موسوعة كربلاء - ج ١

الدكتور لبيب بيضون

موسوعة كربلاء - ج ١

المؤلف:

الدكتور لبيب بيضون


الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات
الطبعة: ١
الصفحات: ٧٣٥
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

بسم الله الرّحمن الرّحيم

تبويب الكتاب

الجزء الأول

تمّ تبويب الجزء الأول من الموسوعة وفق الأبواب التالية :

(١) ـ الباب الأول : (مقدمات)

ويشمل مقدمة في مصادر الموسوعة ، ثم استعراض لأنساب آل أبي طالب ، ثم توطئة في أهل البيت عليهم‌السلام وفضائلهم ، ثم فصل عن الإمام الحسين عليه‌السلام وجملة من مناقبه وفضائله ، ثم أنباء باستشهاد الحسين عليه‌السلام قبل وقوعه ، وإقامة المآتم الحسينية ، ثم فلسفة النهضة الحسينية وأهدافها.

(٢) ـ الباب الثاني : (الأوضاع السابقة للنهضة)

ويشمل العداوة بين بني أمية وبني هاشم ، ثم خلافة الإمام الحسن عليه‌السلام وصلحه مع معاوية ، وحكم معاوية وبعض هناته ، ومنها توليته ليزيد.

(٣) ـ الباب الثالث : (الإعداد للنهضة)

ويشمل حكم يزيد ، ونهضة الإمام الحسين عليه‌السلام في المدينة ، ثم في مكة ، حتّى خروجه منها في ٨ ذي الحجة سنة ٦٠ ه‍. ويتضمن هذا الباب مكاتبات البصريين والكوفيين للحسين عليه‌السلام ، ومسير مسلم بن عقيل عليه‌السلام ، ونصائح المشفقين والمندّدين.

(٤) ـ الباب الرابع : (مسير الحسين عليه‌السلام إلى العراق)

ويشمل تهيّؤ الحسين عليه‌السلام للسفر ، ثم مسيره من مكة إلى كربلاء. ويتضمن هذا الباب تحقيقا بعدد الهاشميين الذين خرجوا مع الحسين عليه‌السلام ، وتحقيقا بالمواضع التي مرّبها.

٥

(٥) ـ الباب الخامس : (في كربلاء)

ويشمل هذا الباب كل ما حدث للحسين عليه‌السلام منذ حلّ في كربلاء في ٢ محرم ، وحتى بدء القتال يوم العاشر من المحرم سنة ٦١ ه‍.

الجزء الثاني

كما تمّ تبويب الجزء الثاني من الموسوعة وفق الأبواب الأربعة التالية :

(٦) ـ الباب السادس : (معركة كربلاء)

ويشمل أسماء المستشهدين من أنصار الحسين عليه‌السلام ، ومعركة كربلاء ، واستشهاد جميع الصحب والآل ، حتّى مصرع الإمام الحسين عليه‌السلام.

(٧) ـ الباب السابع : (حوادث بعد الشهادة)

ويشمل اشتراك الطبيعة في الحزن والبكاء على الحسين عليه‌السلام ، وأهوال يوم العاشر من المحرم. ثم نهب الخيام وتحريقها وسلب حرائر النبوة. ثم مسير الرؤوس والسبايا إلى الكوفة ، وإقامتهم فيها حتّى ١٩ محرم.

(٨) ـ الباب الثامن : (مسير الرؤوس والسبايا إلى الشام)

ويشمل مسير الرؤوس والسبايا إلى دمشق ، وشماتة يزيد بقتل الحسين عليه‌السلام.

ثم ردّ نسائه إلى المدينة المنورة. ووصف لمرقد الحسين عليه‌السلام ، والمشاهد المشرّفة لأهل البيت عليهم‌السلام في دمشق والقاهرة. ويختم هذا الباب ببيان عقوبة قاتلي الحسين عليه‌السلام.

(٩) ـ الباب التاسع : (جرائم يزيد بعد حادثة كربلاء)

ويشمل هجوم جيش يزيد على المدينة المنورة واستباحتها ثلاثة أيام ، ثم تطويق الكعبة المشرّفة وضربها بالمنجنيق وحرق أستارها. وينتهي هذا الباب بتقويم يزيد وبيان فسقه وكفره ، وأنه من أكبر الأسباب التي عملت على انقسام المسلمين واختلافهم وضياعهم.

٦

ترجمة المؤلف

لبيب بيضون

ولد بدمشق عام ١٩٣٨ م.

أتم دراسته المتوسطة في المدرسة المحسنية ، ثم حصل على الشهادة الثانوية من ثانوية ابن خلدون ـ فرع الرياضيات والفيزياء. تابع تحصيله الجامعي في جامعة دمشق حيث حصل على شهادة البكالوريوس في العلوم الفيزيائية ، ثم على الدبلوم في التربية عام ١٩٦٢ م.

عيّن بعد ذلك مدرّسا في الثانويات الرسمية لمدة سنتين.

ثم اجتاز مسابقة لانتقاء المعيدين في كلية العلوم بجامعة دمشق ، فعيّن معيدا في قسم الفيزياء. وبعد عدة سنوات نقل إلى الهيئة الفنية.

وفي عام ١٩٧٦ أوفد بمنحة كوبرنيك إلى بولونيا ، فنال الماجستير في الفيزياء من جامعة غداينسك.

ثم ترفع إلى مدير أعمال في الهيئة الفنية في القسم المذكور. وفي نيسان ١٩٩٨ أحيل على التقاعد.

إضافة لميله العلمي ، فهو كاتب ومؤلف بارع ، استطاع بأسلوبه الرصين أن يقدّم للأمة العربية والاسلامية العديد من المؤلفات القيّمة ، التي اتسمت بالطابع العلمي والأدبي معا ، إضافة إلى التوجيه الاجتماعي.

وفي عام ١٩٩٨ م نال الدكتوراة الإبداعية من الاتحاد العالمي للمؤلفين باللغة العربية الّذي مركزه في باريس ، وذلك لتأليفه كتاب خطب الإمام الحسين عليه‌السلام على طريق الشهادة ، وكتاب تصنيف نهج البلاغة الّذي طبع عدة مرات.

أصدر من مؤلفاته :

١ ـ مختارات علمية في الفيزياء النووية والالكترونية ، صدر في طبعته الثانية عام ١٩٧٢.

٧

٢ ـ مظاهر من العظمة والابداع في خلق الانسان ، جزآن : صدرا عام ١٩٧٠ و ١٩٧١.

٣ ـ الكحول والمسكرات والمخدرات ، صدر عام ١٩٧١.

٤ ـ خطب الإمام الحسين عليه‌السلام على طريق الشهادة ، صدر عام ١٩٧٤.

٥ ـ تصنيف نهج البلاغة ، صدرت الطبعة الأولى في دمشق عام ١٩٧٨ ، والثانية في قم عام ١٩٨٤.

٦ ـ صراع مع الذات ، وهو عن مذكراته في بولونيا ، جزآن : صدرا عام ١٩٨٠ و ١٩٨١.

٧ ـ علماء وأعلام ، جزآن : صدرا عام ١٩٨٠ و ١٩٨٢.

٨ ـ مختارات شعرية ، جزآن : صدرا عام ١٩٨٠.

٩ ـ إيمان أبي طالب عليه‌السلام ، صدر عام ١٩٨٠.

١٠ ـ بهلول الكوفي ، صدر عام ١٩٨٢.

١١ ـ علوم الطبيعة في نهج البلاغة ، طبع في طهران عام ١٩٨٢.

١٢ ـ أضواء على المهرجان الألفي لنهج البلاغة ، صدر في دمشق عام ١٩٨٢

١٣ ـ ذكرى المؤتمر الثالث لنهج البلاغة ـ المرأة في الإسلام ومن خلال نهج البلاغة ـ الفقر ، أسبابه وعلاجه. صدرت في طهران عام ١٩٨٤ ضمن كتاب (نهج البلاغة نبراس السياسة ومنهل التربية).

١٤ ـ الفيزياء العملية لطلاب السنوات الأولى في كلية العلوم ، بالاشتراك مع الأستاذين عماد قدسي وعمر طه ، صدر عام ١٩٨٣.

١٥ ـ قصة الغدير وقصة المباهلة (مترجمتان) ، صدرتا عام ١٩٨٥.

١٦ ـ الكلمات الفارسية في اللغة العربية ، صدر عام ١٩٨٥.

١٧ ـ غدير الأنوار في علوم الأخيار ، صدر عام ١٩٩١.

١٨ ـ دوحة آل بيضون ، صدر عام ١٩٩١.

١٩ ـ الشيعة في العالم.

٢٠ ـ قصة كربلاء ، صدر عام ١٩٩٥.

٢١ ـ قواعد اللغة الفارسية ، صدرت الطبعة الثانية عام ١٩٩٥.

٢٢ ـ طب المعصومين ، صدر عام ١٩٩٨.

٢٣ ـ قصص ومواعظ ، صدر عام ١٩٩٩.

٨

٢٤ ـ ديوان شعر (نجوى القلب) صدر عام ٢٠٠٠.

٢٥ ـ مواعظ وحكم ، صدر عام ٢٠٠٠.

٢٦ ـ حجر بن عدي ، صدر عام ٢٠٠٠.

٢٧ ـ فرائد الأشعار ، صدر عام ٢٠٠٠.

٢٨ ـ معارج التقوى ، صدر عام ٢٠٠١.

٢٩ ـ نهج العارفين (أدعية) ، صدر عام ٢٠٠١.

٣٠ ـ أنساب العترة الطاهرة ، صدر عام ٢٠٠١.

٣١ ـ القرآن .. وإعجازه ، صدر عام ٢٠٠٢.

٣٢ ـ صفحات من حياتي ، صدر عام ٢٠٠٢.

٣٣ ـ الله والإعجاز العلمي في القرآن ، صدر عام ٢٠٠٢.

٣٤ ـ الشهيد محمّد بن أبي بكر ، صدر عام ٢٠٠٢.

٣٥ ـ مدخل إلى نهج البلاغة [العقائد] ، صدر عام ٢٠٠٣.

٣٦ ـ معالم العلوم في تراث الإمام علي عليه‌السلام ، صدر عام ٢٠٠٣.

٣٧ ـ تبسيط المسائل الفقهية (النجاسات والمطهرات) ، صدر عام ٢٠٠٤.

٣٨ ـ قصة طوفان نوح عليه‌السلام ، صدر عام ٢٠٠٤.

٣٩ ـ قصة سلمان المحمدي (الفارسي) ، صدر عام ٢٠٠٤.

٤٠ ـ قصة يوسف عليه‌السلام ، صدر عام ٢٠٠٤.

٤١ ـ التفسير المبين لجزء (عمّ) ، صدر عام ٢٠٠٥.

٤٢ ـ نفحات من شذى إقبال ، صدر عام ٢٠٠٥.

٤٣ ـ دمشق القديمة وأهل البيت عليهم‌السلام ، صدر عام ٢٠٠٥.

٤٤ ـ أوليات المعرفة [العقائد] ، صدر عام ٢٠٠٥.

٤٥ ـ الشهيدان أويس القرني ومحمد بن أبي حذيفة ، صدر عام ٢٠٠٥.

٩
١٠

الإهداء

إلى النفوس الأبية التي رفضت كل ذلّ وعار

وإلى الصدور العامرة التي لم تستكن يوما إلى صغار

وإلى الأرواح القدسية التي هفت إلى منازل الأبرار

إلى الرجال المؤمنين الذين استهانوا بالحياة والأعمار

وإلى الأبطال المكافحين لحماية الرسالة والفضيلة والذّمار

وإلى الأشبال الذين أحدقوا بالبدر ساعة البلاء والإحصار

إلى المخلصين الصادقين ، المقاتلين في كربلاء ، وقد عزّت الأنصار وإلى الذين لم ترهبهم جيوش البغاة وقد ازدلفت اليهم من شتيت الأمصار

وإلى الذين قدّموا نفوسهم للموت ، وبريق السيوف يخطف بالأبصار

إلى التائهين الذين انقلبوا إلى الحق بعد طول الضلال والاغترار وإلى المخطئين الذين أيقنوا أن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الأوزار

وإلى التائبين الذين انقلبوا عن غيّهم في اللحظات الحاسمة قبل ساعة الاحتضار.

إلى النجوم الزواهر من بني هاشم وآل أبي طالب الأخيار

وإلى حبّات قلب فاطمة البتول زوجة الوصيّ وبنت محمّد المختار وإلى أعلام الهداية وقرابين الرسالة السادة الميامين الأطهار

١١

إلى عبد الرحمن وجعفر وعبد الله أبناء عقيل ومسلم المغوار

وإلى القاسم الغلام وعبد الله الرضيع وأبي الفضل العباس قمر الأقمار وإلى محمّد وجعفر وعثمان وعمر وعبد الله أبناء حيدرة الكرار

إلى الحق المشرق الّذي لا يخبر رغم الكسوف والزلازل والإعصار وإلى الحرية والفضيلة والإباء التي تأبى الضياع والغروب والانحدار وإلى المبدأ القويم الّذي لا تتفتّح أزاهره إلا بدم الشهادة المدرار

إلى سيد الشهداء (أبي عبد الله الحسين) سيد الأشراف والأحرار وإلى أمير ركب الهدى وقد سار على درب الشهادة والفخار

وإلى أسد العرين وقد حلّ في كربلاء تترصده المنايا والأخطار

إلى سيد البطولة الّذي لم يعبا بزحف الأشرار والكفار

وإلى إمام التضحية الّذي لم يضنّ بنفس أو بأهل أو بأولاد صغار وإلى مشعل الإباء الّذي اختار المنية دون الدنيّة ..

والشهادة دون النار والعار.

د. لبيب بيضون

١٢

المقدمة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

بعد ليل دامس طويل من الجهالة والظلام ، انشقّ الوجود عن فجر صادق مبين ، وصبح أبلج منير ، يؤذن بولادة خير البرية والأنام ، حاملا مبادئ الحرية والعدالة والإسلام.

وظل الفجر الجديد يطارد ذيول الليل المنحسر ، حتّى شعشع نوره الأرجاء ، وملأ بلألائه آفاق الأرض والسماء.

وما أن أفلت شمس ذلك اليوم البشير ، حتّى أشرق القمر المنير ، تحفّه النجوم المتلألئة كالأزاهير. ولم يطل الأمر حتّى بدأت بقايا الليل المختبئة في الكهوف والأخاديد ، تلملم بعضها بعضا من جديد ، وتشحن الفضاء بظلامها المديد. إلى أن طوّقت البدر بسوادها ، ولفّعت القمر ببرقعها ، معلنة مقتل الإمام أمير المؤمنين عليّ ابن أبي طالب عليه‌السلام.

وحزنت النجوم الزهر على المصاب الكبير ، وانقضّ أحدها ليأخذ بثأرها المستطير ، فاغتاله الظلام وواراه عن الأنظار ، بين غدر الغادرين وخذلان المترددين. فإذا قد قضى نجل المرتضى وفاطمة الزهرا ، وسبط النبي المصطفى ، الإمام الحسن المجتبى عليه‌السلام.

وفي غضبة النور على الظلام ، توقّد نجم في الجوزاء ، حتّى غدا كوكبا درّيّا يفيض بالضياء ، فجازت أشعته الهادية كل قلب من الأحياء ، وتنوّرت منه الدّنيا بالضوء والسناء. وما زال متّقدا في أعالي السماء ، حتّى كوّرت شعلته الحمراء ، وبدأت غرّته تقطر بالدماء ، لتسقي الحجر الأصم في الصحراء ، وتنبت في القفر أزهار الولاء والفداء. إنه الإمام الحسين عليه‌السلام سيد الشهداء.

ويمتزج الألم بالدموع ، والحزن بالخشوع ، والدم يكتب الخلود بالنجيع ، ويعيد كل فصل من فصول التاريخ إلى ربيع .. هناك حيث انتصر الدم على السيف ،

١٣

وتغلبّ الحق على الزيف .. في أرض كربلاء ، في هجير الصحراء ، وقد منعوا حتّى الطفل الرضيع من شربة الماء!.

لقد علّمنا الحسين عليه‌السلام كيف أن الموت الهادف يصنع الحياة ، وأن الألم الواعي يهب الحرية والإباء ، وأن حياة الذل والهوان لا تجتمع مع العقيدة والإيمان.

ولقد عملت على وضع هذه الموسوعة السنية ، وعمدت إلى جعلها حفيّة وفيّة ، لتكون لقلب كل حرّ روضة غنيّة ، يقطف من دوحتها ثمارا جنيّة ، وقطوفا حسنة وحسينية ، وينهل من نبعها الطامي كأسا فاطمية وعلوية ، فتعود مهجته بها زاكية أبيّة ، وترجع نفسه بولائها راضية مرضيّة.

إن دروس الحسين عليه‌السلام دروس عميقة بالغة الأثر والتأثير ، تعلمنا ـ إضافة لدروس التضحية والبطولة والفداء ـ أن ننظر إلى الأمور نظرة بعيدة مديدة ، عميقة محيطة مترامية ، فيكون جهادنا وفداؤنا قربانا للأجيال المتحدّرة والأحقاب المتلاحقة ، لا أن يكون قربانا عابرا ، يستهدف اللحظة الراهنة.

ثم تعلمنا بالاضافة لذلك أن لا يكون إيماننا مجرد إيمان فكريّ نظري لا يستند إلى واقع عملي ، وإنما أن يكون واقعا وتطبيقا ودفاعا وتضحية في سبيل المثل الأعلى ..

ثم تعلمنا أن نستهين بالمصاعب والمصائب مهما عظمت ، ونمحو من خلدنا فكرة المستحيلات ، بما نتسلح به من إرادة قوية مؤمنة وتصميم حازم أكيد.

وما أظن أن إنسانا في مسرح التاريخ والبطولة ، استطاع أو يستطيع أن تكون له مثل هذه الكفاءات العالية ، والمواهب الفريدة النادرة ـ غير الإمام الحسين عليه‌السلام ـ ليمثل هذا الدور الجوهري الخطير في قيادة حركة الإيمان وإحياء دعوة الإسلام ، فيصدّع مسيرة الكفر المتقدمة ، ويسحق زحوف النفاق المتفجرة ، ويعيد للرسالة المحمدية قدسيتها المفقودة وهيبتها المنهوبة ، وقد أوشكت على الإنطفاء شعلتها ، وعلى الغروب مقلتها. فأيقظ النفوس وأهاج الأرواح ، لتستبصر واقع أمرها ، وتضطلع بالمسؤوليات المترتبة عليها ، فتسترخص بالنفس والنفيس في سبيل الحق ، وتحمي صرح الكرامة مهما كلّفها ذلك من تضحيات ، وتروّي نبتة الفضيلة بدمائها غير عابئة بالموت.

١٤

إنه الإمام الحسين عليه‌السلام ، الّذي عقد كل هذه الآمال العريضة الجسيمة ، على مصرع شخصه الكريم ومصرع كل أهله وأنصاره ، إذ لم يجد أمضى من ذلك سلاحا ، ولا أقوم من ذلك سبيلا ، لبلوغ غرضه الشريف. فهزّت شهادته أركان العروبة والإسلام ، وقلبت مفاهيم الخوف والخنوع والاستسلام ، إلى مبادئ الثورة والعزّة والإقدام ، فكان منها ما كان من المستحيلات والفتوح ، الّتي أحيت معالم الإسلام الخالد ، ودفعت مسيرته الهادرة إلى يومنا الحاضر ، وأرست دعائمه ثابتة كالجبال ، ونصبت راياته خفاقة مدى الأجيال.

دمشق في ١ محرم الحرام ١٤١٠ ه

الموافق ٣ آب ١٩٨٩ م

د. لبيب وجيه بيضون

١٥

من وحي الشّهادة

(آيات من سورة آل عمران)

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١٣) قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ. إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) صدق الله العظيم

١٦

من الأثر النبوي الشريف

أخرج الثعالبي في تفسيره الكبير عن جرير بن عبد الله البجلي (قال) قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

«ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات شهيدا.

ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مغفورا له.

ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات تائبا.

ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مؤمنا مستكمل الإيمان. ألا ومن مات على حبّ آل محمّد بشّره ملك الموت بالجنة ، ثم منكر ونكير. ألا ومن مات على حبّ آل محمّد يزفّ إلى الجنّة كما تزفّ العروس إلى بيت زوجها.

ألا ومن مات على حبّ آل محمّد فتح له في قبره بابان إلى الجنّة. ألا ومن مات على حبّ آل محمّد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة. ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات على السنّة والجماعة .. ألا ومن مات على بغض آل محمّد مات كافرا. ألا ومن مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه : آيس من رحمة الله».

١٧

نداء إلى الشبيبة المؤمنة للاقتداء بالحسين عليه‌السلام

دم ودموع ، وسموّ واستعلاء ...

وألم يفري الضلوع ، وعزّة للنفس وإباء ...

تلك ذكرى أبي الشهداء الحسين عليه‌السلام ...

ما العبرة في ذكرى أبي الشهداء؟.

هي عبرة العقيدة الّتي لا تضعف ، والإيمان الّذي لا يهن ، والعزّة الّتي لا تستخذي ، والإباء الّذي لا يقهر ، والقلب الشجاع الّذي لا تردعه الأهوال.

وهي في الجانب الآخر : عبرة النفس الإنسانية حين تمسخ ، والطبع البشري حين ينتكس ، والشرّ اللئيم الخسيس حين تسعفه القوة المادية ، والنذالة القذرة المنتنة حين تواتيها الظروف.

وما الّذي صنعته الأيام والدهور ، بهذا وذاك؟.

لقد خلدّت العقيدة والإيمان والعزة والإباء والقلب الشجاع ، خلّدتها في القلوب نورا وإيمانا وعقيدة تذكيها القرون والأجيال ...

ولقد دفنت الطبع المنتكس والشّر اللئيم والنذالة القذرة. وعفّت على هذه الصور البشعة ، إلا أن تذكرها بالمقت والازدراء.

ألا فلينظر الشباب أي الطريقين يسلك اليوم بعد ألف وثلاثمائة عام.

لينظر أيسلك طريق الخلود الكريم ، أم طريق الفناء المهين؟.

سيد قطب

١٨

أشهر المستشهدين من أصحاب الحسين عليه‌السلام

١٩

دروس من سيرة الحسين عليه‌السلام واستشهاده

يعلمنا هذا الكتاب دروسا كثيرة من خلال سيرة الإمام الحسين عليه‌السلام واستشهاده.

يعلمنا أن المؤمن الصحيح :

يؤمن بالمسؤولية ، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

لا يكتفي بالأفكار ، بل يعمل على تحقيق أفكاره وتطبيقها عمليا.

لا يعتقد فحسب ، بل يعتقد ويعمل.

يقول كلمة الحق ، حتّى أمام السلطان الجائر.

لا يعصي ربه ليرضي الناس [لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق].

المؤمن عزيز النفس ، يتحلى بالإباء والتضحية والفداء.

يأبى الذل والظلم والاستعباد.

حرّ متحرر ، تنبع أعماله من إرادته وتفكيره.

صادق فيما عاهد الله عليه ، لا يغيّر ولا يبدّل.

مستقيم ، لا يساوم ولا ينحرف ، ولا تطغيه الشهوات.

يطبّق مبدأه على نفسه أولا ، ثم على الآخرين.

جريء صريح ، يقاوم الباطل بلا هوادة ولا مهادنة.

شجاع حازم ، لا ترهبه كثرة الأعداء.

صامد لا يتراجع ، وثابت لا تردعه الأهوال.

جسور يذلل المصاعب ، ويستهين بالمستحيلات.

لا يبدأ أحدا بقتال ، حتّى يقيم الحجة عليه.

يقدّم نفسه قربانا للعقيدة والأجيال.

يفكر في الآخرين ، قبل أن يفكر في نفسه.

٢٠