شفاء الصدور في شرح زيارة العاشوراء - ج ١

ميرزا أبي الفضل الطهراني

شفاء الصدور في شرح زيارة العاشوراء - ج ١

المؤلف:

ميرزا أبي الفضل الطهراني


المحقق: محمّد شعاع فاخر
المترجم: محمّد شعاع فاخر
الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: انتشارات المكتبة الحيدريّة
المطبعة: شريعت
الطبعة: ١
ISBN: 964-503-000-5
ISBN الدورة:
964-503-002-1

الصفحات: ٤٣٩
  نسخة غير مصححة

والأخبار حول المعنى لا تُعدّ ولات حصى ولكنّنا نضع بين يدي هذا البحث حديثاً مباركاً جاء في أمالي الصدوق رضي الله عنه عن الحسن بن زياد العطّار وهو كما يلي ، يقول :

قلت لأبي عبدالله عليه السلام : قول رسول الله صلى الله عليه وآله : فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة ، أسيّدة نساء عالمها؟ قال : تيك مريم وفاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة من الأوّلين والآخرين (فقال : فقول رسول الله صلى الله عليه وآله : الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة؟ قال : هما والله سيّدا شباب أهل الجنّة من الأوّلين والآخرين ...) (١) وروى نفس الحديث في البحار عن المناقب ولكنّه رواه مرسلاً (٢).

والانصاف أنّ كلّ مسلم يجب عليه أن يمعن التفكير في مريم وفاطمة عليها السلام فهل لمريم أب كالمصطفى وبعل كالمرتضى وشبل كالحسن المجتبى والحسين سيّدالشهداء؟

وممّا لا شكّ فيه أنّ فاطمة أحبّ إلى رسول الله من مريم ومأة مثل مريم ، وإذا أمعنت النظر في فضائلها وعلمت أنّ النبيّ كان يكثر من شمّها وتقبيلها وكان إذا أراد سفراً فإنّ آخر من يودّعه فاطمة ، وفي كلّ ليلة لا يغمض له جفن إذا لم يقبّل وجهها وكان يقوم لمقدمها ويجلس أعلى المجلس حتّى اعترضت عائشة على ذلك مراراً ، وقالت : لم تفعل هذا؟! فيقول لها : إنّي أشمّ رائحة الجنّة. وكثيراً ما كان يقول : فاطمة بضعة منّي ، وفاطمة روحي التي بين جنبي ، وفاطمة فؤادي وقلبي ، وغيرها من الفضائل التي لا تنفد بمرور السنين والأعوام ، فإذا راجعت ما تقدّم بتمعّن وتدبّر علمت أنّ فاطمة عليها السلام أفضل خلق الله حتّى لأنبياء والمرسلين ، لأنّ

__________________

(١) بحار الأنوار ٤٣ : ٢١ ح ١٠. (هامش الأصل والمترجم ، والزيادة بين قوسين من المترجم).

(٢) بحار الأنوار ٤٣ : ٣٧ رقم ٤٠. (هامش الأصل)

٢٢١

النبيّ صلى الله عليه وآله أفضلهم جميعاً وللجزء حكم الكلّ (١).

أُمّ من بنت من حليلة من

ويل من سن ظلمها وأذاها

* * *

__________________

(١) كفى في سموّ شأن الزهراء سلام الله عليها كلام خالقها : «لولا فاطمة لما خلقتكما» روي عن الشيخ إبراهيم بن الحسن الذرّاق عن الشيخ علي بن هلال الجزائري ، عن الشيخ أحمد بن فهد الحلّي ، عن الشيخ زين العبادين عليّ بن الحسن الخازن الحائري ، عن الشيخ أبي عبدالله محمّد بن كّي الشهيد بطرقه المتصلة إلى أبي جعفر محمّد بن عليّ بن موسى بن بابويه القمّي بطريقه إلى جابر بن يزيد الجعفي عن جابر بن عبدالله الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وآله عن الله تبارك وتعالى أنّه قال : يا أحمد ، لولاك لما خلقت الأفلاك ، ولولا عليّ لما خلقتك ، ولولا فاطمة لما خلقتكما. ثمّ قال جابر : هذا من الأسرار التي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله بكتمانه إلّا من أهله. الجنّة العاصمة لميرجهاني : ١٤٩ نقلاً عن كشف اللئالي لصالح بن عبدالوهّاب بن العرندس. ومؤلّف كتاب كشف اللئالي من علماء القرن التاسع من علماء الشيعة كان عالماً ناسكاً زاهداً ورعاً أديباً شاعراً ، توفّي سنة ٨٤٠ ودفن في الحلّة الفيحاء ومدفنه مزار يتبرّك به ورجال الحديث من كبار الشيعة ، راجع : جنّة العاصمة : ١٤٩.

٢٢٢

السَّلامُ عَلَيْكَ يَا ثارَ اللهِ وَابْنَ ثارِهِ .. (١)

__________________

(١) «السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره» ينحصر توجّه الإنسان إلى أولياء الحقّ ومظاهره ومحاله التامّة بوجهين :

الأوّل : النظر إليهم بعين الاستقلال وإنّهم كمحمّد وعليّ ، هم الله سبحانه وما إلى ذلك وهذه ال طريقة هي الكفر والإلحاد ، وجرت الإشارة إلى ذلك من النبيّ إلى ذلك كقوله صلى الله عليه وآله : أنا عبدالله مرزوق ومخلوق.

ويقول أميرالمؤمنين : أنا عبد من عبيد محمّد صلى الله عليه وآله (١).

ويقول الإمام الصادق عليه السلام : لو عرفت الله بمحمّد ما عبدته ، وإنّ الله أجلّ من أن يعرف بخلقه (٢).

الوجه الثاني : التوجّه إلى مقام نورانيّة الأولياء لا بنحو استقلالهم بل لأنّهم مظاهر نور الله ، ولا يبدو لهم ذات للناظر مستقلّة عن هذا اللحاظ ، لذلك نحن حين نخاطبهم ، نقول : من عرفكم فقد عرف الله ، وجاء في أقوالهم عليهم السلام : بنا عُرف الله ، وبنا عُبِد الاله ، وبنا وُحِّد الله (٣). وأبى الله أن يعرف إلّا بالرجال.

ومن هنا يقول الله تعالى : (اللَّـهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي اللَّـهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ) (٤) لاسيّما إذا اُخذ تفسير الآية من المأثور عن أهل البيت عليهم السلام فإنّ المراد من المصباح والزجاجة محمّد وآل محمّد صلى الله عليه وآله ، لأنّه عندما يلمح النور منعتقاً من حجاب الزجاجة لا يعيرها الناظر إليها اهتماماً بل ينحصر همّه في مشاهدة النور ، كما يقول أميرالمؤمنين عليه السلام : «يا سلمان يا جندب ، معرفتي بالنورانيّة هي معرفة الله ومعرفة الله هي معرفتي» (٥) وكذلك يقول عليه السلام : «من رآني فقد رأى الحقّ» (٦) ومن عرفكم فقد عرف الله ، ومعرفة الله هي معرفة كلّ أهل زمانٍ إمامهم. وقول أميرالمؤمنين عليه السلام : «أنا الأوّل وأنا الآخر وأنا الظاهر وأنا الباطن ، وأنا يد

__________________

(١) «إنّما أنا عبد من عبيد محمّد صلى الله عليه وآله» ٣ : ٢٨٣. (المترجم)

(٢) تجد هذه العبارة من كلام السيّد نعمة الله الجزائري في كتاب «نور البراهين» ٢ : ١١٣. (المترجم)

(٣) بحار الأنوار ٢٦ : ٢٦٠ ، وعُبِدالله مكان وُحِّد. (المترجم)

(٤) النور : ٣٥.

(٥) حديث طويل في الجزء السادس والعشرين من بحار الأنوار ص ١. (المترجم)

(٦) بحار الانوار ٥٨ : ٢٣٥ وتمامه : «فإنّ الشيطان لا يترائى بي» فليس الغرض من هذا القول حيث ذهب الكاتب. (المترجم)

٢٢٣

اعلم بأنّ الثأر في لغة العرب كما ورد في (أساس اللغة) والصحاح ومختار الصاح والألفاظ الكتابيّة معناه : الضغن ، وطلب الضغن ، وبهذه الملاحظة استعمل بمعنى الثأر للدم وبمعنى الدم ، وفسّره في القاموس بهذا المعنى ، والأصحّ ما ذكرناه في الاستعمال لأنّ القاموس لا يوثق به ولا يعتمد عليه في مثل هذه الأُمور. وعلى كلّ حال فالاستعمال جارٍ بمعنى الدم وطلب الدم.

والمعنى الثاني هو المعنى المصدري ، يقولون : ثأرت حميمي وثأرت فلاناً بحميمي يعني طلبت بدمه أو بواسطته كما ورد ذلك في أساس البلاغة وغيرها.

إذاً ، فالمطالب «ثائر» والقتيل مثئور ومثئور به وكذلك المطلوب وهو القائل يسمّى المثأور. والعبارة الثانية ثأرت فلاناً بحميمي.

وأحياناً يدعى الثار بالطالب وهذا المعنى حمله في النهاية على حذف المضاف وانتقال حركته إلى المضاف إليه وفي المثل «يا لثارات الحسين». وبناءاً على ما ذهب إليه صاحب النهاية ، تقديره : يا أهل ثارات الحسين يعني الطالبون بدم الحسين عليه السلام.

وأحياناً يطلق الثأر على القاتل ، وفي النهاية أوّل هذا المعنى على وجه «مموضع الثأر» أو بحذف المضاف أو على المجاز بمعنى الملابسة والحلول ، وعلى هذا

__________________

الله واُذن الله وعين الله» يمكن أن تطبّق على مثل هذه المعاني ، ومع ملاحظتها نقرأ في زيارة عاشوراء : «السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره».

لأنّ النظر إلى ذلك الدم وآثاره وبركاته العجيبة لم يكن في الأصل إليه ولا المعوّل في الحقيقة عليه وإنّما يجتازه البصر إلى الحقّ فيراه من خلاله ، وما المقصود بهذه الرؤية رؤية البصر بل البصيرة والوجدان ، لأنّه لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار.

وفي مقابل ذلك يمكن أن نخاطب البرابرة الذين قذفت بهم الصحراء ، والعفاريت الأرجاس كمعاوية ونغله يزيد ، فنقول : يا دم الشيطان وابن دم الشيطان ، ويا يد الشيطان ولسان الشيطان ، ويا بعيداً عن الإنسانيّة لأنّهما ما لا يملكان من الصفات غير الشيطنة والدنس والكبرياء الفارغة. (المحقّق)

٢٢٤

يراد من المقال المذور استنهاض القبيلة من أجل بيان فداحة الأمر وتقريعها لتنفصل بذلك عن الأنصار ويعرف حالها.

ونقل الزمخشري أنّ استعمال الثأر هنا بمعنى الطالب من قبيل استعمال المصدر في اسم ال فاعل مثل عدل ، وفي الثاني من قبيل استعمال المصدر في اسم المفعول مثل «صيد» وفي «يالثارات الحسين» الثار معناه نفس الذحل والدم وصيحتهم بهذا الشعار كأنّهم يقولون : يا دماء الحسين تجمّعي اليوم فإنّه وقت الطلب ، وهذا الكلام من رأسه إلى قدمه غاية في المتانة ونهاية في القوّة وما هو بحاجة إلى تكلّف ابن الأثير.

واحتمال آخر في معنى الثار أنّه بمعنى الطالب وهو مخفّف من ثائر نظير شاكٍ مخفّف من شائك ، وبناءاً على هذا تحذف الهمزة منه وتبقى ألف الفاعل واللازم نطقها بالألف غير المهموزة بخلاف الوجوه السابقة حيث أنّ الكلمة المهموزة لأنّ الأصل فيها الهمزة ويؤتى بالألف تخفيفاً وإن كان الغالب في استعمالها بالألف ، ومن هذه الجهة ضبطت في جميع كتب المزار بالألف الليّنة ، ولا إشكال في ذلك ، وهذا الاحتمال وإن كان بعيداً إلّا أنّه أولى من احتمال ابن الأثير.

فإذا عرفت هذه المقدّمة فاعلم أنّ في المسألة وجوهاً محتملة :

الأوّل : يستفاد من كلام الفاضل المتبحّر المحدّث المجلسي قدس سره في مزار البحار أنّ «ثار» بمعناه المصدري ولفظ أهل محذوف مقدّر وإضافته إلى لفظ الجلالة إضافة المصدر إلى الفاعل يعني يا من هو أهل لأن يطلب الله بدمه ، وهذا خلاف الظاهر وتقديره خلاف الأصل.

الثاني : ما احتمله الشيخ الجليل فخرالدين الطريحي في مجمع البحرين أنّه مصحّف من «ثاير» وهذا مذكور في البحار أيضاً ولم يذكر أحد لهذا الوجه تقريباً ويمكن أن تكون إضافة «ثائر» إلى الله بتقدير اللام أي في سبيل الله وفي سبيل الله

٢٢٥

طالب بالدم. ويمكن أن يكون طلبه بالدم نظراً لمن قتل قبله من أصحابه وأولاده أو بالنظر إلى الدماء البريئة التي أُريقت في زمن معاوية ويزيد.

وعلى هذا تقرير «وابن ثاره» يوجّه. وهناك وجوه واعتبارات يمكن تمشّيها في الإضافة ولكنّها بعيدة جدّاً ، وهذا الوجه مختلّ لفظاً ومعنىً.

أمّا لفظاً فالالتزام بالتصحيف مع اتفاق النسخ الصحيحة على عبارة واحدة غريب مع كونه لا حاجة ماسّة تدعو إلى هذا الاعتبار لأنّك علمت ما ذهب إليه الزمخشري وابن الأثير من جواز استعمال «ثار» بمعنى ثائر ، وكان في كلام الزمخشري وجهان ، وأنّ هذين المحدّثين العليمين لم يطّلعا على عبارة الأساس والنهاية وإن لم يكونا اطّلعا فمن المستبعد الالتزام بالتصحيف.

وأمّا بحسب المعنى فظاهر فإنّ هذا اللقب ليس بهذا الاعتبار لاسيّما وجود قرائن في بعض الزيارات على خلاف هذا المعنى نظير قوله : «في السماوات والأرض» وهذه الجملة تأتي بعد قوله : «الوتر الموتور» والظاهر رجوع اللفظ إلى الاثنين معاً حيث لا يتفق مع هذا الاحتمال.

ووجه آخر مذكور في مشكلات العلوم للفاضل النراقي وليس فيه شيء زائد على هذا المعنى وإن كان لم يشرح بيان الدلالة كما ينبغي ، ونحن طلباً للاختصار نعرض عن ذكره ونقده.

الوجه الثالث : أنّ الثأر بمعنى الدم والكلام مبنيٌّ على التنزيل والتقدير يعني لو كان لله دمٌ لكنت ، وهذا من قبيل عين الله وجنب الله ويد الله ، وهذا الوجه لا أرى أنّي عثرت عليه عند أحدٍ ولكنّه لا يبعد لأنّه ليس معنى الثأر مطلق الدم بل الدم المراق الذي يطلب له القصاص كما هو ظاهر بيّن للمتتبّع (١).

__________________

(١) الظاهر لا وجه لكلام المصنّف هنا إذ الثأر بمعنى الدم ويمكن أن نأتي بموارد حول ذلك :

٢٢٦

__________________

قال الحسن بن عليّ عليهما السلام : نعم ، اجتمعتم على جهل ، وخرق منكم فزعمتم أنّ محمّداً صنبور ـ أي أبتر لا عقب له ـ والعرب قاطبة تبغضه ولا طالب له بثأره (١).

وفي هذا استعمل الثار في مطلق الدم فإنّه بعد لم يهرق حتّى يقال الدم المهراق ، وعلى هذا فالمعنى أنّه ليس لرسول الله صلى الله عليه وآله طالب لدمه لو أريق ، وهذه المعاني مستفادة بتعدّد الدال.

٢ ـ قال الحسن بن عليّ أيضاً مخاطباً لعتبة بن أبي سفيان : وأمّا وعيدك إيّاي بقتلي فهلّا قتلت الذي وجدته على فراشك مع حليلتك وقد غلبك على فرجها وشركك في ولدها حتّى ألصق بك ولداً ليس لك لو شغلت نفسك بطلب ثأرك منه كنت جديراً وبذلك حريّاً ، إذ تسومني القتل وتوعّدني (٢).

وفي هذا الحديث يقول : «طلب ثأرك منه» أي طلب الدم الذي له صلة بك ، ولك أن تقتصّ من أجله ، ولو كان المراد من الثأر الدم المهراق فما من حاجة لكلمة طلب ولا إلى كاف الخطاب بل يكفي أن يقول له : لو شغلت بالثأر.

٣ ـ وقال ابن عبّاس مخاطباً لابن الزبير : فلا شيء أعجب عندي من طلبتك ودّي وقد قتلت ولد أبي وسيفك يقطر من دمي وأنت أحد ثأري فإن شاء الله لا يبطل لديك دمي ولا تسبقني بثأري وإن سبقتني في الدنيا فقيل ذلك ما قتل النبيّون وآل النبيّين فيطلب الله بدمائهم فكفى بالله للمظلومين ناصراً ومن المظلومين منتقماً فلا يعجبك إن ظفرت بنا اليوم فنظفر بك يوماً (٣).

والظاهر من الثأر هنا الدم وبتعدّد الدوال نعرف أنّه الدم الذي يتّصل بي ولي أن أقتصّ منك به وشاهده قوله : «لا يبطل لديك دمي» و «فيبطل الله دمائهم» حيث جاء بالدم بدلاً من الثأر.

٤ ـ قال رسول المختار : المختار يقرء عليك السلام ويقول لك : يابن رسول الله قد بلغك الله ثأرك ، ففعل الرسول ذلك ، وقال : الحمد لله الذي أجاب دعوتي وبلّغني ثأري من قتلة أبي ، ودعا للمختار (٤).

٥ ـ قالت فاطمة الصغيرة بلسان الحال :

__________________

(١) بحار الأنوار ٤٣ : ٣٣٥ ط طهران. (هامش الأصل) ٤٣ : ٣٣٥ ط بيروت. (المترجم)

(٢) بحار الأنوار ٤٤ : ٨٢. (هامش الأصل) صحّ التطبيق. (المترجم)

(٣) بحار الأنوار ٤٥ : ٣٢٤. (هامش الأصل) والظاهر أنّ الخطاب مع يزيد لعنه الله ووقع ابن الزبير لعنه الله هنا خطأً.

(٤) بحار الأنوار ٤٥ : ٥٣. (هامش الأصل)

٢٢٧

الوجه الرابع : اعتبار «ثار» بمعنى منثور كما ورد في كلام الزمخشري ولكن ليس بمعنى القاتل بل المقتول بل القتيل كما ورد نظير قول القائل ثأرت حميمي ، ويكون المعنى هكذا : أيّها القتيل الذي يطالب الله بدمه. يؤيّد هذا المعنى عبارة الزيارة الواردة في كامل الزيارة عن يونس بن ظبيان عن صادق آل محمّد عليه السلام أنّه قال : السلام عليك يا قتيل الله ، أي القتيل الذي يطلب الله بدمه.

ومجمل القول : أنّ المبعد لهذا الاحتمال هو عدم استعمال اللغويّين له ، ولم يصرّح أحد منهم بجواز استعماله وإن لم يمنع من القياس اللغوي ، وله أشباه ونظائر موفورة في اللغة.

الوجه الخامس : أنّ «ثار» بمعنى الدم المطلوب وإضافته إلى الله لأنّه المخصوص بالطلب به وهو وليّه الحقيقي ، وهذا أوجه المعاني وتكون الإضافة هنا بمعنى اللام على الوجه المتعارف ، والعجيب أنّي لم أعثر على من ذكر هذا الوجه مع استقامة معناه بصفة تامّة وانطباقه على القواعد ، وجريانه مع الأذواق السليمة.

__________________

تنادي جدّها يا جدّانا

طلبنا بعد فقدك بالذحول (١)

والذحول جمع الذحل يقال طلب بذحله أي بثأره فيعلم أنّ الذحل والثأر بمعنىً. وأمّا قوله : إنّ الثأر بمعنى الدم المهراق فغير صحيح لاستعمال الذحل بدل الثأر أيضاً فتأمّل. (المحقّق)

__________________

(١) نفسه ٤٥ : ٢٤٩. (هامش الأصل)

٢٢٨

وَالْوِتْرَ الْمَوْتُورَ ..

الشرح : الوتر معطوف على الثار المنادى المضاف المنصوب فهو منصوب أيضاً بالتبع ، في الأصل بمعنى وجاء بمعنى الذحل أيضاً وهو الضغينة والدم وجاء بمعنى النقص والجناية وقتل الأقارب.

ويقول في الصحاح : الوتر بالكسر : الفرد ، والوتر بالفتح الذحل ، هذه لغة أهل العالية ، فأمّا لغة أهل الحجاز فبالضدّ منهم ، وأمّا تميم فبالكسر فيهما .. (١).

وفي المصباح عن الأزهري عكس كلام الصحاح في لغة الحجاز والعالية (٢) والأصل في جميع المعاني المذكورة هو الوتر بمعنى الفرد حيث أنّ كلّ زوج إذا أصبح فرداً يكون ناقصاً ومثله من يقتل منه قتيل يصير فرداً ، والجناية عائدة إلى هذا النقص ، والذحل وهو العداوة والنقص والدم يرجع إلى قتل الأقرباء وبالإمكان استفادة هذا المعنى من عبارة أساس البالغة.

والموتور معناه من بقي فرداً ومن أُصيب بقتل واحد من أقربائه.

وفي الصحاح : الموتور : الذي قُتل له قتيل فلم يدرك بدمه (٣).

ومن هذا الباب قولهم : فلان طلّاب أوتار وترات ، ومنه الحديث : «بكم يدرك الله ترة كلّ مؤمن (٤).

__________________

(١) صحاح الجوهري ٢ : ٨٤٢ مادة وتر.

(٢) هذا ما قاله صاحب المصباح المنير : الوتر الفرد ، والوتر الذحل بالكسر فيهما لتميم ، وبفتح العدد وكسر الذحل لأهل العالية ، وبالعكس وهو فتح الذحل وكسر الفرد لأهل الحجاز (المصباح المنير ٢ : ٦٤٧). (المترجم)

(٣) صحاح الجوهري ٢ : ٨٤٣.

(٤) مجمع البحرين في لغة ثار ، وكامل الزيارات ، وبحار الأنوار ١٠١ : ١٥٣ ط طهران ، ومفاتيح الجنان باب

٢٢٩

وفي مجمع البحرين وقع تصحيف سوف نتكلّم عنه تفصيلاً إن شاء الله في ذيل شرح هذه العبارة ، ويمكن استخراج ثلاث احتمالات من لفظ الزيارة :

الأوّل : الوتر بمعنى الفرد والموتور من معناه ويكون تأكيداً لسابقه مثل حجر محجور ، و «برد بارد» و «يوم أيوم» و «موت مائت» و «ليل أليل» و «شعر شاعر» وهذا المعنى وإن ذكره في البحار ومشكلات العلوم ولكنّه في نظر هذا العبد لله بعيد عن الصواب كثيراً لأنّه ليس بينه وبين الكلمة السابقة أيّة مناسبة وهو وارد في الزيارات المشار إليها أيضاً «السلام عليك يا وتر الله» وتوجيهه بالمتفرّد بالكمالات والمتميّز من نوع البشر في عصره مع إضافته إلى لفظ الجلالة لا يتلائم جدّاً وإن ورد في البحار.

الثاني : لمّا كان الوتر بمعنى الفرد والموتور من قتل منه قتيل ، فيكون المعنى : يا أيّها الفرد الذي قُتل أقربائك ، وهذا المعنى مذكور في الكتابين السابقين وهو أقرب من المعنى الأوّل ولكنّه ينافي فقرة الزيارة المذكورة ثمّ هو غريب بحدّ ذاته.

الثالث : ما تبادر إلى ذهني من معنى الوتر بأنّه الدم المسفوك (١) وفحوى هذه العبارة هي : يا أيّها القتيل الذين أقربائه وأصحابه ـ كما أقمنا الترجمة على هذا المعنى ، والإضافة إلى الله بهذا المعنى مناسب جدّاً لأنّه قتيلٌ في سبيل الله كما قيل له : قتيل الله.

__________________

الزيارات المطلقة للإمام الحسين عليه السلام. وفي البيان والتبيين ٢ : ٥٠ ط الاستقامة بمصر قال : في رواية جعفر ابن محمّد عن آبائه : ألا إنّ أبرار عترتي وأطاليب أُرومتي أحلم الناس ... وإنّ بنا تدرك ترة كلّ مؤمن ، وبنا تقطع ربقة الذلّ عن أعناقكم ، وبنا غنم وبنا فتح الله وبنا يختم لا بكم ..

(١) ورد معنى الوتر بمعنى الدم كما جاء في كامل الزيارة الباب ١٠٨ نوادر الزيارات حديث ١٤ ص ٢٣٤ : لمّا قتل الحسين عليه السلام سمع أهلنا قائلاً يقول بالمدينة : اليوم نزل البلاء على هذه الأُمّة فلا ترون فرحاً حتّى يقوم قائمكم فيشفي صدوركم ، ويقتل عدوّكم ، وينال بالوتر أوتاراً ؛ ففزعوا منه.

٢٣٠

فائدة استطراديّة :

في مجمع البحرين في مادّة ثار يقول : إنّ في الحديث : «إذا خرج القائم يطلب بدم الحسين ويقول : نحن أولياء الدم طلّاب الترة» (١) ومثله حديث وصف الأئمّة : «بكم يدرك الله ترة كلّ مؤمن» (٢) ولم ينقل في أيّ كتاب من كتب اللغة ثرة ـ بالثاء ـ ، وما من قياس يبيح لنا تبديل ثأر المهموز بـ «الثرة» وهذا المحدّث المتبحّر نفسه ذكر الحديث الثاني في مادة وتر ، وهذا تصحيف غريب جدّاً ، وضرره على اللغة أكثر من أيّ مكان آخر لأنّ كتب اللغة إنّما وضعت ليحتجّ بها وتكون مرجعاً للجميع وأكثر أهل العلم غفل عن مثل هذه التصحيفات ، فأقام قواعده العلميّة على كلمات من هذا الطراز ، وربّما ترتّب عليه خطأ أكبر في الدين والدنيا ، ولم أجد كتاباً في اللغة لحدّ الآن أكثر أخطاء من القاموس وكتاب مجمع البحرين ، ففيهما كثير من الأخطاء والتصحيفات لاسيّما القاموس ، حيث كتبت في إصلاح عيوبه كتب كثيرة ويكفيه ما كان يدّعيه من أنّه استوعب اللغة كلّها ومع هذا الادّعاء الضخم فقد أحصى عليه في «تاج العروس» عشرين ألف كلمة لم يذكرها ومع ذلك ففي الزوايا خبايا ، وما أقلّ كتب الصحاح التي ليس فيها زيادة فائدة على القاموس.

ومجمل القول نأتي ببعض التصحيفات الواردة في القاموس والمجمع نموذجاً لما قلناه آنفاً عنهما ليكون الأُدباء وأصحاب الكمال العلمي على معرفة من ذلك.

__________________

(١) تفسير القمّي : أبي عن ابن أبي عمير ، عن ابن مسكان ، عن أبي عبدالله عليه السلام في قوله : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ...) إنّما هو القائم إذا خرج يطلب بدم الحسين وهو قوله : نحن أولياء الدم وطلّاب الترة (بحار الأنوار ٥١ : ٤٧ رقم ٧). (هامش الأصل)

(٢) مجمع البحرين ١ : ٣٠٥.

٢٣١

في القاموس مادة «خور» يقول : «الخور وادٍ وراء برجيل ..» (١). وأصل العبارة كما يلي : «خور» وزان «غور» موضع في أرض نجد من ديار بني كلاب. وذكره حميد بن ثور في شعره فقال :

سقى السروة المحلال ما بين زاين

إلى الخور وسمّي البقول المديم

ونقل الفاضل الأديب المتبحّر المحدّث السيّد علي خان رحمه الله في الطراز عن الأودي أنّه قال : خور وادٍ وزابن جبل فجاء صاحب القاموس فصحّف الكلمة حين جعل لفظ «وزابن» «وراءبر» ولفظ جبل جعله «جبل» فصارت الكلمة «وراء برجيل» والعجيب إذ لم يدخل في خلده برجيل ومعناه فهل هو حيوان أو جماد أو ملك ، ونعم ما قال السيّد : إنّ هذا التصحيف يضحك الثكلى ويلهيها عن مصيبتها .. (٢).

وقال في مادة قوقس : قاقيس بن صعصة بن أبي الخريف ، محدّث.

وهذا التصحيف لا يقلّ عن ذاك شناعةً ، لأنّ العبارة المنقولة عن الذهبي في مشتبه الأنساب كالتالي : ذكر في «حريف» أوّلاً «عبدالله بن ربيعة السوالي تابعيّ يكنى أبا الحريف ـ بفتح الحاء المهملة ضبطه الدولابي وخالفه ابن الجارود فأعجمها وبمعجمه وفاقاً أي وقع الخلاف في الحاء هل هي مهملة أو معجمة ولكن في الزاي أنّها معجمة وفاقاً. ثمّ قال : قيس بن صعصعة بن الخريف. فجاء هذا الفاضل وألقى نظرة على لفظ «وفاقاً» ففصل وفا عن باقيها وقرأها «وفاء» وبقيت «قا» أي القاف والألف فاحتار صاحبنا كيف يقرأها وأين يضعها بقي في

__________________

(١) هذا ما قاله صاحب القاموس عن الخور : المنخفض من الأرض والخليج من البحر ومصبّ الماء في البحر وع بأرض نجد أو وادٍ وراء برجيل (القاموس المحيط ٢ : ٢٥ مادة خور). (المترجم)

(٢) ولم يستدرك عليه ذلك صاحب تاج العروس بل لم يزد على قوله برجيل كقنديل ، ولم يذكر المصنّف برجيل في اللام ٣ : ١٩٢ ولم أعثر عليها عند أحمد شدياق في الجاسوس على القاموس. (المترجم)

٢٣٢

حيرة إلى أن انتشله ، فكره الثاقب منها فألقاها على رأس قيس المسكين وخلع عليه هذه الخلعة القاقيسيّة الشريفة (١) والتصحيف من هذا النمط كثير في كتاب القاموس فإنّه فاق حدود الإحصاء (٢).

وقال في (المجمع) في مادة حنف بحاء مهملة ونون : أولاد الأحناف وهم الإخوة من أُمّ واحدة وآباء متعدّدة ، وضبط العلماء بأجمعهم هذه اللفظة في مادة (خيف) بخاء معجمة وياء مثنّاة تحتانيّة آخر الحروف الهجائيّة ، وقالوا : إذا كان الأولاد من أب واحد وأُمّهات عدّة فهم أبناء علات ، وإذا كانوا من أُمّ واحدة وتعدّدت آبائهم فهم أبناء أخياف ، وإذا اتحد أبواهم فهم أبناء أعيان ، وأصل الخيف وزان حول. اختلاف لون العين كأن تكون إحداهما سوداء والأُخرى زرقاء ، ومن هذا الباب ما جاء في البديع من صنعة الخيفاء وهي الالتزام ، بالمجيء بكلمة معجمة من بعدها كلمة مهملة نظير عبارة الحريري في المقامة المراغية الكرم :

ثبت الله جيس سعودك يزين

واللؤم غض الدهر جفن حسودك يشين

وكذلك ورد في المجمع في كتاب القاف باب ما أوّله النون في الخبز : نهى عن

__________________

(١) على شيخنا المؤلّف أن يضع في الحسبان تلاعب النسّاخ بمؤلّفات العلماء فليس من الحقّ في شيء أن نلقي التبعة على صاحب الكتاب لأنّي لا أستبعد أن يكون هذا الجهل الفاضح من الناسخ وهو في أكثر الأحيان كذلك إلّا أن تكون النسخة مخطوطة بيد المؤلّف. (المترجم)

(٢) قال الزبيدي : (وقيس) هكذا في النسخ والصواب على ما سبق له في ق ق س قاقيس (بن صعصعة بن أبي الخريف المحدّث) روى عن أبيه ، الخ. فيرى قيس خطأ وقاقيس هو الصواب (تاج العروس ٦ : ٨٣). (المترجم)

٢٣٣

النجقاء في الأضاحي. قال ابن الأعرابي : النجق أن يذهب البصر والعين مفتوحة (١) وليس في لغة العرب مثل هذه الصيغة بل اجتماع الجيم والقاف من علامات الدخيل كما نصّ على ذلك السيوطي في المزهر والشهاب الخفاجي صاحب الريحانة في شفاء الغليل نظير جوزق ومنجنيق. وهذا اللفظ نخق ونخقاء بباء موحّدة وخاء معجمة كما صرّخ بذلك أساس البلاغة والنهاية وتاج المصادر للبيهقي والصحاح ومختار الصحاح والقاموس ومطابقه للنسخ المعتمدة للسامي الميداني (وفقه اللغة للثعالبي) وغيرها ، وهذان التصحيفان وإن لم يكونا في غرابة القاموس ولكنّ مفسدتهما لا تقلّ عن ذلك.

ومن غرايب المجمع العبارة التي أوردها في ذكر الزبير حيث خلط بين ابن العوّام وابن عبدالمطّلب ومن هذا الخلط العجيب حصلنا على عجينة غريبة ، كما فعل صاحب كشف الظنون في لفظ تفسير الطوسي حيث خلط بين ترجمة الشيخ الطوسي والشيخ الطبرسي ، واخترع لنا مركّباً غريباً من هذا الخلط.

وهذا صدّيق حسنخاني البهوپالي في (أبجد العلوم) خلط بين أحوال نجم الدين الرضي وأحوال السيّد الرضي وخرج من بين هذين بخلطة عجيبة ، والإسهاب بذكر مثل هذه الأخطاء خارج من إطار هذا المختصر وخارج عن التناسب مع الموضوع المُعدّ له الكتاب.

وبهذا القدر ممّا ذكرناه يمكن أن يحدث ابتهاج وتلذّذ في الأذهان المتوقّدة والطباع الرقيقة المحبّة بالاستطراطات اللطيفة الأدبيّة والافتتانات الغريبة العلميّة فيحصل فيها توثّب وقدح ..

__________________

(١) مجمع البحرين ٤ : ٢٧٤ تحقيق السيّد أحمد الحسيني ط ثانية ١٤٠٨ مكتبة نشر الثقافة الإسلاميّة ، ولم يلتفت المحقّق إلى ذلك. (المترجم)

٢٣٤

السَّلامُ عَلَيْكَ وَعَلَى الْأَرْواحِ الَّتِي حَلَّتْ بِفِنائِكَ وَأَنَاخَتْ بِرَحْلِك ..

الشرح : الأرواح جمع روح وأصل الروح كما نقل ذلك عن أبي عبيدة بمعنى الطيب والطهارة ومن هنا سمّيت روح الإنسان روحاً وسمّي الملائكة المطهّرون أرواحاً ، وجبرئيل روح القدس ، وسمّي الملك الأعظم في الآية الكريمة : (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ) (١) روحاً ، ولقّب عيسى بروح الله ، ويُدعى الملائكة والجنّ بالعالم الروحاني ـ بالضمّ ـ كما يقال لكلّ ذي روح روحاني.

والروح ـ بفتح الراء ـ شريك في هذا المعنى ، فيقال : مكان وحاني يعني طيّب ، وزيادة النون جاءت على خلاف القياس في النسب وذلك من التغييرات فيه ، مثل ربّي ودهري وربّاني ورحوي ـ بفتح الراء ـ.

والريح : بمعنى الهواء مأخوذ منه ، لهذا يجمع على أرواح لأنّ معناه يلتئم مع الطيب والانشراح كما أنّ الروح معناه النسيم كما أنّ الروح والرياح ـ بالفتح ـ بمعنى الخمر مأخوذة من هذا ، والريحان بمعنى الورد من وجوه اشتقاقات هذا المعنى وإنّما سمّيت روح الإنسان روحاً بلحاظ الطهر والطيب الذي كان لها في بدو التكوين وأصل الوجود قبل تلوّثها بالعلايق الجسمانيّة وتدنّسها باللوازم الهيولانيّة.

ومجمل القول أنّ استعمال الروح في الإنسان له وجوه عدّة ، والظاهر أنّ المراد منه هنا هي النفس الناطقة الإنسانيّة وهي جوهر لطيف ملكوتي ، تبقى بعد فناء البدن ، وهي من أمر الله تعالى ، واختلفوا في تجرّدها ومادّيتها.

ونسب صاحب المقاصد القول بالتجرّد إلى محقّقي الإسلام ، والفاضل المقداد

__________________

(١) النبأ : ٣٨.

٢٣٥

إلى محقّقي المتكلّمين ، كما نقل ذلك عن طائفة كبيرة من علماء الإماميّة مثل الصحابي المتكلّم عظيم الشأن رفيع المنزلة الثقة المسلّم هشام بن الحكم رضي الله عنه كذلك نسب القول بالتجرّد إلى الشيخ المفيد ، والشيخ المفيد وعامّة بني نوبخت من متكلّمي الشيعة الإماميّة.

وقال بتجرّد النفس الناطقة أُستاذ البشر خواجه نصيرالدين الطوسي والفاضل المحقّق كمال الدين بن ميثم رحمه الله في شرح المأة كلمة ، صرّح بذلك وإن نسبه بعضهم إلى الخلاف وذلك ناشئ عن الغفلة.

والشيخ البهائي وسيّد الحكماء والمجتهدين ميرداماد والفقيه الحكيم المحدّث المتوحّد المتبحّر الكاشاني وتلميذه العارف المحقّق المحدّث القاضي سعيد القمّي والفاضل المحقّق النراقي الأوّل وابنه المحقّق العلّامة النراقي الثاني والسيّد الأجل الأعظم رئيس الفرقة في عصره الحاج السيّد محمّد باقر الرشتي الاصفهاني ، ومربّي مشايخ عصره حجّة الطائفة رئيس الفرقة زعيم الشيعة ، شيخ الدنيا ، أُستاد العالم شيخنا المرتضى كما نقل ذلك عنه والدنا المحقّق الفحل الذي كان لسانه الناطق ، وهذا العلّامة المتبحّر ارتضى هذا المذهب واختاره قدّس الله أسرارهم ، وغيرهم من أعاظم الفقهاء وجمهور الحكماء المتشرّعين الإماميّة مثل صدرالمتألّهين والمحقّق اللاهيجي والمحقّق المقدّس الورع النوري ، والحكيم الفقيه الفاضل الزنوزي رحمهم الله وغيرهم من أساطين أهل الديانة والصيانة ، هؤلاء جميعاً قالوا بتجرّد النفس ، ولهم على ذلك ظواهر آيات عدّة وأخبار كثيرة توافقهم على هذا المذهب وأقاموا عليه البراهين العقليّة.

وطائفة أُخرى وهم أكثر متكلّمي الشيعة والمحدّثين من العلماء رجّحوا الجانب المادّي ، ولهذه الطائفة أيضاً ظواهر من الأخبار والآيات تمسّكوا بها ، وأقاموا أدلّتهم العقليّة عليه.

٢٣٦

والعلّامة المجلسي أظهر التردّد في (السماء والعالم) وقال : فما يحكم به بعضهم من تكفير القائل بالتجرّد إفراط وتحكّم كيف وقد قال به جماعة من علماء الإماميّة ونحاريرهم (١) ، انتهى.

وجملة القول أنّ المسألة نظريّة وهي مشكلة للغاية وإن كان حلّ هذا الإشكال عن طريق النظر والاستدلال لقليل البضاعة مثلي ممكن ولكنّ الخوض في تحقيق مثل هذا النوع من المباحث ليس محلّ الاهتمام أوّلاً ، وثانياً هو خارج عن إطار هذا الشرح.

وتارة تستعمل الروح بمعنى الجمس والروح كليهما بعلاقة الحالّ والمحلّ ، أو الملابسة كما يقول العرب فعلاً : «شال روحه» أو يقولون «جرح روحه» * وهذا الاستعمال رائج في العراق والحجاز ، وأنا سمعته منهم ، ونظيره في لسان الفرس لسان عموم الشعب متداول معروف حيث يقولون : ألبس روحه أو جرح روحه ، وهذه علاقة صحيحة واستعمال فصيح ، وتنزل على هذا العبارة الواردة في دعاء الندبة : «وعرجت بروحه إلى السماء» (٢) لأنّ الضرورة قائمة على حدوث المعراج الجسماني والبرهان يدلّ عليه ، كما بيّنّا ذلك في موضعه.

__________________

(١) بحار الأنوار ٥٨ : ١٠٤. وقال عقب ذلك : وجزم القائلين بالتجرّد أيضاً بمحض الشبهات ضعيفة مع أنّ ظواهر الآيات والأخبار تنفيه أيضاً جرأة وتفريط .... (المترجم)

(٢) الظاهر أنّ تصحيفاً وقع في نسخة مصباحي التي نقل منها المرحوم المجلسي ، وأمّا نسخة العالم الربّاني الحاج ميرزا حسين النوري في كتابه [تحيّة الزائر] من (المزار القديم) و (مزار الشيخ محمّد بن المشهدي) و (مصباح الزائر) للسيّد : «عرجت به» هذا هو المنقول والدليل على تصحيف النسخة التي وردت فيها عبارة «عرجت بروحه» الجملتان «وسخّرت له البراق» و «عرجت به إلى سماءك» لأنّ عروج الروح لا يحتاج إلى البراق ، فالجملة الأُولى إشارة إلى هذا ، والثانية فيها عرجت به والضمير المجرور يتناول الروح والجسم كليهما ولو أراد الروح وحدها لما جاء به واكتفى بذكرها. (هامش الأصل)

٢٣٧

وللروح إطلاقات أُخرى في لسان الأخبار وعرف العرفاء واصطلاح الأطبّاء ، وما من حاجة تدعو إلى سردها.

والحلول وحلّ والمحلّ : النزول كما جاء في منتهى الإرب وتاج المصادر.

الفناء : بكسر الفاء وزان كساء ما امتدّ من جوانب الدار (١) حيث ينيخ الناس مراكبهم وابلهم وينزلون هناك.

وأناخه : من باب الإفعال أجوف واوي (يقال : نوخ : أنخت البعير فاستناخ ونوّخته فتنوّخ ، وأناخ الإبل أبركها فبركت) (٢).

رحل : الرحل : منزل الرجل ومسكنه وبيته (٣).

وفي هذه الفقرة تحتمل وجوهٌ :

الأوّل : المراد بهذه الأرواح خصوص أرواح الملائكة والأنبياء والأولياء الذين حضروا واقعة الطفّ لأنّ المستفاد من بعض الأخبار أنّ أرواح الملائكة المقرّبين والأنبياء المرسلين والشهداء والصدّيقين حضروا يوم الطفّ ، ليشاهدوا الفداء والتضحية الخارقة للعادة ، ليشاهدوا في اليوم المشهود ذلك اليوم المحمود ، وهذا المعنى بعيد جدّاً. لأنّ ظاهر الحال رجوع السلام على الأصحاب الشهداء بل هذه الزيارة مختصّة بالقتلى مطلقاً لهذا لم يحتمل أحد دخول عليّ بن الحسين فيها ـ وهو الإمام الرابع عليه السلام ـ والقرينة الدالّة على ذلك هي زيارة جابر الأربعينيّة حيث وجّه خطابه إلى الأصحاب فقال : السلام على الأرواح المنيخة بقبر أبي عبدالله.

والظاهر من لفظ الحلول والإناخة نوع الاستقرار والإقامة وهذا لا يناسب

__________________

(١) لسان العرب ١٤ : ٣٤٢.

(٢) نفسه ٣ : ٦٥.

(٣) لسان العرب : مادة رحل.

٢٣٨

حضور الأنبياء والأولياء الذين حضروا ساعة الشهادة. وأوضح من هذه العبارة زيارة عاشوراء المذكورة في إقبال السيّد الأجل طاب ضريحه من كتاب (مختصر المنتخب) : «السلام عليك وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك وأناخت بساحتك وجاهدت في الله معك وشرت نفسها ابتغاء مرضات الله فيك» (١).

على أنّ أصل المسألة في حضور الأنبياء وغيرهم لم تثبت بطريق صحيح أو معتمد من هنا لا وجه للجزم بتنزيل العبارة عليهم ، كما سمع ذلك عن البعض.

الوجه الآخر : المراد عموم الأرواح والنفوس المقدّسة الدائرة في فلك الحسين والمتجحفلة في حيّه وبقاعه ولها اتصال حقيقي بدون تكيّف أو قياس بذلك الجوهر الطاهر والعنصر المنير. وبناءاً على هذا يكون الرحل والفناء بمعنى اللبّ الواقعي لا الرحل والفناء الجسماني الظاهري. (والمعنى المتصوّر من هذه العبارة أنّ من أناخوا برحله وأقاموا بفنائه لا يقصد بذلك حقيقة الرحل والفناء بل توجّه القلوب والأفئدة إليه ..) وهذا الوجه أبعد من الوجه السابق من جهة وأقرب إليه من جهة أُخرى. وعلى كلّ حال فهو خلاف الظاهر وغاية في البعد.

الوجه الثالث : المعنى المراد منه هم أصحابه الأوفياء لا فرق بين الأقرباء والبعداء في الظاهر الذين هم أقرب إليه من كثير من أهله وأرحامه ، وهذا الوجه هو المعيّن بحسب نظري القاصر ، لكن نسبة الحلول والإناخة إليهم بعدّة اعتبارات جائزة وصحيحة :

الأوّل : المراد بالأرواح هي الأجسام المقدّسة الطاهرة وقد مرّ آنفاء أنّ الروح تطلق هذا الإطلاق أحياناً ، ولمّا كان أصحابه عليه وعليهم السلام كتب الله لهم حياة الخلود فهم القدر المتيقّن والمصداق الحقيقي لمن قتل في سبيل الله ، والله

__________________

(١) الإقبال : باب ذكر الزيارات في يوم عاشوراء : ٤٢.

٢٣٩

تعالى يقول : (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (١) لهذا أٌطلقت الروح وأُريد بها الأجسام المطهّرة المكرّمة ولا مانع من ذلك ، ويدلّ على هذه الوجه الجملة الآتية من زيارة جابر : «المنيخة بقبر أبي عبدالله» (٢).

وبناءاً على هذا يكون الرحل والفناء معناه القبر والحائر. فقد قال الشيخ المفيد : فأمّا أصحاب الحسين رحمة الله عليهم الذين قتلوا معه فإنّهم دفنوا حوله ولسنا نحصل لهم أجداثاً على التحقيق والتفصيل إلّا أنّا لا نشكّ أنّ الحائر محيط بهم رضي الله عنهم وأرضاهم وأسكنهم جنّات النعيم (٣).

وقبر أبي الفضل وإن بعد شيئاً عن قبر الحسين عليه السلام ولكنّه داخل في فناء سيّد الشهداء ورحله ولا جرم يكون المعنى ذلك الحلول الجسماني الذي تمّ منهم وهم على قيد الحياة حيث نزلوا برحله وأقاموا في ساحته وهذا المعنى متفق مع ظاهر المعنى للرحل والفناء وهو به أنسب وأقرب ، وتشهد بذلك عبارة الزيارة في إقبال السيّد لأنّ ظاهر عطف الجهاد والشراء تأخّر وقوعه عن الحلول والإناخة.

الثاني : أن يراد بها نفس الأرواح المقدّسة وإن كان وصفها بالحلول والإناخة بناءاً على هذا المعنى لا يخلو من بعد لأنّ هذه الأوصاف لها ظهور في الحالات الجسميّة إلّا أنّ ذلك ليس مختصّاً بها بحسب الوضع اللغوي.

الثالث : المراد من الفناء والرحل ، حضيرة القدس ومحلّ القرب ومحفل الملكوت حيث مجلس أُنس ذلك الكائن المقدّس (الحسين) إذ من المقطوع الذي لا شكّ به أنّ أصحابه عليهم السلام في درجته وبالقرب من مقامه وهم جيرانه

__________________

(١) آل عمران : ١٦٩.

(٢) زيارة الأربعين من بحار الأنوار ١٠١ : ٣٣٠. (هامش الأصل)

(٣) الإرشاد ٢ : ١٢٦.

٢٤٠