إنّك قد طبت

وإن لم يطب ولم يزكُ بيتك

هل يجوز لعن الطيّب؟ وباعتقادي أنّ الشيخ قسى على ابن عبدالعزيز ومن حقّه علينا السكوت : لا نلعنه ولا نترحّم عليه. (المترجم)

٣٧٧

يموت فيبكي عليه أهل الأرض ويلعنه أهل السماء (١).

وهذه الرواية غاية في الاعتماد بل هي بناءاً على الأصل الذي أصّلناه في حجيّة خبر الواحد حائزة على مرتبة نصاب الحجيّة والصحّة لأنّ عاصم بن حميد ثقة جليل الشأن ، روى عنه في أصله واعتبره نصر بن الصباح الذي يستند العيّاشي والكشّي على أقواله في أكثر من مكان من نجباء أصحاب الصادق عليه السلام ودلالة ذلك على جلالة قدره ظاهرة ، ونقل الشهيد الثاني في كتاب الدراية نفس العبارة دونما نسبة إلى نصر بن الصباح وهذه إمارة الاعتماد وعلامة الاعتداد وموافقة هذا الخبر لعمومات لعن الغاصبين والمنحرفين عن أهل البيت وأعدائهم وإحباء أعدُّائهم وعموم اللعن المذكور في الزيارة كما يبّنّاه بنفسه معقل حصين وركن وثيق لمن حاله الشكّ.

أجل ، إنّ من الانصاف أنّ عمر بن عبدالعزيز عمل أعمالاً حسنة من قبيل رفع السبّ وردّ فدك ونحن نشكر له عمله هذا نظير مدح السيّد الأجل الأعظم

__________________

(١) أصل عاصم بن حميد هو الأصل الثالث من ستّة عشر أصلاً ، ص ٢٣ الحديث الخامس ، ونظيره الرواية التالية :

أحمد بن محمّد ، عن الأهوازي ، عن القاسم بن محمّد ، عن سليمان بن دينار ، عن عبدالله بن عطا التميمي قال : كنت مع عليّ بن الحسين عليهما السلام في المسجد فمرّ عمر بن عبدالعزيز عليه شراكا فضّة ، وكان من أحسن الناس وهو شابّ ، فنظر إلى عليّ بن الحسين عليهما السلام فقال : يا عبدالله بن عطا ، أترى هذا المترف؟ إنّه لن يموت حتّى يلي الناس. قال : قلت : هذا الفاسق؟ قال : نعم ، فلا يلبث فيهم إلّا يسيراً حتّى يموت ، فإذا هو مات لعنه أهل السماء واستغفر له أهل الأرض [بصائر الدرجات : ٤٥ ، بحار الأنوار ٤٦ : ٣٢٧ ط لبنان ، إثبات الهداة ٣ : ١٢]. (هامش الأصل)

أبو بصير قال : كنت مع الباقر عليه السلام في المسجد إذ دخل عمر بن عبدالعزيز متوكّياً على موالي له ، فقال عليه السلام : ليلينّ هذا الغلام فيظهر العدل ويعيش أربع سنين ثمّ يموت فيبكي عليه أهل الأرض وتلعنه أهل السماء لأنّه جلس مجساً ولا حقّ له فيه ثمّ ملك وأظهره العدل وجهره. [إثبات الهداة ٣ : ٥١ عن الخرايج والجرايح].

٣٧٨

الرضي رضي الله عنه وهو من أكابر الفقهاء والزهّاد من أهل البيت ، له في ديوانه الشريف حيث خاطبه بقوله :

يابن عبدالعزيز لو بكت العين

فتىً من اُميّة لبكيتك

 غير أنّي أقول إنّك قد طبت

وإن لم يطب ولم يزك بيتك

 أنت نزّهتنا عن السبّو القذف

ولو أمكن الجزاء جزيتك

 ولو أنّي رأيت قبرك لاسـ

تحييت من أن أرى وما حييتك

 وقليل أن لو بذلت دماء البُدن

ضرباً على الذرى وسقيتك

 دير سمعان لا أغبك غادٍ

خير ميّت من آل مروان ميتك

 أنت بالذكر بين قلبي وعيني

إن تدانيت منك أو قد نأيتك

 وإذا حرّك الحشا خاطر منك

توهّمت أنّني قد رأيتك

 وعجيب أنّي قليت بني مروان

طرّاً وإنّني ما قليتك

 قرب العدل منك لمّا نأى

الجور بهم فاجتنبتهم واجتبيتك

 فلو أنّي ملكت دفعاً لما نالك

من طارق الردى لفديتك (١)

إرشاد

الأخبار في لعن عموم بني اُميّة كثيرة من طريق أهل البيت عليهم السلام ويستحبّ لعن بني اُميّة بعد كلّ فريضة كما روى ذلك شيخ الطائفة في التهذيب بسنده عن أبي جعفر باقر علوم النبيّين عليهم السلام أنّه قال لجابر الجعفي :

إذا انحرفت عن صلاة مكتوبة فلا تنحرف إلّا بانصراف لعن بني اُميّة .. (٢).

__________________

(١) ديوان السيّد الرضي ١ : ٢١٥.

(٢) التهذيب ١ : ١٦٥ و ٢٢٧ ، بحار الأنوار ٥٨ : ٨٦. (هامش الأصل) التهذيب ٢ : ١٠٩ و ٣٢١. (المترجم)

٣٧٩

وَلَعَنَ اللهُ ابْنَ مَرْجانَةَ ..

الشرح : المراد من ابن مرجانة هو ابن زياد ، وذكره باللعن بعد ذكر آل زياد وبني اُميّة وهو يشمله ـ كما مرّ في التحقيق السابق ـ لخصوصيّة له في قتل سيّدالشهداء ، واحتمل المجلسي عليه الرحمة أنّ إفراده بالذكر لخبث مولده فلا يشمله حينئذٍ لفظ آل زيادٍ وبني اُميّة ، وقد قلنا أنّ هذين الفرعين من بني اُميّة جميعاً أبناء سفاح ولغير رشدة ، وإذا كان هذا هو الوجه فينبغي ذكر آحادهم ولا يقتصر الأمر على ابن زياد وحده ، ونسبته إلى مرجانة لمزيد انتقاصه وذمّه ليعلم مع حال أبيه حال اُمّه كذلك.

وكانت مرجانة من الزواني المعروفات وقد اُشير إليها في الأشعار كما يقول في هذا الشعر سراقة الباهلي ، ولنعم ما قال :

لعن الله حيث حلّ زياداً

وابنه والعجوز ذات البعول (١)

وقال جماعة : المراد من العجوز ذات البعول مرجانة ، وظاهر العبارة المرويّة في رجال الشيخ الكشّي في ترجمة ميثم التمّار رضي الله عنه «يقتله العتلّ الزنيم ابن الأمة الفاجرة» (٢) هذا وإن كانت الإشارة يمكن أن تدلّ على سميّة وربّما كانت أظهر من جهة.

وفي خطبة عاشوراء المرويّة في الاحتجاج : ألا وإنّ الدعيّ بن الدعيّ قد ركّز بين اثنين ... (٣). وهذه العبارة صريحة بأنّ ابن زياد ولد الزنا أيضاً (٤) مثل أبيه ،

__________________

(١) خالف شيخنا الجليل الطبري حيث قال : وكانت مرجانة امرأة صدق فقالت لعبيدالله حين قتل الحسين عليه السلام : ويلك ماذا صنعت وماذا ركبت .. الخ [تاريخ الطبري ٥ : ٤٨٤]. (المترجم)

(٢) ليأخذنّك ... رجال الكشّي ١ : ٨٥ رقم ١٤٠. (هامش الأصل) جرى تطبيق ذلك. (المترجم)

(٣) بحار الأنوار ٤٥ : ٩ ط بيروت. (هامش الأصل) ٤٥ : ٧. (المترجم)

(٤) يريد الإمام بالدعيّ استلحاقه بقريش ولكن نسبة الدعوة إلى عبيدالله هو ما قصده المؤلّف. (المترجم)

٣٨٠