🚘

هدى الطالب إلى شرح المكاسب - ج ٧

السيّد محمّد جعفر الجزائري المروّج

هدى الطالب إلى شرح المكاسب - ج ٧

المؤلف:

السيّد محمّد جعفر الجزائري المروّج


الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٨٠
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ 🚘 الجزء ٥ 🚘 الجزء ٦ 🚘 الجزء ٧
🚘 نسخة غير مصححة

لاقتصاره (١) على ذكر الأعقاب (٢).

وفيه (٣) نظر ،

______________________________________________________

ولعلّ الأولى تأخير هذه المناقشة عن الوجه الرابع الآتي بقوله : «مع عدم الظفر بالقائل به» لفرض أن شبهة انقطاع الوقف محلّ نظر عنده وإن أمر بالفهم بعده.

(١) هذا الضمير وضميرا «عنه ، ظهوره» راجعة إلى خبر جعفر بن حيّان والأولى تأنيثها بلحاظ رجوعها إلى «رواية جعفر».

(٢) هذا من النقل بالمعنى ، إذ الموجود في خبر جعفر «قرابته من أبيه وقرابته من امّه» ، ولفظ «الأعقاب» مذكور في ما رواه الحميري عن الإمام الصّادق عليه‌السلام.

(٣) يعني : وفي الجواب المذكور في المختلف نظر ، وجه النظر : أن اقتصار السائل ـ في مقام حكاية فعل الواقف ـ على ذكر خصوص قرابة الأب وقرابة الام ، وعدم تعقيبه بمثل «فإن انقرضوا ... لا يشهد بانقطاع الوقف ، لأعميته منه ، إذ قد يقتصر في المؤبّد على ذكر صنف من الموقوف عليهم كالأولاد من دون تعيين مآل الوقف لو انقرضوا.

__________________

كانوا من الموقوف عليهم ، لشمول «قرابة الميّت» للقريب مع الواسطة أيضا. فالتعبير عنهم بالورثة كاشف عن كون الموقوف عليهم هم الطبقة الأولى خاصة ، وتكون الطبقة الثانية ورثة للقرابة الموقوف عليهم ، وليست منهم.

ولكن اجيب عنه بعدم شهادة التعبير المتقدم بانقطاع الوقف ، لوجود مثله في الوصية أيضا ، إذ الموصى له ليس خصوص الرجل ، بل هو وعقبه ، ومع ذلك عبّر في ذيل الرواية عن العقب بالورثة ، لقوله : «وإن انقطع ورثته».

وبالجملة : فالتعبير عن الطبقة اللاحقة ـ وقفا ووصية ـ بالورثة لا يدلّ على أن استحقاقهم للعين أو للمنفعة بالإرث دون الوقف والوصية (١).

__________________

(١) حاشية المحقق الأصفهاني ، ج ١ ، ص ٢٧٠ و ٢٧١.

٨١

لأنّ الاقتصار (١) في مقام الحكاية لا يدلّ على الاختصاص (٢) ، إذ يصحّ أن يقال في الوقف المؤبّد : إنّه وقف على الأولاد مثلا (٣). وحينئذ (٤) فعلى الإمام عليه‌السلام

______________________________________________________

وحيث كان الاقتصار متعارفا في كلا قسمي الوقف ، أمكن التمسك بالإطلاق الناشي من ترك الاستفصال ، إذ لو اختلف حكم الوقف المنقطع ـ في جواز البيع عند الحاجة ـ عن المؤبد كان المناسب أن يكلّف السائل تعيين كون الوقف المزبور موقتا أو مؤبّدا. ولمّا لم يستفصل الإمام عليه‌السلام وبيّن الحكم بقوله : «نعم إذا رضوا كلّهم وكان خيرا لهم باعوا» كشف عن اتّحاد قسمي الوقف في جواز البيع إن كان خيرا للموقوف عليهم.

وهذا الجواب أفاده المحقق الثاني ، وارتضاه جمع منهم صاحب المقابس ، فقال : «ويحتمل أن يكون السكوت عن المرتبة الأخيرة العامة إحالة على ظهورها ، أو لعدم تعلق غرض في أوّل السؤال بذكرها. ومثل ذلك شائع في الاستعمال. ولمّا كانت حكاية الحال محتملة ، وترك الاستفصال في الجواب ، كان دليلا على العموم ، كما تقدّم عن المحقق الكركي. وليس ببعيد وإن كان ظاهر اللفظ يساعد الأوّل ، وهو الانقطاع» (١).

(١) أي : اقتصار السائل ـ في مقام حكاية صورة الوقف ـ لا مقام جعل الوقف وإنشائه ، إذ لو اقتصر الواقف على خصوص قرابة الأبوين في الإنشاء كان منقطعا.

(٢) أي : اختصاص الوقف بالقرابة وأعقابهم حتى يكون وقفا منقطعا.

(٣) من دون إضافة قوله : «فإذا انقرضوا فهو للفقراء مثلا» فعدم التصريح بمن يوقف عليه بعد الأولاد غير قادح في كون الوقف مؤبّدا.

(٤) يعني : فحين عدم دلالة حكاية صورة الوقف على الاختصاص ، فلو كان جواز البيع مختصا بالمنقطع كان المناسب أن يستفصل الإمام من السائل : أن المسؤول

__________________

(١) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٥٠ ؛ جامع المقاصد ، ج ٩ ، ص ٧٠.

٨٢

أن يستفصل إذا كان بين المؤبّد وغيره فرق في الحكم ، فافهم (١).

وكيف كان (٢) ففي الاستدلال بالرواية ـ مع ما فيها من الإشكال (٣) ـ

______________________________________________________

عنه موقت أو مؤبّد ، مع أنّه عليه‌السلام لم يستفصل.

(١) لعلّه إشارة إلى أنّه لا مورد في الخبر للاستفصال ، لظهور قوله عليه‌السلام : «يتوارثون ذلك ما بقوا وبقيت الغلّة» في كون السؤال عن الوقف المؤبّد.

ويمكن تأييده بأنّ السؤال مسوق لحكم ما جعله الواقف للموصى له ، لا لحكم الوقف ، فلا مجال لاستظهار تعيين المؤبّد من إطلاق الحكاية.

أو إشارة إلى عكس ما ذكر ، بأن يقال : إن ظاهر الحكاية هو حكاية تمام الواقعة ، وأنّ الموقوف عليهم هم القرابة ، وبعد هذا الظهور في الانقطاع لا محلّ للاستفصال ليكون تركه دالّا على عموم الجواب.

(٢) يعني : سواء أمكن التفصّي من شبهة اختصاص الخبر بالوقف المنقطع ، أم لم يمكن ، فإنّ الاستدلال بها على الصورة الرابعة مشكل ، لما عرفت من الوجوه الثلاثة ، مضافا إلى إشكالين آخرين ، وهما ما ذكره في المقابس من الجمع بين الوقف والوصية ، وإعراض الجل أو الكل عنه.

(٣) هذا إشارة إلى الإشكال المذكور في المقابس ، وهذا لفظه :

«ثم الظاهر من الوقف هو الوقف المعروف ، فقوله : ـ أوصى لرجل ... الخ ـ يدلّ على أنّ استحقاق ذلك الرجل بطريق الوصية الجارية بعد موت الواقف ، ويلوح من قوله : ـ ويقسّم الباقي ـ في موضعين : أنّ استحقاق القرابة أيضا على هذا الوجه.

فإن كان الوقف قد استكمل شرائطه فكيف حكم عليه‌السلام بإمضاء الوصية؟ وإن لم يستكمل شرائطه أصلا امضيت الوصية وبطل الوقف ، ورجع رقبة الأرض ومنافعها الخارجة عن الوصية ميراثا ، ولم يثبت فيه حكم توارث القرابة لغلّتها دائما.

وإن كان الوقف معلّقا على الموت كان باطلا أيضا.

٨٣

على (١) جواز البيع بمجرّد الأنفعية إشكال (٢) ، مع عدم الظفر بالقائل به (٣) ، عدا ما يوهمه ظاهر عبارة المفيد المتقدمة (٤).

______________________________________________________

وإن وقع مطلقا ولم يحصل إقباض ، فأوصى ثم أقبض لها القرابة ، فإن كان الإقباض فسخا للوصية مضى الوقف وبطلت الوصية. وإن لم يكن فسخا فكيف يمكن الجمع بين الأمرين معا؟ فالحديث موضع إعضال وإشكال.

ويخطر بالبال في حله وجوه :

الأوّل : أن يراد بالوقف الوصية ، ولا يجب تقدير المضاف حينئذ ، ولا حاجة إلى الحمل على الدوام ، لتعلق الوصية بالمنفعة والمنقطع بلا إشكال. ولمّا أوصى بدوام انتفاع القرابة من منافع تلك الأرض ـ وظاهره أنّ القسمة بالسوية لا على النص المعتبر في الإرث ـ سمّى ذلك بالوقف ، ولوّح بعد ذلك بما يقتضي كونه على وجه الوصية. وحينئذ يرتفع الإشكال المذكور» ثم أجاب قدس‌سره بوجوه اخر ، فلاحظ (١).

(١) متعلق ب «الاستدلال».

(٢) مبتدء مؤخر لقوله : «ففي الاستدلال» فكأنّه قال : «وكيف كان فإشكال في الاستدلال».

(٣) أي : بالجواز ، وهذا وجه رابع في الجواب عن الاستدلال بالرواية ، وحاصله : أنّه بعد الغض عن الإشكالات المتقدمة ـ وتسليم ظهورها في جواز البيع بمجرد الأعودية ـ تكون الرواية معرضا عنها ، لعدم الظفر بمن قال بمضمونها ، فمن جهة الإعراض لا يمكن الاستناد إليها.

(٤) تقدّمت عبارته في (ص ٥٨) وتقدّم وجه عدم ظهورها في جواز بيع الوقف المؤبّد.

وقيل أيضا بعدم دلالة عبارته على ذلك أصلا ، لأنّها ناظرة إلى حكم الوقف

__________________

(١) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٥٠.

٨٤

وممّا ذكرنا (١) يظهر الجواب عن رواية الحميري.

ثمّ لو قلنا (٢) في هذه الصورة بالجواز كان الثمن للبطن الأوّل البائع يتصرّف

______________________________________________________

قبل القبض ، ومن المعلوم أنّ القبض إمّا شرط في الصحة وإمّا شرط في اللزوم ، وعلى التقديرين لا مانع عن الرجوع. فمفروض كلامه قبل القبض ، كما أنّ مفروضه الرجوع عن الشرط لا جواز البيع.

لكن يمكن التأمل في هذا الوجه بعدم كون القبض شرطا لصحة الوقف أو لزومه ـ إلّا في بعض الصور ـ عند الشيخ المفيد قدس‌سره كما ادعاه في المقابس واستشهد بكلماته ، فراجع (١).

(١) يعني : يجري في المكاتبة ما ذكرناه من الوجه الثاني ، وهو إرادة مطلق النفع من كلمة «الأصلح» الواردة في ما رواه الحميري عن الإمام الصادق عليه‌السلام ، كما تقدم توضيحه في (ص ٧٧).

كما يجري الوجه الرابع في المكاتبة ، وهو إعراض الأصحاب ، المتقدم في (ص ٨٤) فراجع (*).

(٢) هذا الكلام إلى آخر الصورة جواب آخر عن القول «بجواز بيع الوقف إن كان أعود» كما ورد في كلام بعضهم. ومحصّله : إبطال الوقف واختصاص الثمن

__________________

(*) ولعلّ الاولى في الجواب عن المكاتبة أن يقال : إنّها سيقت لبيان جواز البيع فيما ثبت جوازه مع التفرق والاجتماع ، فهي في مقام نفي اعتبار رضا الجميع في البيع. وأما جواز بيعه فلا بد أن يثبت من تقريره ـ صلوات الله عليه وعجل الله تعالى فرجه الشريف ـ لما رواه السائل مرسلا ، وهو ذو احتمالات كثيرة ، فيصير مجملا لا يصح الاستدلال لا بالمكاتبة ولا برواية جعفر بن حيّان بناء على اعتبار سندها سواء أكانت هي عين ما رواه السائل مرسلا أم غيرها.

__________________

(١) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٤٤ و ٤٥.

٨٥

فيه على ما شاء.

______________________________________________________

بالبطن الموجود ، مع أنّه لا يمكن الالتزام به.

وتوضيحه : أن ما ذكر في عنوان الصورة الرابعة ـ من جواز البيع إن كان أعود أو أدرّ أو أنفع ـ وما استدل به عليه وهو خبر جعفر بن حيّان والمكاتبة ، يقتضيان اختصاص الثمن بالبطن الموجود. أمّا ظهور عنوان المسألة ـ كما مرّ في مثل عبارة النزهة ـ فلأنّ العائدة ـ كما قيل ـ هي المنفعة المالية التي تعود إلى الشخص ، فمعنى «كون البيع أعود» كونه أكثر فائدة من المنفعة التدريجية بالغلّة ونماء الوقف. ومن المعلوم أن صدق «البيع أعود» منوط بما إذا جاز للبطن البائع صرف الثمن في مئونة نفسه ، لا بأن يبدل الوقف بما يكون فائدته أزيد من فائدة المبدل.

وأمّا ظهور الدليل في اختصاص الثمن بالبطن الموجود فلدلالة خبر جعفر على تجويز البيع ـ مع حاجة الموقوف عليهم ـ في رفع حاجتهم ، بصرف نفس الثمن (*).

وكذا المكاتبة ، فإنّه عليه‌السلام جعل حقّ البيع لهم ، وظاهره تملكهم للثمن. ولم يستفصل عليه‌السلام ـ في ترخيص البيع ـ عن أن حصة البعض مما يمكن بقاء بدله بعد البيع وانتفاع البطون اللّاحقة به أم لا. وحيث إن الثمن في صورة تعذر انتفاع البطون يكون ملكا طلقا للبائع ، فكذا في صورة إمكان انتفاعهم ، لاتحاد حكم البيع.

والحاصل : أن مقتضى عنوان المسألة والدليل عليه اختصاص الثمن بالبطن الموجود. وهذا مخالف لما تقدم في الصورة الاولى من أن الموقوفة ملك فعلي للموجود ،

__________________

(١) إلّا أن يقال : إن الاحتياج ـ الذي هو ربما يكون قرينة على كون البيع لرفع حاجتهم المتوقف على صرف الثمن في مصالح البطن الموجود ـ مفقود في المكاتبة ، بل هي مسوقة لبيان جواز البيع مجتمعين ومتفرقين ، ولا إطلاق لها بالنسبة إلى صرف الثمن في البطن الموجود.

٨٦

ومنه (١) يظهر وجه آخر (٢) لمخالفة الروايتين للقواعد ، فإن (٣) مقتضى كون العين مشتركة بين البطون كون بدله كذلك (٤) ، كما (٥) تقدم (٦) من استحالة كون بدله ملكا لخصوص البائع ، فيكون (٧) تجويز البيع في هذه الصورة

______________________________________________________

وشأني للمعدوم ، ومقتضى المعاوضة الشركة وتعلق حق المعدومين بالثمن على حدّ تعلقه بالمثمن. وبهذا يظهر مخالفة الخبرين للقواعد المسلّمة ، هذا.

(١) أي : ومن كون الثمن مختصا بالبطن الأوّل يظهر ... الخ.

(٢) يعني : غير الوجوه المتقدمة من إعراض الأصحاب عن العمل بهما وغير ذلك.

(٣) هذا بيان المخالفة بوجه آخر ، وهو اقتضاء البدلية قيام الثمن مقام المثمن في ما له من إضافة.

(٤) أي : مشتركة بين البطون.

(٥) كذا في النسخ ، والأولى «لما».

(٦) حيث قال : «ومما ذكرنا يظهر : أن الثمن على تقدير البيع لا يخصّ به البطن الموجود ... لاقتضاء البدلية ذلك ...» ، فراجع (١).

(٧) غرضه توجيه اختصاص الثمن بالموجودين بما لا يلزم مخالفته لمفهوم المعاوضة والمبادلة.

وبيانه : أنّه لو سلّم دلالة الروايتين على جواز البيع وصرف الثمن في مئونة الموجودين ، كشف هذا التجويز عن ترخيص الشارع لهم في إسقاط حقّ الطبقات المتأخرة آنا قبل البيع ، وبطلان الوقف ، فيقع النقل على العين المختصة بالموجودين ، ولازمه اختصاص الثمن بهم ، لعدم ما يوجب شركة المعدومين فيه حينئذ.

ونظير إسقاط حق اللاحقين ما ذكروه في التملك الآني في تصرف ذي الخيار

__________________

(١) هدى الطالب ، ج ٦ ، ص ٦٢٧ ـ ٦٢٩.

٨٧

والتصرف (١) في الثمن رخصة (٢) من الشارع للبائع في إسقاط حقّ اللّاحقين آنا مّا قبل البيع ـ نظير (٣) الرجوع في الهبة المتحقق ببيع الواهب ـ لئلّا (٤) يقع البيع على المال المشترك ، فيستحيل (٥) كون بدله مختصّا.

______________________________________________________

والواهب فيما يتوقف على الملك ، كما إذا باع الواهب ما وهبه للغير ، فإنّ مقتضى توقف البيع على الملك عود المال إلى ملكه آنا ـ وتحقق الرجوع عن الهبة ـ ليقع البيع في ملكه.

(١) يعني : التصرف الاختصاصي في ثمن الوقف ، كالتصرف في أموالهم المختصة بهم.

(٢) خبر قوله : «فيكون».

(٣) يعني : كما أن بيع الواهب كاشف عن رجوعه ، وإلغاء ملكية المتهب.

(٤) يعني : أن الداعي على هذا التوجيه هو عدم وقوع البيع على مشترك ، مع كون بدله مختصّا.

(٥) أي : حتى يستحيل ، وهذا متفرع على المنفي ـ وهو وقوع البيع على المال المشترك ـ إذ لو كان المبدل مشتركا بين جميع البطون امتنع ـ بمقتضى المعاوضة ـ كون البدل مختصا بالبطن الموجود.

هذا تمام الكلام في الصورة الرابعة.

٨٨

الصورة الخامسة : أن يلحق الموقوف عليهم ضرورة شديدة (١).

وقد تقدّم عن جماعة تجويز البيع في هذه الصورة ، بل عن الانتصار (٢)

______________________________________________________

الصورة الخامسة : حاجة الموقوف عليهم إلى الثمن

(١) تقدم الفرق بين موضوع الحكم في هذه الصورة وسابقتها في (ص ٥٦) فالمقصود هنا الانتفاع بالثمن بصرفه في حاجة الموقوف عليهم. وفي المسألة قولان :

أحدهما : الجواز. قال به جماعة كالشيخ المفيد والسيد المرتضى وشيخ الطائفة وسلّار وأبي المكارم وابن حمزة والراوندي وغيرهم. ففي المقنعة : «وكذلك إن حصلت لهم ضرورة إلى ثمنه كان لهم حلّه». وتكرّر هذا المضمون في كلماتهم المنقولة أوّل المسألة (١). واستدلّ عليه بوجهين وهما : الإجماع وخبر جعفر بن حيّان.

ثانيهما : المنع. وهو ظاهر من لم يستثن هذه الصورة من منع البيع كالمحقق والعلّامة والصيمري وغيرهم ، لقصور دليل الجواز.

(٢) قال السيد : «وممّا انفردت الإمامية به القول بأن ... وأنّ أرباب الوقف متى دعتهم ضرورة شديدة إلى ثمنه جاز لهم بيعه». وقال السيد أبو المكارم : «ويجوز عندنا بيع الوقف ... أو كانت بأربابه حاجة شديدة دعتهم الضرورة إلى بيعه» وظهور «مما انفردت به الإمامية» و«عندنا» في الإجماع لا ينكر.

__________________

(١) راجع هدى الطالب ، ج ٦ ، ص ٥٥٧ ـ ٥٦٤.

٨٩

والغنية : الإجماع عليه. ويدلّ عليه (١) رواية جعفر المتقدمة.

ويردّه (٢) : أنّ ظاهر الرواية

______________________________________________________

(١) أي : على الجواز ، بتقريب : أنّه عليه الصلاة والسلام جوّز البيع في مفروض كلام السائل ، وهو احتياج الموقوف عليهم وعدم كفاية الغلّة لمصارفهم ، وذلك بعد تقييد مطلق الحاجة بالشديدة بالإجماع المدّعى على عدم جواز بيع الوقف لمطلق الحاجة.

ثمّ إن الغرض صرف نفس الثمن في مئونة الموقوف عليهم. وهذا ينطبق على المقام من جواز بيع الوقف إذا لحق حاجة بأهل الوقف ، وليس المراد تبديل الموقوفة بما يزيد نفعه على منفعتها.

(٢) ناقش المصنف قدس‌سره في كلا وجهي الجواز ، ففي الخبر بوجهين ، وفي الإجماع بوجوه أربعة ، وقدّم الإيراد على الخبر.

أما الوجه الأوّل فمحصّله : عدم مطابقة الدليل والدعوى ، لما بين عنوان «الضرورة الشديدة أو الحاجة الشديدة» وبين «الحاجة وعدم كفاية الغلّة» ـ الوارد في خبر جعفر ـ من العموم من وجه ، ومن المعلوم أن الدليل المتكفل لحكم أحد العامين من وجه قاصر عن إثبات حكم العام الآخر.

وبيانه : أن موضوع سؤال الراوي ليس هو الضرورة الشديدة حتى يكون جوابه عليه‌السلام تجويزا للبيع في الصورة الخامسة ، بل هو «إذا احتاجوا ولم يكفهم ما يخرج من الغلّة» والمحتاج الذي لا يكفيه الغلّة والمنفعة هو الفقير الشرعي الذي عرّفوه في كتاب الزكاة ب «من يقصر ماله عن مئونة سنته» كما في الشرائع (١).

والوجه في ظهور الرواية في الفقير الشرعي هو : أن قوله : «إذا احتاجوا» وإن كان بمقتضى حذف المتعلق شاملا لكل ما يحتاجون إليه في امور معيشتهم ، لكن

__________________

(١) شرائع الإسلام ، ج ١ ، ص ١٥٩.

٩٠

أنّه يكفي (١) في البيع عدم كفاية غلّة الأرض

______________________________________________________

ضمّ قوله : «ولم يكفهم ما يخرج من الغلّة» إليه يدلّ على وجدان ما يكفيهم لبعض معيشتهم ، فحاجتهم إلى مال آخر غير الغلّة التي لا تفي بمؤونتهم يكون في بعض السنة ، وهذا هو الفقير الشرعي. كما أن ظاهر السؤال تكرر عدم كفاية الغلّة في سنين عديدة ، ولم يختص بعام واحد ، إذ لم يقيّد عدم وفاء الغلّة ببعض السنين ، فيكون ظاهر حكاية الحال عدم استغناء الموقوف عليهم بهذه الغلّة.

والوجه في تقييد عدم كفاية الغلّة بالسنة هو كون المتعارف ملاحظة المعاش سنة كاملة.

وعلى هذا فكأنّ الراوي سأل عن حكم بيع الموقوفة بعد انطباق حدّ الفقير الشرعي على أهل الوقف ، وانحصار علاج فقرهم في البيع. ومن المعلوم أجنبية هذا عن جواز البيع للضرورة الشديدة ، المعبر عنها بالاضطرار العرفي ، لكون النسبة بينهما عموما من وجه ، فيجتمعان تارة ، كما إذا كان فاقدا لمئونة السنة اللائقة بشأنه ، وحصلت له حاجة شديدة إلى صرف مال في غير مئونته المتعارفة ، كمرض أو حرق مثلا ، فيتصادق عليه عنوانا «الفقير والمحتاج بشدة».

ويفترقان اخرى ، فقد يكون فقيرا غير واجد لمصرف سنته ، فينفق على نفسه مما ينطبق عليه من الحقوق الشرعية ، ولم يكن له حاجة شديدة ليبيع شيئا من أمواله.

وقد يكون محتاجا ـ مع عدم صدق الفقير عليه لوجدانه مئونة سنته ـ كما إذا أصابه مرض أو حرق ، فاضطرّ إلى صرف مال كثير ربما يكون أزيد من مئونة سنته.

وعليه فلمّا كان بين العنوانين عموم من وجه ، وكان جواب الإمام عليه‌السلام تجويزا للبيع في مورد عدم الكفاية ـ أي الفقر ـ لم يمكن الاستدلال بالخبر على جواز البيع في مورد الضرورة والاضطرار. هذا توضيح الوجه الأوّل. وأما الوجه الثاني ، فسيأتي إن شاء الله تعالى.

(١) لقوله عليه‌السلام : «نعم» الظاهر في وروده مورد السؤال ، وهو عدم كفاية الغلّة.

٩١

لمئونة سنة (١) الموقوف عليهم ، كما لا يخفى. وهذا (٢) أقلّ (٣) مراتب الفقر الشرعي. والمأخوذ (٤) في عبائر من تقدّم من المجوّزين اعتبار الضرورة والحاجة الشديدة ، وبينها وبين مطلق (٥) الفقر عموم من وجه ، إذ قد يكون فقيرا (٦) ولا يتفق له حاجة شديدة ، بل مطلق (٧) الحاجة ،

______________________________________________________

(١) تقييد عدم كفاية الغلّة ب «السنّة» إمّا لأنّ المتعارف عند الناس ملاحظة فقرهم وغناهم بالنسبة إلى قصور المال عن مئونة السنة ، ووفائه بها. وإمّا لأنّ سياق كلام السائل يعطي عدم كفاية غلّة الأرض إلى حصول غلّة اخرى من نفس تلك الموقوفة ، ولعلّها لم تغل أكثر من مرة في كل سنة.

(٢) أي : عدم كفاية غلّة الأرض لمئونة سنة أهل الوقف يجعلهم فقراء ، فيجوز لهم بيع الوقف.

(٣) التعبير بالأقل لأجل كون عدم وجدان مئونة سنة كاملة ـ فعلا أو قوة ـ موجبا للخروج من عنوان «الغنى» إلى عنوان «الفقر» ، وحينئذ فأشدّ مراتب الفقر هو أن لا يملك مئونة يوم واحد.

(٤) مبتدء ، خبره «اعتبار» يعني : أن ظاهر الرواية لا ينطبق على العنوان الوارد في كلمات المجوزين ، وهو الحاجة أو الضرورة الشديدة. ووجه عدم الانطباق ما سيذكره من كون النسبة بين الحاجة والفقر عموما من وجه.

(٥) التعبير ب «مطلق الفقر» لأجل أن الفقير وإن كان محتاجا ، لكن بمطلق الحاجة لا بالحاجة المطلقة التي هي الشدة والضرورة ، والمفروض تجويز البيع لمطلق الفقر ، لا للمرتبة الشديدة منه حتى يتّحد مع المضطرّ.

(٦) هذا مورد افتراق الفقر عن الحاجة الشديدة ، بصدق «الفقر» دون الحاجة الشديدة.

(٧) معطوف على «حاجة شديدة» فلا يتفق للفقير مطلق الحاجة حتى يتحد مع مطلق الفقر ويجوز بيع الوقف حينئذ. وعليه فما جوّزه الفقهاء لم يدل عليه خبر

٩٢

لوجدانه (١) من مال الفقراء ما يوجب التوسعة عليه. وقد يتفق (٢) الحاجة والضرورة الشديدة في بعض الأوقات لمن يقدر على مئونة سنته. فالرواية (٣) بظاهرها غير معمول بها.

مع أنّه قد يقال (٤) : إنّ ظاهر

______________________________________________________

جعفر ، وما دل على جواز بيعه لم يرد في تعبيرهم.

(١) أي : وجدان الفقير ، وهذا من إضافة المصدر إلى فاعله.

(٢) هذا مورد افتراق الحاجة عن الفقر ، إذ قد يحتاج الغني إلى بيع شي‌ء من أمواله لرفع الضرورة.

(٣) هذا نتيجة كون النسبة عموما من وجه ، يعني : أنّ خبر جعفر وإن دلّ على جواز بيع الوقف بمجرد انطباق حدّ الفقير الشرعي على الموقوف عليهم ، لعدم كفاية الغلّة لمصارفهم ، ولكن هذا الظاهر غير معمول به ، فيسقط الخبر بإعراض الأصحاب عنه ، لأن الفقهاء بين مانع عن البيع مطلقا ، وبين مجوّز له عند الحاجة الشديدة ، لا عند عدم وفاء الغلة بمئونة أهل الوقف.

(٤) هذا ثاني وجهي المناقشة في رواية جعفر ، وتقدم في الصورة الرابعة أيضا ، وحاصله : أن «الحاجة وعدم كفاية الغلّة» وإن ورد في السؤال ، لكن جواب الإمام عليه‌السلام ب «نعم» ليس تجويزا للبيع إن احتاج أهل الوقف إلى بيعه ، بل تصديق لأصل الجواز ، ولكن إذا توفّر شرطان ، وهما رضا الكل وكون البيع أنفع.

وعلى هذا فتكون الحاجة موردا في الخبر لا قيدا حتى يستدل به على الصورة الخامسة من فرض لحوق ضرورة شديدة بالموقوف عليهم. فالرواية أجنبية عن المقام.

والقائل بهذا الوجه ـ ظاهرا ـ صاحبا المقابس والجواهر. ففي المقابس : «وأما الجواب بقوله : ـ نعم ـ فقد اعتبر فيه رضا الكل ، وكون البيع أنفع لهم أي لجميعهم ...» ثم ذكر استقلال الجواب عن السؤال وعدم العبرة بالحاجة (١).

__________________

(١) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٥١.

٩٣

الجواب (١) جواز البيع بمجرّد رضا الكل ، وكون البيع أنفع ولو لم يكن حاجة.

وكيف كان (٢) ، فلا يبقى للجواز عند الضرورة الشديدة إلّا الإجماعان المعتضدان بفتوى جماعة. وفي الخروج (٣) بهما عن قاعدة عدم جواز البيع (٤) وعن قاعدة وجوب (٥) كون الثمن على تقدير البيع غير مختصّ بالبطن الموجود

______________________________________________________

وفي الجواهر : «... على أن المذكور شرطا في السؤال لم يتعرض له في الجواب ، الظاهر في الاكتفاء في جواز البيع بعد رضى الكل بكون البيع خيرا لهم ...» (١).

(١) يعني : بعد إلغاء الحاجة المذكورة في السؤال ، والعدول عنها إلى رضا الكل وكونه أنفع.

(٢) يعني : سواء تمت المناقشة الثانية في رواية جعفر ، أم لم تتم ـ بأن كانت الحاجة قيدا أيضا لا موردا ـ فالرواية لأجل الإعراض الموهن لها لا تصلح حجة على جواز بيع الوقف عند الضرورة الشديدة إلى الثمن. وينحصر الدليل في الإجماعين المنقولين المعتضدين بفتوى جماعة بالجواز.

ولكن يشكل الاستناد إليهما لوجوه أربعة.

(٣) خبر مقدم لقوله : «إشكال» فكأنه قال : وإشكال في الخروج بالإجماعين عن قاعدة ... الخ.

(٤) أي : عدم جواز بيع الوقف ، للإجماع والنصوص الخاصة. وهذا هو الوجه الأوّل ، وحاصله : أن الخروج عن هذه القاعدة المسلّمة منوط بحجة شرعية كما تحققت في الصورة الاولى. ولكن الإجماعين المنقولين قاصران عن تخصيص كبرى «لا يجوز بيع الوقف» ولا أقلّ من شبهة كونهما مدركيّين ، لاحتمال استناد المجمعين ـ لو سلّم اتفاق الفقهاء على الجواز ـ إلى مثل رواية جعفر القاصرة دلالة.

(٥) هذا هو الوجه الثاني ، وحاصله : أنّ مجوّزي البيع للضرورة الشديدة

__________________

(١) جواهر الكلام ، ج ٢٢ ، ص ٣٧٣.

٩٤

ـ مع وهنه (١) بمصير جمهور المتأخرين وجماعة من القدماء إلى الخلاف (٢) ، بل (٣) معارضته (٤) بالإجماع المدّعى في السرائر ـ إشكال.

______________________________________________________

يخصّون الثمن بالبطن البائع ، مع اقتضاء المعاوضة اشتراكه بين الموجود واللاحق. فالخروج عمّا يقتضيه المبادلة ـ بالإجماعين المزبورين ـ مشكل.

(١) أي : وهن الإجماعين ، وهذا هو الوجه الثالث. ومحصله : منع صغرى الإجماع ، لعدم اتفاق الأصحاب على الجواز ، ومعه كيف تتجه دعوى الإجماع عليه؟

(٢) أي : إلى منع بيع الوقف عند الحاجة والضرورة ، وهذا المنع مذهب جماعة من القدماء كالإسكافي ، ونسب إلى الصدوق والقاضي والحلي (١) ، وكذا المتأخرين كالمحقق والعلّامة والشهيدين وغيرهم (٢).

(٣) هذا هو الوجه الرابع ، وغرضه أن المنع ليس فتوى جماعة معدودة حتى لا تقدح في إجماع السيدين قدس‌سرهما ، بل هو فتوى الكلّ ، على ما ادّعاه الحلّي ، وحينئذ يتعارض إجماع الجواز مع إجماع المنع ، وحيث لا مرجّح لأحدهما فيتساقطان ، ولا يبقى حجة على جواز البيع.

وعلى هذا فكلمة «بل» هنا للترقي من الوهن إلى سقوطه بالتعارض.

(٤) أي : معارضة إجماع السيدين. والمناسب تثنية الضمير هنا وفي «وهنه» رعاية للمرجع ، كما روعي في ضمير «بهما».

هذا تمام الكلام في الصورة الخامسة.

__________________

(١) تقدم نقل كلماتهم في الأقوال ، فراجع ج ٦ ، ص ٥٤٧ ـ ٥٥٣.

(٢) المصدر ، ص ٥٦٥ ـ ٥٦٨.

٩٥

الصورة السادسة : أن يشترط الواقف بيعه عند الحاجة (١) ،

______________________________________________________

الصورة السادسة : أن يشترط الواقف بيع الوقف

(١) يعني : الحاجة إلى صرف ثمن الموقوفة في مئونة الموقوف عليهم ، كما تقدم في الصورة الخامسة. ثمّ إنّه ينبغي تقديم أمرين قبل توضيح المتن :

الأوّل : أنّ المقصود من شرط البيع هو أن يشترط الواقف في صيغة الوقف سلطنة الموقوف عليهم على إبطال الوقف بالبيع عند حاجتهم الشديدة إلى ثمنه ، أو إذا اقتضته مصلحة البطن الموجود خاصة أو مصلحة البطون ، كأن يقول : «وقفت الدار على ذريتي وشرطت عليهم بيعها إن كان أعود لهم أو احتاجوا إلى ذلك ، أو اقتضت مصلحتهم تبديل الوقف بعين اخرى. أو إذا آلت إلى الخراب» أو نحو ذلك ممّا يكون بنفسه ـ ومع الغضّ عن الشرط ـ مجوّزا للبيع.

وليس المقصود من الشرط جواز بيعها لنفس الواقف إذا احتاج إلى ثمنها. وذلك لبطلان شرط الرجوع في الصدقة المتقرب بها إليه تعالى.

الثاني : الظاهر عدم تعرّض من سبق العلّامة لحكم هذه الصورة ، بشهادة عدم ورودها في الأقوال المنقولة أوائل المسألة ، ولم ينسبها السيد العاملي قدس‌سره إلى من تقدّم على العلّامة (١). نعم ، نسب صاحب المقابس إلى الحلبي جواز اشتراطه في الوقف المنقطع لا المؤبّد ، فراجع (٢).

__________________

(١) مفتاح الكرامة ، ج ٩ ، ص ٩٣.

(٢) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٦٣ ، الكافي في الفقه ، ص ٣٢٥.

٩٦

أو إذا كان فيه (١) مصلحة البطن الموجود ، أو جميع (٢) البطون ، أو عند (٣) مصلحة خاصة (٤)

______________________________________________________

وكيف كان فالأقوال في المسألة أربعة :

الأوّل : نفوذ الشرط وجواز البيع ، ذهب إليه العلّامة في الإرشاد (١) ، والشهيدان (٢) ، وهو مختار المصنف قدس‌سره وجماعة كأصحاب مفتاح الكرامة والمقابس والجواهر قدس‌سره.

الثاني : الإشكال في صحة هذا الشرط كما هو صريح القواعد.

الثالث : تفصيل المحقق الثاني بين كون الشرط عروض المسوّغ للبيع فيجوز ، وبين مطلق المصلحة فلا يجوز (٣).

الرابع : فساد الشرط ، وعدم جواز البيع بحال ، كما هو مذهب المانع عن بيع الوقف مطلقا أو في خصوص المقام ، بزعم منافاة هذا الشرط لمقتضى الوقف وحقيقته ، أو مخالفته للكتاب والسنة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

(١) أي : في البيع ، فقد يكون البيع والتبديل مصلحة لخصوص البطن الموجود ، وقد يكون مصلحة لجميع البطون ، كما إذا قال : «وقفت الدار على أن تباع إن كان بصلاح خصوص الموجودين».

(٢) كما إذا قال : «وقفت الدار وشرطت بيعها إن اقتصته مصلحة جميع البطون ، فلا يجوز البيع لو كان خيرا للبطن الوجود خاصة».

(٣) معطوف على قوله : «عند الحاجة».

(٤) في قبال مطلق المصلحة المفروض في قوله : «إذا كان فيه مصلحة» والمراد بالمصلحة الخاصة ما ورد في كلمات العلّامة والشهيد قدس‌سرهما من تضرر الموقوف عليهم

__________________

(١) إرشاد الأذهان ، ج ١ ، ص ٤٥٥.

(٢) الدروس الشرعية ، ج ٢ ، ص ٢٧٩ ، غاية المراد ، ج ٢ ، ص ٤٥٢.

(٣) جامع المقاصد ، ج ٩ ، ص ٧٣.

٩٧

على حسب ما يشترط (*).

______________________________________________________

بالضريبة التي يجعلها الظالم ، أو خراب الموقوفة ، أو خروجها عن حيّز الانتفاع ، أو وقوع الفتنة بين أربابه ، ونحو ذلك ، فكلّ منها مصلحة خاصة مجوّزة للبيع بدون الشرط.

__________________

(*) لا يخفى أنّ المصنف قدس‌سره جمع في عنوان هذه الصورة السادسة بين كلام العلّامة والشهيد ، ولذلك لم يقيد جواز الشرط ب «شراء غيره بثمنه».

وبيانه : أنّ المواضع التي وردت في عبارة القواعد ـ كزيادة الخراج والخراب وقلة النفع ـ لو جاز اشتراط بيع الوقف فيها كان الغرض تبديل الوقف بعين اخرى ، كما هو حال البيع بطروء هذه الحالات بدون الشرط.

ولكن الشهيد قدس‌سره ـ في عبارته المذكورة في المتن ـ عنون هذه الصورة بشرط البيع عند الحاجة أو الفتنة ، وأهمل قيد «شراء البدل» لوضوح أن جواز البيع لسدّ حاجة أرباب الوقف غير مشروط بالتبديل على ما سبق في الصورة الخامسة ، ولعلّه لهذا قال : «وفي شراء بدله في هذه المواضع نظر ، من أنّه أقرب إلى التأبيد ، وهو خيرة ابن الجنيد ، ومن زوال المتعلّق ، وهو قول الشيخ» (١).

والحاصل : أنّ المصنف لأجل تعميم العنوان للبيع عند الحاجة ـ أو لمصلحة اخرى كالفتنة والخلف بين الموقوف عليهم ـ أسقط القيد المأخوذ في عبارتي الإرشاد والقواعد من وجوب تبديل الوقف بغيره. وهذا لا ينافي وجوب صرف الثمن في شراء البدل في بعض المواضع ، رعاية لحق البطون.

وعليه فما في كلام الفقيه المامقاني قدس‌سره من «أنّ مراد المصنف ليس تجويز البيع بالشرط مطلقا ، ولو بدون التبديل ، بل المقيّد به ، وذلك بقرينة قوله بعد أسطر : ـ ثمّ إنّه لو سلّم المنافاة فإنّما هو بيعه للبطن الموجود وأكل ثمنه ، وأما تبديله بوقف

__________________

(١) الدروس الشرعية ، ج ٢ ، ص ٢٧٩.

٩٨

فقد اختلف كلمات العلّامة ومن تأخّر (١) عنه في ذلك (٢). فقال في الإرشاد : «ولو شرط بيع الوقف عند حصول الضرر (٣) ـ كالخراج والمؤن من قبل الظالم ـ وشراء (٤) غيره بثمنه ،

______________________________________________________

(١) يلوح من هذه الكلمة أن من تقدّم العلّامة لم يستثن هذه الصورة من عموم منع بيع الوقف.

(٢) أي : في نفوذ الشرط ، وعدمه.

(٣) كذا في النسخ ، وفي الإرشاد : «عند حصول ضرر به» والمقصود تضرر الموقوف عليه بعدم عود منفعة الوقف إليه ، لكثرة المؤن التي يأخذها الجائر.

(٤) تقدم في التعليقة وجه الحاجة إلى تقييد نفوذ الشرط المزبور بشراء البدل ، في قبال صرف الثمن في مئونة أهل الوقف للضرورة الشديدة إليه. كما ظهر وجه الاستغناء عنه في عنوان المصنف لهذه الصورة.

__________________

آخر فلا تنافي بينه وبين مفهوم الوقف ـ فالظاهر أنّه اعتمد في إفادة هذا القيد على وروده في عبارتي الإرشاد والقواعد» (١). لا يخلو من شي‌ء ، لما تقدم من عدم اقتصار الماتن على ما في العبارتين ، كما اقتصر صاحب المقابس عليه (٢) ، لعدم ذكر الحاجة ومصلحة البطن الموجود أو جميع البطون فيهما حتى يكون إهمال القيد من جهة الاتّكال على وروده فيهما.

وأما قول المصنف : «ثم إنّه لو سلم المنافاة ...» فلا يتعين للقرينية على أنّ مراده التبديل في جميع مواضع الشرط ، لاحتمال إرادة التفصيل بين كون شرط البيع هو الخراب والضرر فيجب ، ولا ينافي التأبيد المعتبر في الوقف ، وبين كونه الحاجة إلى صرف الثمن. فيتحقق التنافي في بادئ النظر ، ويندفع بأن المنافاة للإطلاق لا لمقتضى الوقف. وعليك بالتأمل في العبارة.

__________________

(١) غاية الآمال ، ص ٤٥٢.

(٢) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٦٢ و ٦٣.

٩٩

فالوجه (١) الجواز» انتهى (١).

وفي القواعد : «ولو شرط بيعه عند الضرورة (٢) ـ كزيادة خراج وشبهه ـ وشراء غيره بثمنه ، أو عند خرابه وعطلته ، أو خروجه عن حدّ الانتفاع ، أو قلّة (٣) نفعه ،

______________________________________________________

(١) جواب الشرط في قوله : «ولو شرط» وسيأتي دليل الجواز.

(٢) كذا في نسخ الكتاب ، ولكن في القواعد «عند التضرر به» وكذا في متن الإيضاح (٢) وجامع المقاصد (٣) ومفتاح الكرامة (٤) ، وهو الأنسب بتمثيله بزيادة الخراج والمؤن كما عبّر به في الإرشاد أيضا. بل المتعين ذلك بقرينة وجوب شراء البدل ، مع أنّ جواز البيع في مورد الضرورة والحاجة إلى الثمن غير مشروط بالتبديل كما سبق في الصورة الخامسة.

وكيف كان فالمذكور في القواعد اشتراط بيعه بطروء إحدى حالات أربع :

الاولى : التضرر الناشئ من زيادة الخراج.

الثانية : خراب الوقف وصيرورته عاطلا لا ينتفع به.

الثالثة : خروجه عن حدّ الانتفاع لجهة اخرى غير الخراب ، كوقوع الدار الموقوفة في محلّة لا يسكنها أرباب الوقف ولا يتيسّر لهم إيجارها.

الرابعة : قلّة عوائد الوقف. وتقدم الكلام في حكم بيع الوقف في الصورة الاولى والثانية والثالثة ـ عند طروء إحدى الحالات الثلاث الأخيرة ـ فراجع.

(٣) هذا وقوله : «أو عند خرابه ، أو خروجه» معطوفة على قوله : «عند الضرورة».

__________________

(١) إرشاد الأذهان ، ج ١ ، ص ٤٥٥.

(٢) إيضاح الفوائد ، ج ٢ ، ص ٣٩٣.

(٣) جامع المقاصد ، ج ٩ ، ص ٧٢.

(٤) مفتاح الكرامة ، ج ٩ ، ص ٩٣.

١٠٠