شفاء الصدور في شرح زيارة العاشوراء - ج ١

ميرزا أبي الفضل الطهراني

شفاء الصدور في شرح زيارة العاشوراء - ج ١

المؤلف:

ميرزا أبي الفضل الطهراني


المحقق: محمّد شعاع فاخر
المترجم: محمّد شعاع فاخر
الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: انتشارات المكتبة الحيدريّة
المطبعة: شريعت
الطبعة: ١
ISBN: 964-503-000-5
ISBN الدورة:
964-503-002-1

الصفحات: ٤٣٩
  نسخة غير مصححة

ممارسة وتتبّع في لسان العرب ومعرفة أساليب التعبير عند القوم ، ومطّلعاً على انتقالات العرب في معانيها من معنى إلى معنى ، وينظر الواقع نظراً تحقيقيّاً لا نظراً قشريّاً تعلّميّاً يستطيع استخراج المعاني المختلفة والوجوه اللطيفة والأسرار البديعة من كثير من موارد اللغة غير المنصوصة ، وبهذا البيان الذي سقناه نكون قد فتحنا باباً عظيماً في فهم اللغات ، ورفعنا الاختلافات الكثيرة بين كلمات اللغويّين الواقعة في فهم الكتاب والسنّة والتي هي مرجع للفقهاء ، تفطّن لهذا جيّداً واغتنم الفرصة.

المصيبة : اسم فاعل من أصابه ، وأصلها الوصول والبلوغ ولكنّها غلبت في الاستعمال بالبليّة إذا أصابت أحدهم إلى الدرجة التي إن لم يكن لها موصوف يتبادر منها هذا المعنى بخلاف ما إذا كان لها موصوف مثل الأفكار المصيبة والسهام المصيبة .. ومن توهّم الاشتراك في المعنيين فقد أخطأ.

الرزيّة : في الأصل «رزيئة» مهموزة وخفّفت الهمزة إلى ياء مثل خطيئة وخطيّة ، وهي بمعنى المصيبة أيضاً.

ومن المناسب أن نذكر مورداً أو موردين من الأخبار والآثار الدالّة على عظم هذه المصيبة في الإسلام وإن كان المتأمّل البصير لا يحتاج شهوداً على هذه الدعوى حيث أنّه من خلق الدنيا إلى يومنا هذا لم نر بعد البحث بالتاريخ والسير واقعة بكبر هذه الواقعة ، بأنّ أُمّة من الأُمم برزت لابن نبيّها وأصحابه وأهل بيته في يوم واحد فيقتلونهم وينهبون رحلهم ومتاعهم ، ويحرقون خيامهم ، ويحملون رأسه ورؤوس أصحابه وأولاده مع العيال والأطفال من مدينة إلى مدينة ، ومن بلد إلى بلد ، ويعرضون مرّة واحدة عن الملّة والدين الذي ينتسبون إليه ، ويطئونه بأقدامهم ، وإنّما جاءهم السلطان والقوّة من هذا الدين وليس غيره ، ومطابق لهذا المعنى ما جاء في الأمالي عن صادق آل محمّد صلى الله عليه وآله عن أبيه عن جدّه عليهم السلام أنّ

٢٦١

الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام دخل يوماً إلى الحسن عليه السلام فلمّا نظر إليه بكى ، فقال له : ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ قال : أبكي لما يصنع بك. فقال له الحسن عليه السلام : إنّ الذي يؤتى إليّ يُدسّ إليّ فأُقتل به ، ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله ؛ يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل يدّعون أنّهم من أُمّة جدّنا محمّد صلى الله عليه وآله وينتحلون دين الإسلام فيجتمعون على قتلك وسفك دمك وانتهاك حرمتك وسبي ذراريك ونساءك وانتهاب ثقلك فعندها تحلّ ببني أُميّة اللعنة وتمطر السماء رماداً ودماً ، ويبكي عليك كلّ شيء حتّى الوحوش في الفلوات والحيتان في البحار (١).

وننقل هنا ثلاثةً من الأخبار غير هذا الخبر.

أ ـ الشيخ الأجل الأقدم الأوثق أبوالقاسم جعفر بن قولويه القمّي رضي الله عنه وأرضاه روى في كامل الزيارة وساق السند إلى صادق آل محمّد عليهم السلام بأنّه قال : لمّا قُتل الحسين عليه السلام سمع أهلنا قائلاً يقول بالمدينة : اليوم نزل البلاء على هذه الأُمّة فلا ترون فرحاً حتّى يقوم قائمكم فيشفي صدوركم ويقتل عدوّكم وينال بالوتر أوتاراً. ففزعوا منه وقالوا : إنّ لهذا القول لحادثاً قد حدث ما لا نعرفه ، فأتاهم خبر قتل الحسين عليه السلام بعد ذلك فحسبوا ذلك فإذا هي تلك الليلة التي تكلّم فيها المتكلّم (٢).

ب ـ وفي علل الشرايع روى عن عبدالله بن الفضل قال : قلت لصادق آل محمّد صلى الله عليه وآله : يابن رسول الله ، كيف صار يوم عاشوراء يوم مصيبة وغمّ وجزع وبكاء دون اليوم الذي قبض منه رسول الله صلى الله عليه وآله واليوم الذي ماتت فيه فاطمة عليها السلام ،

__________________

(١) أمالي الصدوق : ١١٥. (المترجم) أمالي الصدوق : مجلس ٢٤ رقم ٣ ، بحار الأنوار ٤٥ : ٢١٨ رقم ٤٤.

(٢) كامل الزيارات : ٥٥٣. (المترجم) كامل الزيارات : باب ١٠٨ نوادر الزيارات ص ٣٣٦ ح ١٤. (هامش الأصل).

٢٦٢

واليوم الذي قُتل فيه أميرالمؤمنين عليه السلام ، واليوم الذي قُتل فيه الحسين بالسمّ؟

قال : إنّ يوم الحسين عليه السلام أعظم مصيبة من جميع سائر الأيّام وذلك أنّ أصحاب الكساء الذي كانوا أكرم الخلق على الله تعالى كانوا خمسة ، فلمّا مضى عنهم النبيّ صلى الله عليه وآله بقي أميرالمؤمنين وفاطمة والحسن الحسين عليهم السلام فكان فيهم للناس عزاء وسلوة ، فلمّا مضت فاطمة عليها السلام كان في أميرالمؤمنين والحسن والحسين للناس عزاء وسلوة ، فلمّا مضى منهم أميرالمؤمنين عليه السلام كان للناس في الحسن والحسين عزاء وسلوة ، فلمّا مضى الحسن عليه السلام كان للناس في الحسين عليه السلام عزاء وسلوة ، فلمّا قُتل الحسين عليه السلام لم يكن بقي من أهل الكساء أحد للناس فيه بعده عزاء وسلوة فكان ذهابه كذهاب جميعهم كما كان بقائه كبقاء جميعهم ؛ فلذلك صار يومه أعظم مصيبة.

قال عبدالله بن الفضل الهاشمي : فقلت له : يابن رسول الله ، فلم لم يكن للناس في عليّ بن الحسين عزاء وسلوة مثل ما كان لهم في آبائهم عليهم السلام؟

فقال : بلى إنّ عليّ بن الحسين كان سيّد العابدين وإماماً وحجّة على الخلق بعد آبائه الماضين ولكنّه لم يلق رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يسمع منه وكان علمه وراثة عن أبيه عن جدّه عن النبيّ صلى الله عليه وآله وكان أميرالمؤمنين وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام قد شاهدهم الناس مع رسول الله صلى الله عليه وآله في أحوال في آن يتوالى فكانوا متى نظروا إلى أحد منهم تذكّروا حاله مع رسول الله صلى الله عليه وآله وقول رسول الله له وفيه ، فلمّا مضوا فقد الناس مشاهدة الأكرمين على الله عزّوجلّ ولم يكن في أحد منهم فقد جميعهم إلّا في فقد الحسين عليه السلام ، لأنّه مضى آخرهم فلذلك صار يومه أعظم الأيّام مصيبة (١).

__________________

(١) علل الشرايع ١ : ٢٢٦. (المترجم) علل الشرايع ١ : ١٢٥ ـ ١٢٧ باب ١٦٢ ، بحار الأنوار ٤٤ : ٢٧١ باب أنّ مصيبته أعظم المصائب. (هامش الأصل)

٢٦٣

وفي هذا الحديث صرّح في مواضع منه بأنّ مصيبة سيّدالشهداء عليه السلام أعظم المصائب على المسلمين.

ويؤيّد هذا الحديث كلام العالمة غير المتعلّمة عقيلة الرسالة ورضيعة ثدي العصمة سيّدتنا زينب ـ أرواحنا لتراب أقدامها الفداء ـ في الإرشاد للشيخ المفيد وغيره أنّه قالت لسيّدالشهداء ليلة عاشوراء : واثكلاه ، ليت الموت أعدمني الحياة ، اليوم ماتت أُمّي فاطمة وأبي عليّ وأخي الحسن ، يا خليفة الماضي وثمال الباقي (١).

ج ـ وفي الخصال : عن عمر بن بشر الهمداني قال : قلت لأبي إسحاق : متى ذلّ الناس؟ قال : حين قُتل الحسين بن عليّ عليهما السلام ، وادّعي زياد ، وقُتل حجر بن عدي (٢). (٣)

وسوف نوافيك بحكاية استلحاق زياد لعنه الله إن شاء الله في ترجمة حال عبيدالله بن زياد ... (٤).

ومن هذه الأخبار وممّا يماثلها الدالّة على عظم المصيبة في الإسلام كثيرة فاقت الحصر ، ويقتضينا التقيّد بالاختصار تجنّب استقصائها.

__________________

(١) بحار الأنوار ٤٥ : ٢ ط لبنان. (هامش الأصل) الإرشاد ٢ : ٦٣. (المترجم)

(٢) الخصال : ١٨١ ، وأبو إسحاق هو الإمام الصادق عليه السلام. (المترجم)

(٣) الخصال : ١٨٢ باب الثلاثة رقم ٢٤٨ ، بحار الأنوار ٤٤ : ٢٧١. (هامش الأصل)

(٤) ذيل «ولعن الله آل زياد» ، ونقل هذه الواقعة في بحار الأنوار ٤٤ : ٣٠٩ ، وابن أبي الحديد بالتفصيل. (هامش الأصل)

٢٦٤

وَجَلَّتْ وعَظُمَتْ مُصِيبَتُكَ فِي السَّماواتِ عَلَى جَمِيعَ أَهْلِ السَّماواتِ ..

الشرح : في أخبار الإماميّة وآثارها وأهل السنّة والجماعة عدّة روايات وفيها ظهور العلامات الغريبة في السماء والأرض تدلّ على وقوع هذا الخطب الجليل والرزء العظيم وهي خارجة عن الحصر والإحصاء. أمّا نحن فننقل عدداً منها في هذه الفقرة من الشرح تدلّ على عظم مصيبته عليه السلام في السماء على الملائكة في فصلين وننقل قسماً آخر من هذه الأخبار إن شاء الله في فقرة أُخرى التي لها ارتباط بعموم مصيبته عليه السلام مع مراعاة الاختصار.

فصلٌ

في ذكر تأثّر الملائكة وبكائها بصفة عامّة وجبرئيل بصفة خاصّة ، ولعلّ في أثناء بعضها ذكراً يدور حول التغييرات العامّة ، ونأتي هنا بعدد محدود منها وتجد التفصيل في البحار ومدينة المعاجز للسيّد المحدّث الجليل البارع السيّد هاشم البحراني :

أ ـ في كامل الزيارة عن أبان بن تغلب رضي الله عنه أنّه قال : صادق آل محمّد صلى الله عليه وآله : إنّ أربعة آلاف ملك هبطوا يريدون القتال مع الحسين بن عليّ عليهما السلام لم يؤذن لهم في القتال ، فرجعوا في الاستئذان فهبطوا وقد قُتل الحسين عليه السلام ، فهم عند قبره شُعثٌ غُبْرٌ يبكونه إلى يوم القيامة (رئيسهم ملك يقال له : منصور) (١).

وروى في كامل الزيارات أربعة عشر حديثاً آخر بأسانيد متفاوتة وعبارات مختلفة متقاربة من هذا المعنى ، وبالطبع ملاحظتها بعين البصير الحاذق توجب لكم الحكم بتواترها ، أو تواتر معناها على الأصحّ ، وكلّها مذكورة في بحار الأنوار.

__________________

(١) كامل الزيارات : ١٧١ ومابين القوسين تتمّة الرواية ولم يوردها المؤلّف. (المترجم) كامل الزيارات : باب ٧٧ رقم ٩ ، بحار الأنوار ٤٥ : ٢٢٦ رقم ١٢. (هامش الأصل)

٢٦٥

ب ـ في بحار الأنوار عن محاسن البرقي : روي عن الإمام الصادق عليه السلام قال : وكّل الله بالحسين بن عليّ عليهما السلام سبعين ألف ملك يصلّون عليه كلّ يوم شعثاً غبراً منذ يوم قُتل إلى ما شاء الله (١).

ج ـ وفي كامل الزيارة حديث طويل مشتمل على أنّ الملائكة مطيفة بحائر الحسين عليه السلام ليلاً ونهاراً يبكون ولا يفترون إلّا وقت الزوال ووقت طلوع الفجر لأنّهم يحادثون في هذين الوقتين ملائكة السماء القادمين لزيارة قبر الحسين ويسألونهم من أخبار السماء (٢). (٣)

وسوف نذكر ذيل الحديث في فقرة أُخرى إن شاء الله تعالى ، وما أوردنا ليست ترجمة تامّة للحديث بل النقل بالمعنى.

د ـ وفي كامل الزيارة أيضاً عن صفوان الجمّال عن أبي عبدالله عليه السلام قال : سألته في طريق المدينة ونحن نريد مكّة ، فقلت : يابن رسول الله ، مالي أراك كئيباً حزيناً منكسراً؟ فقال : لو تسمع ما أسمع لشغلك عن مسألتي. قلت : فما الذي تسمع؟ قال : ابتهال الملائكة إلى الله عزّ وجلّ على قتلة أميرالمؤمنين وقتلة الحسين عليه السلام ونوح الجنّ وبكاء الملائكة الذين حوله وشدّة جزعهم ، فمن يتهنّأ مع هذا بطعام أو شراب أو نوم (٤)؟!

__________________

(١) بحار الأنوار ٤٥ : ٢٢٢. وتمام الحديث : يعني بذلك قيام القائم عليه السلام. (المترجم) كامل الزيارات : باب ٢٨ رقم ٥ ، بحار الأنوار ٤٥ : ٢٢٢ رقم ٩ ، وعبارة شفاء الصدور : البحار عن المحاسن صحّفت البحار عن الكامل. (هامش الأصل)

(٢) كامل الزيارة : ١٧٦. وهذا الحديث طويل إلى حدّ ما وأراه ينطبق على ما قاله المؤلّف وإن وردت في كلمات المؤلّف ألفاظ لم أجدها في الحديث. (المترجم)

(٣) كامل الزيارة : ٨٦ باب ٢٧ رقم ١٦ ، بحار الأنوار ٤٥ : ٢٢٧ رقم ١٧. ٠ هامش الأصل)

(٤) كامل الزيارات : ١٨٧. (المترجم) كامل الزيارات : ٩٢ باب ٢٨ رقم ١٨. (هامش الأصل)

٢٦٦

هـ ـ وفي كامل الزيارات أيضاً وساق السند إلى إسحاق بن عمّار قال : قلت لأبي عبدالله عليه السلام : إنّي كنت بالحائر ليلة عرفة وكنت أُصلّي وثمّ نحو من خمسين ألفاً من الناس ؛ جميلة وجوههم ، طيّبة روائحهم ، وأقبلوا يصلّون الليل أجمع ، فلمّا طلع الفجر سجدت ثمّ رفعت رأسي فلم أر منهم أحداً.

فقال لي أبو عبدالله عليه السلام : إنّه مرّ بالحسين عليه السلام خمسون ألف ملك وهو يقتل فعرجوا إلى السماء فأوحى الله تعالى إليهم : مررتم بابن حبيبي وهو يقتل فلم تنصروه؟ فاهبطوا إلى الأرض فاسكنوا عند قبره شعثاً غبراً إلى أن تقوم الساعة (١).

و ـ وفي العيون والأمالي عن الإمام الرضا عليه السلام في حديث الريّان بن شبيب : ولقد نزل إلى الأرض من الملائكة أربعة آلاف لنصره فلم يؤذن لهم فهم عند قبره شُعْثٌ غُبْرٌ إلى أن يقوم القائم عليه السلام فيكونون من أنصاره (٢).

ز ـ كامل الزيارات : نقل عن سليمان (٣) : وهل بقي في السماوات ملك لم ينزل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يعزّيه بولده الحسين عليه السلام ويخبره بثواب الله إيّاه ، ويحمل إليه تربته (٤) ..؟

ح ـ وفي كامل الزيارات عن ابن عبّاس رضي الله عنه قال : الملك الذي جاء إلى محمّد صلى الله عليه وآله يخبره بقتل الحسين عليه السلام كان جبرئيل عليه السلام الروح الأمين منشور الأجنحة ،

__________________

(١) كامل الزيارات : ٢٢٦. (المترجم) كامل الزيارات : ١١٥ باب ٣٩ رقم ٦ ، بحار الأنوار ٤٥ : ٢٢٦. (هامش الأصل)

(٢) عيون أخبار الرضا عليه السلام ٢ : ٢٦٨. (المترجم) عيون أخبار الرضا عليه السلام ١ : ٢٩٩ ، أمالي الصدوق : مجلس ٢٧ ، بحار الأنوار ٤٤ : ٢٨٦. (هامش الأصل)

(٣) الظاهر أنّه سليمان بن عبدالله أبو العلاء الغنوي الكوفي الذي ذكره الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق عليه السلام. (المترجم)

(٤) كامل الزيارات : ١٣١. (المترجم) كامل الزيارات : ٦١ باب ١٧ رقم ٨ ، بحار الأنوار ٤٤ : ٢٣٦ رقم ٢٧. (هامش الأصل)

٢٦٧

باكياً صارخاً قد حمل من تربة الحسين عليه السلام وهي تفوح كالمسك .. (فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : وتفلح أُمّتي تقتل فرخي أو قال : فرخ ابنتي! فقال جبرئيل : يضربها الله بالاختلاف فتختلف قلوبهم) (١). (٢)

ونقل الرواية في الكامل بسند آخر.

فصل

في الآثار والانقلابات التي حدثت في الفلك والفلكيّات عند وقوع هذه المصيبة العظمى والخطب الفادح وذكر عدد من أخبار الإماميّة ضاعف الله اقتدارها ونصر من لدنه أنصارها. وفي هذا الباب :

أ ـ في التفسير للشيخ الأجل الأوثق الأقدم قدوة الطائفة عليّ بن إبراهيم بن هاشم القمّي رضي الله عنه وأرضاه في تفسير الآية المباركة : (لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا) (٣) روى جابر عن باقر علوم النبيّين أنّه قال : لم يجعل الله ليحيى سميّاً من قبل ولا للحسين بن عليّ عليهما السلام ، وبكت السماء أربعين صباحاً وبكت عليه الشمس مثلها ، وبكاء الشمس طلوعها وغروبها في حمرة. وقيل : إنّ بكاء السماء بكاء أهلها وهم الملائكة.

وينبغي أن تكون العبارة الأخيرة لعليّ بن إبراهيم ، وأشار إلى ضعف الخبر بصيغة التضعيف «قيل» وهو ضعيف حقّاً إذ لا يوجد دليل على هذا التأويل بل الأخبار دالّة على بكائها بالمعنى الحقيقي كما سيظهر لك في تضاعيف هذا الشرح.

__________________

(١) كامل الزيارات : ١٣١ ولم ينقل المؤلّف ما وضعناه بين قوسين وهو تمام الحديث. (المترجم)

(٢) كامل الزيارات : ٦١ باب ١٧ رقم ٧. (هامش الأصل)

(٣) مريم : ٧.

٢٦٨

ب ـ في كامل الزيارة : عن رجل قال : سمعت أميرالمؤمنين عليه السلام وهو يقول في الرحبة وهو يتلو هذه الآية : (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ) (١) وخرج عليه الحسين عليه السلام من بعض أبواب المسجد ، فقال : أمّا إنّ هذا سيُقتل وتبكي عليه السماء والأرض (٢).

ج ـ وفي الأمالي والعلل أنّ ميثم التمّار قال لجبلّة المكّيّة : والله لتقتل هذه الأُمّة ابن بنت نبيّها في المحرّم لعشر يمضين منه وليتّخذنّ أعداء الله ذلك اليوم بركة وإنّ ذلك لكائن ... يا جبلة ، اعلمي أنّ الحسين بن عليّ عليهما السلام سيّدالشهداء يوم القيامة ولأصحابه على سائر الشهداء درجة. يا جبلّة ، إذا نظرت السماء حمراء كأنّها دم عبيط فاعلمي أنّ سيّدالشهداء الحسين قد قتل.

قالت جبلة : فخرجت ذات يوم فرايت الشمس على الحيطان كأنّها الملاحف المعصفرة فصحت حينئذٍ وبكيت وقلت : قد والله قُتل سيّدنا الحسين عليه السلام (٣). (٤)

د ـ وفي الأمالي والعيون عن الريّان بن شبيب عن الرضا عليه السلام أنّه قال : ولقد بكت السماوات والأرضون لقتله ... (٥).

هـ ـ وفي كامل الزيارة عن رجل من أهل بيت المقدس ونواحيها عشيّة قتل الحسين بن عليّ عليهما السلام ، قلت : وكيف ذاك؟ قال : ما رفعنا حجراً ولا مدراً ولا صخراً

__________________

(١) الدخان : ٢٩.

(٢) كامل الزيارة : ١٨٠ تحقيق جواد القيّومي ط اولى ١٤١٧ ، النشر الإسلامي نشر الفقاهة. (المترجم) كامل الزيارات : ٨٨ باب ٢٨ رقم ١. (هامش الأصل)

(٣) علل الشرايع ١ : ٢٢٨. ولم يذكر المؤلّف إلّا موضع الشاهد من الحديث وما سبقه فهو منّا. (المترجم)

(٤) أمالي الصدوق : مجلس ٢٧ رقم ١ ، علل الشرايع ١ : ٢١٧ ، بحار الأنوار ٤٥ : ٢٠٢. (هامش الأصل)

(٥) عيون أخبار الرضا عليه السلام ٢ : ٢٦٨ وهو جزء من حديث طويل. (المترجم) أمالي الصدوق : مجلس ٢٧ رقم ١ ، علل الشرايع ١ : ٢١٧ ، بحار الأنوار ٤٥ : ٢٠٢. (هامش الأصل)

٢٦٩

إلّا ورأينا تحتها دماً عبيطاً يغلي واحمرّت الحيطان كالعلق ، ومطرنا ثلاثة أيّام دماً عبيطاً .. (١).

و ـ وروى الشيخ الأجل الأعظم الأوثق عبدالله بن جعفر الحميري في (قرب الإسناد) عن حنان أنّ صادق آل محمّد قال : زوروا الحسين ولا تجفوه فإنّه سيّدالشهداء وسيّد شباب أهل الجنّة وشبيه يحيى بن زكريّا ، وعليهما بكت السماء والأرض (٢).

ز ـ في كامل الزيارة عن عليّ بن مسهّر القرشي قال : حدّثتني جدّتي أنّها أدركت الحسين بن عليّ حين قتل قالت : فمكثنا سنة وتسعة أشهر والسماء مثل العلقة مثل الدم ما ترى الشمس .. (٣).

ح ـ وفي الكامل أيضاً عن داود بن فرقد عن أبي عبدالله عليه السلام قال : احمرّت السماء حين قتل الحسين عليه السلام سنة ويحيى بن زكريّا وحمرتها بكائها .. (٤).

ط ـ في الكامل وساق السند إلى محمّد بن مسلمة عمّن حدّثه قال : لمّا قتل الحسين بن عليّ عليهما السلام أمطرت السماء تراباً أحمراً (٥).

__________________

(١) كامل الزيارات : ١٦٠. والسياق في الكامل يختلف عن سياق المؤلّف لأنّ المؤلّف نقل من موضع الشاهد من الحديث وترك الباقي وهو أهمّ ما في الحديث. (المترجم) كامل الزيارات : ٧٧ باب ٢٥ (٢٤) رقم ٢. (هامش الأصل)

(٢) قرب الإسناد : ٩٩. (المترجم) قرب الإسناد : ٦٦ ، بحار الأنوار ٤٥ : ٢٠١. (هامش الأصل)

(٣) كامل الزيارات : ١٨١. (المترجم) كامل الزيارات : ٨٩ باب ٢٨ ، بحار الأنوار ٤٥ : ٢١ رقم ٢. (هامش الأصل)

(٤) كامل الزيارات : ١٨٢. (المترجم) كامل الزيارات : ٨٩ باب ٢٨ ، بحار الأنوار ٤٥ : ٢١٠ رقم ٢١. (هامش الأصل)

(٥) كامل الزيارات : ١٨٣. (المترجم) كامل الزيارات : ٨٩ باب ٢٨ ، بحار الأنوار ٤٥ : ٢١١ رقم ٢٥. (هامش الأصل)

٢٧٠

ى ـ وأيضاً في كامل الزيارات بسنده إلى سيّد الساجدين أنّه قال : إنّ السماء لم تبك منذ وضعت إلّا على يحيى بن زكريّا والحسين بن عليّ عليهما السلام. قلت : أيّ شيء كان بكائها؟ قال : كانت إذا استقبلت بثوب وقع على الثوب شبه أثر البراغيث من الدم (١).

وأخبار من هذا اللون جمّة كثيرة وسوف نأتيكم قطعة منها في بيان عموم المصيبة ، وليس المقصود في هذا المختصر الإحاطة بجميعها ، وبهذا المقدار المبيّن في هذا المقام كفاية.

__________________

(١) كامل الزيارات : ١٨٤. (المترجم) كامل الزيارات : باب ٢٨ ، بحار الأنوار ٤٥ : ٢١١. (والبراغيث جمع برغوث وهو الكلك في الفارسيّة. (هامش الأصل)

٢٧١

فَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً أَسَّسَتْ أَسَاسَ الظُّلْمِ وَالْجَوْرِ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ..

ش ـ الفاء تفريعيّة وحقيقة التفريق إفادة دخول الحكم السابق في اللاحق ، وفي هذا المقام لمّا جرى ذكر المصيبة جرت من تذكّرها ثورة في النفس وهيجان وفار العداء لأعداء الله فاستحقّوا اللعن ، إذن لعظم المصيبة وجلال الخطب وكبر الرزيّة دخلٌ في هذا اللعن ..

وحقيقة المعنى تكون كما يلي : لمّا كان الأمر بهذه المثابة فلعن الله ذلك الفريق. وفاء التفريع معناه عكس معنى فاء التعليل ، مثل «اذربه فقد نام» وهذه بظاهرها جملة نحويّة ، وبالتدقيق الأدبي والتأمّل الأُصولي كلا الجملتين التفريعيّة والتعليليّة حكمهما واحد ، وحقيقتهما إفادة العلّيّة غاية الأمر أنّه في مكان يكون السابق علّة للاحق ، وفي مكان آخر يكون الأمر بالعكس.

لعن : ومعنى اللعن كما جاء في الأساس والنهاية وديوان الأدب وغيرها ، يستعمل للطرد والتبعيد من رحمة الله تعالى ، وهو كما في النهاية يعتبر دعاءاً وسبّاً إلّا أنّ في اعتقادي أنّه من قبيل (جزاء الله خيراً) وإجمال هذا الكلام تقدّم في بيان لفظ السلام ، وسيأتي نظيره في لفظ صلوات بمنّه وجوده.

الأُمّة : بمعنى الفرقة والجماعة ، وأحياناً تكون بمعنى الواحد كما في الحديث : يحشر قسّ أُمّة وحده (١). والمراد به قسّ بن ساعدة الأيادي المشهور بالفصاحة شهرة واسعة ، وفي المثل : «أفصح من قس» إشارة إليه ، ولقد بشّر بنبوّة النبيّ وإمامة الأئمّة الاثنى عشر قبل البعثة وأشعاره مذكورة في بطون الكتب ، وارتكب المعاصر المؤرّخ خطأ في تفسير هذه الكلمة واضحاً حين نزّلها على أبي طالب

__________________

(١) رحم الله قسّاً يحشر يوم القيامة أُمّة وحده (سفينة البحار : باب الثقاف وبعده السين ، بحار الأنوار ٤٤ : ٢٤٠). (هامش الأصل)

٢٧٢

كلاهما الخطبة المعروفة بخطبة المسجد التي أجابت بها نساء الأنصار وذكرت في الاحتجاج والبحار وناسخ التواريخ وغيرها وقد عزوها إلى ذلك الكتاب ... والكلمات كلّها تظلّم وإظهار الألم والصدمة النفسيّة ومنها حيث تقول فيها : «بئسما قدّمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليه وفي العذاب هم خالدون» (١).

وتكفي هذه الكلمات في إثبات المدّعى ، وإذا أردت طلباً للتفصيل ملاحظة واحد من هذه الكتب التي أشرنا إليها والتي ذكرت الخطبة تفصيلاً أو ترجمتها فإنّك سوف تصل بالتأمّل الوجداني إلى القطع بالحديث الصحيح قطعي الصدور المنقول في كتب الإماميّة مستفيضاً بل متواتراً من أنّ صادق آل محمّد قال : لمّا مات رسول الله ارتدّ الناس إلّا ثلاثة ـ وفي رواية : إلّا أربعة ـ : سلمان وأبوذر والمقداد وحذيفة ، وأمّا عمّار فإنّه حاص حيصة ثمّ عاد (٢).

وبعد ملاحظة هذه الأخبار نتوجّه جيّداً إلى أركان القضيّة العامّة : الصحابة كلّهم عدول ، وإنّها متزلزلة ما في ذلك ريب وهدم بنائها من أسّه ، ونرى من المناسب أن نطعّم هذا الفصل بعدد من الأخبار المرويّة في كتاب البخاري عن ارتداد الصحابة وفتنهم وبدعهم المستحدثة التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وآله أيّام حياته ، بصفة مختصرة «محض تسجيل الصواب وتحصيل الثواب» ونوردها بألفاظها من دون ترجمة كما وردت في الجامع ..

__________________

(١) بلاغات النساء : ١٩ ، أعلام النساء ٣ : ١٢١٩ ط دمشق وكتب أُخرى من العامّة تجد تفصيلها في إحقاق الحق ١٠ : ٣٠٦. (هامش الأصل)

(٢) روى حديث ارتداد الناس إلّا ثلاثة أو أربعة ، بحار الأنوار ٨ : ٥٠ أُفست. (هامش الأصل)

وأمّا حيصة عمّار فإن كانت الولاية فقد ولّي سلمان على المدائن حتّى مات فيها وإن كان أمر آخر فما هو هذا الأمر ليت شعري؟ إنّ عمّار بقي على السنّة متّبعاً خطى عليّ لم ينحرف عنه طرفة عين وهذا ما أدين الله به ومن اعتقد بغير هذا فليستغفر الله منه فإنّه الضلال بعينه ، صلّى الله على عمّار وصلّى الله على سلمان. (المترجم)

٢٧٣

أ ـ روى البخاري في باب الحوض عن عبدالله رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وآله قال : أنا فرطكم على الحوض وليرفعنّ رجال منكم ثمّ ليختلجنّ دوني فأقول : يا ربّ أصحابي ، فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك (١).

ب ـ عن حذيفة مثله (٢).

ج ـ عن أنس : عن النبيّ صلى الله عليه وآله : ليردنّ عليّ ناس من أصحابي حتّى إذا عرفتهم اختلجوا دوني أقول : أصحابي ، فيقول : لا تدري ما أحدثوا بعدك (٣).

د ـ أبو حازم عن سهل بن سعد قال : قال النبيّ صلى الله عليه وآله : إنّي فرطكم على الحوض ، من مرّ عليّ شرب ومن شرب لم يظمأ أبداً ، ليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ، ثمّ يحال بيني وبينهم.

قال أبو حازم : فسمعني النعمان بن أبي عيّاش فقال : هكذا سمعت من سهل؟ فقلت : نعم. فقال : أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها : فأقول : إنّهم منّي ، فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول : سحقاً سحقاً لمن غيّر بعدي.

وقال ابن عبّاس : سحقاً بُعداً ، يقال : سحيق بعيد ، سحقه وأسحقه أبعده.

هـ ـ عن أبي هريرة أنّه كان يحدّث رسول الله صلى الله عليه وآله قال : ليردّ عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلّئون عن الحوض ، فأقول : يا ربّي ، أصحابي ، فيقول : إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى.

__________________

(١) صحيح البخاري ٨ : ١١٩ باب الحوض ط أميريّة ، وصحيح مسلم ج ٧ باب الحوض ، والحميدي في الجمع بين صحيح مسلم والبخاري ، ومسند أحمد بن حنبل ٥ : ٣٣٣ و ٣٨٨ ط مصر ، ومثل هذه الروايات كثير تجد تفصيلها في بحار الأنوار ٨ : ٨ ط أُفست. (هامش الأصل)

(٢) نفسه.

(٣) نفسه.

٢٧٤

و ـ عن ابن المسيّب أنّه كان يحدّث عن أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قال : يردّ عليّ الحوض رجال من أصحابي فيحلّئون عنه فأقول : يا ربّ ، أصحابي؟ فيقول : إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى.

وقال شعيب عن الزهري : كان أبو هريرة يحدّث عن النبيّ صلى الله عليه وآله : يحلّون ، وقال عقيل : فيحلّئون.

ز ـ عن أبي هريرة عن النبي مثله.

ح ـ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله قال : بينا أنا قائم فإذا زمرة حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلمّ ، قلت : أين؟ قال : إلى النار والله. قلت : ما شأنهم؟ قال : إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى فلا أراه يخلص منهم إلّا مثل حمل [همل النعم] [همل ـ المصدر] النعم.

ط ـ عن ابن أبي مليكة ، عن أسماء بنت أبي بكر قالت : قال النبيّ صلى الله عليه وآله : إنّي على الحوض حتّى أنظر من يرد عليّ منكم وسيؤخذ ناس من دوني فأقول : يا ربّ ، منّي ومن أُمّتي. فيقال : هل شعرت ما عملوا بعدك والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم.

فكان ابن أبي مليكة يقول : إنّا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن عن ديننا.

وروي في كتاب الفتن عن ابن أبي مليكة عن أسماء عن النبيّ صلى الله عليه وآله قال : أنا على حوضي أنتظر من يرد عليّ فيؤخذ بناس من دوني فأقول : أمتي؟ فيقول : لا تدري مشوا على القهقرى.

قال ابن أبي مليكة : اللهمّ إنّا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن.

قلت : يمكن التعدّد في الاستماع من أسماء ، ويجوز أن تكون أسماء غير بنت أبي بكر والظاهر الوحدة لكن لفظ الثاني أوضح وأصرح.

ى : عن أبي حازم مثلما مرّ في باب الحوض.

٢٧٥

يا : عن عبدالله قال : قال النبيّ صلى الله عليه وآله : إنّكم سترون بعدي إثرة وأُموراً تنكرونها. قالوا : فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال : أدّوا إليهم حقّهم واسألوا الله حقّكم.

قلت : فيه إخبار باستثناء أعداء الله بقيء أهل البيت كما يوضحه كون الخطاب لابن عبّاس وفي ذيله أمر بالتقيّة ولزوم الصبر ، كما فيما قبله عن عبدالله بن يزيد : اصبروا حتّى تلقوني على حوضي.

يب : عن أُسامة بن زيد قال : أشرف النبيّ صلى الله عليه وآله على أطم من آطام المدينة ، فقال : هل ترون ما أرى؟ قالوا : لا. قال : فإنّي لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر.

يج ـ عن ابن المسيّب عن أبي هريرة : ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم ، القائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، من تشرّف لها تستشرفه ، فمن وجد فيها ملجأ أو ملاذاً فليعذّبه.

يد ـ أبو سلمة بن عبدالرحمان عن أبي هريرة مثله (١).

وفي المسألة في صحيح مسلم والترمذي وسائر الكتب أحادث أُخرى أوضح وأكثر صراحة ممّا تقدّم ، وهذا المقدار كافٍ في معرفة الحقّ للمسلم المتديّن ، ويعلم من هذه الأحاديث الأربعة عشر أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله أخبر عن ارتداد جماعة من أصحابه ، وقال : إنّ الفتن تقع ويكون القاعد فيها خيراً من القائم ، وقال : تقع الفتنة في بيوتكم كقطر المطر.

وقال لأهل بيته : ستسلب حقوقكم بعدي فاصبروا واحتملوا ثقل وطأتها.

فهل يرى منصف أنّ هذه الإشارات منه صلى الله عليه وآله إلى غير غصب الخلافة وظلم فاطمة؟ وهل يحتمل غيره؟ ومتى وقعت فتنة وبلاء شامل غير هذه الفتنة في

__________________

(١) ونورد لك أرقام الأحاديث من كتاب البخاري بعد ذكر رموزها : أ ـ رقم ٦٣٣٥ ، د ـ رقم ٦٧٩٧ ، ج ـ رقم ٦٣٤١ ، هـ ـ رقم ٦٣٤٤ ، ج ـ رثم ٦٣٤٦ ، ط ـ رقم ٦٣٥٢ ، يا ـ رقم ٦٧٩٨ ، يب ـ رقم ٦٨٠٦ ، يج ـ رقم ٦٨٢٦. (المترجم)

٢٧٦

الإسلام؟ ولعن الشيعة إنّما ينصب على المرتدّين والكفّار والظالمين ، وإلّا فأخيار الصحابة وخواصّ النبيّ صلى الله عليه وآله مثل سلمان وأبي ذر والمقداد وحذيفة وعمّار وأبوالهيثم بن التيهان وعمرو بن الحمق الخزاعي وحجر بن عدي وعدي بن حاتم سلام الله عليهم جميعاً أحبّ الخلق إلى الشيعة بعد الأئمّة عليهم السلام وصلوات الله عليهم ، ويرون وجوب احترامهم وتكريمهم في السرّ والعلانية ، ويرون من سبّ عموم الصحابة كافراً وتجب البرائة منه ، فتبيّن من هذا أنّ اتهام الشيعة بسبّ الصحابة كلّهم إنّما هو من مكائد الأعداء (سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) (١).

نعم ، لمّا اختلفت أحوال الصحابة كما سمعت ومن الآيات الكثيرة يفهم كما هو من الضرورة أنّ المنافقين لم ينقرضوا بموت رسول الله ، فكانت حال الناس بعد وفات النبي واحدة لا ميزة بينهم فلا يعرف الطيّب من الخبيث ، ولا المنافق من المؤمن ، ولا الثابت من المرتد.

أجل ، وضع الرسول بنفسه النفيسة ميزاناً صحيحاً وقطاساً مستقيماً لتميّزهم ، حيث علم بالتواتر من رواية الفريقين أنّه قال : إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا.

وقال في موضع آخر : مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلّف عنها غرق.

وقال في موضع آخر : الحقّ مع عليّ وعليّ مع الحق. رواه ابن مردويه الحافظ في غير واحد (٢).

__________________

(١) النور : ١٦.

(٢) ينابيع المودّة : ٩١ ط اسلامبول ، هذا الحديث نقله كثير من العامّة وتجد تفصيله في إحقاق الحقّ ٥ : ٦٢٥. (هامش الأصل)

٢٧٧

وفي موضع آخر يقول : اللهمّ أدِرِ الحقّ معه حيثما دار. رواه الترمذي في صحيحه (١).

وقال لعمّار : إن سلك الناس كلّهم وادياً وسلك عليّ وادياً فاسلك وادياً سلكه عليّ وخلّ الناس طرّاً. يا عمّار ، إنّ عليّاً لا يزال على هدى. يا عمّار ، إنّ طاعة عليّ من طاعتي وطاعتي من طاعة الله. رواه العلّامة من طرق الجمهور (٢).

وعلمائهم مثل ابن أبي الحديد وابن حجر وغيره اعترفوا بصحّة هذه الأحاديث إذاً فميزان الهالك والناجي وفاروق الحقّ والباطل هو عليّ وأولاده عليهم السلام فمن سالمهم من الصحابة وسار على هداهم نجى ، ومن خالفهم فهو الهالك ومن نصيب حزب الهالك. وقد أجاد القائل :

راز بگشا اى علىّ مرتضى

اى پس از سوء القضا حسن القضا

 چون تو بابى آن مدينه علم را

آفتابى آن شعاع حلم را

 باز باش اى باب رحمت تا ابد

بارگاه ماله كفواً احد

 تو ترازوى احد خود بوده اى

بل زبانه هر ترازو بوده اى

الترجمة :

يا أخا المرتضى أزح عن جبين

السرّ ستراً عن الورى أخفاه

 إنّما أنت للمدينة باب

أنت شمس للحلم أنت ضياه

 لم يزل مشرعاً إلى أبد الدهر

براه من لا له أشباه

 أنت ميزانه وفيك الموازين

تعالت قضى بذاك الله

__________________

(١) صحيح الترمذي ٣ : ١٦٦ ط داوي بمصر ، وهذا الحديث نقله كثير من العامّة وتفصيله في إحقاق الحقّ ٥ : ٦٢٥. (هامش الأصل)

(٢) مناقب الخوارزمي : ٦٣ ط تبريز ، إحقاق الحقّ ٨ : ٤٦١. (هامش الأصل)

٢٧٨

وفي ذلك أقول في موشّحة طنّانة نيروزيّة علويّة :

هو شاهين لميزان الرشاد

بل هو الميزان في يوم العباد

 وعلى عرفانه تجُزى العباد

بل هو الآخذ من هذا وذاك

يوم يدعوا كلّهم بالغين (١)

وهاهنا لطيفة منقولة من رجال الشيخ المقدّم أبي العبّاس النجاشي رضي الله عنه : إنّه حكى عن عبدالرحمان بن الحجّاج قال : كنّا في مجلس أبان بن تغلب فجائه شابّ فقال : يا أبا سعيد ، أخبرني كم شهد مع عليّ بن أبي طالب عليه السلام من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله؟

قال : فقال له أبان : كأنّك تريد أن تعرف فضل عليّ عليه السلام بمن تبعه من أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله؟

قال : فقال الرجل : هو ذاك.

فقال : والله ما عرفنا فضلهم إلّا باتّباعهم إيّاه.

قال : فقال أبو البلاد : عضّ بظر أُمّه ، رجل من الشيعة في أقصى الأرض وأدناه يموت أبان لا تدخل مصيبته عليه .. (٢).

قال : فقال أبان له : يا أبا البلاد ، أتدري من الشيعة؟ الشيعة الذين إذا اختلف الناس

__________________

(١) ديوان المؤلّف : ٣٣٠. أحسن المؤلّف في المعنى ولكنّه أغضب المرحوم سيبويه حين حذف النون من يدعو بلا دخول عامل عليه وهو المسكين من الأفعال الخمسة ، وأسقط شيخنا نونه بالقهر والقوّة. (المترجم)

(٢) أقول : ما أقلّ أدب أبي البلاد وما أجفاه ، كان عليه أن يدعو لأبان بطول العمر أو بشيء من هذا وأن لا يلفظ فوه هذه الكلمة القبيحة التي يربأ بنفسه العاقل عن النطق بها لا سيّما في مجلس فيه أبان وإن كان معناها ليس موحشاً كلفظها ، لأنّ معناها يزوّج أُمّه ويأكل صداقها. (المترجم)

٢٧٩

عن رسول الله صلى الله عليه وآله أخذوا بقول عليّ عليه السلام وإذا اختلف الناس عن عليّ أخذوا بقول جعفر بن محمّد عليهما السلام (١).

بل هاهنا كلام أعلى من هذا الكلام ومجمله : إنّ الشيعة من لا يسبّ أحداً من الصحابة ومن أجاز الشيعة لعنهم فليسوا من الصحابة لأنّ الصحابي هو الذي لقي النبيّ وآمن به وخرج من هذه الدنيا مؤمناً ، وإطلاق لفظ الأصحاب على غير هؤلاء هو من المجاز بقرينة العلاقة السابقة ولهذا نحن نصدّق بأخبار فضائل الصحابة جميعاً ونقول : هؤلاء ـ المنحرفون ـ خارجون عن عنوان الصحابة وشاهدنا النصّ الوارد عن خير الأنام صلى الله عليه وآله : قاتلوا عمّار ليسوا من أصحابي. وما من شكّ بأنّ معاوية وعمرو بن العاص وعبيدالله بن عمرو وجماعة أُخرى من الصحابة هم قاتلوه ولازم هذا الكلام أنّ معاوية أضرابه وأترابه لعنهم الله جميعاً ليسوا من الأصحاب.

وأمّا الحديث المشار إليه فإنّ أبا عمرو أحمد بن عبد ربّه المالكي الأندلسي رواه في كتاب «العقد الفريد» وساق السند إلى أُمّ سلمة أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قال لعمّار : يابن سميّة ، لا تقتلك أصحابي ولكن تقتلك الفئة الباغية (٢). وهذا الاستنباط من المواهب الالهيّة التي حبي بها هذا العبد فلم أعثر عليها في كتاب ولم أسمعها من أحد.

وخلاصة الكلام أنّ الخوض في مثل هذه المطالب من مناهج علم الكلام ، وفي هذا الشرح المختصر لا يقتضي أكثر من هذا البيان وستعثر على جملة من هذه الكلمات في تضاعيف الفصول القادمة إن شاء الله تعالى. ولله الحمد.

لباب الكلام في عدول الأصحاب وجورهم ذكر في فصول الرسالة المذكورة.

__________________

(١) رجال النجاشي : ١٢. (المترجم) النجاشي في بحث أبان ، ص ٩ ، ط مكتبة داوري. (هامش الأصل)

(٢) العقد الفريد ٢ : ٢٠٣ و ٢٠٤ ط الشرقيّة بمصر ، والحديث في هذا المورد منقول عن العامّة بطرق مختلفة تجد تفصيل ذلك في إحقاق الحقّ ٨ : ٤٢٢. (هامش الأصل)

٢٨٠