شفاء الصدور في شرح زيارة العاشوراء - ج ١

ميرزا أبي الفضل الطهراني

شفاء الصدور في شرح زيارة العاشوراء - ج ١

المؤلف:

ميرزا أبي الفضل الطهراني


المحقق: محمّد شعاع فاخر
المترجم: محمّد شعاع فاخر
الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: انتشارات المكتبة الحيدريّة
المطبعة: شريعت
الطبعة: ١
ISBN: 964-503-000-5
ISBN الدورة:
964-503-002-1

الصفحات: ٤٣٩
  نسخة غير مصححة

وفي زيادٍ وإخوته يقول خالد النجّاري :

إنّ زياداً ونافعاً وأبابكرة

عندي من أعجب العجب

 إنّ رجالاً ثلاثة خلقوا

من رحم انثى وكلّهم لأب

 ذا قرشيّ فيما يقول وذا

مولىً وهذا ابن عمّه عربي (١)

وأشعار يزيد بن مفرغ جدّ السيّد الحميري في هجاء عبّاد بن زياد معروفة. وقال ابن زياد : ما آلمني شيء كما آلمني قول يزيد بن مفرّغ :

فكّر ففي ذاك إن فكّرت معتبر

هل نلت مكرمة إلّا بتأمير

 عاشت سميّة ما عشت وما علمت

أنّ ابنها من قريش في الجماهير

وكان لزياد عدد من الأولاد منهم عبّاد هذا ، وكانت لحيته طويلة جدّاً ، فقال يزيد بن المفرغ يهجوه :

ألا ليت اللحى كانت حشيشاً

فنعلفها خيول المسلمينا

ومنهم عبيداالله لعنه الله وفي هجائهما يقول يزيد :

أعبّاد ما للؤم عنك محوّل

ولا لك اُمّ من قريش ولا أب

 وقل لعبيدالله مالك والد

بحقّ ولا يدري امرئ كيف ينسب

وأشعار يزيد بن المفرّغ في هذا الباب كثيرة وهي مذكورة في مطاوي كتب الأدب والتاريخ.

وابن زياد لعنهما الله هو الذي قتل شيعة أميرالمؤمنين في البصرة والكوفة

__________________

(١) مروج الذهب ٣ : ٧ وفيه بدل «وكلّهم لأب» «مخالفي النسب» وبدل «ابن عمّه» «بزعمه». (المترجم) مروج الذهب ٣ : ٦ ط دار الهجرة. (هامش الأصل)

في مروج الذهب أيضاً مفلفلة الخ ٣ : ١٧ ، وراجع وفيات الأعيان ٦ : ٣٥٩ ط دار الثقافة بيروت ١٩٦٨ الدكتور إحسان عبّاس ، وفي شرح النهج : مفلفلة من الرجل اليماني ، وقال قبل ذلك : إنّ الأبيات النونيّة المنسوبة إلى عبدالرحمان بن اُمّ الحكم ليزيد بن المفرغ وإنّ أوّلها ... الخ ، ١٦ : ١٩٢. (المترجم)

٣٢١

وسمل أعينهم وقطّع أيديهم وأرجلهم ، وأدخل حديدة محميّة في عيونهم ، لأنّه كان يُعَدّ منهم فهو يعرفهم على أحسن وجه (١) وهو أوّل من قتل المسلمين صبراً ، ودفن عبدالرحمان بن حسّان حيّاً في حبّ أميرالمؤمنين عليه السلام ، كما روى ذلك ابن خلدون وابن الأثير ، وأوّل من نال حكومة العراقين ، وأوّل من روّج سبّ أميرالمؤمنين في العراقين.

وظنّ البعض أنّ قول الإمام الوارد في النهج : «سيظهر عليكم رجل رحب البلعوم ، مندحق البطن ، يأكل ما يجد وما لا يجد فاقتلوه ، ولن تقتلوه ، وإنّه سيدعوكم إلى سبّي والبرائة منّي» (٢) إشارة إليه ... والأظهر الإشارة إلى معاوية.

وقالوا : دهاة العرب أربع : زياد والمغيرة بن شعبة ومعاوية وعمرو بن العاص ، كما ذكر الصلاح الصفدي في شرح لامية العجم بيتين من الشعر وفيه يذكر الشاعر أسمائهم :

من العرب العرباء قد عُدّ أربع

ذهاة فما يؤتى لهم بشبيه

 معاوية عمرو بن عاص مغيرة

زياد هو المعروف بابن أبيه

عليهم اللعنة ، وهؤلاء الأربعة هم أولاد زناً ، ومجتمعون على عداوة أميرالمؤمنين عليه السلام. وبدع زياد وفتنه في الإسلام أكثر من أن تحصى.

قال ابن أبي الحديد : وأراد زياد أن يعرض أهل الكوفة أجمعين على البرائة

__________________

(١) أحسب المؤلّف يتحدّث عن زياد ووقع ابن زياد خطأً من الناسخ في أوّل الفقرة ... (المترجم)

(٢) الإشارة إلى معاوية لا إلى زياد ، وتمامه : فأمّا السبّ فسبّوني فإنّه لي زكاة ولكم نجاة ، وأمّا البرائة فلا تتبرّأوا منّي فإنّي ولدت على الفطرة وسبقت إلى الإيمان والهجرة ... [نهج البلاغة ١ : ١٠٥].

قال ابن أبي الحديد : وكثير من الناس يذهب إلى أنّه عليه السلام عنى زياداً ، وكثير منهم يقول : إنّه عنى الحجّاج ، وقال قوم : إنّه عنى المغيرة بن شعبة ، والأشبه عندي إنّه عنى معاوية لأنّه كان موصوفاً بالنهم وكثرة الأكل وكان بطيئاً ، يقعد بطنه إذا جلس على فخذيه [الشرح ٤ : ٥٤]. (المترجم)

٣٢٢

من عليّ عليه السلام ولعنه ، وأن يقتل كلّ من امتنع من ذلك ، ويخرّب منزله ، فضربه الله ذلك اليوم بالطاعون فمات لا رحرمه الله بعد ثلاثة أيّام وذلك في خلافة معاوية (١).

ويؤيّد ما قاله ابن أبي الحديد الخبر المروي في أمالي (ابن) (٢) الشيخ بسند معتبر عن كثير بن الصلت قال : جمع زياد الناس برحبة الكوفة ليعرضهم على البرائة من أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام والناس من ذلك في كرب عظيم ، فأغفيت فإذا أنا بشخص قد سدّ مابين السماء والأرض ، فقلت له : من أنت؟ فقال : أنا النقّاد ذو الرقبة ، اُرسلت إلى صاحب القصر (٣). فانتبهت مذعوراً وإذا غلام لزياد قد خرج إلى الناس فقال : انصرفوا ، فإنّ الأمير عنكم مشغول ، وسمعنا الصياح من داخل القصر ، فقلت في ذلك :

ما كان منتهياً عمّا أراد بنا

حتّى تناوله النقّاد ذوالرقبه

 فأسقط الشقّ منه ضربة ثبتت

كما تناول ظلماً صاحب الرحبه (٤)

والظاهر أنّ الشطر الأوّل من البيت الثاني فيه إشارة إلى الطاعون ، والقصد من صاحب الرحبة أميرالمؤمنين عليه السلام.

تنبيه

عدّ ابن الأثير في اُسد الغابة متبعاً أثر ابن عبد البرّ وابن مندة وأبي نعيم وأبي موسى زياداً لعنه الله من الصحابة مع أنّه لم تكن له صحبة مع النبيّ ولم يرو عنه ، لأنّه كان ابن عشر عند وفاة النبيّ وما كان في مكّة و (٥) لم يأت المدينة ، ولو حدث

__________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٤ : ٥٨. (المترجم)

(٢) أمالي الشيخ صحيح. (المترجم)

(٣) يعني زياد لعنه الله. (المؤلّف)

(٤) أمالي الشيخ الطوسي : ٢٣٣.

(٥) العجيب أنّ ابن الأثير على عدم صحبته ، فقال : وليست له صحبة ولا رواية. [اُسد الغابة ٢ : ٢١٥]

٣٢٣

ذلك فإنّه بالمقدار الذي رأى فيه النبيّ صلى الله عليه وآله ، وتعريف الصحابي بناءاً على القول المشهور عند أهل السنّة وهو مختار الحاجبي والعضدي والتفتازاني وابن السبكي في (جمع الجوامع) والجلال المحلّي في الشرح والبناني في الحاشية وغيرهم ، يصدق عليه بزعمهم ، والأكثر كما في الكتب التي ذكرناه على عدالة الصحابة المطلقة بلا فحص. وبناءاً على هذا فينبغي أن يكون زياد عادلاً سبّ أميرالمؤمنين أو قتل خيار الصحابة من دون جرم ولا ذنب ، وقد روى البخاري : «من آذى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب» (١).

والآن لا بديل عن وواحد من اثنين : فإمّا أن لا يكون السبّ إيذاءاً ، وإمّا أن لا يكون عليّ وأولاده وكبار الصحابة من الشيعة أولياءاً لله وتسمية سائر الصحابة المعادين لعليّ عليه السلام وأهل بيته أولياء ، لأنّهم يستدلّون بهذه الرواية في كتب اُصولهم وكلامهم على حرمة سبّ الصحابة.

مضافاً إلى ما تقدّم فإنّ الإيمان شرط في اللقاء على صدق اسم الصحابي ، أنّهم يعتبرون وهو في التاسعة مؤمناً وفي مقام إثبات سبق إسلام أميرالمؤمنين على أبي بكر يقولون : لا يقبل إسلام الصبي وإنّما قبل إسلام عليّ عند ما بلغ أشدّه وكان ذلك بعد إسلام أبي بكر ، نعوذ بالله من الضلال والخذلان.

فائدة

في لعن آل زياد يدخل زياد قطعاً وذلك إمّا من باب تنقيح المناط (٢) فإنّ لعن

__________________

(١) من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب [صحيح البخاري ٨ : ١٣ باب ٣٧ الواضع]. (هامش الأصل) رقم الحديث ٦٢٦١ وفيه : إنّ الله قال : من عادى لي وليّاً ... الخ. (المترجم)

(٢) وهو تعيين العلّة من بين أوصاف مذكورة أو إلحاق الفرع بالأصل بالفاء الفارق بأن يقال : لا فرق بين الأصل والفرع إلّا كذا وذلك لا مدخل له في الحكم فيلزم اشتراكهما في الحكم لاشتراكهما في الموجب [القاموس القويم : ١٥٦ و ١٥٧]. (المترجم)

٣٢٤

آل زياد لانتسابهم إليه ورضاهم بفعله وفعل عبيدالله فيكون زياد داخلاً في اللعن بطريق أولى أو من جهة القول بشمول لفظ «الآل» له كما ادّعاه بعض العلماء ، وسوف نشير إلى ذلك في شرح الصلوات على النبيّ وآله صلى الله عليه وآله ، والله المؤفّق.

وأولاد زياد كما ذكرهم ابن قتيبة في المعارف هم : عبدالرحمان والمغيرة وأبوسفيان ، وعبيدالله وعبدالله ، واُمّهما مرجانة ، وسلم وعثمان وعبّاد وربيع وأبوعبيدة ويزيد وعنبسة واُمّ معاوية وعمر وغصن وعتبة وأبان وجعفر وسعيد وإبراهيم ، وهؤلاء واحد وعشرون ما بين ذكر واُنثى لعنهم الله جميعاً ، آمين.

٣٢٥

وَاَلَ مَرْوانَ ..

الشرح : هم آل مروان بن الحكم بن أبي العاص بن اُميّة وهو المعروف بابن الطريد ، والملقّب بالوزغ ، والمشهور بخيط باطل ، وهو أشدّ الناس عداوة لله ورسوله وآل رسول الله لاسيّما أميرالمؤمنين عليه السلام ، واجتهد غاية الجهد ـ طيلة حكم عثمان إلى أن هلك بعده بسنين ـ في ستر مناقب أميرالمؤمنين وإيجاد مؤاخذات عليه كما كان يزعم لعنه الله.

وأبوه الحكم عمّ عثمان بن عفّان وكان عدوّ النبيّ ، شديد العداوة له ، مجاهراً بها ، لا يتخفّى ويصرّح بشنآن النبيّ صلى الله عليه وآله وهو طريد رسول الله بالاتفاق ، نفاه النبيّ مع جماعة من أهل بيته ، وذكروا لذلك أسباباً مختلفة وأشهرها أنّه كان يمشي وراء النبيّ ويتخالج في مشيه مستهزءاً بمشية النبيّ صلى الله عليه وآله ويتمايل ذات اليمين وذات الشمال ، فلمّا رآه النبيّ صلى الله عليه وآله قال : «فكذلك» فلتكن ، ودعا عليه فصار يتخالج في مشيه على أثر دعاء النبيّ عليه ، وبقي على حاله إلى أن هلك ، ومن هذه الجهة طرده النبيّ صلى الله عليه وآله إلى الطائف كما ذكر ذلك المؤرّخون (١).

وفي أصل أبي سعيد العصفري ـ وأنا بحمظ الله أخذت من نفس ذلك الأصل ـ : عن حمّاد بن عيىسى ، عن بلال بن يحيى ، عن حذيفة بن اليمان ، عن النبيّ صلى الله عليه وآله أنّه قال : إذا رأيتم معاوية بن أبي سفيان على المنبر فاضربوه بالسيف ، وإذا رأيتم الحكم بن أبي العاص فاقتلوه ولو تحت أستار الكعبة.

قال : ونفاه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الدهلك أرض من أرض الحبشة ، قال : فلمّا ولي أبوبكر كلّموه فيه ، قال : فأبى أن يأذن له ... الحديث (٢).

__________________

(١) كامل ابن الأثير ٤ : ١٩٣ ط بيروتو. (هامش الأصل)

(٢) أصل أبي سعيد ، الثاني من ستّة عشر أصلاً ، ص ١٩ ، ط انتشارات شبستري. (هامش الأصل)

٣٢٦

وفي رواية : إنّ مروان ولد في الطائف ، وقيل في مكّة ، وقيل : كان مع أبيه الحكم طفلاً يوم نفي ، وظاهر بعض الروايات لعنه حين ولد بالمدينة ، كما سوف اُشير إليه إن شاء الله تعالى فيما يأتي من الحديث.

واُمّ الحكم الزرقاء بنت موهب ، وكما ذكر ابن الأثير في كامل التاريخ كانت من ذوات الأعلام مشهورة بالزنا (١).

وكان تعيير مروان بها في الأخبار والأشعار وعلى ألسنة الناس لنسبته إليها ، منها ما نقله السيّد في اللهوف عندما طلب من الإمام الحسين البيعة في المدينة في أوّل خلافة يزيد لعنه الله عندما قال مروان للوليد : لا تقبل أيّها الأمثر عذره ومتى لم يبايع فاضرب عنقه ، فغضب الحسين عليه السلام ثمّ قال : ويل لك يابن الزرقاء ، أنت تأمر بضرب عنقي (٢).

وفي الكافي في ذيل الحديث الذي قاله الحسين عليه السلام في مروان : ويلي على ابن الزرقاء دبّاغة الأدم .. (٣).

وفي البحار عن تفسير فرات الكوفي : إنّ مروان خطب يوماً فذكر عليّ بن أبي طالب عليه السلام فنال منه ... فبلغ ذلك الحسين فجاء إلى مروان ، فقال : يابن الزرقاء ،

__________________

(١) كامل ابن الأثير ٤ : ١٩٤ ط بيروت. (هامش الأصل) قال ابن الأثير : وكانت من ذوات الرايات التي يستدلّ بها على ثبوت البغاء ، فلهذا كانوا يذمون بها ولعلّ هذا كان منها قبل أن يتزوّجها أبوالعاص بن اُميّة والد الحكم فإنّه كان من أشراف قريش ولا يكون هذا من امرأةٍ وهي عنده. [الكامل ٤ : ١٥].

يقول المترجم : هذا التقدير كلّه إنّما هو من أجل عثمان ومعاوية وتقديرهما من أجل عمر لأنّهما صنيعته ، من هنا تدرك أنّه أهل السنّة اُمّة بني اُميّة وليسوا اُمّة محمّد صلى الله عليه وآله. (المترجم)

(٢) ملهوف (كذا) : ١٧ ـ ١٨ ، بحار الأنوار ٤٤ : ٢١١ (هامش الأصل) اللهوف : ١٧. (المترجم)

(٣) الكافي ٦ : ١٩ باب الأسماء والكنى الرقم ٧ ، بحار الأنوار ٤٤ : ٢١١ (هامش الأصل) جرى تطبيقه. (المترجم)

٣٢٧

ويابن آكلة القُمّل ، أنت الواقع في عليّ (١)؟!

ونقل أبو مخنف في حديث أخذ البيعة أنّ سيّدالشهداء قال : يابن الزرقاء ، أنت تقتلني؟! كذبت يابن اللخناء .. (٢).

ومن هذه العبارات يظهر لنا أنّ اُمّ الحكم لها صفات اُخرى من قبيل : دبّاغة الأديم ، وأكل القمّل ، ولخناء وهو بمعنى الجارية القذرة ، كريهة الرائحة. ويحتمل أن تكون هذه الصفات تعود لاُمّ مروان أيضاً وهو ما يظهره العطف في رواية (فرات بن إبراهيم) ومن هذا وذاك تظهر «نجابة»!! مروان لعنه الله واضحة زائدة عن الحدّ.

ويزعم بعضهم أنّ لفظ «الزرقاء» وصف وما هو باسم علم على أحد ، وهذا خطأ لأنّ من له اطّلاع على التاريخ لا شكّ بذلك ، ولا يصحّ أن يكون شاهداً على ذلك عدم شرح المجلسي للفظ الزرقاء في بيانات البحار ، لأنّ لفظ العلم لا يحتاج إلى شرح فلا يعتبر إهمالاً منه او إشكالاً عليه.

وخلاصة القول أنّ مروان وأباه مكثا في الطائف إلى أن انتقل النبيّ إلى الرفيق الأعلى ، فشفّع فيه عثمان إلى أبي بكر بناءاً على لحمة النسب بينهما فلم يقبل

__________________

(١) تفسير فرات : ٩٠ ، بحار الأنوار ٤٤ : ٢١١ (هامش الأصل) البحار ٤٣ : ٣٤٤ باختلاف يسير وعزاها إلى المناقب ، وكنت أبحث عن تفسير لقول الإمام «آكلة القُمّل» فلا أجده حتّى قرأت رحلة ابن فضلان فرأيته يذكر عن جماعة من الأتراك ، فقال يصفهم : ووقفنا في بلد قوم من الأتراك يقال لهم الباشغرة ، فحذرناهم أشدّ الحذر وذلك أنّهم شرّ الأتراك وأقذرهم وأشدّهم إقداماً على القتل ، يلقى الرجل الرجل فيفرز هامته ويأخذها ويتركه وهم يحلقون لحاقهم يأكلون القمّل! يتتبع الواحد منهم درز قرطقة فيقرض القمّل بأسنانه ، ولقد كان معنا واحد قد أسلم وكان يخدمنا وجد قمّلة في ثوبه فقصعها بظفره ثمّ لحسها وقال لمّا رآني : جيّد [رحلة ابن فضلان ١ : ١٣٩ ط دمشق ١٩٧٩ مديريّة إحياء التراث العربي] فليس بعيداً أن تكون جدّة مروان الزرقاء منهم. (المترجم)

(٢) أنت تأمر بقتلي [أبو مخنف : ١٢ طبع انتشارات أعلمي ـ طهران]. (هامش الأصل)

٣٢٨

بردّه ، وحين استخلف عمر تشفّع إليه بعمّه فلم يقبل ، ولمّا أسند الحكم إليه عمد إلى مروان والحكم ومن معهما من اهلهما فخالف بذلك صريح أمر رسول الله صلى الله عليه وآله فكانت هذه من أعظم مطاعنه.

فصعب على الصحابة رؤية مروان والحكم وأراد عثمان أن ينتقم للحكم فعمد إلى نفي أبي ذر رضي الله عنه وأعطى الحكم مأة ألف درهم من فيء المسلمين ، وفعل بمروان فأعطاه في مجلس واحد خمس أفريقيا وقيمته ـ في قول جماعة ـ مأة ألف دينار وكان المسلمون جميعاً فيه شركاء وصادر فدكاً ونحلها إلى أقربائه ، وأعطى خراج سوق المدينة وقد تصدّق به النبيّ صلى الله عليه وآله على المسلمين ـ برواية ابن قتيبة في المعارف ـ للحارث بن الحكم ، واختار مروان لوزارته وكتابة أسراره ، فجرت منه وعثمان على قيد الحياة أحداث عظيمة وفتن موحشة وبدع غريبة طبقاً لميوله السافلة وأهوائه الباطلة ، حتّى أدّى ذلك إلى مقتل عثمان لعنه الله.

ويعتقد أهل السنّة أنّ كتابة الكتاب وفيه قتل محمّد بن أبي بكر وموقّع بخاتم عثمان لعنه الله ويحمله غلام عثمان وهو على راحلته موجّه إلى عبدالله بن أبي سرح والي مصر هو من فعل مروان بن الحكم ، وبرئوا عثمان من هذا الفعل الباطل كما هو مذكور في موضعه.

وكان مروان في حرب الجمل مع عائشة لعنة الله عليها ، وفي هذه الحرب رمى طلحة بن عبيدالله بسهم فأودى بحياته ، فأسره أميرالمؤمنين بعد الهزيمة فتشفّع فيه الحسنان إلى أبيهما عليهما السلام فخلّى أميرالمؤمنين عليه السلام سبيله وقالوا له : فليبايعك يا أميرالمؤمنين ، فقال عليه السلام : أولم يبايعني بعد قتل عثمان لا حاجة لي في بيعته ، إنّها كفّ يهوديّة ، لو بايعني بكفّه لغدر بسبّته (١) ، أما إنّ له إمرة كلعقة الكلب أنفه وهو

__________________

(١) السبّة ، الاست ، ومنه السبّ أي ذكر السبّة فاستعمل في كلّ أمر قبيح توسّعاً. (منه)

٣٢٩

أبو الأكبش الأربعة ، وستلقى الاُمّة منه ومن ولده يوماً أحمراً .. (١).

ثمّ فرّ إلى معاوية بعد ذلك وقد جدّ واجتهاد بحكم خبث عنصره ومولده وسوء عقيدته في بغض أميرالمؤمنين عليه السلام وولّي على المدينة مرّتين بعد شهادة أميرالمؤمنين.

وقال جماعة من المؤرّخين : إنّ عبدالرحمان بن الحكم قال في ولايته على المدينة هذين البيتين :

فوالله ما أدري وإنّي لسائل

حليلة مضروب القفا كيف يصنع

 لحى الله قوماً أمّروا خيط باطل

على الناس يعطي ما يشاء ويمنع

قال بعضهم : إنّ هذا الشعر قيل في خلافته ، ومن يومئذٍ سمّي مروان : خيط باطل ، لأنّه طويل مضطرب القامة ، وخيط باطل في اللغة هو الهباء المنتشر في ضوء الشمس ، وهو لسان الشمس شعاع ممتدّ فيها على شكل خطّ ، ومن نسيج العنكبوت المسمّى مخاط الشيطان.

وأينما ولّي الخبيث يبذل الجدّ والجهد في سبّ أميرالمؤمنين عليه السلام كما ذكر ابن الأثير أنّه في كلّ جمعة يرقى منبر النبيّ صلى الله عليه وآله ويبالغ في سبّ أميرالمؤمنين عليه السلام بحضرة المهاجرين والأنصار.

واستخلف في الشام بعد هلاك يزيد لعنه الله تسعة أشهر ، وفي سنة ستّ وخمسين للهجرة التحق بالأسلاف الأجلاف في جهنّم ، والأخبار في لعنه ممّا رواه الفريقان كثيرة ، ونحن نذكر ثلاثة من هذه الأخبار من كتب أهل السنّة والجماعة المعتبرة لتكون حجّة عليهم.

__________________

(١) نهج البلاغة ، صبحي الصالح ، ص ١٠٧ الرقم ٣٣. (هامش الأصل) شرح ابن أبي الحديد ٦ : ١٤٧. (المترجم)

٣٣٠

ذكر ابن الأثير في اُسد الغابة وابن أبي الحديد عن الاستيعاب لابن عبدالبرّ تعقيباً على الشعر التالي الذي نظمه عبدالرحمان بن حسّان بن ثابت في هجاء مروان وأشار إلى جنون أبيه وارتعاشه ، فقال :

إنّ اللعين أبوك فارم عظامه

إن ترم ترم مخلّجاً مجنونا

 يمشي خميص البطن من عمل التقى

ويظلّ من عمل الخبيث بطينا (١)

وروى الرواة بأنّ عائشة قالت لمروان لعنه الله : أشهد أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله لعن أباك وأنت في صلبه.

وفي تاريخ الخلفاء للسيوطي عن البخاري والنسائي وابن أبي حاتم في تفسيره وتفسير الفخر الرازي نقل هذا الحديث وبعده أنّ عائشة قالت لمروان : «وأنت بعض من لعنه الله ـ المؤلّف» ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله لعن أبا مروان ومروان في صلبه ، فمروان بعض من لعنه الله .. (٢).

وفي الدرّ المنثور للسيوطي ذكر أنّ عبيد بن حميد والنسائي وابن منذر والحاكم وابن مردويه وصحّحه ابن مردويه عن محمّد بن زياد أنّ عائشة قالت : ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله لعن أبا مروان ومروان في صلبه ، فمروان فضض من لعنة الله ... (٣).

ويقول ابن الأثير في النهاية : ومنه حديث عائشة لمروان أنّ النبيّ لعن أباك وأنت فضض من لعنة الله ، أي قطعة وطائفة منها ، ورواه بعضهم فظاظة بظائين من الفظيظ ماء الكرش ، وأنكره الخطّابي ، وقال الزمخشري : افتظظت الكرش إذا

__________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٦ : ١٥٠ ، اُسد الغابة ٢ : ٣٤. (المترجم)

(٢) تاريخ الخلفاء ١ : ٢٠٣ ط مصر ـ السعادة اُولى ١٣٧١ ـ ١٩٥٢ م.

(٣) الدرّ المنثور ٦ : ٤١. (المترجم)

٣٣١

اعتصرت مائها كأنّه عصارة من اللعنة أو فعالة من الفظيظ : ماء الفحل : أي نطفة من اللعنة (١).

ويقول الفيروزآبادي في القاموس : الفضض محرّكة كلّ متفرّق منتشر ، ومنه قول عائشة لمروان : فأنت فضض من لعنة الله ، وروي فضض كعنق وغراب أي قطعة منها (٢).

وفي حياة الحيوان وتاريخ الخميس عن الحاكم في المستدرك عن عبدالرحمان بن عوف رضي الله عنه!! (٣) قال : كان لا يولد لأحد مولود إلّا اُتي به النبيّ صلى الله عليه وآله فدعا له ، فاُدخل عليه مروان بن الحكم ، فقال : هو الوزغ الملعون بن الملعون. هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه .. (٤).

وتناسب هذه الرواية ما ذكره ثقة الإسلام في الكافي مسنداً عن صادق آل محمّد أنّ عبدالله بن طلحة قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الوزغ ، فقال : رجس وهو مسخ كلّه فإذا قتلته فاغتسل.

فقال : إنّ أبي كان قاعداً في الحجر ومعه رجل يحدّثه فإذا هو يوزغ يولول بلسانه ، فقال أبي للرجل : أتدري ما يقول هذا الوزغ؟ قال : لا علم لي بما يقول ، قال : فإنّه يقول : والله لئن ذكرتم عثمان بشتيمة لأشتمنّ عليّاً حتّى يقوم من هاهنا.

قال : وقال أبي : ليس يموت من بني اُميّة ميّت إلّا مسخ وزغاً (٥).

__________________

(١) نهاية ذيل لغة فضض ٣ : ٤٥٤ ، كامل ابن الأثير ٣ : ٥٠٧ ط بيروت. (هامش الأصل) جرى تطبيقه المترجم إلّا في الكامل فهو في ص ٣٥٢ ط بيروت دار الكتب العلميّة ١٤١٥ ثانية تحقيق أبي الفداء.

(٢) الفيروزآبادي ، القاموس المحيط ٢ : ٣٤٠.

(٣) لا يجوز الترضّي عن هؤلاء ولكنّها أمانة النقل.

(٤) الحاكم النيسابوري ، المستدرك ٤ : ٤٧٩. (المترجم)

(٥) روضة الكافي ٨ : ٢٣٢ حديث ٣٠٥. (هامش الأصل) و ٨ : ٢٣٢ ط دار الكتب الإسلاميّة الثانية ١٣٨٩. (المترجم)

٣٣٢

ويظهر من هذا أنّ بين بني اُميّة والوزغ اتحاداً وسنخيّة في ولاء عثمان وعداء أميرالمؤمنين عليه السلام وهو موافقهم على ذلك فإذا مات الميّت منهم مسخ إليه ، من هنا سمّي النبيّ صلى الله عليه وآله الحكم ومروان وزغاً ، وصرّح بهذا في الحديث المروى في الكافي عن عبدالرحمان بن أبي عبدالله أنّه قال : سمعت من أبي عبدالله عليه السلام أنّه قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وآله من حجرته ومروان وأبوه يستمعان إلى حديثه ، فقال له : الوزغ ابن الوزغ. قال أبو عبدالله : فمن يومئذٍ يرون أنّ الوزغ يستمع الحديث (١).

ويظهر من هذا الخبر أنّ حقيقة مروان والوزغ واحدة إلّا في اختلاف الصورة ، وأخبر النبيّ عن ذلك وهو المطّلع على حقائق الأشياء والمشرف على ماهيّة الموجودات والشاهد على اتحاد مروان والوزغ في الصفة هو استراق السمع.

ويظنّ بعضهم أنّ سبب طرد مروان لعنه الله الواقعة التالية. يقول الفخر الرازي : رأى النبيّ في المنام أنّ أولاد مروان ينزون على منبره ، فقصّ رؤياه على أبي بكر وعمر لعنهما الله واختلى بهما في بيته فلمّا انصرفا من عنده بلغه أنّ الحكم يروي خبر الرؤيا ، فاتهم النبيّ عمر في إفشاء سرّه ، ولمّا تجلّى له أنّ الحكم كان يسترق السمع طرده ، ومن هنا يظهر لنا إمّا أن يكون النبيّ يتّهم المؤمن الصادق العقيدة نعوذ بالله ويسيء فيه الظنّ ، وإمّا أن لا يكون عمر مؤمناً ولا أميناً بل من أهل النفاق وإفشاء سرّ رسول الله ، فإمّا أن يقبل الرازي الاحتمال الأوّل ويأبى الله ذلك والمؤمنون ، وأمّا الثاني فنعم الوفاق ، والحمد لله ربّ العالمين.

وخلاصة القول كان الحكم يعرف بالوزغ كما ذكر ذلك أبو الفرج الأصفهاني ـ وهو مروانيّ ـ في كتابه الأغاني في ذيل حكاية وفود مروان على معاوية بعد عزله

__________________

(١) روضة الكافي ٨ : ٢٣٨ ح ٣٢٣. (هامش الأصل) وص ٢٣٨ نفس الجزء في ط دار الكتب الإسلاميّة ١٣٨٩ هجـ. (المترجم)

٣٣٣

عن ولاية المدينة ، والحوار الذي دار بينهما ، يقول : فغضب معاوية وقال : يابن الوزغ ، لست هناك. فقال مروان : هو ما قلت لك وأنا الآن أبو عشرة وأخو عشرة وعمّ عشرة واُوشك أن يتمّ العدد يعني الأربعين.

ويقول أبو الفرج : وهذه إشارة منه إلى الحديث النبوي : «إذا بلغ بنو العاص أربعين رجلاً اتّخذوا مال الله دولاً ، وعباد الله خولاً» فهم ينتظرون هذه المدّة ويختم حديثه بقول الأحنف لمعاوية : لماذا تحمّلت من مروان هذا التطاول؟ وما هي الإشارة بقول مروان؟ فروى معاوية هذا الحديث وقال : فوالله لقد تلقّاها مروان من عين صافية ..

وفي النهاية مادّة «دخل» يقول : الدخل العيب والعناد والغشّ ، ومنه حديث أبي هريرة : إذا بلغ بنو العاص ثلاثين كان دين الله دخلاً وعباد الله خولاً ، وحقيقته أن يُدخلوا في الدين اُموراً لم تجريها السنّة .. (١).

ويقول في «خول» : الفحول حشم الرجل وأتباعه ... ومنه حديث أبي هريرة : إذا بلغ بنو العاص ثلاثين كان عباد الله خولاً أي خدماً وعبيداً يعني أنّهم يستخدمونهم ويستعبدونهم .. (٢).

وجملة القول : حدّث في حياة الحيوان عن مستدرك الحاكم عن عمرو بن مرّة الجهني وكانت له صحبة ، قال : إنّ الحكم بن أبي العاص استأذن على النبيّ صلى الله عليه وآله فعرف النبيّ صلى الله عليه وآله صوته وكلامه ، فقال : ايذنوا له عليه لعنة الله وعلى من يخرج من صلبه إلّا المؤمن منهم وقليل ما هم ، يشرفون في الدنيا ويضعون في الآخرة ، ذوو

__________________

(١) النهاية ٢ : ١٠٨. (المترجم)

(٢) نفسه ٢ : ٨٨. (المترجم)

٣٣٤

مكر وخديعة ، يعطون في الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق (١).

ويقول ابن الأثير في الكامل : رويت أخبار كثيرة في لعنه ولعن من في صلبه رواها الحفّاظ وفي أسانيدها كلام (٢).

وبعد تصحيح الحاكم ورواية جماعة ـ كما سمعت في كلام السيوطي ورواية ابن الأثير نفسه في اُسد الغابة مع تعدّد الطرق ـ لا يبقى مجال للمناقشة.

ومن العجائب التي تسلب الفكر من عقل المرء أنّ مثل مروان الذي طرده النبيّ وأباه وسلخ عمره في عداوة أهل بيت الرسالة وأباح سبّ الحسنين وأبيهما وأشاعه وكان يدمن على ذلك في كلّ جمعة على المنبر ولعنه النبيّ صلى الله عليه وآله وسمّاه الوزغ ، وقال أميرالمؤمنين عليه السلام : إنّ يده يد يهوديّة ، وهو الذي قتل طلحة كما يعتقده أهل السنّة والجماعة ، وطلحة من الصحابة ومن العشرة المبشّرة بزعمهم ، فقد رماه وأقبل على أبان بن عثمان وقال له : قتلت واحداً من قتلة أبيك ، ومع كلّ هذه العيوب والمساوي يعدّونه عدلاً منه تؤخذ أحكام الدين ، وقد روى له البخاري ومسلم في كتابيهما وهما عند القوم أصحّ الكتب بعد القرآن.

وفي كشف الظنون : إنّ الإجماع حاصل بتعديل جميع من روي لهما في الصحيحين ، ومن الأقوال المعروفة عند محدّثي أهل السنّة من روى له الشيخان فقد جاز القنطرة ، ومن هذه الجهة استدلّ ابن الأثير على عدالة مروان برواية البخاري عنه واخراجه له وبصلاة الحسنين خلفه دون أن يعيدا.

فيا للعجب إلى أيّة درجة بلغ الصلف بهؤلاء حيث اعتبروا صلاة الحسنين

__________________

(١) المستدرك ٤ : ٤٨١. (المترجم)

(٢) كامل ابن الأثير ٤ : ١٩٣ ط بيروت. (هامش الأصل) وص ١٥ ط دار الكتب العلميّة ١٤١٥ تحقيق أبي الفداء عبدالله القاضي. (المترجم)

٣٣٥

خلفه دون إعادة دليل على عدالته ، وهذا استدلال واهٍ بناءاً على قواعدهم ، لأنّهم لا يرون العدالة شرطاً في إمام الجماعة بل استدلّ في العقايد النسفيّة على عدم اشتراط العدالة بهذا وقال : ودليلنا على المدّعى صلاة أئمّة الدين وراء الخلفاء مع ظهور الجور منهم وانتشار الفجور عنهم.

من هنا تعرف من أين أخذ هؤلاء دينهم وعندما أعرضوا عن أهل بيت نبيّهم صلى الله عليه وآله ثمّ إنّك تلم من هذا التخبّط بحال صحاحهم المزعومة وواقعها ، لأنّ رواتها ورجال أسنادها مثل مروان وعبدالملك والمغيرة بن شعبة ومعاوية وعمرو بن العاص وأقرانهم وهم بأجمعهم لغير رشدة لعنهم الله جميعاً ، وهم جميعاً كفّار منافقون ملاعين بشهادة النبيّ صلى الله عليه وآله لأنّ محك ذلك أميرالمؤمنين عليه السلام وقول النبيّ له ـ وهو من المتواترات ـ : يا علي ، لا يبغضك إلّا منافق ولا يحبّك إلّا مؤمن (١).

والعمدة فيما نقول : أنّنا نثبت ضعف دينهم وفساد مبناهم بتوفيق الله تعالى من كتبهم ، ويتّضح بذلك معنى قوله تعالى : (وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) و(إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ) (٢) ويتبيّن معناه ويثبت برهانه ويعلم بيانه. والحمد لله على وضوح الحجّة.

فائدة :

لا شكّ في شمول اللعن لمروان ودخوله ضمن اللعناء في هذا الدعاء يقيناً كأولاده أيضاً وأظهرهم أربعة : عبدالملك وبه كان يكنّى ، ونال الخلافة ، وعبدالعزيز وكان والياً على مصر ، ومحمّد ابنه وقد ولّي على الجزيرة ، وبشر وكان حاكماً على العراقين ، وهؤلاء هم الأكبش الأربعة في كلام الإمام عند ابن أبي

__________________

(١) تجد تفصيل هذه الأحاديث في إحقاق الحقّ ٧ : ١٨٧.

(٢) الصافّات : ١٧٣ و ١٧٢.

٣٣٦

الحديد وإن كان الأظهر والأشهر أنّها إشارة إلى أولاد عبدالملك الذين نالوا الخلافة فسوّدوا في عهدهم نهار الاُمّة وأوصلوها إلى الحضيض الأوهد وهم : الوليد وسليمان ويزيد وهشام (١) ولم يتفق لإخوة أربعة نيل الخلافة غيرهم.

ويشمل قول أولاد مروان كلّ من خرج منه ونال الخلافة سواء من نالها في المشرق وأوّلهم عبدالملك وآخرهم مروان الحمار ، أو من نالها في الأندلس وناحية المغرب وأوّلهم عبدالرحمان بن معاوية بن هشام بن عبدالملك وآخرهم هشام بن محمّد الملقّب بالمعتمد بالله.

وظاهر هؤلاء جميعاً الرضا بفعل أسفلاهم وادّعاء الحقّ في الخلافة ، وهذا المقدار يكفي في جواز لعنهم والبرائة منهم (٢).

__________________

(١) ١ ـ الوليد بن عبدالملك ٢ ـ سليمان بن عبدالملك ٣ ـ يزيد بن عبدالملك ٤ ـ هشام بن عبدالملك. (هامش الأصل)

(٢) قال الحسن بن عليّ عليهما السلام : أمّا أنت يا مروان فلست أنا سببتك ولا سببت أباك ولكن الله عزّ وجلّ لعنك ولعن أباك وأهل بيتك وذرّيّتك وما خرج من صلب أبيك إلى يوم القيامة على لسان نبيّه .. [الاحتجاج : ١٥٠]. (هامش الأصل)

٣٣٧

وَلَعَنَ اللهُ بَنِي أُمَيَّةَ قاطِبَةً ..

الشرح : قاطبة حال كما مرّ القول في «جميعاً». ومعنى قاطبة جميعاً كما ورد في الصحاح (١) ويظهر من عبارة الأساس أنّه مجاز.

واُميّة هو ابن عبد الشمس بن عبد مناف بناءاً على المشهور.

وبنو اُميّة فرقتان : الأعياص وهم أبو العاص ، وأبو العيص ، والعيص وأولادهم. والعنابس وهم أولاد حرب بن اُميّة لأنّ اسم حرب عنبسة.

والأخبار في لعن بني اُميّة خارجة عن الحدّ ومرويّة عن طريق الفريقين ، وتعدادها يخرج هذا المختصر عمّا اُعدّ له ، ولكنّنا نورد عدداً منها شريطة كونها مرويّة في كتب العامّة لأنّهم أتباعهم وأشياعهم ، ويعتبرونهم خلفاء رسول الله واُمراءاً للمؤمنين وأئمّة الاُمّة وهم اُولوا الأمر وطاعتهم واجبة ، لكي تتمّ الحجّة عليهم ، ويفلجوا وتقطع عليهم منافذ العذر.

ثمّ ندرج في أثناء ذلك تيمّناً وتبرّكاً أخباراً في نفس الموضوع عن طريق أهل البيت عليهم السلام لكي تكون سبباً لانشراح الصدور وانبساط القلوب ، وأولى من ذلك البدأة بالآيات من القرآن الكريم التي صرّحت بلعنهم وذمّهم ، ثمّ نبدأ بذكر أخبار الفريقين.

ومن جملة الآيات قوله تعالى : (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا) (٢).

يقول الفخر الرازي في تفسيره الكبير عن سعيد بن المسيّب ، قال : رأى

__________________

(١) قال الجوهري : وتقول : جاء القوم قاطبة أي جميعاً ؛ ١ : ٢٠٤. (المترجم)

(٢) الإسراء : ٦٠.

٣٣٨

رسول الله صلى الله عليه وآله بني اُميّة ينزون على منبره نزو القردة ، فسائه ذلك (١).

وفي هذا التفسير أيضاً عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال : الشجرة بنو اُميّة يعني الحكم بن أبي العاص (٢).

وكلامه في حديث هذه الرؤيا واتّهام عمر (٣) والإلزام الطريف الذي ألزمناه به بفضل الله وعونه وعون الأئمّة الأطهار قد مرّ في أحوال مروان.

وروى النيسابوري عن ابن عبّاس أنّ الشجرة الملعونة بنو اُميّة.

يقول البيضاوي : وقيل : رأى قوماً من بني اُميّة يرقون منبره وينزون عليه نزو القردة ، فقال : هذا حظّهم من الدنيا يعطونه بإسلامهم وعلى هذا كان المراد بقوله «إلّا فتنة للناس» ما حدث في أيّامهم (٤) كناية عن هلاكهم في الآخرة.

وقريب من هذا الكلام في الكشّاف مع بيان الرواية.

وفي البحار عن عمدة ابن البطريق عن تفسير الثعلبي نقل هذا الحديث بطريقين (٥).

وذكر ابن أبي الحديد عن أمالي أبي جعفر محمّد بن حبيب في حديث طويل أنّ عمر سأل كعب الأحبار فقال : فإلى من يفضى الأمر تجدونه عندكم؟ قال : نجده ينتقل بعد صاحب الشريعة والإثنين من أصحابه إلى أعدائه الذين حاربهم

__________________

(١) الرازي ، تفسير مفاتيح الغيب ، ج ٢٠ المجلّد العاشر ص ٢٣٦ و ٢٣٧. (المترجم)

(٢) نفسه.

(٣) نفسه : ٢٣٧. قال : ورأى رسول الله في المنام أنّ ولد مروان يتداولون منبره فقصّ رؤياه على أبي بكر وعمر وقد خلا في بيته معهما فلمّا تفرّقوا سمع رسول الله صلى الله عليه وآله الحكم يخبر برؤيا رسول الله صلى الله عليه وآله فاشتدّ ذلك عليه واتّهم عمر في إفشاء سرّه ثمّ ظهر أنّ الحكم كان يتسمّع إليهم فنفاه رسول الله صلى الله عليه وآله. (المترجم)

(٤) البيضاوي ٣ : ٤٥٤ ط دار الفكر ـ بيروت ١٤١٦ تحقيق عبدالقادر عرفات العشاحونة. (المترجم)

(٥) بحار الأنوار ٨ : ٣٥٩ ط اُفست. (هامش الأصل)

٣٣٩

وحاربوه وحاربهم على الدين ، فاسترجع عمر مراراً ، فقال : أتستمع يابن عبّاس ، أما والله لقد سمعت من رسول الله ما يشبه هذا ، سمعته يقول : ليصعدنّ بنو اُميّة على منبري ، ولقد أريتهم في منامي ينزون عليه نزو القردة وفيهم اُنزل : (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ) الآية (١).

وفي المنشور الذي كتبه المعتضد بالله العبّاسي وأمر أن يُقرأ في البلاد كلّها ـ وسنذكره بطوله عند التعرّض لأحوال بني اُميّة إن شاء الله ـ يقول فيه : ثمّ أنزل الله في شأنهم قرآناً يُتلى وقال تعالى : (وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ) ولا خلاف بين أحد أنّه تعالى يريد بني اُميّة.

وفي رسالة الجاحظ المفاخرة بين بني هاشم وبين اُميّة ، أنّ بني هاشم يعتقدون أنّ الشجرة الملعونة هم بنو اُميّة ، وممّا لا ريب فيه أنّ بني هاشم لا يرون هذا الرأي ما لم يكن عندهم فيه خبر صحيح.

وفي رسالة الجاحظ المفاخرة بين بني هاشم وبني اُميّة ، أنّ بني هاشم يعتقدون أنّ الشجرة الملعونة هم بنو اُميّة ، وممّا لا ريب فيه أنّ بني هاشم لا يرون هذا الرأي ما لم يكن عندهم فيه خبر.

وفي تلك الرسالة أيضاً إلّا أنّه ممزوج بكلام ابن أبي الحديد والأظهر أنّ هذه الفقرة أجدر بها أن تكون من كلام الجاحظ فإن لم تكن له فهي لابن أبي الحديد ، يقول : قال المفسّرون بأجمعهم بنزول الآية في بني اُميّة ورووا في هذا الباب أخباراً كثيرة ، وأنتم معاشر الاُمويّون لا تقدرون على إنكار ذلك ، ومن هنا تعلم أنّ ذكر البيضاوي لها بصيغة غاية في التعصّب.

ومن الوضوح بمكان أنّ تأويل الشجرة الملعونة بشجرة الزقّوم لون من ألوان الانحراف وفقدان الأمانة ، وهذا التفسير قطعيّ الصدور في أخبار أهل البيت فقد جاء بطرق عدّة في تفسير عليّ بن إبراهيم وتفسير مجمع البيان وفي البحار

__________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٢ : ٨١ تحقيق محمّد أبوالفضل إبراهيم ، نشر دار إحياء التراث العربي. (المترجم)

٣٤٠