شفاء الصدور في شرح زيارة العاشوراء - ج ١

ميرزا أبي الفضل الطهراني

شفاء الصدور في شرح زيارة العاشوراء - ج ١

المؤلف:

ميرزا أبي الفضل الطهراني


المحقق: محمّد شعاع فاخر
المترجم: محمّد شعاع فاخر
الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: انتشارات المكتبة الحيدريّة
المطبعة: شريعت
الطبعة: ١
ISBN: 964-503-000-5
ISBN الدورة:
964-503-002-1

الصفحات: ٤٣٩
  نسخة غير مصححة

علماء أهل السنّة وعظمائهم وسنشير إلى مناقبه إجمالاً بعد نقل هذا الحديث إن شاء الله ـ ساق السند إلى ابن عبّاس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أعطاني ربّي ذاالفقار ، قال : يا محمّد ، خُذه وأعطه خير أهل الأرض. فقلت : من ذلك يا ربّ؟ قال : خليفتي في الأرض عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، وإنّ ذا الفقار كان ينطق مع عليّ عليه السلام ويحدّثه حتّى أنّه همّ يوماً بكسره ، فقال : مه يا أميرالمؤمنين إنّي مأمور وقد بقي في أجل المشرك تأخير (١).

ويقول السيّد رضي الله عنه بعد نقل الحديث : أقول أنا : يمكن أن يكون سقط بعد قوله «همّ يوماً يكسره» : «وقد ضرب به مشركاً فلم يقتله» (٢) وهو كما قال وذيل الحديث شاهد على ذلك.

تنبيه :

أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري : هذا الاسم مشترك بين اثنين وكلاهما من بلاد طبرستان ، ولكن الشيعي منهما من جدّه رستم وهو من أجلّة علماء الشيعة وله كتاب «المسترشد» و «الدلائل» وقد أثنى عليه النجاشي والعلّامة وسائر شيوخ الرجال من المتأخّرين وصرّحوا بوثاقته وجلالة قدره وكثرة علمه ، ويروي عنه النجاشي بواسطة السيّد الجليل العظيم الحسن بن حمزة الطبري الذي قدم بغداد في السنة السادسة بعد الخمسين والثلاثمائة ، والظاهر أنّه من علماء المائة الرابعة.

والآخر هو محمّد بن جرير بن كثير بن غالب كما نقل ذلك السيّد الشهيد السعيد رضي الله عنه في كتاب المجالس عن التهذيب للنووي ، وسمّاه الأُستاذ الأعظم البهبهاني قدس سره في التعليقة : محمّد بن جرير بن غلاب ، وهذا الاختلاف في الجدّ

__________________

(١) إثبات الهداة ٢ : ٢٨٣ رقم ٥٠١. (هامش الأصل)

(٢) اليقين : ٢١٧. (المترجم)

١٨١

والأب كثير في الكتب الرجالية فاق حدّ الإحصاء ولكن ابن شهرآشوب في (معالم العلماء) سمّاه محمّد بن جرير بن يزيد ، ولا يخلو هذا الاسم من غرابة ولكنّه يقدّم على قول النووي عند التعارض ، لأنّ جلالة ابن شهرآشوب في العلم تفوق النووي مأة مرّة ، وما يحتمل من كون النووي أعلم به لاتحاد المذهب مدفوع بقرب زمن ابن شهرآشوب من زمنه ، وكلاهما من طبرستان ، وعلى هذا تكون معرفة ابن شهرآشوب على كلّ حال به أكثر فيقدّم قوله لزوماً.

وبعد تحرير هذا الكلام وقفت على كلام ابن خلِّكان فرأيته سمّى جدّه «يزيد» أيضاً ولكنّه ذكر «خالداً» (١) بعده وقال : «وقيل : يزيد بن كثير بن غالب» وعلى هذا لاجرم أن تكون كلمة يزيد سقطت من نسخة التهذيب ويمكن أن تكون من باب النسبة إلى الجدّ.

وعلى كلّ حال فهو من أكابر علماء أهل السنّة والجماعة وصاحب التفسير والتاريخ ، وينسب إلى أبي حامد الإسفراييني قوله : لو ذهب إنسان إلى الصين لطلب تفسير محمّد بن جرير الطبري لم يكن مبعداً.

ونقل عن محمّد بن خزيمة الذي أطلقوا عليه إمام الأئمّة قوله : ما أعلم على أديم الأرض أعلم منه.

ونقل السيّد الجليل المعاصر المولوي مير حامد حسين الهندي قدس سره في كتاب «عبقات الأنوار» عن الذهبي واليافعي أنّهما نعتاه بالإمامة وشهدا على أنّ التفسير والتاريخ من تأليفه.

وصرّح ابن خلِّكان في الوفيات وابن الأثير في الكامل الذي هو مختصر تاريخ

__________________

(١) غالب. ظ. (هامش الأصل)

١٨٢

الطبري (١) وابن خلدون في العبر ، أنّ التاريخ منه ، وإصرارهم على نفي كتابه التاريخ عنه ونسبته إلى الطبري الثاني ذلك لأنّه فيه صدق مدّعى الشيعة ومنه ينقل علمائهم ولمّا عجزوا عن إنكار فضله عمدوا عناداً منهم إلى إنكار كتابه وهذا من فرط غبائهم وجهلهم أو ضحالة دينهم ، نعوذ بالله من ذلك (٢).

وبالجملة فإنّ محمّد بن جرير صاحب كتاب الفضائل وصاحب كتاب إسناد حديث الغدير ركما نقل السيّد المذكور في كتاب «العبقات» في الهامش من أصل كتاب «تذكرة الحفّاظ» للذهبي أنّه قال في ترجمة الطبري : ولمّا رأى الطبري ابن أبي داوود تكلّم في حديث غدير خم كتب كتاب الفضائل وتحدّث فيه عن تصحيح حديث الغدير.

الحديث السادس : شهادة المنادي من بطنان العرش : الشيخ المحدّث صدر الحفّاظ محمّد بن يوسف القرشي الكنجي الشافعي في كتاب كفاية الطالب وأوصل السند إلى ابن عبّاس بن عبدالمطّلب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يأتي على الناس يوم ما فيه راكب إلّا نحن أربعة. فقال له العبّاس بن عبدالمطّلب عمّه : فداك أبي وأُمّي ، من هؤلاء الأربعة؟ فقال : أنا على البراق ، وأخي صالح على ناقة الله التي عقرها قومه ، وعمّي حمزة أسد الله وأسد رسوله على ناقتي العضباء ، وأخي عليّ بن أبي طالب على ناقة من نوق الجنّة مدبّجة الجنبين ؛ عليه حلّتان خضراوان من كسوة الرحمان ، على رأسه تاج من نور ، لذلك التاج سبعون ركناً ، على كلّ ركن ياقوتة حمراء تضيء للراكب من مسيرة ثلاثة أيّام ، وبيده لواء الحمد ينادي :

__________________

(١) سامح الله شيخنا الطهراني لقد ظلم صاحب الكامل ، إذ كيف يكون مختصر التاريخ الطبري وهو يؤرّخ لحقبة طويلة مات الطبري قبل بلوغها؟! (المترجم)

(٢) من اعتقد أنّ لعلماء أهل السنّة والجماعة ديناً فهو على خطأ لأنّهم مرقوا من الدين بالقواعد التي كبّلوا بها الدين. (المترجم)

١٨٣

«لا إله إلّا الله محمّد رسول الله». فيقول الخلائق : من هذا؟ ملك مقرّب أو نبيّ مرسل أو حامل عرش؟ فينادي منادي من بطنان العرش : ليس بملك مقرّب ولا نبيّ مرسل ولا حامل عرش ، هذا عليّ بن أبي طالب وصيّ رسول ربّ العالمين وأميرالمؤمنين وقائد الغرّ المحجّلين إلى جنّات النعيم (١).

الحديث السابع : شهادة أبي ذر : روى ابن مردويه عن داود بن أبي عوف قال : حدّثني معاوية بن ثعلبة الليثي قال : ألا أُحدّثك بحديث لم يختلط؟ قلت : بلى. قال : مرض أبوذر فأوصى إلى عليّ عليه السلام ، فقال بعض من يعوده : لو أوصيت إلى أميرالمؤمنين عمر كان أجمل لوصيّتك من عليّ عليه السلام! قال : والله لقد أوصيت إلى أميرالمؤمنين حقّ أميرالمؤمنين ، والله إنّه للربيع الذي يسكن إليه ولو قد فارقكم لقد أنكرتم الناس وأنكرتم الأرض.

قال : قلت : يا أباذر ، إنّا لنعلم أنّ أحبّهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أحبّهم إليك. قال : أجل. قلت : فإيّهم أحبّ إليك؟ قال : هذا الشيخ المضطهد حقّه ـ يعني أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام ـ (٢). وهذا الحديث مرويّ بطرق عدّة.

الحديث الثامن : شهادة الأسد : أبو جعفر محمّد بن أبي مسلم ابن أبي الفوارس الرازي الملقّب بمنتجب الدين في كتاب «الأربعين» وساق السند إلى منقض (٣) بن الأبقع الأسدي أحد خواصّ أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام قال : كنت مع أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام في النصف من شعبان وهو يريد موضعاً له

__________________

(١) كفاية الطالب : ١٨٤ ط الحيدريّة النجف الأشرف ، تاريخ بغداد ١٣ : ١٢٢ ط السعادة بمصر ، مناقب الخوارزمي : ٢٠٩ ط طهران و ٢٥٠ ط تبريز ، وإحقاق ال حق ٤ : ٤٩٨ و ٥٠٠. (هامش الأصل) واليقين : ٤٣٤. (المترجم)

(٢) اليقين : ١٤٣. (المترجم)

(٣) منقذ بن الأنقع ـ توضيح الدلائل للسيّد شهاب الدين أحمد ، إحقاق الحقّ ١٨ : ٢٢٢.

١٨٤

كان يأوي فيه بالليل وأنا معه حتّى أتى الموضع فنزل عن بغلته حمحمت البغلة ورفعت أُذنيها وجذبتني فحسّ بذلك أميرالمؤمنين ، فقال : ما وراك؟ فقلت : بأبي أنت وأُمّي ، البغلة تنظر شيئاً وقد شخصت فلا أدري ماذا دهاها؟

فنظر أميرالمؤمنين عليه السلام سواداً قال : سبع وربّ الكعبة ، فقام من محرابه متقلّداً بسيفه فجعل يخطو نحو السبع ثمّ قال صائحاً له : قف! فخفّ السبع ووقف فعندها استقرّت البغلة ، فقال أميرالمؤمنين : يا ليث ، أما علمت أنّي ليث وأنّي الضرغام الهصور والقسور والحيدر ـ وهذه كلّها أسماء للأسد ـ؟ ثمّ قال : ما جاء بك أيّها الليث؟ فقال السبع : يا أميرالمؤمنين ، ويا خير الوصيّين ، ويا وارث علم النبيّين ، ويا مفرّقاً بين الحقّ والباطل ، ما افترست منذ سبع شيئاً وقد أضرّ بي الجوع ورأيتكم من مسافة فرسخين فدنوت منكم وقلت : أذهب وأنظر هؤلاء القوم ومن هم ؛ فإن كان لي بهم مقدرة يكون لي فريسة.

فقال أميرالمؤمنين عليه السلام : أيّها الليث ، أما علمت أنّي علي أبو الأشبال [الأشباح] الأحد عشر ، ثمّ امتدّ السبع بين يديه وجعل يمسح يده على هامته ويقول : ما جاء بك أيّها الليث؟ أنت كلب الله في أرضه. قال : يا أميرالمؤمنين ، الجوع الجوع. فقال : اللهمّ ارزقه بقدر محمّد وأهل بيته. قال : فالتفت فإذا الأسد يأكل شيئاً كهيئة الجمل حتّى أتى عليه ، ثمّ قال : يا أميرالمؤمنين ، والله ما نأكل نحن معاشر السباع رجلاً يحبّك ويحبّ عترتك ، ونحن أهل بيت ننتحل حبّ الهاشمي وعترته (١).

__________________

(١) ورد في كتاب اليقين «ارزقه بقدر محمّد وأهل بيته» وعند المؤلّف «بحقّ فذ محمّد وأهل بيته» وجاء في الهامش تفسير لها : فذ : قد فذ الرجل عن أصحابه إذا شدّ عنهم وبقي فرداً وهي كناية عن سيّدالشهداء وهو الذي فذّ عن رسول الله وفاطمة الزهراء وأميرالمؤمنين والإمام ال حسن وعن أصحابه يوم العاشور ووقع وحيداً فريداً وقال سيّد الشهداء : قد استرحت من همّ الدنيا وغمّها وبقي أبوك وحيداً. (هامش الأصل) وأحسب المحقّق صحّف الكلمة وخطرت له هذه الخاطرة. (المترجم)

١٨٥

ثمّ قال أميرالمؤمنين عليه السلام : أيّها السبع ، أين تأوي وأين تكون؟ فقال : يا أميرالمؤمنين ، إنّي مسلّط على كلاب أهل الشام وكذلك أهل بيتي وهم فريستنا ونحن نأوي النيل.

قال : فما جاء بك الى الكوفة؟ قال : يا أميرالمؤمنين ، أتيت الحجاز فلم أُصادف شيئاً وأنا في هذه البرية والفيافي التي لا ماء فيها ولا خير وإنّي لمنصرف من ليلتي هذه إلى رجل يقال له سنان بن وائل ممّن أفلت من حرب صفّين ينزل القادسيّة وهو رزقي في ليلتي هذه وإنّه من أهل الشام وأنا متوجّه إليه ، ثمّ قام بين يدي أميرالمؤمنين عليه السلام.

فقال عليه السلام لي : ممّ تعجّبت؟ هذا أعجب أم الشمس أم العين أم الكواكب أم ساير ذلك؟ فوالذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لو أحببت أن أُري الناس ممّا علّمني رسول الله صلى الله عليه وآله من الآيات والعجائب لكانوا يرجعون كفّاراً. ثمّ رجع أميرالمؤمنين عليه السلام إلى مستقرّه ووجّهني إلى القادسيّة ، فركبت ووافيت القادسيّة قبل أن يقيم المؤذّن الإقامة ، فسمعت الناس يقولون : افترس سناناً السبع ، فأتيت فيمن أتاه ننظر إليه فما ترك السبع إلّا رأسه وبعض أعضائه مثل أطراف الأصابع وأتى على باقيه ، فحمل رأسه إلى الكوفة إلى أميرالمؤمنين ، فبقيت متعجّباً فحدّثت الناس بما كان من حديث أميرالمؤمنين والسبع ، فجعل الناس يتبرّكون بتراب تحت قدم أميرالمؤمنين ويستشفعون به ، فقام فحمد الله وأثنى عليه فقال : يا معاشر الناس ، ما أحبّنا رجل فدخل النار ، وما أبغضنا رجل فدخل الجنّة وأنا قسيم الجنّة والنار ، أقسم بين الجنّة هذا إلى الجنّة يميناً وهذا إلى النار شمالاً ، أقول لجهنّم يوم القيامة : هذه لي وهذه لك ، حتّى تجوز شيعتي على الصراط كالبرق الخاطب ، وكالرعد القاصف وكالطير المسرع وكالجواد السابق.

فقام إليه الناس بأجممعهم عنقاً واحداً وهم يقولون : الحمد لله الذي فضّلك

١٨٦

على كثير من خلقه ، ثمّ تلا أميرالمؤمنين عليه السلام هذه الآية : (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّـهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّـهِ وَاللَّـهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) (١). تمّ الحديث المبارك.

وهناك روايات أُخرى عن شهادة الذئب ، وشهادة الدرّاج ، وشهادة الجمل ، وشهادة سبعين بالسلام على قبره وهي مذكورة في كتاب اليقين ، وإنّي ذكرت هذا الحديث لما فيه من غرابة وامتياز وليكون سبباً لتسديد قلوب أهل الإيمان مع طوله ، والعجب من القوم الذين يسطرون مثل هذه الآيات البيّنات في كتبهم ثمّ يرتابون في أميرالمؤمنين ، نعوذ بالله من الخذلان وسوء التوفيق.

الحديث التاسع : شهادة اليهود من كتبهم السماويّة : الشيخ منتجب الدين ، مذكور في كتاب «الأربعين» عن عبدالله بن خالد بن سعيد بن العاص قال : كنت مع أميرالمؤمنين عليه السلام وقد خرج من الكوفة إذ عبر بالصعيد التي يقال لها النخلة على فرسخين من الكوفة ، فخرج منها خمسون رجلاً من اليهود وقالوا : إنّك عليّ بن أبي طالب الإمام؟ فقال : أنا ذا؟ فقالوا : لنا صخرة مذكورة في كتبنا عليها اسم ستّة من الأنبياء وهو ذا نطلب الصخرة فلا نجدها فإن كنت إماماً وجدنا الصخرة. فقال عليّ عليه السلام : اتبعوني.

قال عبدالله بن خالد : فسار القوم خلف أميرالمؤمنين إلى أن استبطن فيهم البر ، وإذا بجبل من رمل عظيم ، فقال عليه السلام : أيّها الريح انسفي الرمل عن الصخرة بحقّ اسم الله الأعظم ، فما كان إلّا ساعة حتّى نسفت الرمل وظهرت الصخرة. فقال عليّ عليه السلام : هذه صخرتكم. فقالوا : عليها اسم ستّة من الأنبياء على ما سمعنا وقرأنا

__________________

(١) آل عمران : ١٧٣ و ١٧٤.

١٨٧

في كتبنا ولسنا نرى عليها الأسماء! فقال عليّ عليه السلام : الأسماء التي عليها فهي في وجهها الذي على الأرض فاقلبوها. فاعصوصب عليها ألف رجل حضروا في هذا المكان فما قدروا على قلبها ، فقال عليّ عليه السلام : تنحّوا عنها ، فمدّ يده إليها فقلّبها ، فوجدوا عليها اسم ستّة من الأنبياء أصحاب الشرايع : آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمّد عليهم الصلاة والسلام ، فقال النفر اليهود : نشهد أن لا إله إ لّا الله وأنّ محمّد رسول الله وأنّك أميرالمؤمنين وسيّد الوصيّين وحجّة الله في أرضه ؛ من عرفك سعد ونجى ومن خالفك ضلّ وغوى وإلى الحميم هوى ، جلّت مناقبك عن التحديد وكثرت آثار نعتك عن التعديد .. (١).

الحديث العاشر : شهادة أبي بكر وعمر : نقل الحافظ ابن مردويه عن سالم المنتوف [المشوق. بدون ذكر سالم ـ المؤلف] مولى عليّ عليه السلام قال : كنت مع عليّ عليه السلام في أرض له وهو يحرثها حتّى جاء أبوبكر وعمر فقالا : سلام عليك يا أميرالمؤمنين ورحمة الله وبركاته. فقيل : كنتم تقولون في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فقال عمر : هو أمرنا بذلك (٢).

وشهادة أُخر لعمرٍ في رواية أُخرى رويت أنّه قال : والله أنت أميرالمؤمنين حقّاً. فقال أميرالمؤمنين : عندك أم عند الله؟ فقال : عندي وعند الله (٣).

وهذه رواية عثمان بن أحمد السمّاك ، والآن يجمل بهذه الطائفة التي تنسب إلى السنّة بزعمها أن تصغى إلى الحقّ وتفتح عيونها فإذا كانوا غير واثقين بشهادة الله والرسول ـ كما فعلوا مراراً من ردّ هذه الشهادة مثلاً قال الله تعالى : (شَهِدَ اللَّـهُ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ) (٤) ومعناه أنّه شهد بعدالة نفسه

__________________

(١) الأربعين ، مخطوط : ٤١ ، إحقاق الحق ٨ : ٧٣٤. (هامش الأصل) اليقين : ٢٥٢. (المترجم)

(٢) اليقين : ١٣٣. (المترجم)

(٣) اليقين : ٤٢. بحار الأنوار ٣٧ : ٣٠٧ رقم ٣٠ باب ٥٤ ط بيروت. (هامش الأصل)

(٤) آل عمران : ١٨.

١٨٨

ولكنّهم أنكروه ونسبوه إلى الظلم والجبر ، وجوّزوا على الله ارتكاب القبايح ، تعالى الله عن ذلك. وشهد النبيّ صلى الله عليه وآله في أهل بيته بقوله : «ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً» ولكنّهم قدّموا أبا حنيفة والشافعي على الصادق عليه السلام والباقر عليه السلام اللَّذَين هما خزّان العلم الإلهي ومعدن الوحي والتنزيل وتمسّكوا بمذهب أبي حنيفة وصاحبه.

ومن الراجح أن نشير إلى أنّ القوم من أجل تصحيح خلافة الرجلين جوّزوا على العقل أن يقدّم المفضول على الفاضل وهي من القبايح العقليّة ، وأحياناً نفوا العصمة عن النبيّ صلى الله عليه وآله ـ العياذ بالله ـ وجوّزوا عليه قول «الهذيان» وفيّدوا الآية (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ) (١) .. وقلّد القوم الرجلين اللَّذَين مرّ ذكرهما ، فلماذا لا يتبعونهما بما قالا من أنّ هذا اللقب الشريف أُطلق على الإمام من عهد النبيّ صلى الله عليه وآله ولم يتلبّس به أحد من الناس وهو حقّ خاصّ ولقب ثابت الاختصاص لعليّ عليه السلام (٢).

تنبيه :

علمت من الأخبار المذكورة اختصاص الإمام عليه السلام بهذا اللقب وجاء في الأخبار أنّ هذا اللقب لا يجوز أن يخاطب به أحد من الناس حتّى الإمام صاحب الزمان عجّل الله تعالى فرجه في عصر الظهور كما روى الحرّ العاملي في كتاب «الوسائل» عن العيّاشي قال : دخل رجل على أبي عبدالله عليه السلام فقال : السلام عليك يا

__________________

(١) النجم : ٣.

(٢) لا استعجاب من أبي حنيفة والشافعي ... وأضرابهم ممّن استأجرتهم السياسة في سبيل تنفيذ أغراضها والوصول إلى مقاصدها ومآربها فباعوا ضمائرهم لأطماع المغرضين وآخرتهم بدنيا المفسدين ، إنّما العجب من مثل ابن أبي الحديد مع اطّلاعه على الأحاديث الكثيرة المرويّة في كتبهم كيف أنكرها وقال : وتزعم الشيعة أنّه خوطب في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله بأميرالمؤمنين خاطبه بذلك جملة المهاجرين والأنصار ولم يثبت في أخبار المتحدّثين .. شرح نهج البلاغة ١ : ٥ ، وبحار الأنوار ٣٥ : ٦٧ ط طهران عنه. (هامش الأصل)

١٨٩

أميرالمؤمنين ، فقام على قدميه فقال : مه ، هذا الاسم لا يصلح إلّا لأميرالمؤمنين عليه السلام سمّاه الله به ولم يسمّ به أحد غيره فرضي به إلّا كان منكوحاً ، وإن لم يكن ابتلي به (ابتلى به) هو قول الله في كتابه : (إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا) (١). قال قلت : فماذا يُدعى به قائمكم؟ قال : السلاما عليك يا بقيّة الله ، السلام عليك يابن رسول الله (٢).

وروى في الكافي عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام قال : سأله رجل عن القائم يسلّم عليه بإمرة المؤمنين؟ قال : لا ، ذاك اسم سمّى الله به أميرالمؤمنين عليه السلام لم يسمّ به أحد قبله ولا يتسمّى به بعده إلّا كافر .. (٣).

ويوافق هذه الأحاديث التي نقلها أخطب خوارزم كما جاء في كتاب اليقين : قال النبيّ صلى الله عليه وآله : لمّا أُسري بي إلى السماء ثمّ من السماء إلى سدرة المنتهى ووقفت بين يدي ربّي عزّ وجلّ فقال لي : يا محمّد ، قلت : لبّيك وسعديك. قال : قد بلوت خلقي فأيّهم رأيت أطوع لك؟ قلت : ربّ عليّاً. قال : صدقت يا محمّد ، فهل اتخذت لنفسك خليفة يؤدّي عنك ويعلّم عبادي من كتابي ما لا يعلمون؟ قال : قلت : اختر لي فإنّ خيرتك خيرتي [فإنّ جبرئيل خبّرني ـ المؤلف] قال : قد اخترت لك عليّاً فاتخذه لنفسك خليفة ووصيّاً ونحلته علمي وحلمي وهو أميرالمؤمنين حقّاً لم ينلها أحد قبله وليست لأحد بعده. يا محمّد ، عليّ راية الهدى وإمام من أطاعني ونور أوليائي وهي الكلمة التي ألزمتها المتقين ؛ من أحبّه فقد أحبّني ومن أبغضه فقد أبغضني فبشّره بذلك يا محمّد. قلت : ربّي فقد

__________________

(١) النساء : ١١٧.

(٢) وسائل الشيعة ١٤ : ٦٠٠ ط آل البيت. (المترجم) العيّاشي ١ : ٢٧٦ ، تفسير البرهان ١ : ٤١٥ ذيل الآية ، بحار الأنوار ٩ : ٦٣٦ و ٥٢ : ٣٧٣ رقم ١٦٥ أحوال صاحب الأمر. (هامش الأصل)

(٣) الكافي ١ : ٤١١ باب ١٠٧ ح ٩. (هامش الأصل) والكافي ١ : ٤١١ ط دار الكتاب الإسلاميّة الثالثة ١٣٨٨.

١٩٠

بشّرته ، فقال عليّ عليه السلام : أنا عبدالله وفي قبضته ؛ إن يعاقبني فبذنوبي لم يظلمني شيئاً ، وإن تمّم لي وعدي فالله مولاي. قال [اللهمّ] أجلُ قلبه واجعل ربيعه الإيمان به. قال : قد فعلت ذلك به يا محمّد ، غير أنّي مخصّه بشيء من البلاء لم أخصّ به أحداً من أوليائي. قال : قلت : ربّ ، أخي وصاحبي! قال : قد سبق في علمي أنّه مبتلى ، لولا عليّ لم يعرف حزبي ولا أوليائي ولا أولياء رسلي .. (١).

وأحاديث من هذا النوع في كتاب اليقين وغيره من طرق أهل السنّة كثيرة. وإذا تأمّلت هذه الأخبار التي اتفق الفريقان على نقلها تأمّلاً دقيقاً فستعرف ماذا يجري لمن انتحل هذا اللقب وأطلقه على نفسه من دون استحقاق في الدنيا والآخرة.

كذلك ما جاء في كتاب اليقين عن ابن عقدة ـ وهو من كبار الحفّاظ ويساوي العسقلاني في الثقة والاعتماد وقد بالغ الخطيب البغدادي في الثناء عليه كما في اليقين ـ فروى وساق السند إلى الإمام الصادق عليه السلام في قوله تعالى : (فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَـٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ) (٢) قال : فلمّا رأى فلان وفلان منزلة عليّ عليه السلام يوم القيامة إذا دفع الله تبارك وتعالى لواء الحمد إلى محمّد صلى الله عليه وآله تحته كلّ ملك مقرّب وكلّ نبيّ مرسل فدفعه إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدّعون أي باسمه تسمّون أميرالمؤمنين (٣).

نكته :

ممّا قلناه في معنى الإمارة يكن الإلمام بسبب صيرورة هذا اللقب من الخصائص ولا يجوز استعماله حتّى للأئمّة لأنّ الأئمّة أفضل المؤمنين ولهم الإمارة على كلّ أحد لكثرة سوابقهم ووفور فضائلهم في زمن النبوّة ولاتحادهم مع

__________________

(١) اليقين : ١٥٩. (المترجم) مناقب الخوارزمي باب فضائل شتّى : ٢١٥ ط طهران.

(٢) الملك : ٢٧.

(٣) اليقين : ١٨٢. (المترجم)

١٩١

الرتبة المحمّديّة فيما عدا النبوّة (١) وهم الواسطة في وصول الأحكام والأسرار التي حملوها عن النبيّ صلى الله عليه وآله ، ودرجة الأُبوّة التي تستدعي وجوب الطاعة لأميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، ولا توجد هذه الصفات في واحد من الأئمّة وإن كان كلّ واحد منهم جامعاً جميع الكمالات وحائزاً تمام المقامات ، سلام الله عليهم أجمعين.

وإنّك حين تنظر في الأخبار وتلاحظ آداب سلوك الأئمّة عند الزيارة وتدفّق في أُسلوب مخاطبتهم لصاحب الولاية الكبرى تدقيقاً تامّاً فإنّهم في موضع يرون الإيمان به مقارناً الإيمان بالله ورسوله ، وفي موضع يرتفع أصواتهم بواسيّداه ، وفي موضع ينادون أمام قبره بقولهم : عبدك وابن عبدك ، وفي موضع يتضرّعون إلى الله لقضاء حوائجهم بولايته ، وفي موضع يتباهون بمحبّته ، وغير هذه الأُمور من الموارد التي لا محلّ لذكرها الآن ، وبالطبع لا ينبغي أن تطعن بالشكّ في صدرك ، وينبغي أن يكون اعتقادك ثابتاً جازماً بأنّ لقب أميرالمؤمنين مختصّ بعليّ وحده على سبيل الحقيقة ، ولا يستحقّ هذا المقام أحد من الخلق في الأوّلين

__________________

(١) إنّ أميرالمؤمنين عليّاً بن أبي طالب كرّم الله وجهه كان صورة تحقيق حال النبي صلى الله عليه وآله حيث قال : «لي مع الاله وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل» ألا ترى أنّ عين اسمه كرّمه الله وجهه إلى عين معيّته مع الإلهيّة ، واللام والياء اللتان هما حرفا إضافة ونسبة وتمليك وتحصيص ينتظم منهما كلمة «لي» يعني في قوله : «لي مع الله وقت» كما كرّم الله وجهه المبارك بجميع أجزاء روح الكشف فيه وصار روح الكشف ملكاً له وصار مخصوصاً من الله بهذه الكرامة وضع لام التمليك والتخصيص في اسمه وانضمّ في حضائر القدس ومشاهد الأُنس إلى محبوبه ومطلوبه وبهذا السرّ حصلت له المعيّة مع الإلهيّة لا جرم لمّا حصل له هذا الاتصال الشريف صار مضافاً منسوباً ربّانيّاً صمدانيّاً أُمّيّاً مضافاً إلى أُمّ الكتاب وأُمّ اللباب في تحصيل المناسبة وحصول حال المعاينة والمشاهدة ، ووضع الله تعالى ياء الإضافة والنسبة في آخر اسمه المبارك وهذه الياء كرسيّ ولايته وينبوع سعادته وهدايته. فرائد السمطين ١ : ٤٢٨ ط بيروت. (هامش الأصل)

أقول : يريد القوم أن يجعلوا الشريعة السمحة السهلة بمنزلة ثالوث النصارى لا يفهمه حتّى حبرهم الأظم ، نحن في غنىً عن قول والد الحمويني هذا بأحاديث أهل البيت السهلة وكلّ ما خالفها سواءاً كان قولاً أو فعلاً لا حاجة لنا فيه. (المترجم)

١٩٢

والآخرين ، لأنّ كلّ أحد وفي أيّ مقام أو رتبة كان وكلّ موجود على ظهر الأرض في أيّ درجة كان ، كلّ ما ناله من الفيض من المبدأ الفيّاض إنّما كان بتوسّط «المقام المحمّدي» وكان واسطة فيضه المقام العلوي كما قال : «لا يؤدّي عنّي إلّا علي» (١) وفي خبر المعراج «لا يؤدّي عنك إلّا عليّ (٢) ، والفعل في قوّة النكرة والنكرة في سياق النفي يفيد العموم كما أنّ حذف المتعلّق يفيد العموم (٣) فتبيّن من هذا أنّ كلّ ما يحصل من فيض وجود النبي لا يمكن أن يؤدّي إلّا بواسطة عليّ عليه السلام.

تو به تاريكى على را ديده اى

زين سبب غيرى بر او بگزيده اى (٤)

 لقد أظلمت عيناك حين رأيته

لذا اخترت قوماً لا يساوون نعله

__________________

(١) إشارة إلى قصّه إبلاغ سورة برائة إلى أهل مكّة حيث أرسل أبابكر ثمّ ردّه وأرسل عليّاً بعده وقال النبي صلى الله عليه وآله : لا يؤدّي عنّي إلّا عليّ بن أبي طالب أميرالمؤمنين. (المناقب للخوارزمي : ١٠١ و ٢٢٣ ط طهران)

(٢) أمالي الصدوق : ... أميرالمؤمنين عن رسول الله ... فهل اتخذت لنفسك من يؤدّي عنك ويعلّم عبادي ... (بحار الأنوار ١٨ : ٣٧١ رقم ١٨ ، وفي البداية والنهاية ٥ : ٢١٢ ط القاهرة في حديث الإسراء : هذا وليّي والمؤدّي عنّي. وإحقاق الحقّ ٤ : ١٣٤ عنه). (هامش الأصل)

(٣) الفعل «يؤدّي» هو في حكم النكرة ووقع في سياق النفي وحذف متعلّقة وهو الذي يؤدّيه مِن ثمّ أفاد العموم. (المترجم)

(٤) من المناسب لإكمال البحث نقل حديث يتضمّن العلّة في عدم خطاب الإمام عليّ بأميرالمؤمنين.

قال ابن شهرآشوب : استفاض بين الخاصّ والعامّ أنّ أهل الكوفة فزعوا إلى أميرالمؤمنين عليه السلام من الغرق لمّا زاد الفرات ، فأتى عليه السلام شاطئ الفرات وأسبغ الوضوء وصلّى منفرداً ثمّ دعا الله ثمّ تقدّم إلى الفرات متوكّئاً على قضيب بيده حتّى ضرب به صفحة الماء وقال : انقص بإذن الله ومشيئته ، فغاض الماء حتّى بدت الحيتان ، فنطق كثير منها بالسلام عليه بإمرة المؤمنين ، ولم ينطق منها أصناف من السموك وهي الجرّي والمارماهي والزمّار ، فتعجّب الناس لذلك وسئلوه عن علّة ما نطق وصمت ما صمت ، فقال عليه السلام : أنطق الله ما طهر من السموك وأصمت عنّي ما حرّمه ونجّسه وبعده [مدينة المعاجز ٢ : ١٠٦. (المترجم) ونفسه : ١١١ الرقم ٢٩٩. (هامش الأصل]

والمفيد في الإرشاد مثله ثمّ قال : وهذا خبر مستفيض شهرته بالنقل والرواية كشهرة كلام الذئب وتسبيح الحصى بكفّه وحنين الجذع إليه وإطعامه الخلق من الطعام القليل ونحوه ، وذكره الطبرسي في إعلام الورى. [مدينة المعاجز : ١١١. (هامش الأصل) الإرشاد ١ : ٢٤٨. (المترجم)]. (المحقّق)

١٩٣

وَابْنَ سَيِّدِ الْوَصِيِّينَ ..

لإيضاح هذه الكلمة وبيان شرحها ينبغي الكلام في مطلبين :

المطلب الأوّل : في إثبات وصيّته عليه السلام

اعلم أنّ الوصي هو الذي يخوّله الموصي أن يتصرّف بعد مماته فيما كان يتصرّف به في حياته ، كما يظهر ذلك من كتب اللغة وموارد الاستعمال. ولمّا كانت الأُمور التي تختصّ بالأنبياء هي نشر الأحكام وهداية الأنام وإقامة النظام كانت وصايتهم عبارة عن النيابة على هذه الأُمور.

ولابدّ لمن يتولّى منصب الوصيّة أن يكون أعلم الأُمّة بما تحتاج إليه الأُمّة ، وأن يتميّز عنها بمحاسن الأخلاق ومكارم الآداب التي هي لازمة الرئاسة العامّة من قبيل شرف النسب والزهد والجود والشجاعة والفضيلة ، وأن يفضل جميع الخلق بهذه الملكات لكي يتسنّى له أداء العمل النبوي ، ويتمّ الغرض من البعثة على يديه ، وتبقى آثار الشريعة ماثلة لديه ، لأنّ وجود النقص في هذه الأُمور ينعكس سلباً على الخلق فيبدو النقص في جانب من جوانب الحياة.

ونحن حين نكون على الحياد ، ونلقي نظرة محايدة على الواقع ونفحص الأخبار فحصاً مستوعباً ندرك حتماً ونعلم علماً قطعيّاً بأنّه ليس في الأُمّة من هو نظير لأميرالمؤمنين عليه السلام في هذه الصفات وجميع الكمالات أو يبلغ درجته.

أمّا من جهة الشرف فإنّه أوّل هاشميّ أبواه هاشميّان ، أبوه أبو طالب عمّ رسول الله وناصره ومعينه الذي ملأت خدماته للإسلام وجه البسيطة وعجز العدوّ والصديق حتّى النواصب والخوارج عن إنكار فضله ونصرته للنبيّ صلى الله عليه وآله متواترة كتواتر وجوده ، والذي ينكرها فلا مانع لديه من إنكار وجوده من رأس. وأُمّه

١٩٤

فاطمة بنت أسد التي كان النبيّ يسمّيها أُمّي ، وكفّنها يوم ماتت ببرده ، واضطجع في قبرها كما ورد ذلك في ذخائر العقبى وأُسد الغابة وغيرها من كتب العامّة ، وكان ابن عمّ رسول الله وصهره زوج فاطمة وأبا الحسنين وجدّ الأئمّة التسعة المعصومين وهم أفضل خلق الله في كلّ عصر.

أمّا من ناحية العلم فيكفي الحديث المتفق عليه وهو قول النبي : أنا مدينة العلم وعليّ بابها ؛ فمن أراد المدينة فليأت الباب ، وما أحسن ما قاله فردوسي لله درّه وعلى الله برّه :

چه گفت آن خدواند تنزيل ووحى

خداوند امر وخداوند نهى

 كه من شهر علمم عليّم در است

درست اين سخن قول پيغمبر است

 گواهى دهم كاين سخن را زاوست

تو گوئى دو گوشم بر آواز اوست

 ما الذي قاله الإله مشيّداً

بعليّ ربّ المقام العلي

 إنّما المصطفى مدينة علم

وعليّ باب لعلم النبي

 من أراد الدخول لابدّ أن

يدخل من باب فضله المأتي

 قسماً إنّه لسرٌّ عليٌّ

ما قريب مثل البعيد القصي

وأمّا من حيث الزهد فيكفيه حديث طلاق الدنيا.

وأمّا من جهة الجود فإنّ سورة هل أتى شاهد عدل على ذلك.

وأمّا من جهة الشجاعة فإنّها لا تحتاج إلى دليل وشاهد.

ولمّا كانت هذه الصفات هي شرايط ثبوت وصاية الأنبياء لم تجتمع في غيره قطّ ، وإنّ العقل السليم يحكم بالضرورة بأنّ عليّاً وصيّ النبيّ صلى الله عليه وآله.

فإن قيل : من أين لكم هذا القول بأنّ لكلّ نبيّ وصيّاً ليكون عليّ وصيّ النبيّ صلى الله عليه وآله.

١٩٥

فإنّنا نقول في الجواب :

أوّلاً : من استقراء سيرة الأنبياء.

وثانياً : البرهان العقلي الذي أوجب بعث الرسل وتنزيل الكتب فقد أثبت أنّه ما من نبيّ إلّا وله وصيّ ، ولقد أجاد القائل وهو الأُزري رحمه الله :

أنبيٌّ بلا وصيّ تعالى

الله عمّا يقوله سفهاها

وهذا الدليل الذي سقناه هنا وإن كان كافياً للذكي طالب الحقيقة والمجاهد طالب الهداية ولكنّنا من أجل إتمام الحجّة ننقل نماذج عدّة من أخبار أهل السنّة والجماعة في إثبات وصيّته من كتبهم المعتبرة ونطلب التوفيق من الله سبحانه لأنّ المنازع في مسألة الوصيّة هذه الفرقة وحدها ، وقد عمدت إلى السعي إبطالها تصريحاً وتلويحاً منها ما قاله أحمد بن عبد ربّه القرطبي الأندلسي في كتاب «العقد» : قال رسول الله في حقّ عليّ : «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» (١) من هنا ادّعى الشيعة أنّه وصيّ رسول الله صلى الله عليه وآله وبهذا أراد أن ينقض قول الشيعة في الوصيّة (وَيَأْبَى اللَّـهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (٢) وهذا الحديث من الأحاديث المتواترة التي أثبتناها في محلّها (٣).

ومن هؤلاء الخوارزمي في المناقب عن أبي الطفيل وهو آخر الصحابة موتاً ، فقد روى عن النبيّ صلى الله عليه وآله أنّه قال : يا علي ، أنت وصيّي ، حربك حربي وسلمك سلمي (٤).

__________________

(١) العقد الفريد ٢ : ١٩٤ ط مصر الشرقيّة. (هامش الأصل) والعقد الفريد ٥ : ١٠٠ تحقيق أحمد أمين. (المترجم)

(٢) التوبة : ٣٢.

(٣) راجع عقبات الأنوار قسم حديث المنزلة ، وإحقاق الحقّ ٥ : ١٣٢.

(٤) الحديث في المناقب وليس فيه أنت وصيّي بل أنت على الحوض خليفتي : ١٢٩ ط مؤسسة النشر الإسلامي ثانية ١٤١١.

١٩٦

وفي المناقب بسنده عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام رفعه إلى النبيّ صلى الله عليه وآله أنّه قال : إنّ الله لم يقبض روح نبيّ حتّى يأمره بالوصيّة إلى أفضل عشيرته وعصبته ، وأمرني أن أُوصي إلى عليّ فإنّي أثبته في كتب السلف بأنّه وصيّك وأخذت على هذا الميثاق من الخلايق والأنبياء والرسل ، أخذت ميثاقهم على الربوبيّة لي وعلى النبوّة لك وعلى وصاية عليّ وولايته لك (١).

وفي المناقب بهذا السند أيضاً أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قال لأُمّ سلمة : اسمعي وكوني شاهدة على أنّ عليّاً أخي في الدنيا والآخرة وحامل لوائي في الدنيا وحامل لواء الحمد يوم القيامة ، وهذا عليّ وصيّي وقاضي عداتي والذائد عن حوضي المنافقين.

وفي المناقب وفرائد السمطين للحمويني عن أبي أيّوب الأنصاري أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قال لفاطمة عليها السلام : إنّ الله اطّلع على الأرض واختار زوجك وأمرني أن أُزوّجه منك وأتّخذه وصيّاً.

وفي المناقب بالسند المارّ ذكره أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قال لعليّ : إن لم تكن نبيّاً فأنت وصيّ نبيّ ووارثه بل أنت سيّد الأوصياء وإمام الأتقياء ....

وروى أبو نعيم في حلية الأولياء عن أبي برزة السلمي أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قال لربّه ليلة المعراج : عليّ وصيّي وأخي.

وفي المناقب بالسند المذكور أنّ جبرئيل هبط على النبيّ فرحاً مستبشراً وقال : سررت بإكرام الله أخاك عليّاً فقد جعله وصيّك وإماماً لأُمّتك.

وروى الحمويني أيضاً في فرائد السمطين عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي أنّه قال :

__________________

(١) الحديث مترجم.

١٩٧

«أنا خاتم النبيّين وأنت يا علي خاتم الوصيّين إلى يوم الدين» (١).

وروى الحمويني والخوارزمي عن الرضا عن أُمّ سلمة أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قال : لكلّ نبيّ وصيّ وعليّ وصيّي في عترتي وأهل بيتي وأُمّتي من بعدي (٢).

وروى الموفّق بن أحمد عن بريدة أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قال : لكلّ نبيّ وصيّ ووارث وعليّ وصيّي ووارثي.

وروى ابن المغازلي حديث الوصيّة بأسانيد عدّة عن جابر وابن عبّاس وبريدة (٣).

وروى الثعلبي في تفسير الآية الكريمة : (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (٤) عن البراء ابن عازب.

وأحمد بن حنبل وهو أحد الأئمّة الأربعة في المسند عن أنس بن مالك أنّه قال : سألت سلمان أن يسأل رسول الله عن وصيّه ، فسأله سلمان ، فقال النبيّ له : من وصيّ موسى؟ قال : يوشع بن نون. فقال النبيّ صلى الله عليه وآله : إنّ وصيّي ووارثي ، يقضي ديني وينجز عداتي عليّ بن أبي طالب .. (٥).

ونقل الخوارزمي في حديث القيامة الذي سمعته آنفاً عن ابن عبّاس أنّه كان يقول : هذا عليّ وصيّ محمّد صلى الله عليه وآله .. (٦).

__________________

(١) هذه الأحاديث مترجمة إلّا ما وضع بين الأقواس الصغيرة.

(٢) مناقب الخوارزمي : ٩٠ ط طهران عن أُمّ سلمة. (هامش الأصل)

(٣) مناقب الخوارزمي : ٦٣ ط طهران بالإسناد عن أبي أيّوب الأنصاري .. فأوحى الله إليّ أن أُزوّجك وأتّخذك وصيّاً. (هامش الأصل)

(٤) الشعراء : ٢١٤.

(٥) بحثنا عن الحديث في المسند وفي تفسير الثعالبي فلم أعثر عليه فعلمت أنّ يد التحريف حذفته من الكتابين.

(٦) مناقب الخوارزمي : ٢٥٩ ط طهران. (هامش الأصل)

١٩٨

إذن نقل هذه الرواية عشرة من أصحاب أميرالمؤمنين وأمّ سلمة وابن عبّاس وبرّاء وأبو برزة وأنس وأبو أيّوب وبريدة وجابر وأبوالطفيل ، ومع وجود هذا الجمّ الغفير من الثقاة لا أدري ما وجه الجحود والإنكار؟!

وما كتبته جملة يسيرة وغيض من فيض من الروايات المتعلّقة في هذا الباب ، إذ ل يس الموضع موضع استقصائها.

وهذه الجملة اخترتها من فصل أو فصلين من كتاب (ينابيع المودّة) للعارف القندوزي وهو أحد العلماء المعاصرين من أهل السنّة والجماعة ، مع الاختصار والاقتصار على موضع الحاجة علماّ بأنّ البيت إن كان به ديّار فقول واحد أو قولين يكفي في الاعتبار ، ومن تتبّع أخبار الماضين وألمّ بأشعار الغابرين واطّلع على أحاديث الأصحاب والتابعين يصل إلى مرتبة اليقين من أنّ ظهور هذا الأمر كان من الوضوح بمكان إلى الحدّ الذي اعترف به من لم يؤمن بخلافة عليّ وولايته ، كما نقل نصر بن مزاحم في كتابه ولوط بن يحيى الأزدي في كتابه وهما من العلماء الثقاة الذين أثنى عليهما علماء العامّة ، فقد نقلا في كتابيهما من الأشعار الكثيرة والأراجيز الوفيرة في حربي الجمل وصفّين حيث صرّح أصحابها من العدوّ والوليّ بوصاية أميرالمؤمنين وشهرته بالوصي ..

وذكر ابن أبي الحديد جملة وافرة منها في كتابه شرح نهج البلاغة ونحن نورد لك موضع الشاهد منها :

يقول عبدالله بن أبي سفيان بن الحرث بن عبدالمطّلب في مدح أميرالمؤمنين عليه السلام :

ومنّا عليّ ذاك صاحب حيدر

وصاحب بدر يوم شالت كتائبه (١)

__________________

(١) شال الشيء ارتفع والكتيبة ، القطعة من الجيش أو الجماعة وفي المصدر وشفاء الصدور سالت كتائبه. (هامش الأصل)

١٩٩

وصيّ النبيّ المصطفى وابن عمّه

فمن ذا يدانيه ومن ذا يقاربه

ويقول أبو الهيثم بن التيهان البدري رضي الله عنه :

إنّ الوصيّ إمامنا ووليّنا

برح الخفاء وباحت الأسرار

ويقول عمرو بن حارثة الأنصاري في مدح محمّد بن الحنفيّة :

سميّ النبيّ وشبل الوصي

ورايته لونها العندم (١)

وقال شابّ من بني ضبّة من النواصب في معسكر عائشة :

نحن بني ضبّة أعداء علي

ذاك الذي يُعرَف قدماً بالوصي

ويقول سعيد بن قيس الهمداني من معسكر الإمام عليه السلام :

قل للوصي أقبلت قحطانها

فادع بها تكفيكها همدانها

ويقول زياد بن لبيد الأنصاري من جند الإمام وأصحابه :

كيف ترى الأنصار في يوم الكلب

إنّا أُناس لا نبالي من عطب

 ولا نبالي في الوصيّ من غضب

وإنّما الأنصار جدّ لا لعب

ويقول حجر بن عدي الكندي رضي الله عنه :

يا ربّنا سلّم لنا عليّا

سلّم لنا المبارك المضيّا

المؤمن الموحّد التقيّا

لا خطل الرأي ولا غويّا

 بل هادياً موفّقاً مهديّا

واحفظه ربّي واحفظ النبيّا

 فيه فقد كان لنا وليّاً

ثمّ ارتضاه بعده وصيّا

ويقول خزيمة بن ثابت ذوالشهادتين :

يا وصيّ النبيّ قد أجلت الحرب

الأعادي وسارت الأظعان

وكذلك يقول خزيمة في يوم الجمل :

__________________

(١) العندم : خشب أو نبات يصبغ به. (هامش الأصل) العندم : دم الأخوين وقيل هو الأيدع. (لسان العرب)

٢٠٠