شفاء الصدور في شرح زيارة العاشوراء - ج ١

ميرزا أبي الفضل الطهراني

شفاء الصدور في شرح زيارة العاشوراء - ج ١

المؤلف:

ميرزا أبي الفضل الطهراني


المحقق: محمّد شعاع فاخر
المترجم: محمّد شعاع فاخر
الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: انتشارات المكتبة الحيدريّة
المطبعة: شريعت
الطبعة: ١
ISBN: 964-503-000-5
ISBN الدورة:
964-503-002-1

الصفحات: ٤٣٩
  نسخة غير مصححة

العلماء ومعروف عند الفقهاء ، عن الحاجّ محمّد اليزدي وهو معروف بالوثاقة والأمانة والفضل والصلاح الذي يجدّ دوماً في إحراز متاع الآخرة وإصلاح نفسه وكان يبيت ليلاً في مقبرة بيزد تعرف بـ «مزار جوي هرهر» وفيها مدفن جماعة من أهل الصلاح الأخيار وكان له قرين منذ عهد الصبا وريعان العمر ، تعارفا وتصافيا وتآخيا وكانا يذهبان معاً أيّام الطفولة إلى الكتّاب إلى أن شبّا وكبرا ، فاختار أن يكون عشّاراً وبقي يمارس هذه المهنة إلى أن جائه أجله المحتوم ودفن في المقبرة بالقرب من متعبّد هذا العبد الصالح وبعد أقلّ من شهر على موته رآه في الطيف بحالة حسنة ووضع جميل ، فجائه الرجل الصالح وسأله عن حاله قائلاً : أنا أشدّ الناس معرفة بك من المهد إلى اللحد ، ومطّلع على حالك اطّلاعاً تامّاً ، وأعلم أنّه ليس للخير أو الصلاح طريق إلى ذلك ولا يقتضي عملك سوى العذاب ، قل لي يا رجل بأيّ عمل حسن بلغت ما بلغت من رفيع المنزلة؟

فقال : نعم ، حالي على ما وصفت وزيادة ، ولقد صبّ عليّ عذاب واصب وبلاء شديد من ذلك اليوم إلى يوم أمس ، ولكن ماتت زوجة الحدّاد «أشرف» ودفنت في هذا الموضع ـ وأشار إلى موضع لا يبعد عنه أكثر من مأة ذراع على الحدس والتخمين ـ وفي ليلة وفاتها زارها الإمام الحسين عليه السلام ثلاث مرّات ، وفي المرّة الثالثة أمر برفع العذاب عن هذه المقبرة فانقلبت حالنا مرّة واحدة إلى ما تراه ، واقترنت باتساع العيش والفراغ والرفاهيّة.

يقول الحاج محمّد علي : فانتبهت من النوم متحيّراً وما كنت على معرفة بالحدّاد ولا أعرف أين يقع بيته وأين تكون محلّته في هذا البلد ، فذهبت إلى سوق الحدّادين وشرعت بالسؤال عن الحدّاد حتّى تعرّفت عليه وسألته : هل كانت لك امرأة؟ قال : نعم ، توفّيت أمس ودفنتها في ذلك الموضع ـ وذكر اسم المقبرة ـ.

١٢١

فقلت له : هل كانت تزور سيّد الشهداء في حياتها؟

فقال : لا.

فقلت له : هل تقيم عزائه وتذكر ما جرى عليه؟

فقال : لا.

فقلت له : أو تحضر مأتمه وتعين عليه؟

فقال : لا.

عند ذلك سألني : ماذا تريد من هذه المناشدة؟ وعمّ تبحث؟

فقصصت عليه أخبار الرؤيا ، فأجابني قائلاً : نعم ، إنّ امرأتي كانت تدمن على زيارة عاشوراء ولمّا كانت هذه الزيارة المباركة آثارها أُخرويّة لذلك ببركة حلول شخص واحد يزورها في هذه المقبرة المليئة بالشطار والمذنبين وكان هذا الشخص يديم قرائتها رفع الله العذاب عن ساكني المقبرة كلّهم (١).

وأمّا آثارها الدنيويّة فإنّها لم يداوم على قرائتها صاحب حاجة مهمّة أربعين يوماً إلّا قضى الله حاجته ، كما ثبت ذلك للعارف والعامي بالتجربة الصحيحة ، وحقيق على أهل الإيمان عدم الغفلة عن هذا العمل الصحيح السند ، كثير المعونة ، قليل المؤونة ، وعدم التساهل والتفريط به ، وإذا قدر لأحدهم أحياناً أن ينال طلبته ويصل إلى بغيته من مراجعة هذا الشرح فلا ينساني من دعاء الخير ، والله الموفّق لكلّ خير ، وبه الاعتصام عن كلّ زيغ وضير.

والحمد لله أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً ، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين ، واللعنة على أعدائهم إلى يوم الدين.

__________________

(١) طلب فضيلة المرحوم الآخوند الكرباسي وهو من الأوتاد في السير والسلوك وصاحب المقامات في وصيّته أن يدفن بإزاء قبر المرأة ولا تزال مقبرة الكرباسي بمقربة من قبر زوجة الحدّاد. (المحقّق)

١٢٢

الباب الثاني

في ترجمة الألفاظ الواردة في الزيارة وشرحها

بما يتّسع له هذا المختصر وما يسمح به اطّلاع قليل البضاعة ـ المؤلّف ـ وللتمييز بينهما رمزنا للشرح بحرف «ش» وللترجمة بحرف «ج» (١).

السلام (٢)

__________________

(١) وسوف نضطرّ لحذف الترجمة لأنّها كتبت للناظقين بالفارسيّة ولا تعني الناطقين بالعربيّة. مِن ثَمّ نحذفها مع تقديم العذر سلفاً لسيّدنا المؤلّف رحمه الله. (المترجم)

(٢) «السلام عليك يا أبا عبدالله» وهنا ينبغي الإشارة إلى عدّة مواضيع : ١ ـ أثر السلام في الإسلام ، ٢ ـ ما هي العلّة في ابتداء السلام بالكنية «أبا عبدالله» ، ٣ ـ ما هو السبب في تكرّر السلام في هذه الزيارة وبقيّة الزيارات.

البحث الأوّل

لكلّ فريق واُمّة مع اختلافها الطبقي في التحضّر والتبدّي تسكن المدن أو الصحراء ، لها تحيّة تناسبها ، يستقبل بعضها البعض بها ، كالإشارة بالرأس واليد ، أو رفع القبعة عن الرأس وغير ذلك ، وكلّ وحدة من هذه التحايا أفرزتها إلى واقع الاُمّة عوامل خاصّة عملت على إظهارها على منصّة الوجود وجميع هذه الطرائق ـ مع شديد الفارق بينها ـ تحكي عن خضوع الضعيف للقوي واستعباد الثاني للأوّل وإحساس الأوّل بالضعة والانحطاط في مقابل ما يملكه الثاني من القوّة القاهرة ، وهذه المشاعر التي تنتاب الناس سواءاً عرف مصدرها أم لم يعرف إن هي إلّا تلك الوراثة التي تلقتها الاُمم من عهود البربريّة السحيقة في

١٢٣

__________________

القدم .. وصاحب باقية من ذيول عبادة الأصنام وثمرة من ثمار ذاك الغراس المُرّ.

وكان همّ الإسلام الأكبر القضاء على هذا الأساس وما يحمل ، وكلّ تقليد أو قاعدة أو آداب انتمت إليه واستمدّت منها فقد أعلنها حرباً لا هوادة فيها ، مِن ثَمّ بذل الجهد العظيم في المحافظة على حرّيّة الفطرة البشريّة التي هي إحدى الهبات الربّانيّة وهي إنسانيّة الإنسان ، والعمل على إبقائها حيّة فاعلة.

مِن ثَمّ قضى على أتباعه أن يتحابّوا عند اللقاء ويسلم أحد المتقابلين على الآخر ويضعه في الصيانة والأمن على دمه وماله وملكاته الفاضلة ، ووضع لذلك صيغة خاصّة وهي : السلام عليكم أو عليك يعني لك الأمن والأمان والسلامة منّي ، أو بتفسيراً آخر ليكن اسم الله عليك ضارباً سجفه كالمظلّة على رأسك ، ومعنى ذلك ليكن الله سبحانه حافظاً وراعياً لك بالأمن والأمان والحفظ. وهذا سلام جعله الله عنواناً للتحيّة وعلى كلّ أحد سواءاً كان عالياً أو دانياً ، رفيعاً أو وضيعاً ، سيّداً أو مسوداً ، أن يستقبل بها ملاقيه.

البحث الثاني

في السلام على الحسين عليه السلام بدء بخطابه بكنيته أبا عبدالله ثمّ خاطبه يابن رسول الله وأميرالمؤمنين عليهما السلام و... لأنّ العبارة هنا ذكرت الكنية التي وهبها الله له لتدلّ على مقام عبوديّته ، وهذا العنوان من امتيازاته وصفاته الذاتيّة والعنوان الذاتي مقدّم على الانتسابي.

البحث الثالث

س : لماذا كرّر السلام في هذه الزيارة وزيارات بقيّة المعصومين مع أنّ عرف الناس قاضٍ باعتبار تكراره لوناً من الهزء والسخريّة والاستهانة ، فإذا قال القائل : السلام عليكم مثلاً ثمّ أردفها اُخرى واُخرى ليم على ذلك لتبادر العبث والاحتقار إلى ذهن السامع ، ألا يكفي أن يقول الزائر : السلام عليك يا أبا عبدالله وابن رسول الله وابن أميرالمؤمنين كما جاء في القرآن الكريم : (وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) [مريم : ١٥] أو (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) [مريم : ٣٣].

ج : نعم ، إذا كان السلام موجّهاً إلى شخص ذي عنوان واحد وجهة واحدة فإنّ تكرار السلام يحمل معنىً مضادّاً للتوقير ، ولكن إذا تعدّدت الجهات وكانت كلّ جهة من جهات هذا الشخص ذات عظمة ورفع خاصّ في المجتمع تستحقّ وحدها السلام ، كان السلام مضافاً إلى أنّه ليس إهانة ولا احتقاراً بل مدعاة للفخر والمباهات كما نقرأ في زيارة أمير المؤمنين عليه السلام : «السلام على المولود في الكعبة ، المزوّج في السماء ، السلام على أسد الله في الوغى ، السلام على من شرّفت به مكّة ومنى ، السلام على صاحب

١٢٤

هذه الكلمة المباركة نحصر الحديث عنها في مقامين :

المقام الأوّل : في بيان معناها اللفظي

وهذا يحتاج إلى تمهيد مقدّمة فنقول : اعلم أنّ لكلّ قوم من الناس آداباً خاصّه يمارسونها عند اللقاء الأوّل ، وتدخل ضمن العادات المتّبعة لهم ، ومنها السلام المعبّر عنه بالتحيّة ، ومن جملتها ما قيل عن النصارى أنّ تحيّتهم وضع اليد على الفم ، ولكنّها في عصرنا الحاضر عبارة عن رفع قبّعة الرأس ، وتحيّة اليهود الإشارة بالإصبع ، وتحيّة المجوس والعجم الانحناء والتعظيم ، وتحيّة العرب قولهم : «حيّاك الله» أي أبقاك الله على قيد الحياة ، وربّما خاطبوا ملوكهم بقولهم : «أبيت اللعن» (١) وأحياناً يقولونا : «عم صباحاً» أو «أنعم صباحاً» أو «نعمت صباحاً» أو

__________________

الحوض وصاحب اللواء ، السلام على خامس أهل العباء ...».

فكلّ واحد من هذه الصفات لها من الفضيلة والشرف ما تستحقّ سلاماً وحدها ، ونقول في زيارة عاشوراء : سلام عليك يا من حزت في مقام العبوديّة (كتية أبا عبدالله) وسلام عليكك يابن رسول الله وابن أميرالمؤمنين.

ونقرأ في زيارة الإمام صاحب الزمان عجّل الله تعالى فرجه : «السلام عليك حين تقرأ وتُبيّن ، السلام عليك حين تصلّي وتقنت ، السلام عليك حين تركع وتسجد ، السلام عليك حين تهلّل وتكبّر» [بحار الأنوار ٥٣ : ١٧١ رقم ٥ باب ما خرج من توقيعاته].

وإذا كان العاشق المجازي يتدلّه بحبّ معشوقه ويظهره له دائماً أو يعدّد صفاته الطيّبة تلذّذاً بذكره ، لعلّ قلب صاحبه يعطف عليه ذات يوم ، فمن الأولى أن يكون العشّاق الحقيقيّون لأهل البيت والناضجون على اللهب المقدّس من حبّهم على أمل أن تكحل عيونهم برؤية فجر السعادة وفي قبول سلام واحد ممّا يرسلون عليهم من التحايا يقعون الرضا والعناية ، ويتحوّل نحاس وجودهم إلى ذهب أبريز بأكسير محمّد وآل محمّد صلى الله عليه وآله. (المحقّق)

(١) في الأساس في لعن : ومن المجاز أبيت اللعن وهي تحيّة الملوك في الجاهليّة ، أي : لا فعلت ما تستوجب به اللعن ، وفي عدّه مجازاً في حدود اللعن نظر. (منه رحمه الله) ولا مجال للنظر هنا لأنّ استعمال الكلمتين من أبيت واللعن في غير ما وضعنا له وهذا هو المجاز. (المترجم)

١٢٥

مساءاً ، يقولون العبارات الثلاث كما قال عنترة بن شدّاد العبسي في مذهّبته :

يا دار عبلة بالجواء (١) تكلّمي

وعمي صبحاً دار عيلة واسلمي

وأشهر التحايا التي تقال في كلّ مناسبة هي «حيّاك الله» ومناها اشتقّت كلمة «التحيّ» وهي من باب «التفعيل» وأصلها «تحييه» وزان تصليه ، وبعد ادغام اليائين صارت وزان «تقيّه» ولمّا كانت هذه الكلمة لا تقال إلّا في مقام التعظيم والتشريف مِن ثَمّ أُطلق على كلّ إكرام وإعظام لفظ «التحيّة» ومن هذا الباب «التحيّات لله» هذه الكلمة الواردة في التشهّد الكبير ، والظاهر أنّ هذا المعنى نفسه ورد في قوله تعالى (وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) (٢) والمراد مطلق الإكرام كما جاء في تفسير الشيخ الأقدم الأعظم عليّ بن إبراهيم القمّي رضي الله عنه (٣).

وفي الخصال نقل عن الإمام أميرالمؤمنين أنّه جعل التحيّة تعمّ تسميت العاطس (٤).

__________________

(١) الجواء على وزن فعال : جبل يلي رحرحان من غربيّه وبينه وبين الربذة ثمانية فراسخ. (المترجم)

(٢) النساء : ٨٦.

(٣) تفسير القمّي : ٦٣٣ ، بحار الأنوار ٧٦ : ٧ ، و ٨٤ : ٢٧٣ ، وتفسير البرهان ذيل الآية. (هامش الأصل) في تفسير عليّ بن إبراهيم ١ : ١٤٥ ط الثالثة تصحيح السيّد طيّب الجزائري ١٤٠٤ ـ قم.

(٤) قال أميرالمؤمنين عليه السلام : السلام وغيره من البرّ. وفي البحار ٧٥ : ٧ ط بيروت مؤسسة الوفاء سنة ١٤٠٣. (المترجم)

وفي الخصال : أمرنا عليه السلام باتّباع الجنائز ، وعيادة المريض ، وتسميت العاطس ، ونصرة المظلوم ، وإفشاء السلام .. إلى آخره وهو حديث طويل. (المترجم)

الخصال : ٦٣٣ ، بحار الأنوار ١٠ : ١١١ ، و ٧٦ : ٥٤ ، تفسير البرهان ذيل الآية ، بحار الأنوار ٤٤ : ١٩٥ في فضل الإمام ال حسين عليه السلام. (هامش الأصل)

لم أجدها في الأجزاء المذكورة وفي ٧٢ : ١٧ أنّ النبيّ أمر بسبع وعدّ منها تسميت العاطس وإفشاء السلام ، ومثله في ٧٣ : ٢ و ٣٤٠ : ، و ٧٨ : ١٤ و ٢٧٥ ، و ١٠١ : ٢١٢ ولم أعثر عمنها على ما ذكره المؤلّف وفي كلّها يكون إفشاء السلام أحد المأمور بها. (المترجم)

١٢٦

وفي الصافي والبحار والمناقب في خبر الجارية التي أهدت الإمام الحسن عليه السلام طاقة ريحان وأعتقها واستشهد بالآية (وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ) (١).

ويستفاد العموم من مجموع هذه الأخبار ويحمل على الاستحباب. وإذا اُريد من لفظ التحيّة خصوص السلام ، فلا يحمل على إرادة اللفظ نفسه كما توهّم بعض المفسّرين حيث لا يخفى ذلك على أصحاب النظر. وما جاء في شعر القطامي وهو من كبار شعراء العرب :

إنّا محيّوك فاسلم أيّها الطلل

وإن بليت وإن طالت بك الطيل

وفي هذا الشعر الحماسي المعروف :

إنّا محيّوك يا سلمى فحيّينا

وإن سقيت كرام الناس فاسقينا

وفي شعر عنترة في مذهّبته :

حيّيت من طلل تقادم عهده

أقوى وأقفر بعد أُمّ الهيثم

وماشابه هذا من الشعر فالاحتمال قائم على أنّ المراد به مطلق الإكرام والتعظيم وأداء عادة التعارف ، والأظهر أنّه دعاء بالحياة كما سبق بيانه والإشارة في الشعر إلى التحيّة المعروفة «حيّاك الله» كما فهم ذلك الأُدباء. وبناءاً على هذا يمكن القول لزوماً بأنّ لفظ «حيّا» و «يحيى» في هذه الأبيات مأخوذ من لفظ «حيّاك الله» مثل

__________________

(١) وفي المناقب : جاءت جارية للحسن عليه السلام بطاق ريحان ، فقال عليه السلام : أنت حرّة لوجه الله. فقيل له في ذلك ، فقال : أدّبنا الله تعالى : (وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ) الآية ، وكان أحسن منها إعتاقها. (الصافي ١ : ٤٧٦) وفيها عن الخصال : إذا عطس أحدكم قولوا : يرحمك الله ، ويقول هو : يغفر الله لكم ويرحمكم ، قال الله تعالى : (وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا) الآية ، ولعلّ هذا ما حمل المؤلّف على القول بأنّ الإمام عدّ تسميت العاطس من التحيّة ، راجع : الصافي ١ : ٤٧٦ لما تقدّم. (المترجم)

في هاشم الأصل : المناقب ٣ : ١٨٣ ، بحار الأنوار ٨٤ : ٢٨٣ ، و ٤٤ : ١٩٥ وجرى تطبيقها في المناقب ، ووجدتها في ٤٣ : ٣٤٣ من البحار عن أنس ، وفي ٤٤ : ١٩٥ منسوبة للإمام الحسين عليه السلام وهي عن أنس أيضاً. (المترجم)

١٢٧

البسملة والحوقلة المشتقّ (١) من اللفظ لا المعنى ، ولكنّه بعيد.

وربّما يقال : لمّا كان الحياة لازمة لقول محيّوك وحيّيت ، مِن ثَمّ نسب إلى الداعي من هذا اللفظ الدعاء بالحياة للسامع ، وصحّ إرادة الحياة والبقاء من هذا اللفظ وإن لم يصرّح بهما القائل ، ومثله قول : «جزاه الله خيراً» فإنّه يستغني عنه بقول : «جزّاه خيراً» بتضعيف الزاي ، وتفصيل هذه المسائل خارج عن مهام هذا المقام وخطّته.

ويظهر ممّا قلناه في معنى التحيّة أنّ المراد بها أصل معناها وهو الحياة ، وأحياناً تستعمل في البقاء. ولمّا كانت التحيّة من لوازم الملوك وخصّت بهم وبتقديم الاحترامات اللازمة للملك ، وهي فريضة عرفيّة مِن ثَمّ راحت التحيّة تستعمل أحياناً بمعنى الملك كما قال زهير بن حباب الكلبي :

ولكلّ ما نال الفتى

قد نلته إلّا التحيّة

ويقول عمرو بن معد كرب الزبيدي :

أسير به إلى النعمان حتّى

أنيخ على تحيّته بجند

أي ملكه. ونقل عن يعقوب بن السكّيت رضي الله عنه أنّ المراد بلفظ تحيّات في الصلاة يحمل على الملك ، والله أعلم بالصواب (٢).

فإذا عرفت هذه المقدّمة فاعلم بأنّ التحيّة في الإسلام هي السلام كما يستفاد من تفسير الآية المنقول عن الخاصّة والعامّة : (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا) (٣) بناء على قرائة «السلام» المعروفة لا «السلم». وفي رواية أنّها قرائة عاصم ابن أبي النجود رحمه الله تعالى.

__________________

(١) ليس هذا اشتقاقاً وإنّما هو نحت. (المترجم)

(٢) لم يشر إلى المصدر لملاحظته غير أنّي عثرت في إصلاح المنطق على قوله : التحيّة للملك ، وقولهم : التحيّات لله أي الملك لله (إصلاح المنطق : ١٣٧). (المترجم)

(٣) النساء : ٩٤.

١٢٨

وخلاصة معنى الآية كما يلي : إذا حيّاكم أحد بتحيّة الإسلام وأظهر الإسلام بقوله «سلام عليكم» فلا تنكروا عليه ذلك ولا تسارعوا إلى تكذيبه ورميه بالشرك. هذا إذا قرء «مؤمن» بكسر الميم أي أنّها اسم فاعل ، أمّا إذا قُرئت بفتحها وهي القرائة المنسوبة إلى الإمام الباقر عليه السلام فيكون المعنى : لا تقولوا له لست آمناً لأنّ المسلم يطلب الأمان بالسلام.

وجملة القول : هذا المعنى وهو السلام تحيّة خاصّة بالإسلام وهو من الوضوح بمكان ولا يحتاج إلى شاهد. وأمّا استشهاد بعضهم بالآية : (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ) (١) فهي محلّ نظر وتأمّل.

معنى السلام :

وذكروا للسلام وجوهاً مختلفة :

منها : أنّ السلام اسم من أسماء الله عزّ وجلّ ، والمراد من قول القائل : السلام عليكم أي الله تعالى حافظكم ، وهذا الوجه وإن ذكر عن ابن الأنباري واقتصر عليه بعض المحدّثين ولكنّه يبدو للنظر قاصراً ؛ لأنّ الجار والمجرور لا يؤدّي معنى الحفظ كما إذا قيل : الله عليك ، والرحيم عليك فإنّ ذلك يبدو نشازاً في المعنى المقصود وهو خلاف الأصل فلايصار إليه ، مع كون صيغة السلام عليكم بالتعريف مساوية لغيرها في المعنى مقل : سلام عليكم بالتنكير ، فلا يتمشّى المعنى المذكور في هذه الصيغة لتنكير لفظ السلام كما أنّ المعنى غير محتمل في سلاماً وسلام عليك (وبلّغه سلامي) (٢) وبلّغ إليه سلامي واقرأه السلام على الإطلاق.

الوجه الآخر : أنّ لفظ «سلام» من باب التفعيل وهو : التسليم.

__________________

(١) الأحزاب : ٤٤.

(٢) هذه الجملة من المترجم.

١٢٩

الوجه الثالث : إنّه مصدر مجرّد ومعناه السلامة. وهذان الوجهان يختلفان باختلاف الاستعمال وإن كان الوجه الثالث أقوى وأظهر في معناه.

وسمع السلام عن العرب بمعاني عدّة والأصل في المعاني كلّها «السلامة». وجاء أيضاً بمعنى الحجارة الصلبة التي تمتاز بصلابتها ، وبمعنى الدوحة الواسعة ، وبمعنى دجلة ، وهذه كلّها تأبى الصيغة فهي في مأمن وسلامة.

ويمكن اعتبار معنى السلامة في دجلة لسلامة مائها كما جاء عن الهادي عليه السلام في فضل سامرّاء حيث وصف مائها بالعذوبة. ويحتمل أن يكون سبب اسمها «دارالسلام» لوقوع دجلة فيها ، ومن ذلك الدلو إذا سلم من الآفات قيل له «سلم» شريطة أن يكون له مقبض ، وهذا المعنى جارٍ في «س ل م» وممّا تركب منها.

وكذلك بالنظر إلى هذا المعنى كان «السلام» من أسماء الله تعالى لأنّه يحفظ سبحانه خلقه من الآفات والبلايا والشرور والنقائص ، أو أنّه سبحانه خلق القدرة في ذوي الاستعداد والقابليّات على الاستفادة من مراتب الموادّ الممكنة في تربية شمسه الرحمانيّة المشرقة من قاف إلى قاف على العالمين ، والوصول إلى درجة كمال الاستعداد ، ويحول بينهم وبين الموانع بضمان سلامتهم حتّى يصلوا إلى ما قدّر لهم من تلك الحدود ، أو أنّه سمّي سلاماً باعتبار سلامته من نقائص الإمكان وتعاليه على أُفق الحدوث ، فهو السلام ومنه السلام وإليه السلام (١).

__________________

(١) وهذه العبارة حديث فاطمة الزهراء عليها السلام : الله السلام ومنه السلام وإليه السلام. (المواهب السنيّة : ٢٦٤) سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس قال : جاع النبيّ صلى الله عليه وآله جوعاً ... فهبط جبرئيل عليه السلام عليه ومعه لوزة فقال : يا محمّد ، إنّ الله يقرئك السلام ، فقال : يا جبرئيل ، الله السلام ومنه السلام وإليه يعود السلام. (المواهب السنيّة : ٢٣٢)

سلمان الفارسي عن رسول الله صلى الله عليه وآله .. فقلت : هو السلام ومنه السلام وإليه يعود السلام. (بحار الأنوار ١٨ : ٣١٣ ط طهران)

١٣٠

وجملة القول : أنّه علم ممّا تقدّم أنّ معنى السلام هو السلامة والراحة ، ولقظ الجار «على» في «عليك» يفيد الشمول والإحاطة كما في «رحمة الله عليه» و «رضوان الله عليه» وأمثالهما. ويظهر من كلام العلماء وجوه لترجيح هذه التحيّة وإن كان بعضها لا يخلو من النقاش في النظر الدقيق لولا أنّ الغرض في ذكر هذه المطالب الإقناع والتقريب ، ونشير إلى بعضها على وجه الإجمال :

الأوّل : توجد في صيغ التحيّة الأُخرى ألفاظ خاصّة من الدعاء وغيره وفي هذه التحيّة يوجد الإخبار بالسلامة الطاردة لجميع الآفات والشرور من الموت والقتل والأسقام والمذلّة والفقر وغيرها ؛ فهي أشمل.

الثاني : يرجع إلى العصر الجاهلي حين جرت العادة أن يغير البعض على البعض الآخر ، أو يستولي على صاحبه بالغدر والحيلة ، وكانت تحاياهم المعتادة لا تؤمن رخاء البال وسكون القلب بصراحة صيغة السلام يتضمّن معناها راحة القلوب وسكينة النفس ، فهي أوّل ما يرد السمع من كلام المخاطب ويكون السلام مبدأ للتلاقي ، فيحمل في طيّاته نواة البشر وطيب النفس والأمان من جميع الصور المتخيّلة الضارّة.

__________________

أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وآله : إنّ الله هو السلام ومنه السلام وإليه السلام ، وعلى جبرئيل السلام. (بحار الأنوار ١٨ : ٣٨٥ ط طهران)

اللهمّ أنت السلام ومنك السلام وإليك السلام وإليك يعود السلام ودارك دار السلام. (بحار الأنوار ١٠٠ : ٤١٢ ، مفاتيح الجنان أعمال مسجد الكوفة)

اللهمّ أنت السلام ومنك السلام وإليك يرجع السلام. (بحار الأنوار ١٠١ : ٢٠٩ ط طهران)

والسلام هنا ينطبق على المعاني الثلاثة : «هو السلام» باعتباره تعالى ذاتاً مقدّسة عن سمات الإمكان ، و «منه السلام» باعتبار أنّه يحمي ويسلم خلقه من الآفات وذلك من ألطافه ، و «إليه السلام» باعتبار أنّ غاية الموجودات ذوات الاستعداد بلوغ القرب من حضرته كما قال الحكيم المعاصر :

يا واهب العقل لك المحامد

إلى جنابك انتهى المقاصد

وهو أحسن شعره فاحتفظ مّا ذكرناه واغتنمه. (منه رحمه الله)

١٣١

الثالث : أنّ قول «حيّاك الله» جملة دعائيّة ولمّا كان الدعاء يستلزم الإجابة لا يستدعي اطمينان الخاطر وسكون النفس ، بخلاف «السلام عليك» فإنّها جملة خبريّة ومقتضاها تحقّق السلامة والأُنس ، فإذا سمعا السامعون صارت سبباً في راحة الخاطر وسكون البال وأمان الفؤاد على أنّ من قال «حيّاك الله» له أن يعتذر إذا لزم الأمر أنّ دعائه لم يُستجب ، ولكن لا عذر لصاحب السلام في العذر لأنّ صريح الجمله الخبريّة سلامة المسلَّم عليه من المسلِّم فإذا تخلّف عن مفادّها عُدّ كذّاباً صراحة لا ضمناً ؛ فافهم .. (١).

الرابع : قال العلماء : إنّ الأصل في جبلّة الحيوان الخير أو الشر؟ فمنهم من قال : الأصل فيها الشرّ وهذا كالإجماع المنعقد بين جميع أفراد الإنسان ، بل نزيد ونقول :

إنّه كالإجماع المنعقد بين جميع الحيوان والدليل عليه أنّ كلّ إنسان يرى إنساناً يعدو إليه مع أنّه لا يعرفه فإنّ طبعه يحمله على الاحتراز عنه والتأهّب لدفعه ولولا أنّ طبعه يشهد بأنّ الأصل في الإنسان الشرّ لما أوجبت فطرة العقل التأهّب لدفع شرّ ذلك الساعي إليه بل قالوا هذا المعنى حاصل في كلّ الحيوانات فإنّ كلّ حيوان عدا إليه حيوان آخر فرّ ذلك الحيوان الأوّل واحترز منه فلو تقرّر في طبعه أنّ الأصل في هذا الواصل هو الخير لوجب أن يقف (لأنّ أصل الطبيعة يحمل على الرغبة في وجدان الخير ولو كان الأصل في طبع الحيوان أن يكون خيره وشرّه على التعادل والتساوي وجب أن يكون الفرار والوقوف متعادلين فلمّا لم يكن الأمر كذلك بل كلّ حيوان توجّه إليه حيوان مجهول الصفة عند الأوّل فإنّ ذلك

__________________

(١) رضي الله عن هذا الشيخ الجليل بما يتفتّق عنه ذهنه من هذه المعاني ، وهل يدرك بعض هذا أبناء الجاهليّة وهم همج رعاع؟!

١٣٢

الأوّل يحترز عنه بمجرّد فطرته الأصليّة علمنا أنّ الأصل في الحيوان هو الشر) (١)

كما قالت الملائكة في بدء الخليقة : (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ...) (٢) وهو شاهد على المدّعى.

«اذا ثبت هذا فنقول : دفع الشرّ أهمّ من جلب الخير [استدعى ذلك] إذا وصل إنسان إلى إنسان كان أهمّ المهمّات أن يعرفه أنّه منه في اسلامة والأمن والأمان» (٣) ليكون فارغ البال وآمن السرب وليعملا بعد ذلك بلوازم المؤاخاة ووظائف الملاقات ..

الخامس : أنّ لفظ السلام كما علمت هو اسم من أسماء الجلالة وبالابتداء بهذا الاسم تنال البركة وإن لم يكن ذلك مقصوراً لذاته ولا يوجد ما فيه من الشرف في الأسماء الأُخرى ولما كان سماعه يوحي بهذا المعنى فإنّه يبعث البهجة في قلب السامع ويمنحه لذّة أُخرى وكأنّه يشير إلى هذا المعنى وهو الحديث الذي رواه رئيس المحدّثين عروة الإسلام محمّد بن عليّ بن الحسين مرسلاً ، ورواه الشيخ الشهيد رضي الله عنه في الأربعين مسنداً عن صادق آل محمّد عليه السلام فقد نقلوا : إنّ الإمام قال بعد ذكر السلام : «السلام اسم من أسماء الله» (٤).

__________________

(١) الرازي ، مفاتيح الغيب ١٦ : ١٨٢. والمؤلّف أخذ منه ولم يُحل عليه. (المترجم)

(٢) البقرة : ٣٠.

(٣) هذا من كلام الرازي في مفاتيح الغيب ١٦ : ١٨٢ ومابين الحاصرتين للمؤلّف ، ولست أدري لماذا لم يشر إلى المصدر. (المترجم)

(٤) الروضة ، والبحار ٧٦ : ١٠ ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «السلام من أسماء الله فافشوه بينكم». وفي أربعين الشهيد حديث ٢٢ ، والبحار ٨٤ : ٣٠٦ رقم ٢٠ بالإسناد عن زرارة عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال : سلّم عمّار على رسول الله صلى الله عليه وآله في الصلاة ثمّ قال أبو جعفر عليه السلام : إنّ السلام اسم من أسماء الله عزّ وجلّ. (هامش الأصل)

١٣٣

وليس مستغرباً من بعض المحقّقين أن يقصر معنى السلام على الأوّل لأنّ ذلك عائد إلى عدم التعمّق في بحث الحديث.

السادس : إنّ هذه التحيّة هي تحيّة الملائكة للأنبياء والموتى من المؤمنين أوّل دخولهم الجنّة كما جاء في حكاية لوط أنّ الملائكة قالوا للخليل : (سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ) (١) وفي موضع آخر قال : (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ) (٢) وفي موضع آخر : (وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ) (٣).

الوجه السابع : ما أشار إليه الرازي في تفسيره الكبير وهو مبنيّ على النهج الخطابي وطريقة التقريب على نحو التحقيق والتنقيب من ثمّ جاز في نظر الفضلاء أن يتمّم بشعر أو مثل إن لم يكن تامّاً لأنّ ذلك حقيق بالمطالب من هذا القبيل ، وخلاصة ما قال كما يلي : ذلك لأنّ الأرواح البشريّة أنواع مختلفة فبعضها أرواح خيّرة عاقلة وبعضها كدرة خبيثة وبعضها شهوانيّة وبعضها غضبيّة ولكلّ طائفة من طوائف الأرواح البشريّة السفليّة روح علوي قوي يكون كالأب لتلك الأرواح البشريّة وتكون هذه الأرواح بالنسبة إلى ذلك الروح كالأبناء بالنسبة إلى ذلك الأب وذلك الروح العلوي هو الذي يخصّها بالإلهامات تارة في اليقظة وتارة في النوم .. وأيضاً الأرواح المفارقة عن أبدانها المشاكلة لهذه الأرواح في الطبيعة والصفات والخاصيّة يحصل لها نوع تعلّق بهذا البدن بسبب المشاكلة والمجانسة وتصير

__________________

وفي خصوص ما أورده المؤلّف جاء في الأربعين للشهيد الأوّل عن الباقر عليه السلام : السلام اسم من أسماء الله تعالى (الأربعين : ٥١). (المترجم)

(١) هود : ٦٩.

(٢) النحل : ٣٢.

(٣) الزمر : ٧٣.

١٣٤

كالمعاونة لهذه الأرواح على أعمالها ؛ إن خيراً فخير ، وإن شرّاً فشرّ .. (١).

ولمّا كان الإنسان عرضة لتزاحم جنود العلم والجهل وتعارض القوّتين الملكيّة والحيوانيّة والحرب القائمة بين النفس والعقل ، يحدث إثر ذلك في وجوده الصراع المستمر كما قالوا :

جان كشيده سوى بالا بالها

تن زده اندر زمين چنگالها

 ميل جان اندر علوم ودر شرف

ميل تن در كسب آب است وعلف

 ترفرف الروح في الأجواء صاعدة

والجسم في الأرض لم يخرج ولم يعف

 ورغبة الروح في علم وفي شرف

ورغبة الجسم في ماء وفي علف

لهذا إن طرقت مسامعه كلمة فيها خبر السلامة حصل عنده البشارة بالراحة والطمأنينة ، ويكون ذلك أمارة على غلبة الجانب الملكوتي وقهر القوّة الغضبيّة والشهويّة تحت لواء القوّة العاقلة وهذه التحيّة لاسيّما إذا كانت من مخبر صادق كامل خيّر من تحيّة «حيّاك الله» ومن أجل هذه اللطيفة رجّح بعضهم أن يكون الخطاب بلفظ الجمع «السلام عليكم» يشتمل جميع القوى النفسانيّة وتكون الإشارة بالسلامة إلى جيع التكثّرات المنسجمّة في هذا الوجود الوجداني .. (٢).

وأنا أعتقد أنّ هذه اللطيفة يجب إجرائها في مكان الكثرة فيها محفوظة

__________________

(١) هذا ما ذكره الرازي في تفسيره ١٦ : ١٨٣ ، أمّا المؤلّف فقد تصرّف النصّ وأضاف إليه شعراً ورأينا ترجمته لتعرف مدى الفرق بين النصّين. (المترجم)

(٢) هذا معنى ترجمه كلام المؤلّف وأمّا ما جاء في تفسير الرازي فقوله : وإذا عرفت هذا السرّ فالإنسان لابدّ وأن يكون مصحوباً بتلك الأرواح المجانسة له ، فقوله : «سلام عليكم» إشارة إلى تسليم هذا الشخص المخصوص على جميع الأرواح الملازمة المصاحبة إيّاه بسبب المصاحبة الروحانيّة .. الخ. [مفاتيح الغيب ١٦ : ١٨٣] والمؤلّف غيّر النص تغييراً جذريّاً وكان الألفاظ التي قدّم بها للنصّ في مبتدئه ، اعتبرها عذراً له من هذا التغيير الذي قلّب المعنى رأساً على عقب لاسيّما الشعر الفارسي الذي أدخله ضمن المتن المترجم حتّى أنّ الناظر فيه يعتبره لأوّل وهلة أقوال الرازي وهو ليس كذلك .. (المترجم)

١٣٥

ومتصوّرة ولكنّها في حقّ الأولياء والأنبياء لا يصحّ استعمالها لأنّهم عند التجلّي يفقدون كثرتهم وتندكّ في تجلّي الوحدة الحقّة والحقيقيّة ، ويتّجهون بكلهم قلباً وقالباً إلى الجانب القدسي من ثمّ جاء الخطاب واحداً في سلام الزيارات كلّها «السلام عليك» ؛ فافطن واغتنم ...

الثامن : أنّها تحيّة الله لأنبيائه في عدّة مواضع ، ولآل النبي صلى الله عليه وآله حيث يقول : (سَلَامٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ) (١) ولعموم المؤمنين حيث يقول تعالى : (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ) (٢) وفي هذه الأثناء تتلاشى جميع التحايا وتضمحلّ لأنّه لا أثر يبقى للمخلوق عندما يتجلّى الخالق ، ولا يتحقّق له وجود.

يكى قطره باران زابرى چكيد

خجل شد چو پهناى دريا بديد

كه جائى كه درياست من كيستم

گر او هست حقّا كه من نيستم

 همت قطرة من غيمة وإذا بها

ترى البحر بالأمواج يرغي ويزيد

 فقالت أمام البحر والموج من أنا؟

إذا كان بحر لا أعدّ وافقد

تنبيه :

اعلم أنّ الفخر الرازي ذكر في تفسيره الكبير : إذا ثبت هذا فقوله «سلام» لفظة منكّرة فكان المراد منه سلام كامل تامّ (و) (إنّ التنكير يدلّ على الكمال) فقد صارت هذه النكرة موصوفة فصحّ جعلها مبتدأ .. (٣).

واعتقادي أنّ هذا الكلام لا يصحّ من رأس ، لأنّ مقامات الكلام مختلفة ، من ثمّ وردت في القرآن مختلفة وليست بصيغة واحدة ولو ادّعي العكس لكان أولى «چه

__________________

(١) الصافات : ١٣٠.

(٢) الأحزاب : ٤٤.

(٣) مفاتيح الغيب ١٦ : ١٨١ وما بين القوسين يأتي قبل سابقه.

١٣٦

قصر طبيعت أتمّ از قصر بعض افراد ، اگرچه اعتبار كمال شود ، چنانچه در لفظ «الحمد لله» تقرير داده اند والسلام على من اتّبع الهدى ..» (١).

لطيفة :

ولمّا علمت أنّ معنى السلام هو القول للمخاطب : إنّ السلامة والاطمئنان ملأت جميع أقطارك ولن يصل منّي إليك شرّ وضرر أبداً وإنّك آمن من قبلي.

من هنا كان الزائر الماثل بين يدي الإمام أو الذي يزوره على بعد بعد تمثيله بمخيلته ويسلّم عليه أن يكون على حال لم تبدر منه بادرة سوء بحقّ الإمام لا في الوقت الحاضر ولا في غيره من الأوقات. ولمّا كان من المقطوع به أنّ هدف هؤلاء الأئمّة ينحصر في هداية الأُمّة وصلاحها وإعلاء كلمة التوحيد وظهور آثار العبوديّة لله من الناس وإشاعة الطاعة في عمومهم فإنّهم حينئذٍ يألمون من إتيان المعصية وترك أوامره ظهريّاً وفعل نواهيه ، بل يتأذّون من وجود الأخلاق الرذيلة من قبيل الحرص والكبر والرياء والعجب والبخل وحبّ الجاه والمال وأشباه ذلك.

ولقد كانت شكايات أميرالمؤمنين عليه السلام على هذا الأساس وكذلك تظلّمه ، حيث أنّ الناس يعصمون الله ولا يطيعون أئمّة الهدى ، ولا يبعد أن يكون قول النبيّ صلى الله عليه وآله : ما أُوذي نبيّ كما أُوذيت (٢) ناظر إلى هذا المعنى لأنه لم تعصى أُمّة نبيّها وربّها ما عصت هذه الأُمّة حيث غصبت الخلافة وآذت فاطمة وقتلت سيّدالشهداء وأنزلت

__________________

(١) رأيت ترجمتها غير دقيقة فآثرت الأصل وأرجو من القارئ الدقّة في ترجمتها. (المترجم)

(٢) ما أُوذي أحد مثلما أُوذيت (كنز العمّال ج ٣ حديث ٥٨١٧ و ٥٨١٨ عن الحلية وابن عساكر عن جابر ، وكنز العمّال ج ١١ ح ٣٢١٦٠ و ٣٢١٦١. والجامع الصغير : ٣٣٤). (هامش الأصل) جرى تطبيقه في كنز العمّال وفي شرح الجامع الصغير للمناوي رقم ٧٨٥٢. (المترجم)

١٣٧

من البلايا على الأئمّة ما لم ينزل على رؤوس غيرهم .. (١) (٢).

فتبيّن من هذا أنّه لم يؤذ نبيّ كما أُوذي هذا النبيّ المكرّم صلى الله عليه وآله.

وحاصل الكلام أنّه يلزم الزائر أن يكيّف نفسه على وجه فيه رضىً للإمام تلك الآونة ولا يؤذيه بسوء سلوكه ليصدق في بذل السلام وأدائه.

إذن ، ينبغي عليه أن يطهّر القلب بماء التوبة ويذري من عينيه دموع الندم ، ثمّ يتقدّم بالسلام على الإمام.

غوطه در اشك زدم كاهل طريقت گويند

پاك شود اول وپس ديده بر آن پاك انداز

 غرقت بماء الدم إذ قال رفقتي

تطهّر من الآثام ثمّ انظر الطهرا

وإن لم يكن على الصفة التي ذكرناها فإنّه يكذب حينئذٍ في أوّل كلمة يقولها ويغدر ، وهذا المعنى لا يتحقّق للعبد إلّا بتوفيق من الله وخلوص النيّة ، رزقنا الله ذلك بمحمّدٍ وآله.

المقام الثاني : في لفظ «أبو عبدالله»

اعلم أنّ هذه الكلمة المباركة إنّما هي كنية وهي مأخوذة من الكناية ومعناها الإشارة إلى الاسم بالتلميح مع احتوائها على قرينة توجب الانتقال إلى المعنى المقصود ، ومن هذه الناحية أطلق البصريّون على «الضمير» اسم الكناية.

والكناية عند علماء البيان لا تتجاوز هذا المعنى ، فإذا أُريد التعمية على اسم أو أُريد عدم ذكره صراحة كنّي عنه بالأب أو الأُمّ أو الابن ، فيدعى بلفظ «أب» أو «أُم»

__________________

(١) (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ) قال : نزلت فيمن غصب أميرالمؤمنين حقّه وأخذ حقّ فاطمة وآذاها ، وقد قال النبيّ صلى الله عليه وآله : من آذاها في حياتي كمن آذاني بعد مماتي. (هامش الأصل نقلاً عن بحار الأنوار ١٧ : ٢٧)

(٢) جرى تطبيقه في بحار الأنوار ٤٣ : ٢٥ ط ثانية مؤسسة الوفاء بيروت ١٤٠٣.

١٣٨

أو «ابن» من قبيل : أبو عمر ، وابن عبّاس ، وأُمّ معبد ، وهذه الكلمة تسمّى كناية كما تسمّى كنية لأنّها لا تدلّ على الذات دلالة الاسم الصريح ، ولما كان الأغلب من الناس يأنف أن يدعى باسمه العلم.

والألقاب التي يضعها العجم في مقدّمة الأسماء مثل : سيّد أو شيخ أو خان أن ميرزا لم تكن معروفة عند العرب ، لذلك فزعوا إلى الكنية فجعلوها أداة تعبير واعتبروا رعاية أدب اللياقة تكون بها ، كما قال شاعر الحماسة :

أكنيه حين أُناديه لأُكرمه

ولا أُلقّبه والسوءة اللقبا

 كذاك أُدِّبْتُ حتّى صار من خُلُقي

إنّي وجدت ملاك الشيعة الأدبا

من هنا جرت بهم العادة أن يضعوا لكلّ واحد كنية وأحياناً يكنى المرء وإن لم يكن له ولد بل توضع له كنية حين ولادته تيمّناً بذلك أن يكون ذا ولد ، والغالب أن يتكنّوا بما يتكنّى به أصحاب الأسماء الشهيرة كما لو وضعوا للوليد اسم علي فإنّ كنيته أبوالحسن ، أو الحسن فتكون كنيته أبا محمّد ، لأنّ كنية الإمام أميرالمؤمنين والإمام الحسن عليهما السلام أبوالحسن وأبو محمّد.

والظاهر من الأخبار الكثيرة أنّ كنية الحسين عليه السلام أبو عبدالله منذ الصغر كما جاء ذلك في رواية أسماء بنت عميس أنّ النبيّ عند ولادته وضعه في حجره ثمّ قال : يا أبا عبدالله ، عزيز عليّ ، ثمّ بكى ، فقلت : بأبي أنت وأُمّي ، فعلت في هذا اليوم وفي اليوم الأوّل فما هو؟ قال : أبكي على ابني هذا تقتله فئة باغية كافرة من بني أُميّة (١).

وهذه الكنية مشتركة بين إمامين : أحدهما سيّد الشهداء والثاني الإمام الصادق عليه السلام ، والظاهر أنّ هذه الكنية وكذلك الاسم هديّة من الله لهما.

__________________

(١) بحار الأنوار ٤٣ : ٢٣٨ ـ ٢٤٠ باب ١١ عن العيون وابن شهرآشوب في المناقب ، والبحار ٤٤ : ٢٥٠ و ٢٥١ عن الأمالي. (هامش الأصل) جرى تطبيقه على البحار باب ب ٣١. (المترجم)

١٣٩

فائدة استطراديّة

جاء في كتاب «منتهى الإرب» : يقال : يكنى بأبي عبدالله مجهولاً ولا يقال يكنى بعبدالله. يعني إذا سُئل عن الكنية (فلان ما كنّيته) فيقال له : «يكنى بأبي عبدالله» لا بعبدالله .. وأقول أنا : إذا قصد النافي عدم صحّة العبارة (أي قول القائل يكنى بعبدالله) فلا وجه له لأنّ باء الجر تارة تتعلّق بالفعل «يكنى» وحينئذٍ يقال «يكنّى بأبي فلان» وأحياناً تكون الباء سببيّة وتكون العبارة عندئذٍ إنّه بفلان صار صاحب كنية ولابدّ من دخول الباء على اسم الولد فيقال «يكنى بفلان».

أمّا إذا قصد النافي نفي الاستعمال فذلك خلاف الواقع وسببه قلّة التتبّع وعدم الاطّلاع على مذاهب استعمالات العرب لأنّ هذه عبارات شائعة مثل «يكنى بولده فلان» أو بعد ذكر الولد يقال «وبه يكنّى» وهذا جارٍ في كلام السلف والطبقات التي يحتجّ بكلماتها حتّى فات حدود الإحصاء من ذلك عبارة ابن إسحاق وقتادة المحكية في «أُسد الغابة» في ذكر النبيّ صلى الله عليه وآله أنّه «وبالقاسم كان يكنّى» (١).

ومن شعر عبدالمطّلب عليه السلام الذي نسبته إليه الكتب المعتبرة أنّه قال :

وصّيت من كنّيته بطالب

عبد مناف وهو ذو تجارب

وذلك مستعمل بكثرة عند الشعراء المتأخّرين ، فلو ذهبنا نستقصي لطال بنا المقام وأدّى ذلك إلى الملل ، وتكتفي بهذا البيت الواحد من شعر أبي طالب المأموني وهو من الشعراء المشاهير في عهد الوزير الفاضل المحقّق كافي الكفاة

__________________

(١) أقول : لا وجه لما ذكره المؤلّف فإنّ العبارة التي ناقشها إنّما تختصّ بمن لا ولد له ولذلك عبّر عنه بالمجهول فلا يجوز غيرها ، لأنّه لا ولد له لكي ينسب إليه التكنّي به ، أمّا من كان ذا ولدٍ فحينئذٍ تصحّ العبارة التي ذكرها المصنّف عند ذكر الولادة فيقال مثلاً : وكان له من الأولاد فلان وفلان وفلان وبه كان يكنّى ، فلا منافاة بين القولين لأنّ العبارة الأُولى تقال لمن ليس له ولد ، والثانية لمن ولد له أولاد. (المترجم)

١٤٠