شفاء الصدور في شرح زيارة العاشوراء - ج ١

ميرزا أبي الفضل الطهراني

شفاء الصدور في شرح زيارة العاشوراء - ج ١

المؤلف:

ميرزا أبي الفضل الطهراني


المحقق: محمّد شعاع فاخر
المترجم: محمّد شعاع فاخر
الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: انتشارات المكتبة الحيدريّة
المطبعة: شريعت
الطبعة: ١
ISBN: 964-503-000-5
ISBN الدورة:
964-503-002-1

الصفحات: ٤٣٩
  نسخة غير مصححة

ومطيفون بمنزله ومحلّ إقامته في تلك الديار السعيدة كما جاء في الأخبار الكثيرة ويعلم منها أنّهم قالوا : شيعتنا معنا وفي درجتنا في الجنّة (١). وبناءاً على هذا تكون الأرواح هي نفسها باعتبار مصاحبتها الأبدان المثاليّة والأجساد البرزخيّة.

ويمكن أن يراد من الفناء مقام نفس سيّدالشهداء ودرجته الروحيّة والكماليّة التي نالت شرف هذا السموّ لدنوّها المعنوي من الأحديّة وجلالتها في حضرة الربوبيّة ، إذ لا بدع أن يصل هؤلاء الأصحاب ببركة هذا الإمام العظيم وبقوّة انجذابهم بهداية ذلك الولي المقتدر إلى تلك الرتبة الرفيعة والدرجة المنيعة ، كما كان يقول عليه السلام : ما رأيت أصحاباً أبرّ وأوفى من أصحابي. وكانوا كما قال عليه السلام لأنّ عقولهم تفتّحت على الحقّ فأصمّوا آذانهم عن كلّ نداء غير ندائه .. فما سمعوه ولن يسمعوه.

لمؤلّفه :

فبي وأبي هم من نفوس زكيّة

غدت في السبيل الحقّ منتهكات (٢)

تنبيه :

اختلف العلماء والمؤرّخون اختلافاً عظيماً في عدد الشهداء من أصحاب الحسين الذين كانوا في ركاب سعادته ولكن الشيخ المفيد قدس سره في كتاب الإرشاد ، وابن الأثير في الكامل (٣) ، والدياربكري في الخميس ، والقرماني في أخبار الدول وغيره وظاهر المحكي عن البلاذري والواقدي والمدائني والطابري وغيرهم من

__________________

(١) الريان بن شبيب بنقل عن الإمام الرضا عليه السلام ... أمالي الصدوق مجلس ٢٧ رقم ٥ ، عيون أخبار الرضا ١ : ٢٩٩. بحار الأنوار ٤٤ : ٢٨٦ رقم ٢٣. (هامش الأصل)

(٢) كريمة ديوان المؤلّف : ٣٧.

(٣) كامل ابن الأثير ٤ : ٨٠ ط بيروت. (هامش الأصل)

٢٤١

مهرة الصناعة المعتمد عندهم أنّهم اثنان وسبعون رجلاً ؛ الفرسان منهم اثنان وثلاثون ، والرجّالة أربعون.

ونقل صاحب العقد الفريد جملة عن زحر بن قيس لعنه الله تدلّ على أنّهم سبع وسبعون إنساناً ، ونسب هذه العبارة في حياة الحيوان وتاريخ الخميس إلى شمر بن ذي الجوشن لعنه الله ، ونقل في الإرشاد والفصول المهمّة عن زحر أيضاً أنّهم ثمانٍ وسبعون ، قال : ورد علينا الحسين في ثمانية عشر من أهل بيته وستّين من شيعته .. (١) وهذا يطابق ما نقله البحار عن محمّد بن أبي طالب من أنّ عدد الرؤوس ثمانٍ وسبعون رأساً (٢).

ويظهر من عبارة الكشّي في ترجمة حبيب عليه السلام أنّهم كانوا سبعين رجلاً بذلوا لهم الأموال وأعطوهم الأمان فلم يزدهم ذلك إلّا إصراراً على الموت وكانوا يستقبلون جبال الحديد وحدود السيوف والرماح بالنحور والصدور في حبّ سيّدالشهداء ، وبالطبع كان فيهم الصبي الذي لم يبلغ الحلم ، وهذا الخبر أقرب إلى رواية الثمانية والسبعين.

وفي مطالب السئول والفصول المهمّة أنّهم اثنان وثمانون رجلاً.

وفي مروج الذهب وشرح أبوالعبّاس الشريشي على مقامات الحريري أنّهم سبعٌ وثمانون.

واختار ابن الجوزي في رسالة الردّ على المتعصّب العنيد وسبطه والشيخ محمّد الصبّان في التذكرة والإسعاف أنّهم مائة وخمس وأربعون ؛ الفرسان منهم خمس وأربعون ، والرجال مائة راجل ، ونسب هذا العدد السيّد في اللهوف إلى الإمام الباقر عليه السلام.

__________________

(١) بحار الأنوار ٤٥ : ١٢٩ و ١٤٩. (هامش الأصل) وتمّت مطابقته. (المترجم)

(٢) بحار الأنوار ٤٥ : ٦٢. (هامش الأصل) جرت مطابقته. (المترجم)

٢٤٢

وقال أيضاً في تذكرة الخواص : وقال قوم : كان أصحاب الحسين عليه السلام سبعين فارساً ومائة راجل.

وروى السيّد الأجل الأزهد ابن طاووس رضي الله عنه في كتاب الإقبال رواية بسند حسن زيارة من الناحية المقدّسة تتضمّن أسامي الشهداء وأسامي قاتليهم لعنهم الله غالباً والإشارة إلى بعض الوقايع ونحن طلباً للبركة بهذه الزيارة وعموم نفعها ننقلها عينها من كتاب «الإقبال» (١) :

السلام عليك يا أوّلَ قتيلٍ من نسل خير سليل من سلالة إبراهيم الخليل ،

صلّى الله عليك وعلى أبيك إذ قال فيك : قتل الله قوماً قتلوك يا بُني ، ما

__________________

(١) والعبارة في الإقبال كما يلي : فصل فيما نذكره من زيارة الشهداء في يوم عاشوراء رويناها بإسنادنا إلى جدّي أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي رحمه الله قال : حدّثنا الشيخ أبو عبدالله محمّد بن أحمد بن عيّاش [الظاهر أحمد بن محمّد بن عيّاش معاصر الشيخ لكن نسختي من الإقبال ومن البحار كما ذكرت فنتّبع منه رحمه الله] قال : حدّثني الشيخ صالح أبو منصور بن عبدالمنعم بن النعمان البغدادي رحمه الله قال : خرج من الناحية [وظاهراً المراد بالناحية الإمام الحسن العسكري كما هو شايع في كثير من الأخبار مثل هذا الإطلاق لأنّ هذا التاريخ سابق على ولادة الإمام صاحب الزمان عليه السلام ـ منه رحمه الله] سنة اثنتين وخمسين ومأتين (١) على يد الشيخ محمّد بن غالب الاصفهاني حين وفاة أبي رحمه الله وكنت حديث السنّ وكتبت أستأذن في زيارة مولاي أبي عبدالله وزيارة الشهداء رضوان الله علهيم ، فخرج إليّ منه : «بسم الله الرحمان الرحيم ، إذا أردت زيارة الشهداء رضوان الله علهيم فقف عند رجلي الحسين وهو قبر عليّ بن الحسين صلوات الله عليهما فاستقبل القبلة بوجهك فإنّ هناك حومة الشهداء عليهم السلام وأوم وأشر إلى عليّ بن الحسين وقل : السلام ، إلى آخر الزيارة». (منه رحمه الله)

__________________

(١) هكذا في جميع النسخ إلّا أنّ هذا التاريخ لا يناسب ولادة وغيبة الإمام المهدي عليه السلام بفصل عدّة سنوات فيحتمل تصحيف الرقم ، أو أنّها وردت عن الإمام عليه السلام العسكري وقد ذكر العلّامة المجلسي هذين الاحتمالين في البحار ١٠١ : ٢٧٤ كما ذكر عوالم العلوم ٦٣ : ٧٨٧ مخطوط ، هذه الرواية تحت عنوان : الأخبار الأئمّة القائم أو أبيه. (المحقّق)

٢٤٣

أجرأهم على الرحمان وعلى انتهاك حرمة الرسول ، على الدنيا بعدك العفا ، كأنّي بك بين يديه ماثلاً وللكافرين قائلاً :

أنا عليّ بن الحسين بن علي

نحن وبيت الله أولى بالنبي

 أطعنكم بالرمح حتّى ينثني

أضربكم بالسيف أحمي عن أبي

 ضرب غلام هاشميّ عربي

والله لا يحكم فينا ابن الدعي

حتّى قضيت نحبك ، ولقيت ربّك ، أشهد أنّك أولى بالله وبرسوله ، وأنّك ابن رسوله وحجّته ودينه ، وابن حجّته وأمينه ، حكم الله على قاتلك مرّة بن منقذ بن النعمان العبدي لعنه الله وأخزاه ومن شركه في قتلك وكان عليك ظهيراً ، أصلاهم الله جهنّم وسائت مصيراً ، وجعلنا الله من ملاقيك ومرافقيك ومرافقي جدّك وأبيك وعمّك وأخيك وأُمّك المظلومة ، وأبرأ إلى الله من قاتليك ، وأسأل الله مرافقتك في دار الخلود ، وأبرأ إلى الله من أعائك أُولي الجحود ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

السلام على عبدالله بن الحسين الطفل الرضيع المرمي الصريع المتشحّط دماً ، المصعّد دمه في السماء ، المذبوح بالسهم في حجر أبيه ، لعن الله راميه حرملة بن كاهل الأسدي وذويه.

السلام على عبدالله بن أميرالمؤمنين مبلي البلاء ، والمنادي بالولاء في عرصة كربلاء ، المضروب مقبلاً ومدبراً ، لعن الله قاتله هاني بن ثبيت الحضرمي.

السلام على أبي الفضل العبّاس بن أميرالمؤمنين ، المواسي أخاه بنفسه ، الآخذ لغده من أمسه ، الفادي له ، الوافي الساعي إليه بمائه ، المقطوعة يداه ، لعن الله قاتليه يزيد بن الرقاد الجهني وحكيم بن الطفيل الطائي.

السلام على جعفر بن أميرالمؤمنين الصابر بنفسه محتسباً ، والنائي عن

٢٤٤

الأوطان مغترباً ، المستسلم للقتال ، المستقدم للنزال ، المكثور بالرجال ، لعن الله قاتله هاني بن ثبيت الحضرمي.

السلام على عثمان بن أميرالمؤمنين سميّ عثمان بن مظعون ، لعن الله راميه بالسهم خولي بن اليزيد الأصبحي الأيادي والأباني الدارمي.

السلام على محمّد بن أميرالمؤمنين قتيل الأيادي الدارمي لعنه الله وضاعف عليه العذاب الأليم ، وصلّى الله عليك يا محمّد وعلى أهل بيتك الصابرين. السلام على أبي بكر بن الحسن الزكي الولي المرمي بالسهم الردي ، لعن الله قاتله عبدالله بن عقبة الغنوي.

السلام على عبدالله بن الحسن الزكي ، لعن الله قاتله وراميه حرملة بن كاهل الأسدي.

السلام على القاسم بن الحسن بن علي المضروب على هامته ، المسلوب لامته حين نادى الحسين عمّه فجلى عليه عمّه كالصقر وهو يفحص برجليه التراب والحسين يقول : بُعداً لقوم قتلوك ومن خصمهم يوم القيامة فيك جدّك وأبوك ، ثمّ قال : عزّ والله على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك أو أن يجيبك وأنت قتيل جديل فلا ينفعك ، هذا والله يوم كثر واتره وقلّ ناصره ، جعلني الله معكما يوم جمعكما ، وبوّأني تبوّأكما ، ولعن الله قاتلك عمر بن سعد بن عروة بن نفيل الأزدي وأصلاه جحيماً وأعدّ له عذاباً.

السلام على عون بن عبدالله بن جعفر الطيّار في الجنان حليف الإيمان ومنازل الأقران ، الناصح للرحمان ، التالي للمثاني والقرآن ، لعن الله قاتله عبدالله بن قطبة النبهاني.

السلام على محمّد بن عبدالله بن جعفر الشاهد مكان أبيه ، والتالي لأخيه ، وواقيه ببدنه ، لعن الله قاتله عامر بن نهشل التميمي.

٢٤٥

السلام على جعفر بن عقيل ، لعن الله قاتله وراميه عمر بن خالد بن أسد الجهني.

السلام على القتيل ابن القتيل عبدالله بن مسلم بن عقيل ، ولعن الهل قاتله عامر ابن صعصعة [وقيل : أسد بن مالك].

السلام على أبي عبدالله بن مسلم بن عقيل ، ولعن الله قاتله وراميه عمر بن صبيح الصيداوي.

السلام على محمّد بن أبي سعيد بن عقيل ، ولعن الله قاتله لقيط بن ناشر [لقيط بن ياسر ـ خ ل] الجهني.

السلام على سليمان مولى الحسين بن أميرالمؤمنين ، ولعن الله قاتله سليمان ابن عوف الحضرمي.

السلام على قارب مولى الحسين بن عليّ عليهما السلام.

السلام على منجح مولى الحسين بن عليّ عليهما السلام.

السلام على مسلم بن عوسجة الأسدي القائل للحسين وقد أذن له بالانصراف : أنحن نخلّي عنك وبم نعتذر عند الله من أداء حقّك ، لا والله حتّى أكسر في صدورهم رمحي هذا ، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ، ولا أُفارقك ، ولو لم يكن معي سلاح أُقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة ، ولم أُفارقك حتّى أموت معك وكنت أوّل من شرى نفسه ، وأوّل شعيد شهد لله وقضى نحبه ففزت وربّ الكعبة ، شكر الله لك استقدامك ومواساتك إمامك إذ مشى إليك وأنت صريع فقال : يرحمك الله يا مسلم بن عوسجة ، وقرأ : ومنهم (مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (١) لعن الله

__________________

(١) الأحزاب : ٢٣.

٢٤٦

المشتركين في قتلك عبدالله الضبابي وعبدالله بن خشكارة البجلي ومسلم بن عبدالله الضبابي.

السلام على سعد بن عبدالله الحنفي القائل للحسين عليه السلام وقد أذن له في الانصراف : لا والله نخلّيك حتّى يعلم الله أنّا قد حفظنا غيبة رسول الله صلى الله عليه وآله فيك ، والله لو أعلم أنّي أُقتل ثمّ أُحيا ثمّ أُحرق ثمّ أُبعث حيّاً ثمّ أُذرى ويفعل بي سبعين مرّة ما فارقتك حتّى ألقى حمامي دونك وكيف أفعل ذلك وإنّما هي موتة أو قتلة واحدة ثمّ بعدها هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً ، فقد لقيت حمامكو واسيت إمامك ولقيت من الله الكرامة في دار المقامة ، حشرنا الله معك في المستشهدين ورزقنا مرافقتكم في أعلا علّيّين.

السلام على بشر بن عمرو الحضرمي ، شكر الله لك سعيك لقولك للحسين وقد أذن لك في الانصراف : أكلتني إذاً السباع حيّاً إن كان فارقتك وأسأل عنك الركبان ، وأخذلك مع قلّة الأعوان ، لا يكون هذا أبداً.

السلام على يزيد بن الحصين الهمداني المشرقي القاري المجدل بالمشرفي. السلام على عمرو بن كعب الأنصاري ، السلام على نعيم بن العجلان الأنصاري.

السلام على زهير بن القين البجلي ، القائل للحسين عليه السلام وقد أذن له في الانصراف : لا والله لا يكون ذلك أبداً ، أترك ابن رسول الله أسيراً في يد الأعداء وأنجو أنا؟ لا أراني الله ذلك اليوم.

السلام على عمرو بن قرظة الأنصاري ، السلام على حبيب بن مظاهر الأسدي ، السلام على الحرّ بن يزيد الرياحي ، السلام على عبدالله بن عمير الكلبي ، السلام على نافع بن هلال بن نافع البجلي المرادي ، السلام على أنس ابن كاهل الأسدي ، السلام على قيس بن مسهّر الصيداوي ، السلام على جون

٢٤٧

ابن حوى مولى أبي ذر الغفاري ، السلام على شبيب بن عبدالله النهشلي ، السلام على الحجّاج بن زيد السعدي.

السلام على قاسط وكردوس (كرش ـ خ ل) ابني زهير التغلبيّين ، السلام على كنانة بن عتيق ، السلام على ضرغامة بن مالك ، السلام على حوي بن مالك الضبعي ، السلام على زيد بن ثبيت القيسي ، السلام على عبدالله وعبيدالله ابني يزيد بن ثبيت القيني (القيسي ـ خ ل) ، السلام على عامر بن مسلم ، السلام على قعنب بن عمرو التمري ، السلام على سالم مولى عامر بن مسلم ، السلام على سيف بن مالك ، السلام على زهير بن بشر الخثعمي ، السلام على زيد بن معقل الجعفي.

السلام على مسعود بن الحجّاج وأبيه ، السلام على مجمع بن عبدالله العائذي ، السلام على عمّار بن حسّان بن شريح الطائي ، السلام على حبّاب ابن الحارث السلماني الأزدي ، السلام على جندب بن حجر الخولاني ، السلام على عمر بن خالد الصيداوي ، السلام على سعيد مولاه ، السلام على يزيد بن زياد بن مهاصر الكندي ، السلام على زاهد مولى عمرو بن الحمق الخزاعي ، السلام على جبلة بن علي الشيباني ، السلام على سالم مولى بني المدينة الكلبي ، السلام على أسلم بن كثير الأزدي الأعرج ، السلام على زهير ابن سليم الأزدي ، السلام على قاسم بن حبيب الأزدي ، السلام على عمرو بن جندب الحضرمي ، السلام على أبي ثمامة عمر بن عبدالله الصائدي ، السلام على حنظلة بن سعد الشبامي ، السلام على عبدالرحمان بن عبدالله بن الكدر الأرحبي ، السلام على عمّار بن أبي سلامة الهمداني.

السلام على عابس بن أبي شبيب الشاكري ، السلام على شوذب مولى شاكر ، السلام على شبيب بن الحارث بن سريع ، السلام على مالك بن عبدالله بن

٢٤٨

سريع ، السلام على الجريح المأسور سوار بن أبي حمير الفهمي الهمداني ، السلام على المرتب معه عمرو بن عبدالله الجندعي.

السلام عليكم يا خير أنصار الله ، السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ، بوّأكم الله مبوّأ الأبرار ، أشهد لقد كشف الله لكم الغطاء ، ومهّد لكم الوطاء ونحن لكم خلطاء في دار البقاء ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (١).

وهذه الزيارة مؤيّدة لأقوال ابن طلحة وابن الصبّاغ لأنّ عدد الأسماء المذكورة فيها بلغت اثنين وثمانين اسماً وفي جملتهم الطالبيّون السبعة عشره وهي الرواية الأشهر كما رويت عن الباقر عليه السلام وإنّه قال : قتل من أولاد فاطمة سبعة عشر إنساناً (٢).

ونقل ابن عبد ربّه في (العقد) بواسطة روح عن زحر بن قيس الجعفي لعنه الله في مجلس يزيد ، كما ذكر ابن عبد ربّه بواسطة أبي الحسن المدائني عن الحسن البصري أنّ قتلى أولاد أبي طالب عليهم السلام ستّة عشر نفساً ويؤيّده شعر سراقة الباهلي حيث يقول :

عين بكّي بعبرة وعويلي

واندبي إن ندبت آل الرسول

 تسعة منهم لصلب عليٍّ

قد أُصيبوا وسبعة لعقيلي

وفي البحار (٣) عن المناقب القديمة عن بستان الطرف نقل نفس الخبر وقال : وفي رواية أُخرى أنّ الحسن بلغ بهم سبعة عشر.

وفي رواية ألعيون والأمالي عن الريّان بن شبيب خال المعتصم الخليفة العبّاسي عن الإمام الرضا عليه السلام أنّهم ثمانية عشر نفساً (٤).

__________________

(١) بحار الأنوار ٤٥ : ٦٥ نقلاً عن الإقبال. (هامش الأصل)

(٢) بحار الأنوار ٤٥ : ٦٣ ط لبنان. (هامش الأصل)

(٣) بحار الأنوار ٤٥ : ٦٤ ط لبنان. (هامش الأصل)

(٤) العيون ١ : ٢٩٩ باب ٢٨ ح ٥٨ نشر رضا مشهدى.

٢٤٩

ويقول سبط ابن الجوزي : حاصل الروايات والأقوال أنّ القتلى تسعة عشر ، وذكر خبراً عن محمّد بن الحنفيّة يؤيّد دعواه.

ويقول ابن أبي الحديد في ذيل كلام الجاحظ حول مفاخرة بني هاشم بكثره القتلى : قلت : هذا أيضاً من تحامل أبي عثمان ، هلّا ذكر قتلى الطفّ وهم عشرون سيّداً من بيت واحد قُتلوا في ساعة واحدة! وهذا ما لم يقع مثله في الدنيا ؛ لا في العرب ولا في العجم ... (١).

ونقل عن أبي الفرج في مقاتل الطالبيين : إنّ القدر المسلّم أنّهم اثنان وعشرون شهيداً (٢).

وقال ابن شهرآشوب وصاحب المناقب ومحمّد بن أبي طالب : اختلفوا في عدد المقتولين من أهل البيت عليهم السلام فالأكثرون على أنّهم كانوا سبعة وعشرين (٣).

وفي مصباح الشيخ الطوسي رحمه الله عن الصادق عليه السلام : تجلّت الهيجاء عن آل رسول

__________________

وفي رواية ابن عبّاس عن أميرالمؤمنين عليه السلام : يدفن الحسين عليه السلام فيها وسبعة عشر رجلاً من ولدي وولد فاطمة وإنّها لفي السماوات معروفة (بحار الأنوار ٤٤ : ٢٥٣ عن أمالي الصدوق المجلس ٨٧ رقم ٥) وفي رواية كمال الدين .. عن مجاهد عن ابن عبّاس عن أميرالمؤمنين عليه السلام : وهذه أرض كرب وبلاء يُدفن فيها الحسين وتسعة عشر كلّهم من ولدي وولد فاطمة (إثبات الهداة ٢ : ٤١٢).

وفي رواية معاوية بن وهب عن جعفر بن محمّد قال : يا شيخ ، ذاك دم يطلب الله تعالى به ما أصيب من ولد فاطمة عليها السلام ولا يُصابون بمثل الحسين ولقد قتل عليه السلام في سبعة عشر من أهل بيته نصحوا لله ... (بحار الأنوار ٤٥ : ٣١٣ نقلاً عن أمالي المفيد).

وفي كامل ابن الأثير ٤ : ٨٣ : فدخل زحر بن قيس على يزيد فقال : ما وراءك؟ فقال : ابشر يا أميرالمؤمنين بفتح الله وبنصره! ورد ورد علينا الحسين بن عليّ في ثمانية عشر من أهل بيته وستّين من شيعته. (هامش الأصل)

(١) شرح نهج البلاغة ١٥ : ٢٥١. (المترجم)

(٢) مقاتل الطالبيين : ٦٧ ، بحار الأنوار ٤٥ : ٦٣ ط لبنان.

(٤) بحار الأنوار ٤٥ : ٦٢. (المترجم) وفي هامش الأصل : ثمانٍ وعشرون.

٢٥٠

الله صلى الله عليه وآله وانكشفت الملحمة عنهم وفي الأرض منهم ثلاثون صريعاً .. (١). (٢)

وأكثر هذه الأقوال يمكن جمعها حيث تكون حجّة أو مظنونة الاعتبار لأنّ في بعضها ورد القول : أولاد فاطمة ، والظاهر انّ المراد منها فاطمة بنت أسد وتساوق لفظ «طالبي» وفي بعضها آل الرسول وهو أعمّ من أولاد أبي طالب لأنّه يشمل أولاد أبي لهب أيضاً ففي بعض الأخبار أنّهم حضروا واقعة الطفّ ، وزيارة الناحية ليست صريحة في انحصارهم.

ولكن بنظري القاصر أنّ رواية العيون والمحاسن أقوى من غيرها لأنّ سندها صحيح ومعتمد وهي مطابقة لما قاله وزحر وشمر لعنهما الله في رواية الإرشاد وحياة الحيوان والفصول المهمّة وتاريخ الخميس وكانا في المعركة ، وتوافق رواية السيّد في اللهوف عن سيّد الساجدين عليه السلام حيث قال : رأيت أبي وأخي وسبعة عشر من أهل بيتي مضرّجين على رمضاء كربلاء ، وكذلك رواية البحار عن دلائل الإمامة عن سعيد بن المسيّب : لمّا بلغ عبدالله بن عمر قتل الحسين وثمانية عشر من أهل بيته ، ركب إلى الشام ، ولام يزيد على ذلك فأراه يزيد كتاب أبيه فرضي وسكت ، بالتفصيل الذي لا موقع لذكره الآن (٣).

ويمكن ردّ رواية محمّد بن الحنفيّة إلى هذه الرواية لأنّه قال : قتل تسعة عشر شابّاً من شباب آل محمّد كلّهم ركضوا في بطن فاطمة. ويدخل في هذا العنوان سيّدالشهداء أيضاً. وكلمة شباب الواردة في الرواية إنّما هي للتغليب لأنّ بعضهم في سنّ اللبن ، ولا يبعد أنّ من أوصلهم إلى سبعة عشر لم يعدّ عبدالله الرضيع

__________________

(١) مصباح المتهجّد : ٧٨٢ ولم يتوجّه المؤلّف إلى قول الإمام عليه السلام في مواليهم إذ أنّهم ومواليهم المقتولين معهم يشكّلون هذا العدد. (المترجم)

(٢) مصباح المتهجّد : ٥٤٨ ، بحار الأنوار ٤٥ : ٦٦ عنه. (هامش الأصل)

(٣) بحار الأنوار ٨ : ٢٢٠ مجلّد الفتن والمحن ط أُفست. (هامش الأصل)

٢٥١

منهم ، إذن بالاستناد إلى هذا القول يقرب المعنى كما أنّ شعر سراقة الباهلي يمكن أن تكون الكلمة الثانية (سبعة لعقيل) مصحّفة عن تسعة كما هي في الأُولى (تسعة منهم لصلب عليّ) وهذا التصحيف كثيراً ما يحصل في الروايات ، كما حدث في بعض المقاتل اليوم حيث كتب الاثنين «سبعة» وهذا مخالف للنسخ المتعدّدة المعتبرة كما أنّ تصحيف تسعة إلى سبعة وسبعين وتسعين وبالعكس كثير ، لذلك رأيت السيوطي في أدب المحاضرة والسحابة كثيراً ما يضبط اللفظة فيقول على سبيل المثال : سبعين ـ بالسين قبل الباء ـ.

ومن هذا الباب ما وقع في تصحيف خمسة وتسعين يوماً بعد وفاة النبيّ الذي يوافق الثالث من جمادى الثانية ، والموافق لرواية الشيخ المفيد وأبي جعفر الطبري وابن طاووس والعلّامة والشهيد والكفعمي في وفاة الصدّيقة الطاهرة فاطمة عليها السلام ، رواية الخمسة والسبعين يوماً ، وهي رواية معروفة ، ونوكل هذا التفصيل إلى موضع آخر ، والله أعلم بالصواب.

٢٥٢

عَلَيْكُمْ مِنِّي سَلامُ اللهِ (١)

__________________

(١) «عليك منّي سلام الله» وهنا أربعة أسئلة تفرض نفسها على الباحث :

١ ـ كيف يدرك الزائر معنى سلام الله ويبلغه الإمام عليه السلام.

٢ ـ لماذا يقول «سلام الله» ولا يقول «سلامي».

٣ ـ كيف يبلغ سلام الله من قبله.

٤ ـ عندما يعمد الإنسان إلى تبليغ سلام الله لابدّ من انعتاقه من ذاته وتجرّده عن صفاته ليتمحّض في وجوده لوجه الله وينظر بنور الولاية.

ومن أراد إبلاغ سلام الله لابدّ من نظره إلى ذاته على أنّه مجرّد ظلّ ، فكيف الجمع بين هاتين النظرتين : نظرة المحو والصحو ، فهو من الجهة الاُولى يتجرّد عن ذاته ولا يشعر لها بوجود ، ومن الجهة الاُخرى يحسّ بها إحساساً ثانويّاً ظلّياً ، والفرق واضح بين الإحساس وعدمه.

ونقول في الجواب عن الأوّل : لا يرتاب أحد في لزوم إدراك معنى سلام الله لمن أراد إبلاغه فلا يتيسّر ذلك لعامّة الناس لاسيّما ذوي الرتب الدانية فصاحبها يكلّف شططاً حين يؤمر بتبليغ ما لا يدرك ولا يعرف ، وتصبح المسألة عنده مرادفة للّغو من دون درك للحقيقة وإن لم يعدم الأجر والثواب على كلّ حال ، وعلينا أن نخاطب الإمام بهذه العبارة كما يقال في الصلاة وسائر العبادات الاُخرى.

ولكن الزائر حين يلقى باله ويلقى نظره المعنوي إلى أصل نور الولاية من غير لواحق أو ملصقات كما أوضحه الكبار في موضعه يمكنه إدراك معنى سلام الله ، ومن ثَمّ إبلاغه :

گر به اين محجوب روئى آورى

پرده خود بينى از من بر درى

 نور رويت گر كفيل ما شود

ظلمت خود بينى از ما مى رود

 إذا أقبلت يوماً من الحقّ نظرة

واُوشك للمحجوب أن يهتك السترا

 وخلّي الأنانيّات يربو ظلامها

فتلك خشار لا يباع ولا يشرى

 فيطرد نور الحقّ عنه ظلامه

ويغدو بلبل الذات يطلعه بدرا

وتفكّروا في هذه الآيات والروايات.

(نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) [التحريم : ٨] (وَأَنِ اعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ) [يس : ٦١] وبناءاً على قرائة أهل البيت عليهم السلام فإنّهم قرأوا : (هَـٰذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) [الحجر : ٤١] ، (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّـهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) [النور : ٤٠] «والمؤمن ينظر بنور الله» ، «بنوره عاداه الجاهلون» ، «بنوره آمن به المؤمن» ، «المؤمن نور ، مخرجه نور ، ومدخله نور ، كلامه نور ، منظره يوم القيامة إلى نور» ، «قلب

٢٥٣

أَبَداً مَا بَقِيتُ وَبَقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ (١)

__________________

المؤمن عرش الرحمن» ، «والعرش معدن أنوار الله» و...

وأمّا الجواب عن السؤال الثاني ، نقول : في هذه العبارة نوع من الخضوع والتواضع كأنّما الزائر يقول : لمّا كان سلامي زهيداً لا يعدل شيئاً ، فليس من اللائق أن اُقدّمه للمولى ، ولكن سلام الله يليق بجنابه لذلك أقدمه له هديّة ، كما قال الشاعر :

سلام من الرحمن نحو جنابه

فإنّ سلامي لا يليق ببابه

 درود خدا بر جنابش بود

سلامم نه لايق به بابش بود

وأمّا الجواب عن السؤال الثالث : لمّا كان الوافد للزيارة يهوى أن يقدّم هديّة لمولاه لكي يزداد عنده قرباً بهذه الوسيلة فلم يجد أجدر به من سلام الله ، فيقول : سلام الله عليك منّي أقدّمه هديّة لجنابك.

ويقال في الجواب عن السؤال الرابع : إنّ من استضاء بنور الحقّ وصار نورانيّاً ومصداقاً من مصاديق الآية الشريفة (يَهْدِي اللَّـهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ) [النور : ٣٥] واستطاع المخاطبة بلسان الحال : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فإنّ شخصاً كهذا بإمكانه تبليغ سلام الله فيقول : «عليك منّي سلام الله ...». (المحقق)

(١) «أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار ..».

١ ـ الأبد معناه الدهر .. لأنّ الإنسان مخلوق للبقاء وحقيقته دهريّة ، والأبد عمر الدهر ومدّته ، وحينئذٍ يريد من الله تعالى أن يدوم هذا السلام ويتخطّى الدنيا والآخرة ويبقى بقاء الدهر. وبناءاً على هذا يكون «أبداً» ظرفاً لما بقيت مقدّماً عليه «وبقي الليل والنهار» وهما ميزان الزمان. ومعنى قوله «أبداً» أي ما دام الزمان ودام الليل والنهار فإنّ هذا السلام باقٍ. وخلاصة المعنى طبقاً لهذا الاحتمال يكون كما يلي : سلامي عليك ما بقيت ببقاء الدهر وبقاء الليل والنهار وهما بقاء الزمان.

٢ ـ الأبد يأتي بمعنى الزمان الطويل ، كما احتمل ذلك الشيخ الطريحي (١). وبناءاً على هذا يكون معنى العبارة كما يلي : من حين زيارتي إلى آخر عمري وما دام لليل والنهار بقاء ووجود فهذا السلام باقٍ وموجود.

٣ ـ الأبد : ما لا آخر له ، ويقابل ما لا أوّل له ، وهو ذات الربوبيّة ، وبناءاً على هذا الاحتمال يكون المعنى كما يأتي : سلامي عليك إلى ما لا نهاية من يومي زيارتي إلى آخر وجودي وما دام الليل والنهار. (المحقق)

__________________

(١) عبارة الطريحي هكذا : وعن الراغب الأمد والأبد متقاربان لكن الأبد عبارة عن مدّة الزمان التي ليس لها حدّ محدود ولا يتقيّد يقال : أبداً كذا. والأمد مدّة محصورة إذا اُطلق وينحصر نحو أن يقال : أمد كذا. (مجمع البحرين ١ : ٩٩ ـ المترجم)

٢٥٤

المنصوب في هذه العبارة على الحاليّة ومؤكّد للعموم المستفاد من ضمير الجمع وفي الحال المؤكّدة لا يلزم تقييد مضمون الجملة بل لا يماشى المعنى ومن هذا القبيل : (لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا) (١) وصرّح في الصحاح بأنّ جميعاً مؤكّدة وهي منصوبة على الحاليّة كما في الكشّاف وتفسير القاضي وغيرها ، وفي هذا المثال يستفاد من القضيّة أنّ الحال مؤكّدة تأكيد العموم وهذا يعتبر من تنبيهات ابن هشام.

أبد : الظاهر أنّه مشتقّ من «الأبود» ومعناه الإقامة في مكان واستعماله بمعنى الدهر والدائم والقديم من هذا المعنى. وفيما نحن فيه جائت بمعنى الدائم الأبدي وهذا الدوام المأخوذ في العبارة ظاهره على الحقيقة ، ودليله القول التالي : «ما بقي الليل والنهار» لأنّ ذلك كناية عن التأبيد كما يستعمل الأشباه والنظائر له في هذا المعنى.

وأبداً منصوبة على الظرفيّة و «ما» في قوله : «ما بقيت» زمانيّة مصدريّة أي مدّة بقائي وبقاء الليل والنهار ، ويمكن أن تكون الكلمة لتأبيد السلام وقيداً للمبتدأ حيث أنّ التأبيدات والشرايط المتعارفة في الشعر من هذا القبيل ، وهذا المعنى أقرب وأنسب.

ويمكن أن يقال في تأبيد معنى «عليكم منّي» أنّه الإهداء والإرسال ، أي أنّ سلام الله من جانبي عليكم ، ويكون المعنى على هذا الوجه أنّ حالي على هذا المنوال من دوام التسليم واستمراره عليكم ، على وجه ان كان دائماً فأنا المسلّم وهذا السلام الإجمالي منزل تنزيل السلام المستمر التفصيلي عرفاً وشرعاً واعتباراً.

وهذا المعنى بعيدٌ كما هو الظاهر البيّن.

__________________

(١) يونس : ٩٩.

٢٥٥

وفي لفظ «منّي سلام الله» احتمالان :

الأوّل : إنزال الإنسان نفسه منزلة من يحمل سلام الله ويدّعي ذلك ويؤدّي سلام الله باعتباره يرى سلامه لا يليق بالمقام فهو يحمل سلام الله مكانه ، كهذا الشعر الذي أنشده البهائي في ديباجة بعض رسائله وصرّح بالجهة التي بيّناها :

سلام من الرحمان نحو جنابكم

فإنّ سلامي لا يليق ببابكم

وهذا الشعر وإن كان ضعيفاً إلّا أنّنا استشهدنا بمعناه (١).

والاحتمال الآخر : أنّ قول «سلام الله عليكم» دعاء بأن يرسل الله السلام عليهم ، ولمّا كان توجّه الداعي سبباً لهذه الرحمة والتسليم لهذا يعتبر هذا السلام ابتداءاً من الداعي وجاز له على هذا الوجه أن يقول منّي ، وفي السلام احتمالان :

الأوّل : أن يكون بمنزلة الصلاة المراد منه الرحمة لأنّ السلام تحيّة ، وتحيّة الله إكرام وإعظام من جانبه سبحانه وبلوغ المسلّم عليه إلى درجة القرب المعنوي ونزول أمطار الرحمة على أراضي الأرواح والأشباح.

والاحتمال الآخر : معناه التسليم بمعنى أنّ الله تعالى طهّره وزكّاه من جميع العيوب المتصوّرة وحفظه من فقد الكمالات المترقّبة وأن يوصله إلى المعارج الرفيعة ، ولمّا كان بهذه المثابة كان حرماً آمناً ووسيلة محكمة ، وبهذا السبب يتمّ الارتباط الوثيق والمناسبة الثابتة بين المسلِّم والمسلَّم عليه حتّى أصبح رجاءاً للشفاعة وأملاً لوصول المثوبات العظيمة.

وفي جواز السلام على غير النبي وانتفاعه بهذا السلام بحث نرجئه إلى شرح كلمة «صلّى الله عليه وآله وسلّم» المذكورة في الزيارة.

__________________

(١) لست أرى فيه ضعفاً بل على العكس هو قويم مبتكر ولكن المؤلّف قرنه بشخصيّة قائله فبدى ضعيفاً لعظم هذه الشخصيّة. (المترجم)

٢٥٦

التنبيه :

هذه العبارة الشريفة من صناعات البديع تستعمل على صنعة «الالتفات» وهو عبارة عن الانتقال من أُسلوب الخطاب إلى أُسلوب الغيبة ، وذلك بالتكلّم بأحدهما أو عكسه ، وهذا له دخل كبير في تحرّك خاطر المستمع وتطرية نشاطه وتوقّد ذهنه وحسن تصدّيه للاستماع كما أنّ له تأثيراً غريباً عليه ، وهو شايع في النظم العربي والفارسي ومنه الكثير وارد في القرآن الكريم كما جاء في قوله تعالى : (وَاللَّـهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ) (١) وفي القرآن أيضاً : (حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ) (٢).

وقال جرير في شعره :

متى كان الخيام بذي طلوح

سقيت الغيث أيّتها الخيام

وشمس الشعراء سروس راست :

زكلك او يكى خط خطه را زير حكم كرد

الا اى كلك خواجه قوت وفعل وقدر دارى

وفي هذه القصيدة عدد من الأبيات فيها هذه الصنعة. واحتواء هذه العبارة الشريفة على هذه الصنعة لا تحتاج إلى بيان لأنّه كان يخاطب الأصحاب وفجئة انقلب إلى الغيبة ثمّ انتقل بعدها من الغياب إلى الخطاب ، ثمّ سلّم عليهم حيث أنّ التوجّه إليه يزداد بعد ذكر الأصحاب حتّى يحضرهم في الذهن ويخاطبهم كما في قوله تعالى : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) وهو قريب من هذا الوجه.

فائدة :

أشرنا فيما سبق إلى أنّ في العبارة تأبيداً ، وفي العربيّة عبارات وجمل تدلّ على

__________________

(١) فاطر : ٩.

(٢) يونس : ٢٢.

٢٥٧

التأبيد تجري علس ألسنة الفصحاء وعبائر العرب العرباء وهي متداولة بينهم ، ويأتون بها عندما يؤبّدون ، ونحن نذكر منها عدداً محدوداً ونختار العبارة ذات الجرس العذب واللفظ الفصيح ، والقرب من الأفهام :

الف ـ لا أفعل ذلك أبداً ما اختلف العصران.

ب ـ ما كرّ الجديدان.

ج ـ ما اختلف الملوان.

د ـ ما اصطحب الفرقدان.

هـ ـ ما تعاقب العصران والفتيان.

و ـ ما لاح النيّران.

ز ـ ما حنّت النيب.

ح ـ ما أورق العود.

ط ـ ما دعا الله داع.

ى ـ ما عنّ في السماء نجم.

يا ـ ما طلع الفجر.

يب ـ ما بلّ بحر صوف.

يج ـ ما هتفت حمامة.

يد ـ ما لاح عارض.

يه ـ ما ذرّ شارق.

يو ـ ما ناح قمري.

يز ـ ما أن كان في الفرات قطرة.

يح ـ حتّى يحنّ الضبّ في أثر الإبل الصادرة.

٢٥٨

يط ـ ما اختلف الدرّة والحرّة (١).

ك ـ ما اختلف الأجدّان.

كا ـ ما غرّد الحمام.

كب ـ ولا أفعله أخرى الليالي.

كج ـ حتّى يرد الضب.

كد ـ ما أطت الإبل.

كه ـ ما خوى الليل والنهار.

كو ـ ما حدّ الليل والنهار.

كز ـ أبد الدهر.

كح ـ أبد الآبدين.

كط ـ أبد الآباد.

ل ـ سنّ الحسل (٢).

وهذه ثلاثون كلمة اخترتها من كتاب «مزهر اللغة» لجلال الدين السيوطي وكتاب «الألفاظ الكتابيّة» لعبدالرحمان بن عيسى الهمداني ، ووجدتها مستعملة في ألسنة أرباب الفصاحة والبلاغة. وهناك ألفاظ أُخرى ليست جامعة للشرايط أعرضنا عنها ومن أراد المزيد فعليه الرجوع إلى كتابين هما : «إصلاح المنطق» لابن السكّيت ، و «تهذيب الإصلاح» للخطيب التبريزي (٣).

__________________

(١) اختلافها أنّ الدرّة تسفل والحرّة تعلو (منه رحمه الله). (هامش الأصل)

(٢) أي حتّى يسقط سنّ الحسل وهو ولد الضبّ ولا يسقط سنّه أبداً. (هامش الأصل)

(٣) وسوف يأتي من هذا كثير في كلام الإمام الصادق في ذيل «مع إمام منصور أهل بيت محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم». (هامش الأصل)

٢٥٩

يَا أَبا عَبْدِاللهِ لَقَدْ عَظُمَتِ الرَّزِيَّةُ وَجَلَّتْ الْمُصِيبَةُ بِكَ عَلَيْنا وَعَلَى جَمِيْعِ أَهْلِ الْإِسْلامِ ..

الشرح : الجلال والعظمة كما جاء في كثير من كتب اللغة وغيرها أنّهما مترادفان وكلاهما بمعنى الكبر ـ بكسر الكاف وفتح الباء ـ ولكن ما توصّلنا إليه بحسب الاستعمال أنّ العظمة تقابل الصغر ، والجلالة تقابل الدقّة ، كما يقال : «ماله دقّ ولا جلّ ، ولا دقيقة ولا جليلة ، وأتيته فما أدقّني ولا أجلّني». ويقول العلماء : النظر الدقيق والنظر الجليل ، وإن وقع كثير منهم في الخطأ فقالوا : النظر الجلي.

يقول الفيّومي في المصباح : «الدقيق خلاف الجليل». وفي مكان آخر يوضع الغليظ ضدّ الدقيق ، وهذا لا يستقيم في ميزان النظر لأنّ لازم ذلك أن يكون الغليظ والجليل بمعنى كما هو ظاهر الفارابي في ديوان الأدب ، لأنّه فسّر العظم بالضخامة والضخامة بالغلظة ، ويرفع هذا الإشكال بما يلي :

.. إنّ بناء علماء اللغة ليس على تحقيق وتحديد المعاني الحقيقيّة ، لأنّ هذا الأمر لا يمكن أن يتصيَّد من استعمال واحد ، وإحياناً يكون المعنى في نفس الإنسان حاضراً ولكنّه لا يجد الألفاظ التي تفيء بأدائه لكي يعبّر بها عندما يصوغ عباراته للأفهام. لهذا عبّر اللغويّون بلوازم المعاني أو بالمعاني القريبة من المقصود التي تحوم حول المراد ونزلت عباراتهم على مقدار الأفهام وتفاوت السلائق ، نظماً ونثراً ، فعبّروا بها ، من هذه الجهة وجد الاختلاف الفاحش بين اثنين من علماء اللغة في تفسير المعنى للفظ واحد مع أنّ المحقّق البصير يدرك أن لا خلاف وإنّما أدّى كلّ واحد منهما لازماً لملزوم مشترك وحقّق معناه ، وغالباً يعمد الأُدباء وهم أبناء بجدة اللغة وفقهاء لسان العرب إلى تحمّل المشاقّ في تتبّع هذه المعاني وتحصيلها ، ومن كان عالماً بهذه الحال ملمّاً بطرق الاستعمال وله

٢٦٠