🚘

هدى الطالب إلى شرح المكاسب - ج ٧

السيّد محمّد جعفر الجزائري المروّج

هدى الطالب إلى شرح المكاسب - ج ٧

المؤلف:

السيّد محمّد جعفر الجزائري المروّج


الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٨٠
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ 🚘 الجزء ٥ 🚘 الجزء ٦ 🚘 الجزء ٧
🚘 نسخة غير مصححة

لا يقدح عدمها (١) قبل الاستحقاق ولو حين العقد.

ويتفرّع على ذلك (٢) : عدم اعتبارها أصلا إذا كانت العين في يد المشتري (٣) ، وفيما (٤) لم يعتبر التسليم فيه رأسا ، كما إذا اشترى من ينعتق عليه ، فإنّه ينعتق بمجرّد الشراء ، ولا سبيل لأحد عليه. وفيما (٥) إذا لم يستحق التسليم بمجرّد العقد ، إمّا لاشتراط تأخيره (٦) مدّة ، وإمّا لتزلزل العقد ، كما إذا اشترى فضولا ، فإنّه (٧) لا يستحقّ التسليم إلّا بعد إجازة المالك ، فلا يعتبر القدرة على التسليم قبلها (٨).

______________________________________________________

(١) فلو كانت القدرة معدومة حال العقد ، وموجودة في زمان استحقاق التسليم ، صحّ البيع.

هذا ما أفاده المصنف قدس‌سره من الضابطة في شرطية القدرة ، وقد أدرجناها في الامور الثلاثة ، وسيأتي ما يتفرّع على كلّ منها.

(٢) أي : على كون العبرة ـ في الشرط المذكور ـ بالقدرة في زمان الاستحقاق.

(٣) تقدم تفريعه على الأمر الأوّل.

(٤) معطوف على «إذا كانت» وهذا هو الأمر الثاني ، ويتفرع عليه صحة بيع من ينعتق على المشتري لو عجز البائع عن تسليمه إليه.

(٥) معطوف أيضا على «إذا كانت» وهذا ثالث الامور الدخيلة في شرطية القدرة على التسليم.

(٦) أي : تأخير تسليم المبيع ، كما إذا باع داره واشترط تأخير تسليمها إلى المشتري ثلاثة أشهر ، فيكفي في صحة البيع تمكن البائع من التسليم عند الأجل ، ولا يجدي قدرته حال العقد.

(٧) أي : فإنّ المشتري لا يستحق التسليم بنفس الإيجاب والقبول ، لعدم تأثيره فعلا في النقل والانتقال.

(٨) أي : قبل إجازة المالك ، الموجبة لانتساب العقد إليه ، ولذا يعتبر تمكنه من

٦٤١

لكن يشكل على الكشف (١) ، من حيث (٢) إنّه لازم من طرف الأصيل ، فيتحقق الغرر بالنسبة إليه (٣) إذا انتقل إليه ما لا يقدر (٤) على تحصيله. نعم هو (٥) حسن في الفضولي من الطرفين.

______________________________________________________

التسليم حال الإجازة.

(١) غرضه الإشكال على عدّ بيع الفضولي من أمثلة ما لا يعتبر القدرة على التسليم فيه حال العقد ، وكفايته حال الإجازة. ومنشأ الإشكال ما ذكروه في ثمرات الكشف والنقل من أنّ تمام الموضوع لوجوب الوفاء ـ والمؤثّر في الملكية ـ هو العقد ، ويكون الأصيل مأمورا بالوفاء في المدة المتخللة بين العقد والإجازة ، وممنوعا من التصرف في ما انتقل عنه وما انتقل إليه.

وبناء عليه يكون البيع غرريا بالنسبة إليه ، لعدم وجوب التسليم على المالك قبل الإجازة ، وعدم قدرة المشتري من الفضولي على تحصيله ، فيلزم الغرر.

نعم لا يلزم الغرر في موردين :

أحدهما : ما لو كان كلا المتبايعين فضوليا ، لوضوح أن التمكن من التسليم ملحوط في من يخاطب بوجوب الوفاء ، وهو الأصيل والمجيز ، لا الفضولي.

ثانيهما : ما لو بنينا في الإجازة على النقل ، لعدم تمامية السبب المملّك قبل لحوق الإجازة ، فللأصيل الرجوع عن التزامه وحلّ العقد.

(٢) هذا تقريب الإشكال بناء على كون الإجازة كاشفة حقيقة عن تأثير العقد من حينه.

(٣) أي : بالنسبة إلى الأصيل المشتري من الفضولي.

(٤) لكون المال عند مالكه الذي لم يجز بعد عقد الفضول.

(٥) أي : عدم اعتبار القدرة على التسليم حسن في الفضولي من الطرفين ، لتزلزل العقد بالنسبة إليهما معا.

٦٤٢

ومثله (١) بيع الرهن قبل إجازة المرتهن أو فكّه.

بل (٢) وكذا لو لم يقدر على تسليم ثمن السّلم ، لأنّ (٣) تأثير العقد قبل التسليم في المجلس موقوف على تحقّقه (٤) ، فلا يلزم غرر.

ولو تعذّر التسليم بعد العقد (٥) رجع إلى تعذّر الشرط ،

______________________________________________________

(١) أي : ومثل العقد الفضولي بيع الراهن قبل إجازة المرتهن ، والمراد مماثلته له في كلا الأمرين ، وهما : عدم اعتبار القدرة على التسليم حال العقد ، وإشكال لزوم الغرر بناء على كون إجازة المرتهن كاشفة.

نعم بناء على النقل أو كون المشتري من الراهن فضوليا لا يلزم الغرر.

هذا كله في عدم اعتبار التمكن من التسليم فيما يكون وجوبه تكليفيا ، للوفاء بالعقد. وسيأتي حكمه فيما لو كان التسليم معتبرا في تأثير العقد.

(٢) الأولى أن يقال : «بل وكذا لا يعتبر القدرة على تسليم ثمن السلم حين العقد» يعني : بل يمكن الالتزام بعدم اعتبار القدرة على التسليم فيما يكون لها دخل في تأثير العقد ، بحيث لا يترتب مضمونه إلّا بالتسليم والإقباض ، وذلك لعدم الغرر مع عدمها ، إذ الغرر يلزم فيما إذا تحقق مضمون العقد ، وترتّب النقل والانتقال على العقد ، وأمّا إذا توقف تأثير العقد على القبض في المجلس ـ لا في حال العقد ـ فلا غرر.

(٣) تعليل لعدم اعتبار التمكن من القبض حال العقد.

(٤) أي : تحقّق التسليم.

(٥) حاصله : أنّه إذا تعذر التسليم ـ المعتبر في تأثير العقد وصحته ـ بعد العقد كالقبض في بيعي الصرف والسلم ، رجع إلى تعذر شرط الصحة ، فيبطل العقد ، إذ المؤثّر هو العقد المتعقب بالقبض ، فتعذّره يوجب بطلان العقد ، إلّا إذا صار ممكن الحصول بعد العقد بعد أن كان متعذرا حينه ، فإنّه متى حصل الجزء الأخير للموضوع ترتب عليه الحكم الشرعي.

٦٤٣

ومن المعلوم (١) أنّ تعذّر الشرط المتأخّر حال العقد غير قادح ، بل (٢) لا يقدح العلم بتعذّره فيما بعده في تأثير العقد إذا اتّفق حصوله (٣) ، فإنّ الشروط المتأخرة (٤) لا يجب إحرازها حال العقد ، ولا العلم بتحقّقها فيما بعد.

والحاصل (٥) : أنّ تعذر التسليم مانع في بيع يكون التسليم من أحكامه ،

______________________________________________________

(١) يعني : أنّ تعذر الشرط المتأخر عن العقد ـ المعتبر في صحته ـ غير قادح ، سواء أكان تعذره حين العقد بعد أن كان مقدورا قبله ، أم كان بعد القعد بعد أن كان مقدورا حال العقد. فإن حصل الشرط بعد العقد ولو بعد زمان كفى في صحته ، لما عرفت من أنّ القبض جزء المؤثّر ، فما لم يتحقق لا يؤثر العقد ، ولذا لا يقدح ذلك مع العلم بعدم القدرة حال العقد ، هذا.

ثم إنّ العبارة لا تخلو عن حزازة ، لأنّ المصنف قدس‌سره في مقام بيان وجه عدم القادحية فيما إذا تعذر التسليم بعد القعد ، وقوله : «ومن المعلوم أنّ تعذر الشرط المتأخر ... الخ» بيان لوجه عدم قدح الشرط المتعذر حال العقد لا بعده ، حيث إنّ قوله : «حال العقد» ظرف لتعذر الشرط ، كما لا يخفى.

(٢) هذا ترقّ من عدم قدح تعذر الشرط المتأخر بعد العقد مع الجهل بتعذره ، وحاصله : أنّه لو علم في بيع السلم بتعذر تسليم الثمن بعد العقد ، واتفق حصوله بعد البيع ، لم يكن العلم المزبور مانعا عن تأثير العقد ، إذ لا دخل لقبض الثمن في نفس الإيجاب والقبول حتى يقدح تعذره المعلوم حال الإنشاء وبعده ، والمفروض كفاية حصول الشرط المتأخر ـ اتفاقا ـ في الصحة قبل انقضاء المجلس.

(٣) أي : حصول الشرط المتأخر.

(٤) كالإجازة في عقد الفضولي ، إذ لا يجب العلم بتحققها بعد العقد ، بل يكفي حصولها الاتفاقي.

(٥) هذا حاصل ما أفاده من قوله : «ثم إن العبرة في الشرط المذكور ... الخ» من بيان حكم التمكن من التسليم في القسمين ـ وهما كونه من أحكام العقد ، وكونه

٦٤٤

لا من شروط تأثيره. والسّرّ فيه (١) : أنّ التسليم فيه جزء الناقل ، فلا يلزم غرر من تعلّقه (٢) بغير المقدور.

وبعبارة اخرى (٣) : الاعتبار بالقدرة على التسليم بعد تمام الناقل ،

______________________________________________________

شرطا للتأثير ـ ومحصله : أن التسليم في غير بيع السلم والصرف والهبة يكون من أحكام العقد وآثاره ، إذ المؤثر في المنشأ هو نفس العقد ، وبعد التأثير يجب ترتيب الأثر عليه ، ومنه تسليم كل منهما ما انتقل عنه إلى صاحبه وعدم حبسه ، لكونه ظلما محرما. فتعذر التسليم حينئذ يكون مانعا عن لزوم العقد.

وأما إذا كان القبض جزء الناقل ـ بحيث لا يؤثّر العقد إلّا في ظرف وجوده ـ لم يكن تعذره مانعا ، بل موجبا لنقصان في المقتضي.

(١) أي : والسّرّ في عدم كون تعذر التسليم مانعا عن صحة مثل بيع السّلم هو : أنّ القبض جزء السبب الناقل ، فلا يلزم محذور الغرر لو تبيّن العجز عن التسليم ، لانكشاف عدم وقوع العقد الناقل حينئذ.

(٢) أي : تعلّق العقد.

(٣) هذه العبارة تقريب آخر لاختصاص شرطية القدرة على التسليم بما يكون العقد تامّا في التأثير ، وحاصله : أنّه لا موضوع للشرطية في ما يكون القبض جزء الناقل ، بشهادة عدم قدح عجز البائع عن التسليم حين العقد لو علم بتجدد القدرة بعده.

ولمّا كان القبض في مثل بيع السّلم دخيلا في السبب الناقل ، لم يعتبر التمكن منه حال الإنشاء ، وحينئذ فإن لم يتحقق القبض في المجلس فلا عقد حتى يبحث عن غرريته بعدم التسليم ، وإن تحقق فيه لم يبق موضوع للشرطية ، لحصول الثمن في يد البائع سلما. ومعه لا معنى للبحث عن اعتبار القدرة على التسليم.

وعليه يختص الاشتراط بما إذا كان القبض واجبا من جهة الوفاء بالعقد ، بعد تماميته ، وأمّا بيع الصرف والسلّم فلا موضوع لشرطية القدرة فيهما ، لكون القبض دخيلا في الصحة ، كدخل الإجازة في وجوب الوفاء بالعقد الفضولي.

٦٤٥

ولهذا (١) لا يقدح كونه عاجزا قبل القبول إذا علم بتجدّد القدرة بعده ، والمفروض (٢) أنّ المبيع بعد تحقق الجزء الأخير من الناقل ـ وهو القبض ـ حاصل في يد المشتري (٣) ، فالقبض مثل الإجازة (٤) بناء على النقل ، وأولى منها بناء على الكشف (٥).

وكذلك (٦) الكلام في عقد الرهن ، فإنّ اشتراط القدرة على التسليم فيه ـ بناء (٧) على اشتراط القبض (٨) ـ

______________________________________________________

(١) أي : ولأجل كون التمكن من التسليم معتبرا بعد تمام السبب الناقل ، لم يقدح عجز البائع قبل القبول ، لعدم تمامية الناقل حسب الفرض.

(٢) يعني : أنّ ما ذكرناه حكم عدم دخل القبض في تأثير العقد. وأمّا في بيع الصرف فلا جدوى في شرطية القدرة على التسليم ، بعد حصول المبيع في يد المشتري.

(٣) وكذا بيع السلم بعد حصول الثمن في يد البائع.

(٤) يعني : في كونه جزء الناقل.

(٥) وجه الأولوية عدم كون الإجازة ـ بناء على الكشف ـ جزء المؤثر ، والمفروض كون القبض جزء الناقل ، فيكون أولى من الإجازة الكاشفة.

(٦) يعني : كما لا تعتبر القدرة على التسليم ـ حال العقد ـ في بيع الصرف ، فكذا في عقد الرهن بناء على دخل القبض في صحته بمقتضى الآية الشريفة (فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ) فإن حصلت بعد العقد وتحقق القبض خارجا صحّ العقد ولزم من جانب الراهن ، وإن لم تحصل بطل العقد ، لا أنّه يصحّ ويكون غرريّا.

(٧) وأمّا بناء على عدم اشتراط الرهن بالقبض ، بأن كان من أحكامه ، كان الرهن نظير ما عدا بيع الصرف والسلم ، من عدم اعتبار القدرة عليه حال العقد.

(٨) قال المحقق قدس‌سره : «وهل القبض شرط فيه؟ قيل : لا ، وقيل نعم ، وهو الأصحّ» (١).

__________________

(١) شرائع الإسلام ، ج ٢ ، ص ٧٥.

٦٤٦

إنّما (١) هو من حيث اشتراط القبض ، فلا يجب إحرازه حين الرّهن ، ولا العلم بتحققه (٢) بعده ، فلو رهن (٣) ما يتعذر تسليمه ثم اتفق حصوله في يد المرتهن أثّر العقد أثره ، وسيجي‌ء الكلام في باب الرّهن (٤).

اللهم إلّا أن يقال (٥) : إنّ المنفي في النبوي هو كلّ معاملة تكون بحسب العرف غررا ، فالبيع (٦) المشروط فيه القبض ـ كالصّرف والسّلم ـ إذا وقع على عوض مجهول قبل القبض (٧) أو غير مقدور ،

______________________________________________________

(١) خبر قوله : «فإنّ اشتراط».

(٢) أي : بتحقق القبض بعد عقد الرهن.

(٣) هذا متفرّع على كون القبض شرطا في عقد الرهن ـ صحة أو لزوما ـ كشرطية قبض الثمن في بيع السّلم.

(٤) لم أظفر بكتاب الرهن للمصنف قدس‌سره حتى يعلم رأيه في اشتراطه بالقبض وعدمه. كما لم يظهر ذلك مما أفاده في أحكام القبض ، فراجع آخر الكتاب.

(٥) هذا استدراك على قوله : «ان تعذر الشرط المتأخر حال العقد غير قادح» وحاصله : إثبات اشتراط التمكن من التسليم في السّلم والرهن ونحوهما ، فيبطل العقد بالعجز عنه ، توضيحه : أنّ الغرر المنهي عنه لا يختص بما إذا كان التسليم من أحكام العقد لا من شرائط تأثيره ، إذ الغرر لا يراد به إلّا مفهومه العرفي ، وهو أعم من الغرر الشرعي ، فيصدق الغرر العرفي على كل قبض غير مقدور وإن لم يكن بغرر شرعا ، لتوقف الانتقال على القبض ، فلا غرر شرعا ما لم يتحقق الانتقال. فالبيع المنوطة صحته بالقبض ـ كالصرف والسّلم ـ غرري إن لم يكن المبيع مقدور التسليم ، والمراد من متعلق النهي هو المفهوم العرفي.

(٦) هذا متفرع على كون النبوي مانعا عن كل معاملة غررية بنظر العرف ، فالمرجع في صدق «الغرر» هو العرف ، لا الشرع.

(٧) يعني : وكان مقدار العوض معلوما بعد قبضه ، فيبطل البيع من جهة جهالة

٦٤٧

غرر (١) عرفا ، لأنّ (٢) اشتراط القبض في نقل العوضين شرعي لا عرفي ، فيصدق (٣) الغرر والخطر عرفا وإن لم يتحقّق شرعا ، إذ (٤) قبل التسليم لا انتقال ، وبعده (٥) لا خطر ، لكن النهي والفساد يتبعان بيع الغرر عرفا.

ومن هنا (٦) يمكن الحكم بفساد بيع غير المالك إذا باع لنفسه ـ لا عن

______________________________________________________

الثمن. وذكر العوض المجهول للتنبيه على اشتراك الغرر بين الجهل بالعوض وبين العجز عن التسليم ، لاستناد كليهما إلى صدق الغرر.

(١) خبر قوله : «فالبيع» فيصدق الغرر عرفا وإن لم يصدق شرعا ، لعدم تمامية العقد الناقل من جهة توقفه على القبض.

(٢) تعليل لصدق الغرر العرفي على عدم تحقق قبض العوضين.

(٣) هذا نتيجة كون الغرر المنفي عرفيا لا شرعيا.

(٤) تعليل لعدم صدق الغرر الشرعي في مثل بيع السلم ، قبل قبض الثمن.

(٥) يعني : وبعد تسليم الثمن لا خطر ، ولازم انتفاء الغرر والخطر هو الصحة ، ولكن المنهي عنه هو عنوان الغرر المستتبع لفساد البيع ، ومن المعلوم صدق «الغرر» عرفا في بيع الصرف والسلم إن لم يكن التسليم مقدورا فيهما.

(٦) أي : ومن كون الغرر المنهي عنه عرفيا ـ لا شرعيا ـ يتجه فساد بيع الفضولي البائع لنفسه ، فإنّه عاجز عن تسليم المبيع للمشتري ، قبل إجازة المالك ورضاه بالبيع ، وهي غير معلومة الحصول. ولو فرض حصول الإجازة وبتبعها التمكن من التسليم ، لم ينفع الفضوليّ ، لأنّ إمضاء المالك يوجب انتساب العقد إليه ، لا إلى الفضولي.

هذا بناء على عدم دخل رضا المالك ـ عرفا ـ في العقد الفضولي ، ويكون اعتبار إجازته كاعتبار القبض في الصرف والسلم شرعيّا.

وأمّا بناء على دخل رضاه عرفا فيه يشكل تنظير الغرر الشرعي ببيع الفضولي لنفسه.

٦٤٨

المالك (١) ـ ما لا يقدر على تسليمه.

اللهم (٢) إلّا أن يمنع الغرر العرفي بعد الاطّلاع على كون أثر المعاملة شرعا على وجه لا يلزم منه خطر ، فإنّ (٣) العرف إذا اطّلعوا على انعتاق القريب بمجرّد شرائه لم يحكموا بالخطر أصلا ، وهكذا (٤).

______________________________________________________

ولو قيل : إنّ المقصود من الفضولي البائع لنفسه هو الغاصب المستقل في التصرف ، المتمكن من التسليم بلا حاجة إلى مراجعة المالك ، قلنا : لا وجه حينئذ لاستناد بطلانه إلى النهي عن الغرر عرفا ، بعد كون بيعه بيعا عندهم.

(١) إذ لو باع للمالك أمكن حصول القدرة على التسليم بإجازة العقد ، فمحذور الغرر العرفي كأنّه مختصّ بقصد وقوع البيع لنفس الفضولي.

(٢) هذا استدراك على ما أفاده من اقتضاء النهي في النبوي فساد ما كان غررا عرفا ، فيعم بيعي الصرف والسّلم إن كان التسليم غير مقدور.

وحاصل الاستدراك : أنّ الغرر وإن كان عرفيا ، إلّا أنّه لا يترتب عليه بطلان البيعين ، وذلك لأنّ الشارع يخطّئ العرف في زعم «الغرر» فيما لو عجز المشتري عن تسليم الثمن حال العقد في بيع السّلم. نظير التخطئة في عدّ أكل المارة باطلا ، فيكون جواز الأكل خارجا موضوعا عن النهي عن الأكل بالسبب الباطل ، حتى مع بقاء الباطل على معناه العرفي ، وعدم إرادة معنى آخر منه كالباطل الواقعي أو الشرعي.

وعليه فمع إحاطة العرف بما نبّه به الشارع ـ من عدم تمامية السبب الناقل في بيعي الصرف والسلم قبل القبض ـ لا يرى غرريّتهما لو باع غير قادر حال العقد.

(٣) تعليل لمنع الغرر ـ بنظر العرف ـ بعد اطّلاعهم على عدم توقف البيع على التسليم في جميع الموارد حتى يكون العجز عنه غررا عرفيا مفسدا للعقد ، كما إذا علم بانعتاق القريب بمجرد شرائه ، فاشتراه من ينعتق عليه ، فانعتق ، فإنّه لا غرر في عدم القدرة على التسليم أصلا.

(٤) يعني : وهكذا سائر الأمثلة التي لا يعتبر فيها التمكن من التسليم مطلقا أو

٦٤٩

فالمناط (١) صدق الغرر عرفا بعد ملاحظة الآثار الشرعية للمعاملة ، فتأمل (٢).

ثم إنّ الخلاف (٣) في أصل المسألة لم يظهر إلّا من الفاضل القطيفي المعاصر

______________________________________________________

حال العقد ، وقد تقدّمت في (ص ٦٤٠) بقوله : «ثم إن العبرة في الشرط المذكور إنّما هو في زمان استحقاق التسليم ... الخ».

(١) يعني : أنّ مناط مانعية الغرر عن صحة البيع هو صدقه العرفي بعد الإحاطة بحكم الشارع من أنّه يعتبر القبض في البيع أم لا يعتبر.

(٢) لعلّه إشارة إلى : أنّ المفهوم العرفي لا يناط بالآثار الشرعية ، لأنّ العرف بما هو عرف لا نظر له إلى الحكم الشرعي الثابت للموضوع العرفي ، فلا يلاحظ في مقام تحديد المفهوم ـ المتّبع عندهم ـ الحكم الشرعي المترتب على ذلك الموضوع.

هذا ما يتعلق بالتنبيه الثاني.

(٣) السياق قاض بأنّ هذا تنبيه آخر مما يتعلق باعتبار القدرة ، ولكنه ليس كذلك ، إذ المبحوث عنه هو مخالفة الفاضل الشيخ إبراهيم بن الشيخ سليمان القطيفي ـ المعاصر للمحقق الثاني ، والمناظر معه في جملة من المباحث كمسألة الخراج ـ في أصل الشرطية ، وكان المناسب التعرض لكلامه قبل الخوض في التنبيهات ، بعد إقامة الدليل على دخل التمكن من التسليم في صحة البيع.

وكيف كان فكلام صاحب إيضاح النافع يتضمن امورا :

الأوّل : نفي ما صنعه الفقهاء من جعل القدرة في عداد شروط العوضين ، وقال بأن الغرض من اعتبارها رعاية مصلحة المشتري ، وفرّع على عدم دخلها في البيع صحة العقد في موردين :

أحدهما : تمكن المشتري من التسلّم مع عجز البائع عن التسليم.

ثانيهما : إقدام المشتري ـ على المعاملة ـ عالما بعجز البائع عن التسليم.

الثاني : بطلان البيع إذا لم يكن من شأن المبيع أن يقبض عرفا كالطائر الذي فرّ من القفص ، والسمك في النهر ونحوهما ، لأنّ أكل المال في قباله أكل له بالباطل ، وهو منهي عنه. نعم يحتمل جواز المصالحة عليه إن كان فيه غرض عقلائي.

٦٥٠

للمحقق الثاني ، حيث حكي عنه أنّه قال في إيضاح النافع : «إنّ القدرة على التسليم من مصالح المشتري فقط (١) ، لا أنّها (٢) شرط في أصل صحة البيع ، فلو قدر (٣) على التسلّم صحّ البيع وإن لم يكن البائع قادرا عليه (٤) ، بل (٥) لو رضي

______________________________________________________

الثالث : أنّ إطلاق حكم المحقق قدس‌سره في المختصر النافع ـ ببطلان بيع الآبق من دون ضميمة ـ ممنوع ، بل يختص الفساد بموارد :

أحدها : عدم رضا المشتري ، فيستند البطلان إلى عدم كون التجارة عن تراض.

ثانيها : عدم علم المشتري بالإباق ، فلو أقدم على الشراء عالما بالإباق صح البيع ، ولو تعذّر الظفر به لم يكن له الرجوع على البائع واسترداد الثمن منه.

ثالثها : عدم علم المشتري بالعجز عن الظفر به ، فلو علم بالإباق ولكنه تمكّن عرفا من تحصيله صحّ.

هذا محصّل كلام الفاضل القطيفي رحمه‌الله ، ولعلّه لزعم أن الغرر بمعنى «الخدعة» المنتفية مع علم المشتري بالحال ، لا بمعنى الخطر ، ولذا فصّل بين علم المشتري وجهله. وسيأتي ما أورده المصنف قدس‌سره عليه.

(١) فلو لم تقتض مصلحة المشتري تسلّم المبيع لم يقدح عجز البائع عن التسليم في صحة البيع.

(٢) أي : لا أنّ القدرة شرط صحة البيع ، كما يظهر من عناوين الكتب الفقهية ، فقالوا : «ومن شرائط العوضين : القدرة على التسليم».

(٣) هذا متفرع على كون القدرة مصلحة للمشتري خاصة.

(٤) أي : على تسليم المبيع.

(٥) الوجه في الإضراب هو أنّ ما قبله صورة عدم علم المشتري بعجز البائع عن التسليم ، فمقصود الفاضل تصحيح البيع حتى في صورة إحراز العجز ، فضلا عما إذا كان مشكوكا فيه.

٦٥١

بالابتياع مع علمه بعدم تمكّن البائع من التسليم جاز ، وينتقل إليه (١). ولا يرجع على البائع ـ لعدم (٢) القدرة ـ إذا كان البيع على ذلك (٣) مع العلم ، فيصحّ (٤) بيع المغصوب ونحوه (٥).

نعم (٦) ، إذا لم يكن المبيع من شأنه أن يقبض عرفا ، لم يصحّ المعاوضة عليه بالبيع ، لأنّه (٧) في معنى أكل مال بالباطل. وربما احتمل إمكان المصالحة عليه (٨).

______________________________________________________

(١) أي : وينتقل المبيع ـ المتعذّر تسليمه ـ إلى المشتري.

(٢) علة للمنفي وهو الرجوع على البائع ، يعني : لا يثبت خيار للمشتري لأجل عدم قدرة البائع على التسليم.

ولكن قيل بجواز رجوعه على البائع من باب تلف المبيع قبل القبض.

وفيه : أنّ مورده التلف ، وصدقه على غير مقدور التسليم محل تأمّل.

(٣) يعني : إذا كان البيع مبنيّا على رضا المشتري بالابتياع ـ مع علمه بعدم قدرة البائع على التسليم ـ صحّ.

(٤) هذا متفرع على إلغاء شرطية القدرة على التسليم ، وكفاية تمكن المشتري من التسلّم ، أو الإقدام على الشراء عالما بعجز البائع عن استنقاذ المال من الغاصب.

(٥) كالمجحود ، فهو كالمغصوب من حيث عدم قدرة البائع على تسليمه للمشتري.

(٦) هذا استدراك على قوله : «لا أنها شرط في أصل صحة البيع» وتقدم توضيحه بقولنا : «الثاني بطلان البيع ... الخ».

(٧) تعليل لقوله : «لم يصح» والضمير راجع إلى البيع والتعاوض ، المستفاد من العبارة.

(٨) أي : على المبيع الذي لا يتمشّى قبضه عرفا. ووجه جواز المصالحة عليه : عدم كون الصلح مبادلة مال بمال ، حتى لا تصدق في المقام ، بل حقيقة الصلح التسالم ، وهو متحقق هنا.

٦٥٢

ومن هنا (١) يعلم أنّ قوله ـ يعني المحقق في النافع ـ : «لو باع الآبق منفردا لم يصح» إنّما (٢) هو مع عدم رضا المشتري ، أو مع عدم علمه ، أو كونه (٣) بحيث لا يتمكّن منه (٤) عرفا. ولو أراد (٥) غير ذلك فهو غير مسلّم» انتهى (١).

وفيه (٦) : ما عرفت من الإجماع ،

______________________________________________________

(١) أي : ومن عدم كون القدرة شرطا في صحة البيع ـ بل هي مصلحة للمشتري ـ يعلم منع إطلاق حكم المحقق قدس‌سره ببطلان بيع الآبق منفردا.

(٢) خبر قوله : «ان قوله» يعني : لا بد من حمل منع المحقق ـ عن البيع ـ على أحد الفروض الثلاثة.

(٣) هذا الضمير وضمير «علمه» راجعان إلى المشتري.

(٤) أي : من الآبق.

(٥) يعني : ولو أراد المحقق قدس‌سره بمنع البيع غير هذه الفروض أشكل قبوله.

(٦) منع المصنف كلام الفاضل بوجهين :

أحدهما : مخالفته للإجماع ـ سابقا عليه ولا حقا له ـ على اعتبار التمكن من التسليم في البيع ، ومعه لا وجه لجعل القدرة عليه من مصالح المشتري.

ثانيهما : لزوم الغرر لو باع ما يعجز عن تسليمه للمشتري ، وقد تقدم في (ص ٥٨١) استدلال الفريقين بالنبوي ـ الناهي عن بيع الغرر ـ على اعتبار القدرة على التسليم. بعد كون الغرر بمعنى الخطر ، ولا ريب في عدم اندفاعه بمجرد علم المشتري بعجز البائع ، لوضوح أنّ غرض الشارع من النهي عنه المنع عن الإقدام على الخطر مطلقا سواء علم به أم لم يعلم.

فإن قلت : يمكن منع دلالة النبوي على شرطية القدرة على التسليم مطلقا

__________________

(١) إيضاح النافع (مخطوط) والحاكي عنه السيد العاملي في مفتاح الكرامة ، ج ٤ ، ص ٢٢٤ ، مع إختلاف يسير

٦٥٣

ولزوم (١) الغرر غير (٢) المندفع بعلم المشتري ، لأنّ (٣) الشارع نهى عن الإقدام عليه. إلّا أن يجعل الغرر هنا (٤) بمعنى الخديعة ، فيبطل في موضع تحقّقه ، وهو عند جهل المشتري (٥). وفيه (٦) ما فيه.

______________________________________________________

سواء أكان المشتري عالما بعجز البائع عن التسليم أم جاهلا به ، لكونه أخص من المدّعى ، وذلك لابتناء الاستدلال على كون «الغرر» المنهي عنه بمعنى الخطر ، وهو أوّل الكلام ، لأنّ اللغويين عدّوا من معانيه «الخدعة» ويحتمل إرادتها هنا ، ومن المعلوم عدم صدقها في صورة علم المشتري بعجز البائع.

وعليه يختص بطلان البيع ـ من جهة مانعية الغرر ـ بما إذا كان المشتري جاهلا بعجزه حتى يصدق : أنّ البائع خدعه.

قلت : إنّ الخدعة وإن كانت من معاني الغرر كما تقدم في أوّل المسألة ، إلّا أنّ معناه الشائع المفهوم عند الفقهاء هو الخطر ، الصادق على صورتي علم المشتري وجهله بعدم قدرة البائع على التسليم.

(١) معطوف على «الإجماع» وهذا إشارة إلى ثاني وجهي المنع.

(٢) هذا إشارة إلى أنّ معنى الغرر هو الخطر ، ومن المعلوم صدقه في حالتي علم المشتري بالعجز ، وجهله به. ولو كان بمعنى الخدعة لاختص بصورة الجهل به.

(٣) تعليل لعدم جدوى رضا المشتري في صورة علمه بعجز البائع ، إذ مع نهي الشارع عن الإقدام على الخطر لا يكون الأمر بيد المشتري حتى ينفعه رضاه.

(٤) أي : في الحديث الناهي عن الغرر. وتقدم توضيح هذا الإشكال بقولنا : «فإن قلت ...».

(٥) ولا موجب لبطلانه في موضع عدم تحقق الخدعة ، بأن كان المشتري عالما بالحال.

(٦) أي : وفي جعل الغرر بمعنى الخدعة إشكال ، كما تقدم تقريبه بقولنا : «قلت : ان الخدعة ... الخ».

٦٥٤

ثمّ إنّ الظاهر (١) ـ كما اعترف به بعض الأساطين (١) ـ أنّ القدرة على التسليم ليست مقصودة بالاشتراط إلّا بالتبع (٢) ، وإنّما المقصد الأصلي هو التسلّم ، ومن هنا (٣) لو كان المشتري قادرا دون البائع كفى في الصحة ،

______________________________________________________

(١) هذا تنبيه ثالث ممّا يتعلق بالمسألة ، ومحصله : أنّ اشتراط القدرة على التسليم في البيع ليس مقصودا بالأصالة ، بل يكون تبعيا ، لمقدميته لحصول المبيع عند المشتري ، فالشرط ـ في الحقيقة ـ تمكّن المشتري من المبيع إمّا بنفسه وإما بواسطة البائع ، سواء أكانت قدرته بلا واسطة أحد أو بواسطة المشتري أو الأجنبي.

ويتفرع عليه صحة البيع في موردين كما أفتى بها جماعة :

الأوّل : عجز البائع عن التسليم ، وتمكّن المشتري من تحصيل المبيع.

الثاني : عجز المتبايعين معا عن التسليم والتحصيل ، ولكن يوثق حصوله عند المشتري في زمان الاستحقاق ، كالحمام الطائر إذا اعتاد العود إلى العشّ أو البرج.

ويحتمل بطلان البيع في هذا المورد كما عن نهاية العلّامة قدس‌سره ، لاعتبار تمكن المشتري من التسلّم أو التحصيل ، والمفروض انتفاء القدرة فيه ، ولا عبرة باعتياد العود ممّا لا عقل له.

ولكن يردّ هذا الاحتمال : أنّ العادة باعثة على العود ، وهي كافية في حصول الوثوق به. هذا كله في حصول المبيع عند المشتري في زمان استحقاق التسلم.

وأمّا لو لم يقدرا عليه في مدة فسيأتي حكمه من الصحة أو الفساد.

(٢) أي : بتبع كون المبيع عند المشتري ، وتسلّمه له.

(٣) أي : ومن كون المقصد الأصلي تسلّم المشتري لا تسليم البائع ، صحّ البيع لو تمكّن المشتري ـ خاصة ـ من التسلّم.

__________________

(١) وهو كاشف الغطاء ، في شرح القواعد ، مخطوط.

٦٥٥

كما عن (١) الإسكافي والعلّامة وكاشف الرّموز (٢) والشهيدين (١) والمحقق الثاني (٢).

وعن ظاهر الانتصار «أن صحة بيع الآبق على من يقدر على تسلّمه ممّا انفردت به الإماميّة». وهو (٣) المتّجه ، لأنّ ظاهر معاقد الإجماع (٤) ـ بضميمة (٥) التتبّع في كلماتهم وفي استدلالهم (٦) بالغرر وغيره ـ

______________________________________________________

(١) الحاكي عنهم وعن غيرهم هو السيد العاملي (٣) ، والحاكي لكلام الإسكافي هو العلّامة ، ففي المختلف : «وقال ابن الجنيد : لا يشتري ـ أي العبد الآبق ـ وحده ، إلا إذا كان بحيث يقدر عليه المشتري ، أو يضمن له البائع» واستقربه العلّامة قدس‌سره (٤).

(٢) قال الفاضل الآبي : «العبد الآبق إمّا أن يكون بحيث يقدر عليه صاحبه أم لا. فالثاني لا يجوز بيعه منفردا بلا خلاف. والأوّل قد أجازه المرتضى ، نظرا إلى أنّه لا يسمّى آبقا عرفا. وهو حسن» (٥).

(٣) أي : كون قدرة المشتري كافية في صحة البيع متّجه.

(٤) تقدّم حكاية الإجماع عن جماعة في أوّل المسألة ، فراجع (ص ٥٨٠).

(٥) ولو لا هذه الضميمة لكان ظاهر معاقد الإجماع هو اعتبار القدرة على التسليم فقط ، وعدم كفاية قدرة المشتري على التسلم. لكن الضميمة المزبورة أوجبت ظهورا ثانويّا في معاقد الإجماع ، كسائر الظهورات الناشئة من القرائن لذويها.

(٦) أي : بالتتبع في استدلالهم بالغرر وغيره ، كالاستدلال : «بأنّ الغرض من

__________________

(١) الدروس الشرعية ، ج ٣ ، ص ٢٠٠ ؛ مسالك الأفهام ، ج ٣ ، ص ١٧٢ ؛ الروضة البهية ، ج ٣ ، ص ٢٥٠.

(٢) جامع المقاصد ، ج ٤ ، ص ١٠٠ و ١٠٢.

(٣) مفتاح الكرامة ، ج ٤ ، ص ٢٢٣.

(٤) مختلف الشيعة ، ج ٥ ، ص ٢١٦ ؛ ولاحظ تذكرة الفقهاء ، ج ١٠ ، ص ٤٩.

(٥) كشف الرموز ، ج ١ ، ص ٤٥٣.

٦٥٦

مختصّ (١) بغير ذلك (٢).

ومنه (٣) يعلم أيضا (٤) : أنّه (٥) لو لم يقدر أحدهما على التحصيل ، لكن يوثق بحصوله في يد أحدهما عند استحقاق المشتري للتسليم ـ كما لو اعتاد الطائر العود ـ صحّ ، وفاقا للفاضلين (٦) ، والشهيدين (١) ، والمحقق الثاني (٢) وغيرهم (٧).

______________________________________________________

البيع انتفاع كل من المتبايعين بما ينتقل إليه» وكالاستدلال «بأنّ بذل الثمن على غير المقدور سفه».

(١) خبر قوله : «لأن ظاهر» وحاصله : أن دليل اشتراط القدرة لا يثبته في مورد تمكن المشتري من التسلّم.

(٢) أي : بغير من يقدر على التسلم ، وإن كان البائع عاجزا عن التسليم.

(٣) أي : ومن عدم كون القدرة على التسليم مقصودة بالأصالة يعلم جواز البيع في المورد الثاني ، وهو عجزهما معا عن التسليم والتسلّم ، والوثوق بالحصول.

(٤) أي : كما علم جواز البيع لو كان المشتري قادرا على التسلّم والتحصيل.

(٥) الضمير للشأن.

(٦) قال المحقق قدس‌سره : «ويصحّ بيع ما جرت العادة بعوده كالحمام الطائر ، والسموك المملوكة المشاهدة في المياه المحصورة» (٣).

(٧) حكاه السيد العاملي عن المحقق الأردبيلي والمحدث الفيض ، والفاضل السبزواري ، فراجع (٤).

__________________

(١) الدروس الشرعية ، ج ٣ ، ص ١٩٩ ـ ٢٠٠ ؛ الروضة البهية ، ج ٣ ، ص ٢٤٩ ؛ مسالك الأفهام ، ج ٣ ، ص ١٧٣.

(٢) جامع المقاصد ، ج ٤ ، ص ٩٢.

(٣) شرائع الإسلام ، ج ٢ ، ص ١٧ ، ونحوه في كتب العلّامة ، فلاحظ : تذكرة الفقهاء ، ج ١٠ ، ص ٥١ ؛ قواعد الأحكام ، ج ٢ ، ص ٢٢.

(٤) مفتاح الكرامة ، ج ٤ ، ص ٢٢٢.

٦٥٧

نعم (١) عن نهاية الاحكام : احتمال العدم (٢) ، بسبب انتفاء القدرة في الحال على التسليم ، وأنّ عود الطائر غير موثوق به ، إذ ليس له عقل باعث (٣) (١).

وفيه (٤) : أنّ العادة باعثة كالعقل ، مع أنّ الكلام على تقدير الوثوق.

ولو لم يقدرا على التحصيل (٥) ، وتعذّر عليهما إلّا بعد مدّة مقدّرة

______________________________________________________

(١) استدراك على قوله : «صحّ» والوجه في الاستدراك توقف الجزم بالصحة على منع ما في نهاية العلّامة قدس‌سره من احتمال البطلان ، وتقدم توضيحه في (ص ٦٥٥).

(٢) يعني : احتمل العلّامة قدس‌سره في النهاية كلّا من الصحة والبطلان.

(٣) أي : على العود.

(٤) هذا ردّ الاحتمال ، ومحصله وجهان :

أحدهما : كفاية العادة ـ وغريزة الحيوان ـ على العود في حصول الوثوق بحصول الطائر عند المشتري. بل العادة أقوى من العقل في محركيته على العود. قال العلّامة الطباطبائي قدس‌سره في المصابيح ـ في مناقشة احتمال النهاية ـ : «وفيه : وجود الباعث ، وهو الالف ببرجه ، والانس بالفه وإن انتفى العقل» (٢).

وثانيهما : أنّ مورد فتوى المجوّزين هو حصول الوثوق بالعود ، فلا وجه للمناقشة في موجبات الوثوق ، بل لا بد من التكلم في حكمه بعد فرض وجوده.

(٥) حاصل هذا الفرع ـ الراجع إلى تأخير التسليم عن العقد ـ : أن المبيع لو كان عينا شخصية ، ولم يقدر البائع على تسليمه ولا المشتري على تسلّمه وتحصيله حال العقد ولا بعده ـ في مدة قليلة يتسامح في تعذر التسليم فيها ـ فتارة تكون مدة التعذر محصورة ومقدرة بحسب العادة كسنة ، واخرى لا تكون منضبطة ، كما إذا أنفذ عبده في حاجة يطول زمانها ، لكونها في بلد بعيد كالهند.

__________________

(١) نهاية الاحكام ، ج ٢ ، ص ٤٨١ ، وحكاه عنه السيد العاملي في مفتاح الكرامة ، ج ٤ ، ص ٢٢٢.

(٢) المصابيح ، مجلد التجارة (مخطوط).

٦٥٨

عادة (١) ، وكانت ممّا لا يتسامح فيه ، كسنة أو أزيد ، ففي (٢) بطلان البيع ، لظاهر (٣)

______________________________________________________

ففي الصورة الاولى يحتمل كل من البطلان رأسا ، والصحة مع الخيار لو كان المشتري جاهلا بالحال. ووجه البطلان أمران :

أحدهما : الإجماع المحكي على كون القدرة على التسليم شرطا في صحة البيع ، فيبطل بفقدها.

ثانيهما : كون تعذر الحصول في مدة مديدة غررا ، وهو منهي عنه ، فيبطل البيع.

ووجه الصحة : وجود المقتضي ، وهو العقد الصادر من أهله في محله ـ كما في الجواهر (١) ـ وفقد المانع من الإجماع والغرر.

أما الإجماع فلأن مورده ما إذا تعذّر التسليم رأسا ، والمفروض إمكانه ، وتعذره الفعلي غير قادح.

وأمّا الغرر فغير محقّق ، لأنّ المشتري إمّا أن يعلم بالحال وفوات منفعة المبيع مدة مديدة كسنة ، فيجب عليه الصبر. وإما إن يجهل ذلك ، فيجبر ضرره بخيار تعذر التسليم.

وعليه فالمتجه هو الصحة في الفرض.

وفي الصورة الثانية يحتمل أيضا كل من الصحة والبطلان ، وإن استشكل المصنف في الصحة ، كما سيأتي بيانه.

(١) هذا إشارة إلى الصورة الاولى ، وفرقها مع الثانية في ضبط المدة المديدة هنا ، دونها في الثانية.

(٢) خبر مقدّم لقوله : «وجهان» والجملة بتمامها جواب الشرط في قوله : «ولو لم يقدرا».

(٣) هذا وجه البطلان ، وتقدم تقريب الإجماع والغرر.

__________________

(١) جواهر الكلام ، ج ٢٢ ، ص ٤٠٣.

٦٥٩

الإجماعات المحكية ، ولثبوت الغرر ، أو صحته (١) ، لأنّ (٢) ظاهر معقد الإجماع التعذّر رأسا ، ولذا (٣) حكم مدّعيه بالصحة هنا ، والغرر (٤) منفيّ مع العلم بوجوب الصبر عليه إلى انقضاء مدّة ، كما (٥) إذا اشترط تأخير التسليم مدّة ، وجهان ، بل قولان (٦) ، تردّد فيهما (٧) في الشرائع ،

______________________________________________________

(١) معطوف على «بطلان» أي : ففي صحة البيع.

(٢) هذا وجه الصحة ، وحاصله : منع وجهي البطلان ، والمفروض وجود المقتضي للصحة ثبوتا وإثباتا للعمومات.

(٣) أي : ولظهور معقد الإجماع في التعذر رأسا حكم ... الخ ، وغرضه إقامة الشاهد على خروج هذه الصورة عن الإجماع موضوعا ، لأنّ مدّعي الإجماع على اعتبار القدرة على التسليم ـ كالعلّامة قدس‌سره ـ رجّح الصحة هنا ، وهو كاشف عن اختصاص معقد الإجماع بالتعذر بقول مطلق ، أي حالا ومستقبلا.

(٤) معطوف على «ظاهر» أي : ولأّنّ الغرر منفي ... الخ.

(٥) فكما لا يقدح تأخير التسليم عن العقد ، إذا شرطه البائع على المشتري ، فكذا لا يقدح مع علمه به.

(٦) أحدهما : المنع ، ولعلّه المستفاد من مفهوم عبارة التحرير : «ولو باع ما يمكن تسليمه في ثاني الحال ـ لا فيه ـ فالوجه جوازه ، ويتخير المشتري» لظهوره في المنع بتعذر التسليم بعد العقد ، سواء أكانت المدة قصيرة أم مديدة.

وثانيهما : الصحة ، وهو المشهور ، بل في الجواهر ـ بعد توجيه عبارة التحرير ـ «فلا خلاف محقّق في المسألة» (١).

(٧) يعني : تردد المحقق في الوجهين ، حيث قال : «ولو باع ما يتعذر تسليمه إلّا بعد مدّة ، فيه تردد. ولو قيل بالجواز مع ثبوت الخيار للمشتري كان قويّا» (٢).

__________________

(١) جواهر الكلام ، ج ٢٢ ، ص ٤٠٤.

(٢) شرائع الإسلام ، ج ٢ ، ص ١٧.

٦٦٠