شفاء الصدور في شرح زيارة العاشوراء - ج ١

ميرزا أبي الفضل الطهراني

شفاء الصدور في شرح زيارة العاشوراء - ج ١

المؤلف:

ميرزا أبي الفضل الطهراني


المحقق: محمّد شعاع فاخر
المترجم: محمّد شعاع فاخر
الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: انتشارات المكتبة الحيدريّة
المطبعة: شريعت
الطبعة: ١
ISBN: 964-503-000-5
ISBN الدورة:
964-503-002-1

الصفحات: ٤٣٩
  نسخة غير مصححة

الصاحب الأجل أبي القاسم إسماعيل بن عباد رضي الله عنه وفي طبقة أبي سعيد الرستمي وأبي محمّد الخازن حيث يقول في قصيدته الميميّة المعروفة :

ولا تاج إلّا ما تولّيت عقده

على جبهة الملك المكنّى بقاسم

ونحن لو لم نكن على النهج الذي نقله السيوطي في المرهز عن الإيضاح لأبي على الفرسي وصاحب الكشّاف ونجم الأئمّة والمحقّق الشريف والقاضي البيضاوي وعبدالقادر البغدادي والشهاب الخفاجي وجماعة من الفضلاء الذي جوّزوا الاستشهاد بشعر العلماء المولّدين لأنّ استعمالهم للفظ يعتبر رواية منهم لذلك اللفظ فهو حجّة حينئذٍ.

أقول : لو لم نكن على النهج المذكور لوجب التزامنا في خصوص هذا الشعر بالصحّة لأنّه أُنشد بين يدي أعظم العلماء في لغة العرب وأُستاد مهرة الشعر والأدب و «عبدالقاهر الجرجاني» الذي هو ترجمان البلاغة ، كان يلتقط فتات خوانه وفي خدمة حضرته تعلّم هذه العلوم وكتابه «المحيط» أو بحر اللغة المحيط ، وقرأ الصاحب الشعر وقبله وصين من نقد نادرة النقّاد ، ولم ينقل عن أحد من أُدباء زمانه الذين يناصبونه العداء وكانوا على أُهبة الاستعداد لنقد أقواله وأفعاله ، نقد له أو مناقشة حول ذلك.

وكان أبو منصور عبدالملك الثعالبي وهو لسان العربيّة الناطق اختار هذا الشعر في كتابه يتيمة الدهر واعتبرها من الأفراد ، وكتبت هذه الفقرات قبل اطلاعي على شعر أبي صخر الهذبي وهو من كبار الطبقة الثالثة من الشعراء ومن فحول المتقدمين المعبّر عنهم بالإسلاميّين وشعره بالإجمال يصحّ الاستشهاد به ويحتجّ به ، وله قصيدة طنّانة ذكر شطراً منها صاحب الأغاني وفي الحماسة شطراً آخر منها وهي بأجمعها موجودة في خزانة الأدب للبغدادي عبدالقاهر نقلاً عن ذيل «أمالي القالي» واستشهد سيبويه ومن تأخّر ببعض أبياتها وفيها هذا البيت :

١٤١

أبى القلب إلّا حبّها عامريّة

لها كنية عمرو وليس لها عمرو

وظاهر هذا الاستمال أنّ نفس عمرو يقال ل كنية وبناءاً على هذا تكون الباء في قول القائل «يكنّى به عمرو» مثلاً للتعلّق بالفعل لا للسببيّة ودخلت الإسناد مجازاً لأنّ مدار الكناية ومناط الرمز في الحقيقة إنّما هو الاسم ، ولفظ الأب والأُمّ بمثابة العلاقة والرابطة ، وإطلاق الكنية عليه بهذه العناية مستحسنة. وعلى كلّ حال فإنّ شعره في هذه القصيدة صحيحة النسبة إليه ، برهان قاطع على دفع إنكار المنركين وتبيّن من هذا أن لا مندوحة من صحّة الاستعمال.

ومن مجموع الأحاديث والأقوال التي ذكرناها يظهر وجه تكنية الشيخ الصدوق في كتاب «إكمال الدين» للإمام صاحب الزمان بقوله : «يكنى بجعفر» (١) أنّ غرضه يكنّى بأبي جعفر كما جاء في خبر آخر «يكنّى بعمّه» (٢). وعمّه يدعى جعفراً فتكون كنيته أبا جعفر. ورجّح العلّامة المجلسي هذا الاحتمال هو المطابق لطريقة يكنّى عنه بجعفر للإيهام وهذا بعيد ، والاحتمال الأوّل هو المطابق لطريقة الاستعمال يومذاك.

والعجيب أنّ بعض المعاصرين أيّده الله استند إلى عبارة منتهى الإرب وجوّز الوجه الثاني وأشكل على العلّامة المجلسي حيث استظهر الوجه الأوّل ، وأظهر العجب من هذا المعنى واسغربه ، والله العالم بحقائق الأُمور.

تنبيه ..

أشرنا في البداية أنّ هذه الكنية اختصّت بسيّد الشهداء وينبغي أن تكون بإذن

__________________

(١) إكمال الدين ٢ : ٤٣٢ باب ٤٢ رقم ١١ وتفسيره ذيل الحيدث ، وبحار الأنوار ٥ : ١٥ و ١٦ رقم ١٨ و ٢٣ ، إثبات الهداة ٣ : ٤٦٦ و ٤٧٨ و ٤٨٤. (هامش الأصل)

(٢) المكنّى بعمّه. إكمال الدين ١ : ٣١٨ رقم ٥ وتفسيره ذيل الحديث ، وبحار الأنوار ٥١ : ٣٧ و ٣٨ رقم ٩ و ١١.

١٤٢

رسول الله صلى الله عليه وآله. ومن الواضح البيّن أنّ النبيّ لا يفعل ذلك إلّا بأمر الوحي ، ولابدّ من أن ينطوي سرِّ من الأسرار في هذه الكنية. ولا يكنى الإمام بها إلّا لأمر بالغ الأهميّة أو نكتة من الدقّة بمكان مكين.

وليس بعيداً أن تكون بمثابة كنية النبي صلى الله عليه وآله بأبي القاسم ـ كما جاء في بعض الأخبار ـ وليست تلقائيّة من قبيل الكنى المعروفة.

وبيانه كالتالي : لمّا اقدم الحسين عليه السلام من أجل تبيين مستوى عبادته وعبوديّته ورسوخ قدمه في التوحيد ومحبّة الربّ الأزلي ، على أمر عجز عن الوصول إليه نبيّ من الأنبياء ولا وليّ من الأولياء ما عدا جدّه وأباه وأخاه العظيم ، وكلّهم قال بلسان حاله : «لو دنوت شبراً لاحترقت» لاسيّما يوم العاشر من المحرّم حيث أقام عبادة جمعت جميع العبادات كلّها ؛ الظاهريّة والأعمال القلبيّة. وكلّ فعل من أفعاله وعمل من أعماله كالصوم والصلاة والزكاة والحجّ والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي حصلت من جنابه على نحو الحقيقة والواقع من قبيل الجهاد والأمر بالمعروف والصلاة وما أشبه ذلك ، وقسم آخر من أعماله كالحجّ والزكاة التي تحتاج إلى التأمّل والتدبّر لمحاكاتها مع رعاية التطبيق والتشبيه فقد أصبح بناءاً على ما تقدّم عبرةً لأُولي الأبصار وأصحاب العقول.

وكذلك بالنسبة إلى مكارم أخلاقه ومعالي أُموره وشجاعته وسماجته ومروّته وغيرته وحميّته وعفوه ومداراته الناس ونصيحته الأُمّة وإصلاح أمرها ويقينه واطمئنانه وثباته ، ولينه وحسن معاشرته ، ومواساته وبرّه وملاطفته ، هذه الصفات جميعاً التي ظهرت على حياته ، وأعظمها جميعاً الصبر الذي يحتوي في الحقيقة علاى جميع المكارم والفضائل وصار باعثاً على تعجّب ملائكة السماء ، وهم النفوس القدسيّة والعباد المكرّمون ، وليس بعيداً أن تكون الفقرة المأثورة «لا يوم

١٤٣

كيومك يا أبا عبدالله» (١) إشارة إلى ما ذكرناه.

وذكر الفاضل والفقيه المعاصر في كتاب «خصائص الحسين» شرحاً مسهباً عن العبادات التي صدرت من جنابه يوم عاشوراء وقد أدّى حقّ هذا المورد كما يستحقّ أمثاله من أنواع التقريبات الخطابيّة ، وحاصله :

أنّ الحسين عليه السلام لمّا كان له في مقام إظهار العبوديّة لله امتياز خاصّ وقدح معلّى وسهم أوفر كنّي لذلك بأبي عبدالله ، وهذا الوجه له صلة وثيقة في استعمالات العرب اللفظيّة ، لأنّ من غلبت عليه صفة من الصفات يتّخذ من تلك الصفة معنىً مجرّداً ثمّ يطلق عليه كما كانوا يقولون : رأيت منه أسداً ، وأحياناً يقولون : «فلان أبو جواد» يعنون أنّه صاحب جود عظيم وكرم زائد ، وما زال هذا الاستعمال شائعاً بين العرب ، ولو ألقيت نظرة فاحصة إلى أقسام الكنى المنقولة عن العرب بتدبّر جيّد وتمعّن صحيح ، وفكّرت في الأمر تفكيراً جادّاً فسوف تشاهد فصلاً ممتعاً وشطراً صالحاً من هذا النوع من الكنايات بحيث يرتفع به الإشكال والاستبعاد ، فقد كانوا يكنّون «الفالوذج» بأبي سائغ ، والخلّ بأبي نافع ، والسكباج بأبي عاصم ، والشمع بأبي مؤنس ، والديك بأبي اليقظان وأمثال ذلك كثير. ومن ذلك ما أشرنا إليه من كنية النبي بأبي القاسم ، لأنّ الجنّة والنار قسمتها بيده صلى الله عليه وآله.

الوجه الثاني : إنّ كلّ من عرف سياسة خلفاء الجور وأتباعهم في الأزمان المنصرمة ، عرف حتماً أنّ الحسين لو لم ينهض وترسخ قدمه في الجهاد ويبذل الجدّ والجهد في يوم عاشوراء في ميدان الفداء والتضحية ، لانمحت الشريعة المحمّديّة من أساسها ، وتلاشت من وجه البسيطة كلّها ، وعاد الناس إلى سيرتهم

__________________

(١) «لا يوم كيوم الحسين» الخصال. أمالي الصدوق : مجلس ٧٠ رقم ١٠ ، بحار الأنوار ٤٤ : ٢٩٨. «ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبدالله» أمالي الصدوق : مجلس ٢٤ تحت رقم ٣. بحار الأنوار ٤٥ : ٢١٨ ط لبنان.

١٤٤

الجاهليّة ورجعوا القهقرى إلى شريعة الكفر ، ولغلب الجبروت وانتصر الميل إلى الحباة العاجلة فلا ترى مسلماً على دين الهداية. وكانت الأسبقيّة في الدين للفضائح الأمويّة والقبائح التيميّة والعدويّة.

ولكن النهضة الحسينيّة قوّمت المعوج ، وأصلحت الفاسد ، وأقامت انحناء الدين ، فكلّ من جاء بعده وعبدالله حقّ عبادته والتحف شريعة المصطفى واقتدى به فهو من بركة وجود الحسين عليه السلام وجهاده «لولاه ما عرف الله» .. (١). وعلى هذا فهو أبٌ لعباد الله جميعاً على الحقيقة ، لأنّ من معاني الأب المربّي والمؤيّد وهو في لغة العرب شائع الاستعمال ، سواء كان العبد عبد عبادة أو عبد عبوديّة ، ولا يلزم منه استعمال اللفظ بأكثر من معنىً لأنّ حقيقة العبوديّة بحسب اللغة تدلّل ، ومعنى التعبيد التذليل ، والعابدة من وظائف العبوديّة فلا إشكال حينئذٍ ، والله أعلم.

__________________

(١) فرائد السمطين ١ : ٤٦ ط بيروت بالإسناد عن الصادق : لم تخلو الأرض منذ خلق الله آدم من حجّة لله فيها ظاهر مشهور أو غائب مستور ، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجّة الله فيها ولولا ذلك لم يعبد الله ... (هامش الأصل) جرى تطبيقها على فرائد السمطين ، وهذا بعض الحديث. (المترجم)

١٤٥

السَّلامُ عَلَيْكَ يَابْنَ رَسُولِ اللهِ ..

«ابن» لفظ من الألفاظ التي زيدت فيها همزة الوصل بدلاً عن محذوف ، واشتقاقه من البناء لأنّ وجود الابن مبنيّ على وجود الأب ، كما ذكر في مجمع البيان ، وليس اشتقاقه من «البنو» كما هو معروف ، وشاهده عدم استعمال «بنو» في سائر التراكيب ، واستعمال البنوّة لا يمكن أن يكون دليلاً على القول الثاني ، لما ورد في مبناه من مجيء الفتوّة مع أنّ تثنية الفتى فتيان ، وقلّة تبديل الياء بالتاء كما في البنت لا يعارض عدم ورود لفظ «بنو».

من هذه الجهة روي عن الراغب وابن سيّدة في الحكم الميل إلى الاحتمال الأوّل (١) ولو فرضنا تعادل الأدلّة فإنّه محلّ توقّف وترديد كما في القموس. وحكي عن الأخفش ، والجزم بالوجه الثاني لا وجه له.

«الرسول» لغة معناه المرسل وهو في الاصطلاح أخصّ من النبي.

وبالجملة أرى من المناسب أن نشير إلى الدليل القاطع على انتساب سيّد الشهداء والإمام المجتبى وسائر أئمّة الهدى إلى النبيّ بالنبوّة الصحيحة وإن كان هذا المطلب مورداً لإجماع الإماميّة ومن مسلّمات مذهبهم ، وبلغ حدّ الضرورات الدينيّة لما ورد فيه من أخبار الصحيحة وآثار صريحة.

ولكن لمّا خالف في ذلك بعض أهل السنّة والجماعة فعلينا الاستدلال عليهم

__________________

(١) وأنقل لك ما قاله الراغب في المفردات : و «ابن» أصله بنو لقولهم الجمع أبناء وفي التصغير بني ، قال تعالى : (يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ) ، (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) ، (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّـهِ) ، (يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ) وسمّي بذلك لكونه بناءاً للأب هو الذي بناه وجعله بناءاً في إيجاده ويقال لكلّ ما يحصل من جهة شيء أو من تربيته أو بتفقّده أو كثرة خدمته له أو قيامه بأمره هو ابنه نحو فلان ابن حرب وابن السبيل للمسافر ، وابن الليل وابن العلم ... الخ. (المفردات : ٦٢). (المترجم)

١٤٦

بالأدلّة المقبولة عندهم. مِن ثَمّ نكتفي بإثبات آيتين من كتاب الله الكريم وبعض الأخبار الثابتة لدى أهل السنّة والجماعة ، التي استخرجناها من كتب علمائهم المعتبرة على وجه الإيجاز لئلّا تبقى شبهة في القلوب ، قلوب الناظرين في هذه الصفحات ، وتتوطّد عقايد السامعين وتكون محكمة الأركان ثابتة الأساس.

الآية الأُولى

(فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّـهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) (١).

وخلاصة المعنى أنّه سبحانه وتعالى خاطب نبيّه قائلاً : أي محمّد ، لو جادلك أحد من الناس حول مخلوقيّة عيسى وكونه خلق بدون أب كما هو الحال في آدم ثمّ خاصمك في ذلك فقل له : هلمّ ندعو أبنائنا وتدعون أبنائكم ، وندعو نسائنا وتدعون نسائكم ، وندعو أنفسنا وتدعون أنفسكم ، ثمّ نبتهل إلى الواحد الأحد أن يجعل الدائرة تدور على الكاذب وتحلّ اللعنة به ويبعد من رحمة الله تعالى.

دلّت هذه الآية على أنّ الحسنين عليهما السلام هما ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله.

يقول ابن الخطيب الرازي ـ وهو إمام أهل السنّة وفخرهم وفخر دينهم ـ في تفسيره مفاتيح الغيب : (واعلم أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله لمّا أورد على نصارى نجران أنواع الدلائل وانقطعوا ثمّ دعاهم إلى المباهلة فخافوا وما شرعوا فيها وقبلوا الصغار بأداء الجزية ، وقد كان عليه السلام على إيمانهم) روي أنّه عليه السلام لمّا أورد الدلائل على نصارى نجران ثمّ إنّهم أصرّوا على جهلهم فقال عليه السلام : إنّ الله أمرني إن لم تقبلوا الحجّة أن أُباهلكم. فقالوا : يا أبا القاسم ، بل نرجع فننظر في أمرنا ثمّ نأتيك ، فلمّا

__________________

(١) آل عمران : ٦١.

١٤٧

رجعوا قالوا للعاقب ـ وكان ذا رأيهم ـ : يا عبد المسيح ، ما ترى؟ فقال : والله لقد عرفتم ـ يا معاشر النصارى ـ أنّ محمّداً نبيّ مرسل ولقد جاءكم بالكلام الحقّ في أمر صاحبكم ، والله ما باهل قوم نبيّاً قطّ فعاش كبيرهم ، ولا نبت صغيرهم ، ولئن فعلتم لكان الاستئصال ، فإن أبيتم إلّا الإصرار على دينكم والإقامة على ما أنتم عليه فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم.

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله خرج وعليه مرط شعر أوسد ، وكان قد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعليّ رضي الله عنه خلفها وهو يقول : إذا دعوت فأمّنوا. فقال أُسقف نجران : يا معشر النصارى ، إنّي لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصرانيّ إلى يوم القيامة. ثمّ قالواو : يا أبا القاسم ، رأينا أن لا نباهلك وأن نقرّك على دينك. فقال صلوات الله عليه : فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين ، فأبوا ، فقال : فإنّي أُناجزكم القتال ، فقالوا : مالنا بحرب العرب طاقة ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تردّنا عن ديننا على أن نؤدّي إليك في كلّ عام ألفي حلّه ؛ ألفاً في صفر وألفاً في رجب ، وثلاثين درعاً عادية من حديد ، فصالحهم على ذلك ، وقال : والذي نفسي بيده إنّ الهلاك قد تدلّى على أهل نجران ولو لاعنوا لمُسِخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي ناراً ، ولاستأصل الله نجران وأهله حتّى الطير على رؤوس الشجر ، ولما حال الحول على النصارى كلّهم حتّى يهلكوا.

وروي أنّه عليه السلام لمّا خرج في المرط الأسود فجاء الحسن رضي الله عنه فأدخله ، ثمّ جاء الحسين رضي الله عنه فأدخله ، ثمّ فاطمة ثمّ عليّ رضي الله عنهما ، ثمّ قال : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ

١٤٨

لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (١) (٢) ، وإلى هنا نقلنا مجمل ما قال الفخر الرازي.

ويقول بعد ذلك : واعلم أنّ هذه الرواية كالمتفق على صحّتها بين أهل التفسير (٣) ومثله فعل نظام الدين النيشابوري في تفسيره وادّعى عليها الاتفاق ، والزمخشري في الكشّاف ، وناصرالدين البيضاوي في أنوار التنزيل وكذلك أبوالسعود نقل ذلك بنفس الطريق ، وشمس الدين سبط أبي الفرج بن الجوزي البغدادي في التذكرة روى اتفاق العلماء وأصحاب السير عليها ، وابن روزبهان مع تعصّبه الشديد في ردّ كشف الحقّ لآية الله العلّامة قدس سره ادّعى عليها الاتفاق أيضاً ، ومثله فعل كمال الدين بن طلحة وأثبت نسبتها إلى جميع النقلة والرواة الثقات ، والعضدي في المواقف ، والشريف في شرحها ، والتفتازاني في المقاصد وشرحه ، وعلاء الدين القوشجي ولم يناقش السند أبداً ، ومسلم بن الحجّاج النيسابوري في صحيحه ، وأبو عيسى الترمذي أيضاً في صحيحه ، وقد أجمعت أهل السنّة على تصحيح ما جاء فيهما من الأحاديث.

فقد روى هؤلاء جميعاً أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله بعد نزول آية المباهلة جمع هؤلاء الأربعة وقال : اللهمّ هؤلاء أهلي.

وفي الفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكي بعد نقله عن جابر أنّ قوله تعالى «أنفسنا» محمّد وعليّ و «نسائنا» فاطمة و «أبنائنا» الحسنان ، قال : هكذا رواه الحاكم

__________________

(١) الأحزاب : ٣٣.

(٢) تفسير الفخر الرازي ٨ : ٨٥ ط البهيّة بمصر. (هامش الأصل) وجرت مطابقته على الطبعة الثانية لدار إحياء التراث العربي بيروت ٨ : ٨٠ ، ونقلت النصّ كلّه ولم أُتابع المؤلّف لأنّه مترجم للنصّ وله أن يختصر ويحذف وأنا ناقل النصّ فلا سبيل لي إلّا نقله كما أورده صاحب المصدر الرازي. (المترجم)

(٣) نفسه ٨ : ٨٠.

١٤٩

في مستدركه عن عليّ بن عيسى وقال : صحيح على شرط مسلم. ورواه أبو داود والطيالسي عن شعبة ، والشعبي ، وروى ابن عبّاس والبراء نحو ذلك.

وذكر ابن الأثير هذه الرواية في أُسد الغابة باختلاف يسير ، والقرماني في أخبار الدول ، ومودّة القربى لسيّد علي الهمداني ، وفي مناقب السبطين لمحبّ الدين الطبري ، وذكرها ابن حجر الهيثمي في شرحه على همزيّة البوصيري ، وذكرها أيضاً في الصواعق المحرقة واعترف بصحّتها ، وذكرها جلال الدين السيوطي في تاريخ الخلفاء وشرح ديوان الحسين بن معين الدين الميبدي ، والمحبّ الطبري المكّي في ذخائر العقبى ، وسيّد مؤمن الشبلنجي المعاصر المصري في نور الأبصار وادّعى اتفاق المفسّرين عليها ، والعارف القندوزي القسطنطيني المعاصر في مواضع عدّة وبطرق مختلفة.

وهؤلاء الكبار كلّ واحد منهم يُعدّ من أساطين عالم التسنّن ومن أماثل القوم وأساطينهم ، ولهم مراتبهم العلميّة المعترف بها ، فقد نصّوا عليها في تآليفهم ، ولو ذهبنا نستقصي طرق هذه الرواية لكان المثنوي سبعين مَنّاً من القرطاس (١).

ومن هذه الجهة لم يستطع إنكارها الفخر الرازي وهو قمّة العصبيّة المذهبيّة ، وموئل إنكار فضائل أهل البيت ولم يؤت القدرة على ردّها وقال : هذه الآية دليل على أنّ الحسنين ابنا رسول الله ، والحمد لله على وضوح الحجّة.

وأورد الزمخشري في الكشّاف قائلاً : فإن قلت ما كان دعائه إلى المباهلة إلّا ليتبيّن الكاذب منه ومن خصمه وذلك أمر يختصّ به وبمن يكاذبه فما معنى ضمّ الأبناء والنساء؟ قلت : ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه حيث استجرأ على تعريض أعزّته وأفلاذ كبده وأحبّ الناس إليه لذلك ، ولم يقتصر على

__________________

(١) مثل فارسي : «مثنوى هفتاد من كاغذ شود».

١٥٠

تعريض نفسه له وعلى ثقته بكذب خصمه حتّى يهلك خصمه مع أحبّته واعزّته هلاك الاستئصال إن تمّت المباهلة ، وخصّ الأبناء والنساء لأنّهم أعزّ الأهل وألصقهم بالقلوب ، وربّما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتّى قُتِل ، ومن ثمّة كانا يسوقون مع أنفسهم الضغائن في الحروب لتمنعهم من الهرب ويسمّون الذادة عنهم بأرواحهم حماة الحقائق.

وقدّمهم في الذكر على الأنفس لينبّه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم ، وليؤذن بأنّهم مقدّمون على الأنفس مفدّون بها ، وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء (١) وهذا مجمل ما قاله صاحب الكشّاف.

والعبد لله يقول : أوّلاً : الأولى أن يجعل الوثوق بالصدق والاطمئنان في تقديم الأبناء والنساء هو الأهم والأجدر لأنّه وكما قال الزمخشري ينحصرهم الإنسان في مقام المحن والبلاء في نجاة الأبناء والنساء ، ومع كلّ ما يتوقّع من جرّاء هذه المباهلة فإنّ ذوي العزّة والمحبّة في مقام البلاء ونزول الداهية الدهماء يقدّمون الأبناء والنساء ، وهذا دليل واضح على صدق الدعوى وثبات القدم ورسوخها حيث لا يوجد عاقل يجعل أطفاله وعياله وقاءاً له أمام البلاء النازل من السماء وفداء له في نزول القضاء المفاجئ .. (٢).

ثانياً : أُنظر بعين الدقّة والتأمّل الجيّد وبالبصيرة النافذة إلى هذا الرجل الذي هو علّامة طائفته المطلق كيف يذعن بأنّ فاطمة والحسنين عليهما السلام أحبّ الخلق إلى

__________________

(١) الكشّاف ١ : ٤٣٤ ولم نقنع بما أجمله المؤلّف لأنّ ذلك يؤثر على النصّ العرب في الكشّاف. (المترجم)

(٢) رحم الله شيخنا الطهراني كان عليه أن يفطن إلى ما تحت هذا القول من نفي الفضل عن المباهل بهم حيث جعلوا تقديمهم بين يدي النبي يعود أوّلاً وبالذات إلى الطبع الأبوي وأنّه قدّمهم إشارة منه إلى صدق دعواه ورسوخ قدمه مع حبّه الشديد لهم ، ولو لم يكن واثقاً بالنصر والنجاة لصدقه لما قدّمهم وليس ذلك لفضل فيهم وأمر من الله بتقديمهم. (المترجم)

١٥١

رسول الله صلى الله عليه وآله وهم أفلاذ كبده وأنّهم أشدّ الناس به لصوقاً ودنوّاً وهمّه في نجاتهم من الأحداث أكثر من أيّ شخص آخر ثمّ يتقاعس عن أداء حقوقهم بحيث لا نظير له في ذلك ويقدم عليهم الأخسّ المعيب الفطرة الذي ليس له حسب أو نسب ويفضّله عليهم (١) نعوذ بالله من الخزي والخذلان.

الآية الثانية

(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ) إلى قوله تعالى : (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ) (٢).

أسند الشيخ الأعظم الأقدم ثقة الإسلام أبو جعفر الكليني الرازي جزاه الله عن العترة الطاهرة خير الجزاء في جامعه العظيم وهو بشهادة المفيد رضي الله عنه أجلّ كتب الإسلام وأعظم مصنّفات الإماميّة المسمّى بـ «الكافي» والشيخ الجليل العظيم أحمد بن أبي طالب الطبرسي قدّس سرّه الزكي في كتاب الاحتجاج وساقا السند إلى بقر علوم النبيّين أبي جعفر الإمام محمّد الباقر سلام الله عليه وعلى آبائه وابنائه أنّه قال لأبي الجارود : يا أبا الجارود ، ما يقولون لكم في الحسن والحسين عليهما السلام؟ قلت : ينكرون عليهما أنّهما ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله.

قال : فأيّ شيء احتججتم عليهم؟ قال : احتججنا عليهم بقول الله عزّ وجلّ في عيسى بن مريم عليهما السلام : (وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ

__________________

(١) ليس الزمخشري كما يقول عنه المؤلّف بل هو معتزليّ والمعتزلة رأيهم تفضيل أهل البيت أو رأي الأغب منهم والزمخشري من هؤلاء ، أليس هو القائل :

فاز كلب بحبّ أصحاب كهف

كيف أشقى بحبّ آل النبي

(المترجم)

(٢) النساء : ٢٣.

١٥٢

وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ) (١) فجعل عيسى بن مريم من ذرّيّة نوح عليه السلام.

قال : فأيّ شيء قالوا : قلت : قالوا : قد يكون ولد الابنة من الولد ولا يكون من الصلب.

قال : فأيّ شيء احتججتم عليهم؟ قلت : احتججنا عليهم بقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله : (قُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ) (٢).

قال : فأيّ شيء قالوا؟ قلت : قالوا : قد يكون في كلام العرب أبناء رجل وآخر يقول : أبنائنا.

قال : فقال أبو جعفر عليه السلام : يا أبا الجارود ، لأُعطينّكما من كتاب الله جلّ وتعالى أنّهما من صلب رسول الله صلى الله عليه وآله لا يردّها إلّا كافر.

قلت : ومن أين ذلك جعلت فداك؟ قال : من حيث قال تعالى : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ) الآية إلى أن انتهى إلى قوله : (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ) فسلهم يا أبا الجارود : هل كان يحلّ لرسول الله صلى الله عليه وآله نكاح حليلتيهما؟ فإن قالواو : نعم ، كذبوا وفجروا ، وإن قالوا : لا فهما ابناه لصلبه ... (٣). (٤) إلى هنا تمّت ترجمة الحديث المبارك إلّا ما تخلّله من ترجمة الآية ألفاظ قليلة.

وقريب من هذا الاستدلال الخبر الذي رواه في الاحتجاج منقولاً عن الإمام الكاظم عليه السلام أنّ ال رشيد العبّاسي سأله : [كيف] جوّزتم للعامّة والخاصّة أن ينسبوكم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ويقولوا لكم : يا بني رسول الله ، وأنتم بنو عليّ وإنّما ينسب

__________________

(١) الأنعام : ٨٤ ـ ٨٥.

(٢) آل عمران : ٦١.

(٣) الكافي ٨ : ٣١٧ و ٣١٨ ، الاحتجاج ٢ : ٥٨ و ٥٩. (المترجم)

(٤) الكافي ٨ : ٣١٧ ح ٥٠١ ، الاحتجاج ٢ : ٥٨ احتجاج الإمام الباقر. (هامش الأصل)

١٥٣

المرء إلى أبيه ، وفاطمة إنّما هي وعاء ، والنبيّ جدّكم من قبل أُمّكم؟

فقلت : يا أميرالمؤمنين ، لو أنّ النبيّ نُشِر فخطب إليك كريمتك هل كنت تجيبه؟ قال : بحان الله ولم لا أجبه بل أفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك. فقلت له : ولكنّه لا يخطب إليّ ولا أُزوّجه. فقال : ولم؟! فقلت : لأنّه ولدني ولم يلدك. فقال : أحسنت يا موسى (١).

أمّا الأخبار الواردة عن طريق أهل السنّة والجماعة في أنّ الحسنين هل هما ابنا رسول الله أو عليّ أو أحدهما لم أعثر على فرقة ادّعت نفيهما عن النبي في كتبهم المعتبرة على بضاعتي العلميّة المزجاة ، وكلّ منصف يذعن بتواتر ذلك ولا يتحمّل هذا المختصر حصر هذه الأخبار ، ولا في قدرتي إثباتها جميعاً بل لا يتسع الوقت لذلك من ثمّ نقتصر على بضعة أحاديث شريطة أن تكون غاية في الاعتبار سنداً ودلالةً ، فنقول :

الأوّل : ما رواه محمّد بن إسماعيل البخاري الذي يعتبر كتابه عند العامّة أصحّ الكتب بعد كتاب الله وهو الجامع الصحيح فقد روى فيه عن أبي بكرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو على المنبر والحسن إلى جنبه ينظر إلى الناس مرّة وإليه مرّة أُخرى ويقول : ابني هذا سيّد ، ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين (٢). وهذه إشارة إلى صلحه عليه السلام ومعاوية والمراد من إسلام هذا الأخبر الظاهري وهو قول الشهادتين وليس فيه دلالة على إسلام أصحاب معاوية ، ولا تنافي الأدلّة الصريحة الدالّة على كفر عدوّ أهل البيت كما يظهر ذلك لكلّ ذي

__________________

(١) الاحتجاج ٢ : ١٦٣ و ١٦٤. (المترجم وهامش الأصل)

(٢) صحيح البخاري ٥ : ٢٣ ط مطابع الشعب باب مناقب الحسن والحسين. (هامش الأصل) صحيح البخاري ٣ : ١٧٠ ط بيروت دار الفكر الطبعة بالأُفست عن طبعة دار الطباعة العامرة باصطنبول ١٤٠١ المجلّدات = ٩. (المترجم)

١٥٤

بصيرة. وهذا الحديث بعينه مع إضافة لفظ «عظيمتين» بعد قوله «فئتين» مروي في الترمذي الذي يعتبر كتابه من أعظم الكتب الستّة الصحاح (١).

ورأيته في غير هذين الكتابين في كتب كثيرة من كتب هذه الطائفة ـ العامّة ـ ولا تنفع في إفلاج حجّة الخصم بعد كتاب البخاري لأنّهم يعتبرون أقواله حجّة قاطعة بل حكم بعضهم بكفر رادّ أحاديث البخاري ، وأنت تعلم أن لا فرق في هذا الأمر بين الحسن والحسين.

الحديث الثاني : نقل محمّد بن عبدالله الترمذي صاحب الصحيح في كتابه عن أُسامة بن زيد قال : طرقت النبيّ ذات ليلة في بعض الحاجة فخرج النبيّ صلى الله عليه وآله وهو مشتمل على شيء لا أدري ، فلمّا فرغت من حاجتي قال : فكشفه فإذا حسن وحسين عليهما السلام على وركه ، فقال : هذان ابناي وابنا بنتي ، اللهمّ إنّي أُحبّهما فأحبّهُما وأحبَّ من يحبّهما (٢). قال : هذا حديث حسن قريب. ورواه النسائي أحمد بن شعيب صاحب الصحيح في كتاب الخصائص مسنداً (٣).

الحديث الثالث : رواه أيضاً الترمذي في صحيحه عن يوسف بن إبراهيم أنّه سمع أنس بن مالك يقول : سُئل رسول الله : أيّ أهل بيتك أحبّ إليك؟ قال : الحسن والحسين. وكان يقول لفاطمة : ادعي ابنيّ فيشمّهما ويضمّهما إليه. قال :

__________________

(١) صحيح الترمذي ٣ : ١٩٢ ط الصاوي بمصر ، إحقاق الحق ١٠ : ٦٦٤ عنه. (هامش الأصل) والحديث عن أبي برّة قال : صعد رسول الله صلى الله عليه وآله المنبر فقال : إنّ ابني هذا سيّد ، يصلح الله على يديه بين فئتين. هذا حديث حسن صحيح. قال : يعني الحسن (سنن الترمذي ٥ : ٣٢٣ ط دار الفكر طبعة ثانية ١٤٠٣ تحقيق عبدالرحمان محمّد عثمان). (المترجم)

(٢) وقع خطأ من المترجم هنا فالمرجع المرقّم من هامش الأصل برقم (٢) هو للحديث المرقّم برقم واحد ، إمّا هامش المترجم فهو صحيح ، والحديث المرقّم برقم (١) هامش الأصل فهو في ج ٥ باب ٣١ رقم ٣٧٧٣.

(٣) خصائص النسائي : ٣٦ طبع التقدّم بمصر. (هامش الأصل)

١٥٥

هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث أنس (١).

الحديث الرابع : ذكر ابن حجر المكّي صاحب الصواعق وهو متأخّر في كتاب «المنح المكيّة» في شرح بيت البوصيري الذي قال فيه :

كنت تؤويهما إليك كما

أوت من الخطّ نقطتيها الياء

فقال : وجاء من طرق صحّ بعضها : ابناي الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ، وأبوهما خير منهما (٢).

وذكر في الصواعق : أخرج ابن عساكر عن عليّ وابن عمر ، وابن ماجة والحاكم عن ابن عمر ، والطبراني عن قرّة ومالك بن حريث ، والحاكم أيضاً عن ابن مسعود مرفوعاً : ابناي هذان الحسن ... الخ (٣).

الحديث الخامس : ويقول في المنح أيضاً : روى البغوي وغيره : سمّى هارون ابنيه شبّراً وإنّي سمّيت ابنيّ الحسن والحسين (٤).

الحديث السادس : وذكر ابن حجر في المنح أيضاً ، ويؤيّده ما صحّ عن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : كلّ سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلّا سببي ونسبي. وفي رواية زيادة الصهر والحسب : وكلّ بني أُنثى عصبتهم لأبيهم ما عدا ولد فاطمة فإنّي أنا أبوهم وعصبتهم (٥).

__________________

(١) صحيح الترمذي ٣ : ١٩٣ مصر الصاوي. (هامش الأصل) سنن الترمذي ٥ : ٣٢٣ ط دار الفكر الثانية ١٤٠٣ تحقيق عبدالرحمن محمّد عثمان ، بيروت. (المترجم)

(٢) يوجد في الصواعق المحرقة في الفصل الثالث ص ١٩٠ كثير من هذه الأخبار.

(٣) الصواعق المحرقة ، الفصل الثالث ، ص ١٩١ الحديث الحادي عشر. (هامش الأصل)

(٤) وفي فرائد السمطين ١ : ٤١ ط بيروت ، عن سلمان الفارسي عن رسول الله صلى الله عليه وآله : وابناي الحسن والحسين. (هامش الأصل)

(٥) نقل هذا الموضوع علماء أهل السنّة والجماعة في كتبهم بأسناد مختلفة وذكره بالتفصيل في «إحقاق الحق» ٩ : ٦٤٨ ... وإحقاق الحق ١٨ : ٣٣١.

١٥٦

والأولى ذكر أقواله التي ذكر من أجلها الحديث السالف وجائـ به شاهداً عليها لأنّ به فوائد كثيرة. ويقول في شرح هذا البيت :

سُدْتُم الناس بالتُقى وسواكم

سوّدته البيضاء والصفراء

إنّ سيادة الحسنين وذريّاتهما من حيث النسب أشهر من أن تُذْكر ، ودليل ذلك آية المباهلة. ويقول بعض المفسّرين أهل التحقيق : ما من دليل أدلّ من هذه الآية على فضل فاطمة وعليّ والحسنين لأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله دعاهم عند نزولها فحمل حسيناً وأخذ بيد الحسن ومشت فاطمة ورائهم وعليّ وراء فاطمة فعلم من ذلك أنّهم المعنيّون بالآية فصار أولاد فاطمة وذرّيّتها يدعون أبناء النبي صلى الله عليه وآله وينسبون إليه نسبة نافعة وحقيقته في الدنيا والآخرة وبرهان ذلك حديث عن النبي أنّه خطب خطبة فقال : ما بال أقوام يقولون : إنّ رحمي لا ينفع؟! بلى والله إ نّ رحمي موصولة في الدنيا والآخرة .. إلى آخر الحديث (١).

وروى الطبراني : إنّ الله جعل ذرّيّة كلّ نبيّ من صلبه وجعل ذرّيّتي من صلب عليّ عليه السلام (٢).

__________________

(١) مستدرك الحاكم ٤ : ٧٤ وتمامه : وإنّي أيّها الناس فرطكم على الحوض فإذا جئت قام رجال فقال هذا : يا رسول الله ، أنا فلان ، وقال هذا : يا رسول الله ، أنا فلان ، فأقول : قد عرفتكم ولكنكم أحدثتم بعدي ورجعتم القهقرى ، هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال محقّق الكتاب قيد الترجمة : هذا إشارة ـ أي الحديث الذي أسنده المؤلّف إلى ابن حجر ـ إلى الرووايات التي فيها أنّ عمر قال لأُمّ هاني : اعلمي بأنّ محمّداً لا يغني عنك من الله شيئاً ، وقال رسول الله في جوابه : ما بال قوم يزعمون أنّ شفاعتي لا تنال أهل بيتي ، الحديث ، وعزاه المحقّق إلى إحقاق الحق ٩ : ٤٨٠ ولم أعثر على الحديث الذي ذكره المؤلّف في هذه الصفحة بل ذكر حديثاً عن الشفاعة كما بيّنت لك صدره وتتمّته : إنّ شفاعتي تنال صادركم قبيلتان من قبائل اليمن. أخرجه الطبراني. وفي آخر : تنال صدّاً وحكماً. أخرجه الطبراني في الكبير. وهذا كلّه يختلف مع سياق شفاه الصدور. (المترجم)

(٢) الحديث الذي رواه الطبراني في الكبير يختلف عن سياق المؤلّف وهو كالتالي : عن عمر رضي الله عنه!! قال :

١٥٧

وروى غير الطبراني من عدّة طرق وفي بعضها زيادة : إذا كان يوم القيامة يُدعى الناس بأسماء أُمّهاتهم ليسترهم الله تعالى إلّا عليّ وذرّيّتهم فإنّهم يُدعون بأسمائهم لصحّة نسبهم.

وذكر ابن الجوزي هذا الحديث في العلل المتناهية وهو مردود لأنّ كثرة طرقه يلحقه بدرجة الحسن بل يرقى بها إلى درجة الصحيح ، ومؤيّده ما نقل بالطرق الصحيحة عن عمر : كلّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلّا سببي ونسبي (١).

وفي رواية : زيادة «صهري وحسبي» ولكلّ بني أُنثى عصبة ينتمون إليه إلّا ولد فاطمة فأنا وليّهم وأنا عصبتهم ... (٢).

إلى هنا كان الكلام الذي سمعته هو كلام ابن حجر الناصبي ، والرواية صريحة بأنّ النبيّ أبوهم ولازمه أنّهم أولاده كما هي دعوانا ، وقد ورد هذا الخبر في كثير من الكتب بألفاظ مختلفة مثل إسعاف الراغبين للشيخ محمّد الصبّان المصري وأُسد الغابة لابن الأثير ، وينابيع المؤدّة للمعاصر القسطنطيني ونور الأبصار للشيخ مؤمن الشبلنجي المعاصر وغيرهم رووا الرواية بطرق عدّة ، وما شهد به ابن حجر من صحّة هذه الرواية عن عمر من الفضل الذي شهدت به الأعداء ، وهو فصل الخطاب ، والفضل ما شهدت به الأعداء.

__________________

سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : كلّ بني أُنثى فإنّ عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فإنّي أنا عصبتهم وأنا أبوهم. (المعجم الكبير ٣ : ٤٤) ط بيروت دار إحياء التراث العربي الثانية نشر مكتبة ابن تيميّة القاهرة .. وقال محقّق الكتاب قيد الترجمة : وبيّنت روايات هذا الموضوع في رسالة بالتفصيل وفي إحقاق الحق ٩ : ٤٩ و ١٨ : ٦٤٤ ذكر ذلك مشروحاً. أقول : لا سياق في هاتين الصفحتين من إحقاق الحقّ يتفق وسياق المؤلّف ولكن سياق ص ٦٤٤ يتفق وسياق المعجم الكبير. (المترجم)

(١) الطبراني ، المعجم الكبير ٣ : ٤٥. (المترجم)

(٢) المعجم الكبير ٣ : ٤٤ و ٢٢ : ٤٢٢. (المترجم)

١٥٨

الحديث السابع : قال محمّد الصبّان المصري وهو من مشايخ أهل السنّة الكبار في رسالة إسعاف الراغبين : روى ابن عساكر وابن مندة عن فاطمة أنّها أتت بابنيها فقالت : يا رسول الله ، هذان ابناك فورّثهما شيئاً ، فقال : أمّا حسن فله جرأتي وجودي ، وأمّا حسين فله هيبتي وسؤددي. وفي رواية : أمّا الحسن فله حلمي وهيبتي ، وأمّا الحسين فقد نحلته نجدتي وجودي (١).

فقول الزهراء عليها السلام وتقرير النبيّ صلى الله عليه وآله كلاهما حجّة.

الحديث الثامن : روى عزّ الدين أبوالحسن عليّ بن الأثير الحافظ وهو من أعاظم الحفّاظ وأجلّة المحدّثين والمؤرّخين والمحقّقين عند طائفته في كتابه «أُسد الغابة» في موضعين : عن عليّ بن أبي طالب قال : لمّا ولد الحسن سمّيته حرباً ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : أروني ابني ما سمّيتموه؟ قلنا : حرباً ، قال : بل هو حسين. فلمّا ولد الحسين سمّيته ، فجاء النبيّ صلى الله عليه وآله فقال : أروني ابني ما سمّيتوه؟ قلنا : حرباً ، قال : بل هو حسين ، فلمّا ولد الثالث سمّيته حرباً ، فجاء النبيّ صلى الله عليه وآله فقال : أروني ابني ما سمّيتوه؟ قلنا : حرباً ، قال : بل هو محسن. ثمّ ق ال : إنّي سمّيتهم بأسماء ولد هارون : شبّر وشبير ومشبر (٢).

وهذا الحديث رواه محبّ الدين الطبري في ذخائر العقبى والحسين بن محمّد الدياربكري في تاريخ الخميس. وقال الدياربكري : رواه أحمد بن حنبل وأبو حاتم الرازي (٣).

__________________

(١) إسعاف الراغبين : ١٦٦ ط مصر هامش نور الأبصار. (هامش الأصل)

(٢) أُسد الغابة ٢ : ١١ رقم ١١٦٥ و ٢ : ١١٧٣. ولفظ الحديث من الجزء الثاني. (هامش الأصل) وجرى تطبيقه على أُسد الغابة ٢ : ١٠ نشر إسماعيليان طهران.

(٣) راجع : ذخائر العقبى : ١١٩ ط مكتبة القدسي ١٣٥٦ هجريّة.

١٥٩

تنبيه :

في أخبار الشيعة أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله سمّاهم بهذه الأسماء بأمر الله ، ولم يسبقه أميرالمؤمنين بتسميتهم ، كما سمعت في خبر تاريخ الخميس ، وبعض أخبار الشيعة جاءت موافقة للخبر المتقدّم والأوّل أظهر وأصحّ وأوفق بالقواعد ويلزم العلم بأنّ رواية ولادة المحسن في حياة النبي صلى الله عليه وآله لا تتفق مع رواياتنا ، وجاء في رواياتنا وعن طريق أئمّتنا لولادته حديث آخر ذو تفصيل ، ولا يتسع المقام الآن لذكره.

الحديث التاسع : ذكر الشيخ الفاضل المؤرّخ الحسين بن محمّد الدياربكري ـ وهو من أكابر علماء أهل السنّة والجماعة ـ في تاريخ الخميس عن أسماء بنت عميس قالت : قبلت فاطمة بالحسن فجاء النبيّ صلى الله عليه وآله فقال : يا أسماء ، هلمّي ابني ، فدفعته إليه في خرقة صفراء ، فألقاها عنه قائلاً : ألم أعهد إليكم أن لا تلفّوا مولوداً في خرقة صفراء ، فلفّيته (١) بخرقة بيضاء فأخذه فأذّن في أُذنه اليمنى وأقام في اليسرى فقال (ثمّ قال ـ المصدر) لعليّ عليه السلام : سمّيت ابني؟ قال : ما كنت لأسبقك بذلك ، فقال : ولا أنا سابق ربّي ، فهبط جبرئيل فقال : يا محمّد ، إنّ ربّك يقرئك السلام ويقول لك : عليّ منك بمنزلة هارون من موسى ولكن لا نبيّ بعدك ، فسمّ ابنك هذا باسم ولد هارون ، فقال : وما كان اسم ولد هارون يا جبرئيل؟ قال : شبّر ، فقال صلى الله عليه وآله : إنّ لساني عربي ، فقال : سمّه الحسن ، ففعل.

فلمّا كان بعد حول ولد الحسين ، فجاء النبيّ وذكرت مثل الأوّل وساقت قصّة التسمية مثل الأوّل ، وأنّ جبرئيل أمره أن يسمّيه باسم ولد هارون شبير ، فقال له

__________________

(١) فلفّيته ـ بالبابء والتشديد كما في النسخ فإن صحّت فلعلّه من قبيل التظنّي في نقل المضاعف إلى الناقص للتخفيف. (منه رحمه الله) وفي ذخائر العقبى : ١٣٠ ط قدسي «لففته». (هامش الأصل)

١٦٠