شفاء الصدور في شرح زيارة العاشوراء - ج ١

ميرزا أبي الفضل الطهراني

شفاء الصدور في شرح زيارة العاشوراء - ج ١

المؤلف:

ميرزا أبي الفضل الطهراني


المحقق: محمّد شعاع فاخر
المترجم: محمّد شعاع فاخر
الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: انتشارات المكتبة الحيدريّة
المطبعة: شريعت
الطبعة: ١
ISBN: 964-503-000-5
ISBN الدورة:
964-503-002-1

الصفحات: ٤٣٩
  نسخة غير مصححة

«مسألة»

لا إشكال في أنّ لعن الله يوجب شدّة العذاب لهم ، ونقل السيّد المحدّث الجزائري في بعض مؤلّفاته إشكالاً في هذا الباب (١) وأجاب عنه بأجوبة عدّة ، وترجمتها كما يلي (٢) :

وهاهنا اعتراض قوي وحاصله أنّ اللعن فعل اللاعن فكيف يكون فعل إنسان موجباً لعقاب إنسان آخر لأنّه منافٍ لقواعد العدل. وجوابه من وجوه :

الأوّل : لمّا أنزل الله الأحكام ، أنزل مع كلّ حكم جزاءاً لكلّ فعل وترك ، وأنزل معها جزاءاً للعن اللاعنين وبلّغ ذلك جميع المكلّفين ، فكلّ من أقدم مجترءاً على ذلك فقد وضع نفسه عرضة لذلك الجزاء.

الثاني : إنّ هذا العذاب بمثابة الاقتصاص لأنّ العدوّ لمّا حال بين أهل الحقّ ومناصبهم واختفى أهل الحقّ عن الأنظار صوناً لحياتهم ، فشى الجهل في الناس وعمّت الفوضى ، وازدادت الحاجة للأرزاق المادية والمعنويّة ، فيكون بناءاً على هذا أنّهم اغتصبوا حقّاً من كلّ لاعن ويكون العقاب بإزاء هذا الحقّ المغتصب.

الثالث : أنّ قلوب المؤمنين وأتباع أهل الحقّ لمّا علمت بما ارتكبه العدوّ تألّمت قلوبهم واحترقت بنار المصاب فكان عذاب العدوّ بأزاء هذا التأثّر والألم.

هذا ما يقارب عبارات السيّد (٣) ، وهذا الإشكال والجواب غاية في الغرابة ، ولست أدري كيف اعتبر الاعتراض قويّاً لأنّ هذا المعنى ليس من طبّ العلماء ،

__________________

(١) الأنوار النعمانيّة ١ : ١٤١ الخاتمة. (هامش الأصل)

(٢) الظاهر أنّ المؤلّف استنبط هذه الأقوال الثلاثة من مجموع كلام السيّد وإلّا فقد بحثنا في الجزء الأوّل من كتابه فلم نعثر عليها. (المترجم)

(٣) ارجع إلى عبارات السيّد عن اللعن في الأنوار النعمانيّة ١ : ١١٢ و ١٤١ فلن تجد شيئاً من هذا ولا قريباً منه ، فهل جرى حذف في الكتاب؟ الله أعلم. (المترجم)

٢٨١

وليس لأهل النظر أن ينظروا في مثل هذه الأقوال الواهية ويجيبوا عنها بأوهى منها إلّا أن يكون على نهج أصحاب الحديث والسيّد منهم وله وجه في القوّة. وليس من دأب السيّد رحمه الله تعالى تعاطي المشكلات وحلّ المعضلات ، ولو أنّه أشار إلى الحديث الآتي لما كتبناه قطّ وحاصاله أنّ المنافي للعدل تحمّل غير الفاعل بذنب الفاعل وقد نفاه القرآن بقوله : (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ) (١) ولكن إذا دعى الداعي على فاعل فعلاً استحقّ بسببه اللعنة أن يزيد عذابه فهو عين العدل ورعاية لحالة المظلومين ومن هنا يظهر لك أنّ الأجوبة المذكورة لا ربط لها بالسؤال لا سيّما الأوّل فإنّ ال إشكال عينه متوجّه إليه كما يعلم بذلك المتأمّل الواعي ، وأصله في الخبر المعروف : إنّ الميّت ليعذّب ببكاه الحيّ عليه (٢).

والسيّد الأجل السيّد المرتضى سلام الله عليه تعرّض له بالشرح الوافي في تأويل الخبر الثالث من المجلس الثالث والعشرين من الأمالي ؛ فمن أراد من أهل الفضل مزيد الفائدة فليرجع إليه (٣).

«مسألة»

المراد من أهل البيت خصوص أهل الكساء أحياناً كما جاء في آية التطهير التي اتفق عليها الفريقان ، وظاهر عبارة الشيخ الأجل أمين الإسلام قدّس الله نفسه الزكيّة في مجمع البيان أنّ بناء الشيعة كلّيّاً على هذا المذهب في الآية الكريمة آية التطهير.

__________________

(١) الأنعام : ١٦٤.

(٢) كنز العمّال : ج ١٥ رقم ٤٢٤٢٧. (هامش الأصل) ورواه جمع غفير من حفّاظ العامّة وهو لا أصل له بل رأي رآه عمر وحمل الناس عليه وعزاه إلى النبي إمّا افتراءاً أو نسياناً وقد فنّدناه في كتابنا «منية الخطيب». (المترجم)

(٣) أمالي السيّد المرتضى ١ : ٣٤٠ المجلس الخامس والعشرون. (هامش الأصل) الأمالي ٢ : ١٧. (المترجم)

٢٨٢

وأحياناً يتناول اللفظ الأئمّة الاثنى عشر ويكون خاصّاً بهم كما جاء في أخبار التمسّك ووجوب المتابعة لأنّ التمسّك بأقوال غير المعصوم ومتابعته لا تجوز مطلقاً ، وليس معصوم في الإسلام غير هؤلاء الأربعة عشر.

وأحياناً يتناول اللفظ مطلق أقرباء النبي وهم من تحرم عليه الصدقة كما جاء مودّتهم لا على التعيين وإعانتهم وتعظيمهم وتكريمهم.

وفقرة الزيارة تتناول الأقسام الثلاثة ، والأولى الأوّل والثاني ، والخطاب وإن كان مع سيّدالشهداء لكنّه لا ينافيه. ومخاطبة الواحد بصيفة الجمع تتمّ أحياناً لأنّ من خلال شخصه يتصوّر المجموع أو لتشريفه وتكريمه أو لأغراض أُخرى.

ومن هذه الجهة ، مع أنّ المخاطب الواقعي في زيارة الجامعة الواوحد بشهادة قوله : «يا وليّ الله» ولكنّه يتناول الأئمّة الإثنى عشر بخطابه ، وضمّ الإمام المخاطب إلى المجموع من أجل الإعلان عن فضله وجلالة قدره : «السلام عليكم يا أهل بيت النبوّة».

٢٨٣

ويقول :

وَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً دَفَعَتْكُمْ عَنْ مَقامِكُمْ وَأَزالَتْكُمْ عَنْ مَراتِبِكُمُ الَّتِي رَتَّبَكُمُ اللهُ فِيها ..

الشرح : الدفع (١) : الازالة بقوّة كما جاء في منتهى الارب.

المقام : في الأصل مكان القيام ويستعمل توسّعاً في المجلس والمكان ، وكلّ ما يقع في المجلس أو ما كان بحاجة إلى قيام. ويستعمل أيضاً في المكانة والمنزلة الاجتماعيّة المعنويّة كما قال المطرّزي في حاشية المقامات ، إلّا أنّهم اتسعوا فيها واستعملوها استعمال المكان والمجلس ، قال الله : (خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا) (٢) ، إلى أن قيل : لما يقام به من خطبه أو ما يشبهها مقامه. كما يقال له : مجلس. وقريب منه ما في الأساس ، والسيّد شارح الصحيح صرّح بتعميم المعنى المذكور وإن كان لا يحتاج إلى شاهد لشديد وضوحه وظهوره.

الإزالة : الإبعاد كما صرّح بذلك البيهقي.

الرتوب (٣) : الثبات كما ورد في تاج المصادر ومنتهى الإرب ، رتّب رتوباً ثبت ولم يتحرّك ، ومنه أُخذ الترتيب يعني رتّبه ترتيباً أثبته. والمرتبة بمعنى اسم المكان منه أيضاً. والترتيب الذي عرّف بـ «وضع الشي في مرتبته» يرجع إلى هذا المعنى.

والمراد من الدفع عن المرتبة والإخراج من المقام الإلهي نفس المعنى من عدم تمكينهم من رياستهم الظاهريّة وولايتهم الصوريّة ولا يقصد به حقيقة الإمامة وواقع الخلافة ، لأنّه غير قابل للغصب وهو أعلى آلاف المرّات من أن تطاله يد

__________________

(١) رجعنا في الكلمة إلى لسان العرب مادة دفع. (المترجم)

(٢) مريم : ٧٣.

(٣) رتّب الشيء يرتّب رتوباً وترتّب ثبت فلم يتحرّك (لسان العرب ١ : ٤٠٩). (المترجم)

٢٨٤

المخالفين لأنّه منصب الهيّ وكمال نفسانيّ ودرجة وهيبة.

وما قيل من أنّ الولاية بمنزلة الحليلة للأئمّة واغتصبها المغتصبون منهم فتزوّجها فالنواصب أبناء هذه البغيّة. ونزّلوا أخبار خبث مولد النواصب هذا التنزيل وقالوا : إنّ الزوج الشرعي للولاية هم الأئمّة عليهم السلام وقد عقد الله هذا الزواج في السماء.

وهذا حديث باطل ومردود وهو أدنى من كلام المبرسمين أصحاب الماليخوليا ، والأولى أن ندعوه هذيان القلم ، وأكثر من هذا لا يستحقّ من عناية العلماء لردّه ولا يتّسق مع سابقة العلماء وشئوناتتهم العلميّة ورتب أهل الفضل كما قال الحكماء :

از سخن پُر در من هم چون صدف هر گوش را

قفل گوهر ساز ياقوت زمر پوش را

 در جواب هؤ سؤالى حاجت گفتار نيست

چشم بينا عذر مى خواهد لب خاموش را

 لا تجعلنّ كلّ قول مثل جوهرة

تقرط الأُذن فيها كي تحلّيها

 أبعد عن العين بالأقفال جوهرة

فإنّ حقّ يتيم الدرّ تخفيها

 ولا تجيبنّ يوماً كلّ مسألة

إطباق كلّ شفاه عذرها فيها

ومن الأشعار التي أنشدها الإمام الرضا عليه السلام في حضرة المأمون ونسبه إلى بعض فتيان آل عبدالمطّلب كما ورد في العيون هذان البيتان :

وإذا ابتليت بجاهل متكلّف

يجد المحال من الأُمور صوابا

أوليته منّي السكوت وربّما

كان السكوت عن الجواب جوابا (١)

وجملة القول : إنّ هذه الفقرة من الزيارة مساوقة لفقرة الصحيفة السجاديّة

__________________

(١) عيون أخبار الرضا عليه السلام ٢ : ١٥٧ وفيه بدل «ابليت» «بليت» وبدل «متكلّف» «متحكّم». (هامش الأصل) وفي المجلّد الأوّل منه ص ١٨٧ أربعة أبيات بدل البيتين. (المترجم)

٢٨٥

وفيها يشير الإمام السجّاد إلى عيد الأضحى والجمعة وصلاة العيدين والخطبة ويقول : «اللهمّ هذا المقام لخلفائك وأصفياءك ومواضع اُمناءك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتهم بها قد ابتزّوها» (١) وهذا الابتزاز والإزالة والدفع كلّ ذلك ناشئ عن الصدر السالف والقرن الأوّل من عدول الصحابة ، ولا تتنافى عدالتهم مع ظلم أهل البيت وإيذاء فاطمة عليها السلام وإحراق بيتها والخلاف مع عليّ عليه السلام وبغض الحسنين عليهما السلام ، كما مرّ عليك جانب من ذلك وعسى أن نشير فيما يأتي إلى جملة اُخرى منه.

بل لا يتنافى ذلك عندهم مع تغيير جميع الفروع والاُصول والأحكام وهدم أساس الشريعة المقدّسة ـ على الصادع بها ألف سلام ـ كما يظهر ذلك من الأخبار المبثوثة في مطاوي كتبهم المعتمدة واُصولهم الصحيحة.

نقل السيّد المحقّق الأمين شارح الصحيفة المقدّسة من الجمع بين الصحيحين في مسند أبي الدرداء في الحديث الأوّل من أخبار البخاري : قالت اُمّ الدرداء : دخل عليّ أبو الدرداء وهو مغضب ، فقلت : ما أغضبك؟ فقال : والله ما أعرف من أمر محمّد شيئاً إلّا أنّهم يصلّون جميعاً (٢).

وفي الحديث الأوّل من صحيح البخاري من مسند أنس بن مالك نقل عن الزهري قال : دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي ، فقلت : ما يبكيك؟ فقال : لا أعرض شيئاً ممّا أدركت إلّا هذه الصلاة وهذه الصلاة قد ضيّعت (٣).

وفي حديث آخر إنّه قال : ما أعرف شيئاً ممّا كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله.

__________________

(١) الصحيفة السجاديّة ، دعاء ٤٩. (هامش الأصل) الكاملة : ٢٨١ نشر جامعة المدرّسين. (المترجم)

(٢) صحيح البخاري ١ : ١٦٦ باب فضل صلاة الفجر في جماعة ، ط دار مطابع الشعب بمصر. (هامش الأصل)

(٣) نفسه ، باب تضييع الصلاة عن وقتها ، ص ١٤١. (هامش الأصل)

٢٨٦

قيل : فالصلاة؟ قال : أليس صنعتم ما صنعتم فيها (١).

وهذه شهادة صريحة من أبي الدرداء وأنس بن مالك ـ وهما من أكابر الصحابة عند أهل السنّة والجماعة ـ بأنّ أحكام الشريعة بأجمعها غيّرت ، وبدّلت أحكام الشرع الشريف عامّة ، حتّى الصلاة وهي أظهر الواجبات وأعرف الفرايض ، وجميع ما مرّ جرى على أيدي الصحابة والتابعين الذين رووا في حقّهم «خير القرون قرني ثمّ القرن الذي يليه» (٢).

وإذا كان حال القرن الأوّل والثاني بهذه المثابة فما بالك بالقرون اللاحقة والأعصار التابعة التي تتبدّل في كلّ يوم أحوالها ، وتتنزّل شئونها باعترافهم.

وطبقاً للحديث سابق الذكر يمكن أن نقول :

* خُذ جملة البلوى ودع تفصيلها *

__________________

(١) نفسه.

(٢) عمران بن حصين ، عن النبيّ صلى الله عليه وآله قال : خيركم قرني ثمّ الذين يلونهم ، ثمّ الذين يلونهم. قال عمران : فما أدري قال النبيّ بعد قوله مرّتين أو ثالثاً ، ثمّ يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون ، ويخونون ولا يؤتمنون ، وينذرون ولا يفون ، ويظهر فيهم السمن.

وفي خبر آخر : خير الناس قرني ثمّ الذين يلونهم ، ثمّ يجيء من بعدهم قوم تسبق شهادتهم إيمانهم ، وإيمانهم شهادتهم. [صحيح البخاري ، ٨ : ١١٣ باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها ، ط دار ومطابع الشعب بمصر]. (هامش الأصل)

٢٨٧

وَلَعَنَ اللهُ الْمُمَهِّدِينَ لَهُمْ بِالتَّمْكِينِ مِنْ قِتالِكُمْ ..

الشرح : التمهيد مأخوذ من المهاد بمعنى البساط والفراش أو من العهد بمعنى سرير الطفل ، وكلاهما عائد إلى أصل واحد ونصّ في أساس البلاغة على أنّ التمهيد معناه التوطئة وتسهيل الأمر والإصلاح ، والمراد في أمثال هذه الوقائع وتمهيد العذر من المعاني المجازيّة ، ومعناه بسطه وتهيئة قبوله.

والباء في «بالتمكين» للسببيّة على الظاهر والتمكين بمعنى الإقدار ، والظاهر أنّ اشتقاق المكان منه بحسب اللفظ ، وأمّا بحسب المعنى فاشتقاقه من الكون.

القتال : بمعنى القتل والذبح والحرب.

والمقصود من الممهّدين هم الأوائل الذين سهّلوا السبيل ووطّئوا الاُمور ، وهيّئوا أسباب الظلم ، لأنّه لولاهم وما ارتكبوه من السلوك الوحشي الخشن مع أهل البيت لما جرأ الأواخر على ظلمهم بتلك القسوة المعهودة.

وهذا أصحّ الوجوه في تفسير الفقرة المعروفة «المقتول في يوم الجمعة أو الاثنين ..» (١).

__________________

(١) كما في البحار ٤٤ : ١٩٩ و ٢٠١.

وعن عليّ بن موسى الرضا عليه السلام : يوم الاثنين يوم نحس قبض الله عزّ وجلّ نبيّه ، وما اُصيب آل محمّد إلّا يوم الاثنين. [الكافي ، باب صوم عرفة وعاشوراء ؛ بحار الأنوار ٤٥ : ٩٤] وتأتي هذه الرواية بتفصيلها ذيل «اللهمّ إنّ هيا يوم تبرّكت به بنو اُميّة».

مروج الذهب : ... وسُمعت في جنازته (الإمام أبي الحسن الهادي عليه السلام) سوداء وهي تقول : ماذا لقينا من يوم الاثنين. [بحار الأنوار ٥٠ : ٢٠٧]

ولنعم ما قيل : «ما قُتل الحسين إلّا في يوم السقيفة» فلعنة الله على من أسّس أساس الظلم والجور على أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين. [بحار الأنوار ٤٥ : ٣٣٨]

٢٨٨

كلاهما الخطبة المعروفة بخطبة المسجد التي أجابت بها نساء الأنصار وذكرت في الاحتجاج والبحار وناسخ التواريخ وغيرها وقد عزوها إلى ذلك الكتاب ... والكلمات كلّها تظلّم وإظهار الألم والصدمة النفسيّة ومنها حيث تقول فيها : «بئسما قدّمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليه وفي العذاب هم خالدون» (١).

وتكفي هذه الكلمات في إثبات المدّعى ، وإذا أردت طلباً للتفصيل ملاحظة واحد من هذه الكتب التي أشرنا إليها والتي ذكرت الخطبة تفصيلاً أو ترجمتها فإنّك سوف تصل بالتأمّل الوجداني إلى القطع بالحديث الصحيح قطعي الصدور المنقول في كتب الإماميّة مستفيضاً بل متواتراً من أنّ صادق آل محمّد قال : لمّا مات رسول الله ارتدّ الناس إلّا ثلاثة ـ وفي رواية : إلّا أربعة ـ : سلمان وأبوذر والمقداد وحذيفة ، وأمّا عمّار فإنّه حاص حيصة ثمّ عاد (٢).

وبعد ملاحظة هذه الأخبار نتوجّه جيّداً إلى أركان القضيّة العامّة : الصحابة كلّهم عدول ، وإنّها متزلزلة ما في ذلك ريب وهدم بنائها من أسّه ، ونرى من المناسب أن نطعّم هذا الفصل بعدد من الأخبار المرويّة في كتاب البخاري عن ارتداد الصحابة وفتنهم وبدعهم المستحدثة التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وآله أيّام حياته ، بصفة مختصرة «محض تسجيل الصواب وتحصيل الثواب» ونوردها بألفاظها من دون ترجمة كما وردت في الجامع ..

__________________

(١) بلاغات النساء : ١٩ ، أعلام النساء ٣ : ١٢١٩ ط دمشق وكتب أُخرى من العامّة تجد تفصيلها في إحقاق الحق ١٠ : ٣٠٦. (هامش الأصل)

(٢) روى حديث ارتداد الناس إلّا ثلاثة أو أربعة ، بحار الأنوار ٨ : ٥٠ أُفست. (هامش الأصل)

وأمّا حيصة عمّار فإن كانت الولاية فقد ولّي سلمان على المدائن حتّى مات فيها وإن كان أمر آخر فما هو هذا الأمر ليت شعري؟ إنّ عمّار بقي على السنّة متّبعاً خطى عليّ لم ينحرف عنه طرفة عين وهذا ما أدين الله به ومن اعتقد بغير هذا فليستغفر الله منه فإنّه الضلال بعينه ، صلّى الله على عمّار وصلّى الله على سلمان. (المترجم)

٢٨٩

أ ـ روى البخاري في باب الحوض عن عبدالله رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وآله قال : أنا فرطكم على الحوض وليرفعنّ رجال منكم ثمّ ليختلجنّ دوني فأقول : يا ربّ أصحابي ، فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك (١).

ب ـ عن حذيفة مثله (٢).

ج ـ عن أنس : عن النبيّ صلى الله عليه وآله : ليردنّ عليّ ناس من أصحابي حتّى إذا عرفتهم اختلجوا دوني أقول : أصحابي ، فيقول : لا تدري ما أحدثوا بعدك (٣).

د ـ أبو حازم عن سهل بن سعد قال : قال النبيّ صلى الله عليه وآله : إنّي فرطكم على الحوض ، من مرّ عليّ شرب ومن شرب لم يظمأ أبداً ، ليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ، ثمّ يحال بيني وبينهم.

قال أبو حازم : فسمعني النعمان بن أبي عيّاش فقال : هكذا سمعت من سهل؟ فقلت : نعم. فقال : أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها : فأقول : إنّهم منّي ، فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول : سحقاً سحقاً لمن غيّر بعدي.

وقال ابن عبّاس : سحقاً بُعداً ، يقال : سحيق بعيد ، سحقه وأسحقه أبعده.

هـ ـ عن أبي هريرة أنّه كان يحدّث رسول الله صلى الله عليه وآله قال : ليردّ عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلّئون عن الحوض ، فأقول : يا ربّي ، أصحابي ، فيقول : إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى.

__________________

(١) صحيح البخاري ٨ : ١١٩ باب الحوض ط أميريّة ، وصحيح مسلم ج ٧ باب الحوض ، والحميدي في الجمع بين صحيح مسلم والبخاري ، ومسند أحمد بن حنبل ٥ : ٣٣٣ و ٣٨٨ ط مصر ، ومثل هذه الروايات كثير تجد تفصيلها في بحار الأنوار ٨ : ٨ ط أُفست. (هامش الأصل)

(٢) نفسه.

(٣) نفسه.

٢٩٠

و ـ عن ابن المسيّب أنّه كان يحدّث عن أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قال : يردّ عليّ الحوض رجال من أصحابي فيحلّئون عنه فأقول : يا ربّ ، أصحابي؟ فيقول : إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى.

وقال شعيب عن الزهري : كان أبو هريرة يحدّث عن النبيّ صلى الله عليه وآله : يحلّون ، وقال عقيل : فيحلّئون.

ز ـ عن أبي هريرة عن النبي مثله.

ح ـ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله قال : بينا أنا قائم فإذا زمرة حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلمّ ، قلت : أين؟ قال : إلى النار والله. قلت : ما شأنهم؟ قال : إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى فلا أراه يخلص منهم إلّا مثل حمل [همل النعم] [همل ـ المصدر] النعم.

ط ـ عن ابن أبي مليكة ، عن أسماء بنت أبي بكر قالت : قال النبيّ صلى الله عليه وآله : إنّي على الحوض حتّى أنظر من يرد عليّ منكم وسيؤخذ ناس من دوني فأقول : يا ربّ ، منّي ومن أُمّتي. فيقال : هل شعرت ما عملوا بعدك والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم.

فكان ابن أبي مليكة يقول : إنّا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن عن ديننا.

وروي في كتاب الفتن عن ابن أبي مليكة عن أسماء عن النبيّ صلى الله عليه وآله قال : أنا على حوضي أنتظر من يرد عليّ فيؤخذ بناس من دوني فأقول : أمتي؟ فيقول : لا تدري مشوا على القهقرى.

قال ابن أبي مليكة : اللهمّ إنّا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن.

قلت : يمكن التعدّد في الاستماع من أسماء ، ويجوز أن تكون أسماء غير بنت أبي بكر والظاهر الوحدة لكن لفظ الثاني أوضح وأصرح.

ى : عن أبي حازم مثلما مرّ في باب الحوض.

٢٩١

يا : عن عبدالله قال : قال النبيّ صلى الله عليه وآله : إنّكم سترون بعدي إثرة وأُموراً تنكرونها. قالوا : فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال : أدّوا إليهم حقّهم واسألوا الله حقّكم.

قلت : فيه إخبار باستثناء أعداء الله بقيء أهل البيت كما يوضحه كون الخطاب لابن عبّاس وفي ذيله أمر بالتقيّة ولزوم الصبر ، كما فيما قبله عن عبدالله بن يزيد : اصبروا حتّى تلقوني على حوضي.

يب : عن أُسامة بن زيد قال : أشرف النبيّ صلى الله عليه وآله على أطم من آطام المدينة ، فقال : هل ترون ما أرى؟ قالوا : لا. قال : فإنّي لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر.

يج ـ عن ابن المسيّب عن أبي هريرة : ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم ، القائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، من تشرّف لها تستشرفه ، فمن وجد فيها ملجأ أو ملاذاً فليعذّبه.

يد ـ أبو سلمة بن عبدالرحمان عن أبي هريرة مثله (١).

وفي المسألة في صحيح مسلم والترمذي وسائر الكتب أحادث أُخرى أوضح وأكثر صراحة ممّا تقدّم ، وهذا المقدار كافٍ في معرفة الحقّ للمسلم المتديّن ، ويعلم من هذه الأحاديث الأربعة عشر أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله أخبر عن ارتداد جماعة من أصحابه ، وقال : إنّ الفتن تقع ويكون القاعد فيها خيراً من القائم ، وقال : تقع الفتنة في بيوتكم كقطر المطر.

وقال لأهل بيته : ستسلب حقوقكم بعدي فاصبروا واحتملوا ثقل وطأتها.

فهل يرى منصف أنّ هذه الإشارات منه صلى الله عليه وآله إلى غير غصب الخلافة وظلم فاطمة؟ وهل يحتمل غيره؟ ومتى وقعت فتنة وبلاء شامل غير هذه الفتنة في

__________________

(١) ونورد لك أرقام الأحاديث من كتاب البخاري بعد ذكر رموزها : أ ـ رقم ٦٣٣٥ ، د ـ رقم ٦٧٩٧ ، ج ـ رقم ٦٣٤١ ، هـ ـ رقم ٦٣٤٤ ، ج ـ رثم ٦٣٤٦ ، ط ـ رقم ٦٣٥٢ ، يا ـ رقم ٦٧٩٨ ، يب ـ رقم ٦٨٠٦ ، يج ـ رقم ٦٨٢٦. (المترجم)

٢٩٢

الإسلام؟ ولعن الشيعة إنّما ينصب على المرتدّين والكفّار والظالمين ، وإلّا فأخيار الصحابة وخواصّ النبيّ صلى الله عليه وآله مثل سلمان وأبي ذر والمقداد وحذيفة وعمّار وأبوالهيثم بن التيهان وعمرو بن الحمق الخزاعي وحجر بن عدي وعدي بن حاتم سلام الله عليهم جميعاً أحبّ الخلق إلى الشيعة بعد الأئمّة عليهم السلام وصلوات الله عليهم ، ويرون وجوب احترامهم وتكريمهم في السرّ والعلانية ، ويرون من سبّ عموم الصحابة كافراً وتجب البرائة منه ، فتبيّن من هذا أنّ اتهام الشيعة بسبّ الصحابة كلّهم إنّما هو من مكائد الأعداء (سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) (١).

نعم ، لمّا اختلفت أحوال الصحابة كما سمعت ومن الآيات الكثيرة يفهم كما هو من الضرورة أنّ المنافقين لم ينقرضوا بموت رسول الله ، فكانت حال الناس بعد وفات النبي واحدة لا ميزة بينهم فلا يعرف الطيّب من الخبيث ، ولا المنافق من المؤمن ، ولا الثابت من المرتد.

أجل ، وضع الرسول بنفسه النفيسة ميزاناً صحيحاً وقطاساً مستقيماً لتميّزهم ، حيث علم بالتواتر من رواية الفريقين أنّه قال : إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا.

وقال في موضع آخر : مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلّف عنها غرق.

وقال في موضع آخر : الحقّ مع عليّ وعليّ مع الحق. رواه ابن مردويه الحافظ في غير واحد (٢).

__________________

(١) النور : ١٦.

(٢) ينابيع المودّة : ٩١ ط اسلامبول ، هذا الحديث نقله كثير من العامّة وتجد تفصيله في إحقاق الحقّ ٥ : ٦٢٥. (هامش الأصل)

٢٩٣

وفي موضع آخر يقول : اللهمّ أدِرِ الحقّ معه حيثما دار. رواه الترمذي في صحيحه (١).

وقال لعمّار : إن سلك الناس كلّهم وادياً وسلك عليّ وادياً فاسلك وادياً سلكه عليّ وخلّ الناس طرّاً. يا عمّار ، إنّ عليّاً لا يزال على هدى. يا عمّار ، إنّ طاعة عليّ من طاعتي وطاعتي من طاعة الله. رواه العلّامة من طرق الجمهور (٢).

وعلمائهم مثل ابن أبي الحديد وابن حجر وغيره اعترفوا بصحّة هذه الأحاديث إذاً فميزان الهالك والناجي وفاروق الحقّ والباطل هو عليّ وأولاده عليهم السلام فمن سالمهم من الصحابة وسار على هداهم نجى ، ومن خالفهم فهو الهالك ومن نصيب حزب الهالك. وقد أجاد القائل :

راز بگشا اى علىّ مرتضى

اى پس از سوء القضا حسن القضا

 چون تو بابى آن مدينه علم را

آفتابى آن شعاع حلم را

 باز باش اى باب رحمت تا ابد

بارگاه ماله كفواً احد

 تو ترازوى احد خود بوده اى

بل زبانه هر ترازو بوده اى

الترجمة :

يا أخا المرتضى أزح عن جبين

السرّ ستراً عن الورى أخفاه

 إنّما أنت للمدينة باب

أنت شمس للحلم أنت ضياه

 لم يزل مشرعاً إلى أبد الدهر

براه من لا له أشباه

 أنت ميزانه وفيك الموازين

تعالت قضى بذاك الله

__________________

(١) صحيح الترمذي ٣ : ١٦٦ ط داوي بمصر ، وهذا الحديث نقله كثير من العامّة وتفصيله في إحقاق الحقّ ٥ : ٦٢٥. (هامش الأصل)

(٢) مناقب الخوارزمي : ٦٣ ط تبريز ، إحقاق الحقّ ٨ : ٤٦١. (هامش الأصل)

٢٩٤

وفي ذلك أقول في موشّحة طنّانة نيروزيّة علويّة :

هو شاهين لميزان الرشاد

بل هو الميزان في يوم العباد

 وعلى عرفانه تجُزى العباد

بل هو الآخذ من هذا وذاك

يوم يدعوا كلّهم بالغين (١)

وهاهنا لطيفة منقولة من رجال الشيخ المقدّم أبي العبّاس النجاشي رضي الله عنه : إنّه حكى عن عبدالرحمان بن الحجّاج قال : كنّا في مجلس أبان بن تغلب فجائه شابّ فقال : يا أبا سعيد ، أخبرني كم شهد مع عليّ بن أبي طالب عليه السلام من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله؟

قال : فقال له أبان : كأنّك تريد أن تعرف فضل عليّ عليه السلام بمن تبعه من أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله؟

قال : فقال الرجل : هو ذاك.

فقال : والله ما عرفنا فضلهم إلّا باتّباعهم إيّاه.

قال : فقال أبو البلاد : عضّ بظر أُمّه ، رجل من الشيعة في أقصى الأرض وأدناه يموت أبان لا تدخل مصيبته عليه .. (٢).

قال : فقال أبان له : يا أبا البلاد ، أتدري من الشيعة؟ الشيعة الذين إذا اختلف الناس

__________________

(١) ديوان المؤلّف : ٣٣٠. أحسن المؤلّف في المعنى ولكنّه أغضب المرحوم سيبويه حين حذف النون من يدعو بلا دخول عامل عليه وهو المسكين من الأفعال الخمسة ، وأسقط شيخنا نونه بالقهر والقوّة. (المترجم)

(٢) أقول : ما أقلّ أدب أبي البلاد وما أجفاه ، كان عليه أن يدعو لأبان بطول العمر أو بشيء من هذا وأن لا يلفظ فوه هذه الكلمة القبيحة التي يربأ بنفسه العاقل عن النطق بها لا سيّما في مجلس فيه أبان وإن كان معناها ليس موحشاً كلفظها ، لأنّ معناها يزوّج أُمّه ويأكل صداقها. (المترجم)

٢٩٥

عن رسول الله صلى الله عليه وآله أخذوا بقول عليّ عليه السلام وإذا اختلف الناس عن عليّ أخذوا بقول جعفر بن محمّد عليهما السلام (١).

بل هاهنا كلام أعلى من هذا الكلام ومجمله : إنّ الشيعة من لا يسبّ أحداً من الصحابة ومن أجاز الشيعة لعنهم فليسوا من الصحابة لأنّ الصحابي هو الذي لقي النبيّ وآمن به وخرج من هذه الدنيا مؤمناً ، وإطلاق لفظ الأصحاب على غير هؤلاء هو من المجاز بقرينة العلاقة السابقة ولهذا نحن نصدّق بأخبار فضائل الصحابة جميعاً ونقول : هؤلاء ـ المنحرفون ـ خارجون عن عنوان الصحابة وشاهدنا النصّ الوارد عن خير الأنام صلى الله عليه وآله : قاتلوا عمّار ليسوا من أصحابي. وما من شكّ بأنّ معاوية وعمرو بن العاص وعبيدالله بن عمرو وجماعة أُخرى من الصحابة هم قاتلوه ولازم هذا الكلام أنّ معاوية أضرابه وأترابه لعنهم الله جميعاً ليسوا من الأصحاب.

وأمّا الحديث المشار إليه فإنّ أبا عمرو أحمد بن عبد ربّه المالكي الأندلسي رواه في كتاب «العقد الفريد» وساق السند إلى أُمّ سلمة أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قال لعمّار : يابن سميّة ، لا تقتلك أصحابي ولكن تقتلك الفئة الباغية (٢). وهذا الاستنباط من المواهب الالهيّة التي حبي بها هذا العبد فلم أعثر عليها في كتاب ولم أسمعها من أحد.

وخلاصة الكلام أنّ الخوض في مثل هذه المطالب من مناهج علم الكلام ، وفي هذا الشرح المختصر لا يقتضي أكثر من هذا البيان وستعثر على جملة من هذه الكلمات في تضاعيف الفصول القادمة إن شاء الله تعالى. ولله الحمد.

لباب الكلام في عدول الأصحاب وجورهم ذكر في فصول الرسالة المذكورة.

__________________

(١) رجال النجاشي : ١٢. (المترجم) النجاشي في بحث أبان ، ص ٩ ، ط مكتبة داوري. (هامش الأصل)

(٢) العقد الفريد ٢ : ٢٠٣ و ٢٠٤ ط الشرقيّة بمصر ، والحديث في هذا المورد منقول عن العامّة بطرق مختلفة تجد تفصيل ذلك في إحقاق الحقّ ٨ : ٤٢٢. (هامش الأصل)

٢٩٦

«مسألة»

لا إشكال في أنّ لعن الله يوجب شدّة العذاب لهم ، ونقل السيّد المحدّث الجزائري في بعض مؤلّفاته إشكالاً في هذا الباب (١) وأجاب عنه بأجوبة عدّة ، وترجمتها كما يلي (٢) :

وهاهنا اعتراض قوي وحاصله أنّ اللعن فعل اللاعن فكيف يكون فعل إنسان موجباً لعقاب إنسان آخر لأنّه منافٍ لقواعد العدل. وجوابه من وجوه :

الأوّل : لمّا أنزل الله الأحكام ، أنزل مع كلّ حكم جزاءاً لكلّ فعل وترك ، وأنزل معها جزاءاً للعن اللاعنين وبلّغ ذلك جميع المكلّفين ، فكلّ من أقدم مجترءاً على ذلك فقد وضع نفسه عرضة لذلك الجزاء.

الثاني : إنّ هذا العذاب بمثابة الاقتصاص لأنّ العدوّ لمّا حال بين أهل الحقّ ومناصبهم واختفى أهل الحقّ عن الأنظار صوناً لحياتهم ، فشى الجهل في الناس وعمّت الفوضى ، وازدادت الحاجة للأرزاق المادية والمعنويّة ، فيكون بناءاً على هذا أنّهم اغتصبوا حقّاً من كلّ لاعن ويكون العقاب بإزاء هذا الحقّ المغتصب.

الثالث : أنّ قلوب المؤمنين وأتباع أهل الحقّ لمّا علمت بما ارتكبه العدوّ تألّمت قلوبهم واحترقت بنار المصاب فكان عذاب العدوّ بأزاء هذا التأثّر والألم.

هذا ما يقارب عبارات السيّد (٣) ، وهذا الإشكال والجواب غاية في الغرابة ، ولست أدري كيف اعتبر الاعتراض قويّاً لأنّ هذا المعنى ليس من طبّ العلماء ،

__________________

(١) الأنوار النعمانيّة ١ : ١٤١ الخاتمة. (هامش الأصل)

(٢) الظاهر أنّ المؤلّف استنبط هذه الأقوال الثلاثة من مجموع كلام السيّد وإلّا فقد بحثنا في الجزء الأوّل من كتابه فلم نعثر عليها. (المترجم)

(٣) ارجع إلى عبارات السيّد عن اللعن في الأنوار النعمانيّة ١ : ١١٢ و ١٤١ فلن تجد شيئاً من هذا ولا قريباً منه ، فهل جرى حذف في الكتاب؟ الله أعلم. (المترجم)

٢٩٧

وليس لأهل النظر أن ينظروا في مثل هذه الأقوال الواهية ويجيبوا عنها بأوهى منها إلّا أن يكون على نهج أصحاب الحديث والسيّد منهم وله وجه في القوّة. وليس من دأب السيّد رحمه الله تعالى تعاطي المشكلات وحلّ المعضلات ، ولو أنّه أشار إلى الحديث الآتي لما كتبناه قطّ وحاصاله أنّ المنافي للعدل تحمّل غير الفاعل بذنب الفاعل وقد نفاه القرآن بقوله : (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ) (١) ولكن إذا دعى الداعي على فاعل فعلاً استحقّ بسببه اللعنة أن يزيد عذابه فهو عين العدل ورعاية لحالة المظلومين ومن هنا يظهر لك أنّ الأجوبة المذكورة لا ربط لها بالسؤال لا سيّما الأوّل فإنّ ال إشكال عينه متوجّه إليه كما يعلم بذلك المتأمّل الواعي ، وأصله في الخبر المعروف : إنّ الميّت ليعذّب ببكاه الحيّ عليه (٢).

والسيّد الأجل السيّد المرتضى سلام الله عليه تعرّض له بالشرح الوافي في تأويل الخبر الثالث من المجلس الثالث والعشرين من الأمالي ؛ فمن أراد من أهل الفضل مزيد الفائدة فليرجع إليه (٣).

«مسألة»

المراد من أهل البيت خصوص أهل الكساء أحياناً كما جاء في آية التطهير التي اتفق عليها الفريقان ، وظاهر عبارة الشيخ الأجل أمين الإسلام قدّس الله نفسه الزكيّة في مجمع البيان أنّ بناء الشيعة كلّيّاً على هذا المذهب في الآية الكريمة آية التطهير.

__________________

(١) الأنعام : ١٦٤.

(٢) كنز العمّال : ج ١٥ رقم ٤٢٤٢٧. (هامش الأصل) ورواه جمع غفير من حفّاظ العامّة وهو لا أصل له بل رأي رآه عمر وحمل الناس عليه وعزاه إلى النبي إمّا افتراءاً أو نسياناً وقد فنّدناه في كتابنا «منية الخطيب». (المترجم)

(٣) أمالي السيّد المرتضى ١ : ٣٤٠ المجلس الخامس والعشرون. (هامش الأصل) الأمالي ٢ : ١٧. (المترجم)

٢٩٨

وأحياناً يتناول اللفظ الأئمّة الاثنى عشر ويكون خاصّاً بهم كما جاء في أخبار التمسّك ووجوب المتابعة لأنّ التمسّك بأقوال غير المعصوم ومتابعته لا تجوز مطلقاً ، وليس معصوم في الإسلام غير هؤلاء الأربعة عشر.

وأحياناً يتناول اللفظ مطلق أقرباء النبي وهم من تحرم عليه الصدقة كما جاء مودّتهم لا على التعيين وإعانتهم وتعظيمهم وتكريمهم.

وفقرة الزيارة تتناول الأقسام الثلاثة ، والأولى الأوّل والثاني ، والخطاب وإن كان مع سيّدالشهداء لكنّه لا ينافيه. ومخاطبة الواحد بصيفة الجمع تتمّ أحياناً لأنّ من خلال شخصه يتصوّر المجموع أو لتشريفه وتكريمه أو لأغراض أُخرى.

ومن هذه الجهة ، مع أنّ المخاطب الواقعي في زيارة الجامعة الواوحد بشهادة قوله : «يا وليّ الله» ولكنّه يتناول الأئمّة الإثنى عشر بخطابه ، وضمّ الإمام المخاطب إلى المجموع من أجل الإعلان عن فضله وجلالة قدره : «السلام عليكم يا أهل بيت النبوّة».

٢٩٩

ويقول :

وَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً دَفَعَتْكُمْ عَنْ مَقامِكُمْ وَأَزالَتْكُمْ عَنْ مَراتِبِكُمُ الَّتِي رَتَّبَكُمُ اللهُ فِيها ..

الشرح : الدفع (١) : الازالة بقوّة كما جاء في منتهى الارب.

المقام : في الأصل مكان القيام ويستعمل توسّعاً في المجلس والمكان ، وكلّ ما يقع في المجلس أو ما كان بحاجة إلى قيام. ويستعمل أيضاً في المكانة والمنزلة الاجتماعيّة المعنويّة كما قال المطرّزي في حاشية المقامات ، إلّا أنّهم اتسعوا فيها واستعملوها استعمال المكان والمجلس ، قال الله : (خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا) (٢) ، إلى أن قيل : لما يقام به من خطبه أو ما يشبهها مقامه. كما يقال له : مجلس. وقريب منه ما في الأساس ، والسيّد شارح الصحيح صرّح بتعميم المعنى المذكور وإن كان لا يحتاج إلى شاهد لشديد وضوحه وظهوره.

الإزالة : الإبعاد كما صرّح بذلك البيهقي.

الرتوب (٣) : الثبات كما ورد في تاج المصادر ومنتهى الإرب ، رتّب رتوباً ثبت ولم يتحرّك ، ومنه أُخذ الترتيب يعني رتّبه ترتيباً أثبته. والمرتبة بمعنى اسم المكان منه أيضاً. والترتيب الذي عرّف بـ «وضع الشي في مرتبته» يرجع إلى هذا المعنى.

والمراد من الدفع عن المرتبة والإخراج من المقام الإلهي نفس المعنى من عدم تمكينهم من رياستهم الظاهريّة وولايتهم الصوريّة ولا يقصد به حقيقة الإمامة وواقع الخلافة ، لأنّه غير قابل للغصب وهو أعلى آلاف المرّات من أن تطاله يد

__________________

(١) رجعنا في الكلمة إلى لسان العرب مادة دفع. (المترجم)

(٢) مريم : ٧٣.

(٣) رتّب الشيء يرتّب رتوباً وترتّب ثبت فلم يتحرّك (لسان العرب ١ : ٤٠٩). (المترجم)

٣٠٠