🚘

هدى الطالب إلى شرح المكاسب - ج ٧

السيّد محمّد جعفر الجزائري المروّج

هدى الطالب إلى شرح المكاسب - ج ٧

المؤلف:

السيّد محمّد جعفر الجزائري المروّج


الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٨٠
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ 🚘 الجزء ٥ 🚘 الجزء ٦ 🚘 الجزء ٧
🚘 نسخة غير مصححة

فإنّ (١) البائع في هذه الموارد عاجز شرعا عن التسليم (٢). ولا رجحان (٣) لهذه التخصيصات. فحينئذ (٤) لا مانع عن التزام وقوع بيع كلّ ما يعجز عن تسليمه

______________________________________________________

إجازة المولى ، وبيع السفيه موقوفا على إجازة وليّه ، وبيع المفلّس على إجازة الغرماء.

ولا يخفى أنّهم اصطلحوا «المراعى» على الجهل بوجود الشي‌ء حال القعد ، في قبال «الموقوف» المراد به دخل أمر آخر في تأثير العقد كالإجازة في الفضولي. ولكن المراد بالمراعى ـ بقرينة الأمثلة المذكورة ـ ما هو أعم من كون المتأخر العلم بوجود الشي‌ء ، كما إذا جهل بقدرته على التسليم فانكشف وجودها ، ومن وجود شي‌ء بعد العقد.

(١) تعليل للشق الثاني من المنفصلة ، وهو التخصيص المدلول عليه بقوله : «وبين إخراج».

(٢) مع عدم بطلان البيع فيها رأسا ، بل يقع مراعى.

(٣) يعني : لا مرجّح للشق الثاني ـ أعني به تخصيص عموم النهي ـ على الشقّ الأوّل ، وهو إرادة عدم العلية التامة ، وإن كان خلاف ظهور النبوي بدوا.

(٤) أي : فحين عدم رجحان التخصيص على ارتكاب خلاف الظاهر ، يلزم إجمال النهي في النبويّين بالنسبة إلى بيع ما يعجز البائع عن تسليمه مع رجاء القدرة على تسليمه ، ومن المعلوم عدم صلاحية المجمل لتقييد إطلاق حلّ البيع ونحوه من أدلة الإمضاء (*).

__________________

(*) إلّا أن يناقش في هذه الصحة بعدم الدليل عليها ، إذ العمومات لا تقتضي إلّا الصحة الفعلية ، وأمّا التعليقية فهي أجنبية عن مفادها.

إلّا أن يدّعى أنّ الصحة بمراتبها تستفاد من العمومات ، والنبوي خصّصها بمرتبة خاصة ، وهي الفعلية ، وأمّا المرتبة الاخرى فهي باقية تحت العمومات ، فتأمّل.

٦٢١

ـ مع رجاء التمكّن منه ـ مراعى (١) بالتمكّن منه في زمان لا يفوت الانتفاع المعتدّ به (٢).

وقد صرّح الشهيد (٣) في اللمعة بجواز بيع الضّالّ (٤) والمجحود ـ من غير إباق (٥) ـ مراعى بإمكان التسليم ، واحتمله (٦) في التذكرة.

لكن الإنصاف (٧) : أنّ الظاهر من حال الفقهاء اتّفاقهم على فساد بيع الغرر

______________________________________________________

(١) مفعول لقوله : «وقوع» وضمير «منه» في الموضعين راجع إلى «تسليمه».

(٢) فلو فات زمان الانتفاع المعتدّ به بالمبيع لم يصح ، لكونه سفهيّا.

(٣) الغرض من الاستشهاد بكلام الشهيد تأييد ما أفاده بقوله : «فلا مانع» من أن المراد بالفساد عدم العلية التامة للعقد ، لا عدم ترتب الأثر رأسا. قال في اللمعة : «أما الضال والمجحود ، فيصح البيع ، ويراعى بإمكان التسليم ، وإن تعذّر فسخ المشتري إن شاء» (١).

(٤) وهو ـ بقرينة قوله : «من غير إباق» ـ العبد الضال الذي يرجى الظفر به.

(٥) هذا التقييد لإخراج العبد الضال والمجحود عن عنوان الإباق الذي ادعي الإجماع على عدم جواز بيعه منفردا.

(٦) يعني : واحتمل العلّامة جواز بيع الضال والمجحود من غير إباق.

لكن الموجود في عبارة التذكرة احتمال صحة بيع الضال فقط ، ولم يعطف عليه المجحود ، فقال قدس‌سره : «الضال يمكن حمله على الآبق ... والعدم» (٢).

وبالجملة : فصرح الشهيد قدس‌سره بجواز بيع الضال والمجحود مراعى بإمكان التسليم يؤيّد إرادة عدم العلية التامة للعقد من الفساد ، لا عدم ترتب الأثر رأسا.

(٧) هذا استدراك على قوله : «فحينئذ لا مانع عن التزام ... الخ» وحاصله :

__________________

(١) اللمعة الدمشقية ، ص ٩٤.

(٢) تذكرة الفقهاء ، ج ١٠ ، ص ٤٩.

٦٢٢

بمعنى عدم تأثيره رأسا ، كما عرفت (١) من الإيضاح (١).

ومنها (٢) : أنّ لازم العقد وجوب تسليم كلّ من المتبايعين العوضين (٣)

______________________________________________________

أنّ ما استظهرناه من معنى الفساد ـ وهو عدم العلية التامة لا عدم ترتب الأثر رأسا ـ خلاف ظاهر حال الفقهاء ، لأنّ ظاهرهم الاتفاق على كون فساد البيع عبارة عن عدم ترتب الأثر أصلا. وهذا كاشف عن كون المراد بالنبويين هو الفساد محضا ، فلا يصح حملهما على ما ذكرناه من عدم العلية التامة.

(١) حيث قال في صدر المسألة : «والنهي هنا يوجب الفساد إجماعا على الظاهر المصرّح به في موضع من الإيضاح» بأن يكون المراد بالفساد اللغوية رأسا.

(٢) أي : ومن الوجوه الأخر المستدل بها على اعتبار القدرة على التسليم هو : أن لازم العقد ... الخ.

وتوضيحه : أنّ مضمون العقد ـ وهو نقل كل من العوضين عن مالكه إلى صاحبه وصيرورته ملكا للآخر الذي هو حكم وضعي ـ مستلزم لوجوب تسليم كلّ منهما ما انتقل عنه إلى مالكه ، وحرمة حبسه ، لأنّه ظلم. وهذا الوجوب كسائر التكاليف يقتضي مقدورية متعلقه ، فلا بد من كون التسليم الواجب مقدورا ، وإلّا يلزم التكليف بالممتنع ، وهو قبيح ، فثبت اعتبار القدرة على التسليم.

وبعبارة اخرى : أن البيع الصحيح يستلزم وجوب التسليم تكليفا ، وهو متوقف على القدرة ، وحيث إنه لا قدرة حسب الفرض على التسليم ، فلا وجوب ، وبطلان اللازم يكشف عن بطلان الملزوم وهو البيع. وهذا مقتضى القياس الاستثنائي.

(٣) حق العبارة أن يقال : «كلّا من العوضين» أو «ما انتقل عنه إلى صاحبه» كما في الجواهر (٢). وفي المصابيح : «وجوب تسليم كل من المتبايعين ما انتقل عنه

__________________

(١) تقدم في ص ٥٨١ ، ولاحظ : إيضاح الفوائد ، ج ١ ، ص ٤٣٠.

(٢) جواهر الكلام ، ج ٢٢ ، ص ٣٩٠.

٦٢٣

إلى صاحبه ، فيجب أن يكون مقدورا ، لاستحالة التكليف بالممتنع.

ويضعّف (١) بأنّه : إن اريد أنّ لازم العقد وجوب التسليم

______________________________________________________

بالبيع إلى صاحبه».

(١) نسب الفقيه المامقاني (١) قدس‌سره هذا التضعيف والاعتراض عليه وجوابه إلى العلّامة الطباطبائي قدس‌سره في المصابيح ، وأثبته صاحب الجواهر قدس‌سره ـ في ردّ الوجه الثالث ـ بلفظه ، وهو : «أنّه إن اريد إثبات اشتراط القدرة على التسليم بوجوب التسليم منجّزا ، فذلك باطل ، لأنّه مشروط بالبيع. وإن اريد إثبات اشتراطها بوجوب الإقدام على ما يتمكن معه من فعل الواجب إذا وجب ، منعنا الوجوب على الإطلاق ، فإنّ التكليف مشروط بالقدرة. والعجز السابق على البيع كالمتجدد ، فكما لا يجب التسليم في الثاني ، فكذا في الأوّل» (٢).

وتوضيحه : أنّ صحة البيع وضعا ـ بمعنى تأثيره في نقل كل من العوضين إلى الآخر ـ وإن كانت مستلزمة لوجوب الوفاء به تكليفا بمعنى ترتيب آثاره عليه من تسليم المبيع للمشتري ، والثمن للبائع ، إلّا أنّ استفادة شرطية القدرة الفعلية على التسليم ـ حال العقد ـ من الأمر بالوفاء ممنوعة ، وذلك لأنّ وجوب التسليم إما أن يراد به وجوبه الفعلي المنجّز بحيث يكشف العجز عنه عن الحكم الوضعي في الملزوم أعني بطلان العقد. وإما أن يراد به مطلق وجوبه الشامل للوجوب المطلق وللمشروط بالقدرة.

فإن اريد الأوّل اتجه منع الملازمة بين الحكم الوضعي ـ وهو نفوذ البيع ـ وبين التكليفي أعني وجوب التسليم ، ضرورة عدم اقتضاء الحكم الوضعي للتكليفي إلّا في الجملة ، فيستفاد صحة البيع من إطلاق حلّه ومن التجارة عن تراض ،

__________________

(١) غاية الآمال ، ص ٤٦٢.

(٢) جواهر الكلام ، ج ٢٢ ، ص ٣٩٠ ـ ٣٩١ ؛ المصابيح مجلد التجارة (مخطوط).

٦٢٤

وجوبا مطلقا (١) ، منعنا الملازمة (٢). وإن اريد (٣) مطلق وجوبه ، فلا ينافي (٤) كونه مشروطا بالتمكّن ، كما لو تجدّد العجز بعد العقد (٥).

______________________________________________________

ونحوهما ، ولا يستفاد إطلاق التكليف بالتسليم من وجوب الوفاء بالعقد بعد دخل القدرة على المتعلق في مطلق الخطابات الشرعية.

وإن اريد الثاني ، وهو استلزام صحة البيع وجوب التسليم في الجملة ـ أي مشروطا بالقدرة عليه ـ فالملازمة بين الوضع والتكليف محققة ، ومعناه ترتب وجوب التسليم على العقد منوطا بالتمكن منه. ومن المعلوم أنّ الوجوب المشروط بالقدرة قاصر عن إثبات اشتراط صحة العقد بالقدرة على التسليم.

وعليه فحكم القدرة على التسليم حال العقد وبعده واحد. فلو كان متمكنا من تسليم المبيع حين البيع ثم طرأ عليه العجز ، لم يجب عليه ، ولا يستلزم بطلان العقد ، بل يتخيّر المشتري بين الفسخ والتربص. فكذا لو كان عاجزا عن التسليم حال البيع ، وتمكّن منه في المستقبل. فلا تكليف به فعلا.

هذا توضيح المناقشة ، وسيأتي تقرير الاعتراض عليها والدفع.

(١) أي : منجّزا من جهة تحقق شرطه المعلّق عليه ، كما ورد التعبير به في كلام صاحب المصابيح ، وليس المراد وجوب التسليم مطلقا بالنسبة إلى القدرة أي سواء تمكّن منه أم لم يتمكن ، ضرورة اشتراط كل تكليف بها عقلا ، ولا معنى للإطلاق من هذه الجهة.

(٢) أي : بين صحة العقد وضعا وبين وجوب التسليم تكليفا ، وتقدم وجه المنع.

(٣) معطوف على «إن اريد» وضمير «وجوبه» راجع إلى التسليم.

(٤) أي : أنّ وجوب التسليم ـ بنحو مطلق الوجوب ـ لا ينافي وجوب التسليم مشروطا بالتمكن.

(٥) فإنّ عدم وجوب التسليم لو تجدّد بعد العقد لا يستلزم بطلانه.

٦٢٥

وقد يعترض (١) بأصالة عدم تقيّد الوجوب ، ثم يدفع (٢) بمعارضته بأصالة عدم تقيّد البيع بهذا الشرط.

وفي الاعتراض والمعارضة نظر واضح (٣) ،

______________________________________________________

(١) يعني : يعترض على التضعيف المزبور بمنع الشق الثاني منه ، وهو جعل وجوب التسليم مشروطا بالقدرة عليه.

وجه المنع أنّ تقييد الوجوب بالتمكن منه مخالف لأصالة عدم تقيد الوجوب ، ويتعيّن الشق الأوّل ، وهو كون وجوب التسليم فعليا بنفس العقد ، ويترتب عليه انكشاف انتفاء الملزوم من انتفاء اللازم. قال في المصابيح في تقرير الاعتراض : «لا يقال : الأصل في الوجوب عدم التقييد ، وقد ثبت بالقياس إلى العجز المتجدد ، بخلاف السابق ، لأنّ القدرة على التسليم إذا كانت شرطا كان الوجوب بالقياس إليها مطلقا ، لكونها مفروضة الحصول على هذا التقدير».

(٢) أي : يدفع الاعتراض. قال العلّامة الطباطبائي قدس‌سره في دفعه : «لأنّ هذا الأصل معارض بمثله في جانب البيع ، فإنّ الأصل عدم اشتراطه بالقدرة على التسليم ، فيجب تقييد وجوب التسليم بحصول القدرة السابقة كاللاحقة» (١).

ومحصله : أن دليل الصحة ـ كآية حلّ البيع ـ لم يقيّد بالقدرة على التسليم ، فلو شكّ في التقييد جرى أصالة عدم اشتراطه بها ، وهذا الأصل العملي معارض لأصالة إطلاق وجوب التسليم ، وبعد التساقط يبقى إطلاق دليل حلّ البيع بحاله ، ويقال بصحة البيع حتى مع العجز عن التسليم حال العقد ، تمسكا بإطلاق دليل الإمضاء.

(٣) أمّا وجه النظر في الاعتراض فهو : أنّ أصالة عدم التقييد إن اريد بها الأصل العملي ، ففيه : أنّه لا أصل لها. وإن اريد بها أصالة الإطلاق ، ففيه : أنّها من

__________________

(١) المصابيح ، كتاب التجارة (مخطوط) ونقل صاحب الجواهر نصّ كلامه ، فراجع : جواهر الكلام ، ج ٢٢ ، ص ٣٩١.

٦٢٦

فافهم (١).

ومنها (٢) : أنّ الغرض من البيع انتفاع كلّ منهما بما يصير إليه ،

______________________________________________________

شئون ظواهر الألفاظ كالعموم والحقيقة وغيرهما ، كما إذا قال المولى : «أكرم عالما» وشك في تقيده بالعدالة. بخلاف ما لو كان الدليل عليه لبيّا. والوجوب فيما نحن فيه ـ حسب الفرض ـ ليس مستفادا من اللفظ حتى يتمسك في الشك في تقييده بأصالة الإطلاق ، فإنّ الاستدلال المزبور ينادي بأن الوجوب من لوازم العقد ، هذا.

وأمّا وجه النظر في المعارضة فهو : أنّ أصالة الإطلاق ـ بناء على جريانها في ناحية وجوب التسليم ـ حاكمة على أصالة عدم تقيد البيع بهذا الشرط ، لما ثبت في محله من حكومة أصالة الإطلاق في المقيّد على أصالة الإطلاق في المطلق.

(١) لعله إشارة إلى : أنّه بناء على كون القدرة على التسليم من مقوّمات المالية لا من شرائط المتعاقدين ـ كما يؤمي إليه تعرضهم لها في شرائط العوضين ، لا في شرائط المتعاقدين ـ ينهدم أساس الملازمة بين الحكم الوضعي وبين وجوب التسليم المستكشف منه اعتبار القدرة على التسليم ، وذلك لأنّ مضمون العقد لا يتحقق حينئذ في الخارج ، لتقوم المعاوضة بمالية العوضين ، وبدونها لا يمكن تأثير إنشاء المعاملة حتى يدّعى التلازم بين مضمون العقد وبين وجوب التسليم ، فتدبّر.

(٢) أي : ومن الوجوه الاخر المستدل بها على اعتبار التمكن من التسليم هو : أن الغرض ... الخ.

وهذا الوجه الثالث مركّب من دعويين :

إحداهما : كون الغرض من البيع منحصرا في انتفاع كل من المتعاقدين بما ينتقل إليه.

ثانيتهما : توقف الانتفاع ـ المترقب ـ على التسليم. فالتسليم مقدمة للغرض الداعي إلى المعاملة.

والأولى في جوابه أن يقال : إنّ الأغراض الداعية إلى الإنشاءات لا تؤثر

٦٢٧

ولا يتمّ (١) إلّا بالتسليم.

ويضعّفه (٢) : منع توقف مطلق الانتفاع على التسليم ، بل منع (٣) عدم كون الغرض منه إلّا الانتفاع بعد التسليم ، لا الانتفاع المطلق (٤).

ومنها (٥) : أنّ بذل الثمن على غير المقدور سفه ، فيكون ممنوعا ،

______________________________________________________

في صحة المعاملات ، بمعنى أنّ تخلّفها لا يبطلها.

(١) أي : ولا يتمّ الانتفاع ، فيجب التسليم مقدمة له ، فلا بدّ من القدرة عليه ، لئلّا يلزم نقض الغرض.

(٢) أي : ويضعّف هذا الوجه : منع ... الخ ، وقد ضعّفه بأمرين ، هذا أوّلهما ، وتوضيحه : أنّ الغرض من البيع وإن كان هو الانتفاع ، إلّا أنّ توقف مطلق الانتفاع على التسليم ممنوع ، بشهادة جواز انتفاع المشتري بعتق العبد الآبق ، مع عدم توقف هذا الانتفاع الخاص على التسليم ، فالدليل أخصّ من المدّعى.

ولو قيل : إنّ مطلق الانتفاع وإن لم يكن منوطا بالتسليم ، إلّا أنّ الغرض من البيع هو الانتفاع الخاص أعني المتوقف على التسليم ، لا مطلق الانتفاع.

يقال عليه : إنّ الانتفاع المطلق صالح لكونه غرضا من البيع.

(٣) معطوف على «منع» وهذا ثاني الأمرين ، ومحصله : أنّ الغرض من البيع وإن كان هو الانتفاع ، لكنه لا يلزم نقض الغرض بالعجز عن التسليم ، فإنّ الشرط هو الانتفاع الخاص الحاصل بعد التسليم ، لا مطلق الانتفاع ولو قبل التسليم حتى يكون تعذره قادحا.

(٤) العبارة لا تخلو من تعقيد ، ولا موجب له ، والأولى كما في المصابيح والجواهر : «منع كون الغرض من البيع الانتفاع مطلقا ، بل بعد تسليمه» (١).

(٥) أي : ومن الوجوه الاخر المستدل بها على اعتبار القدرة على التسليم في

__________________

(١) جواهر الكلام ، ج ٢٢ ، ص ٣٩١ ؛ المصابيح ، مجلد التجارة (مخطوط).

٦٢٨

وأكله (١) أكلا بالباطل.

وفيه (٢) : أنّ بذل المال القليل في مقابل المال الكثير المحتمل الحصول ليس سفها (٣) ، بل تركه (٤) اعتذارا بعدم العلم بحصول العوض سفه ، فافهم (٥).

______________________________________________________

البيع هو هذا الوجه الرابع ، المؤلّف من صغرى وكبرى.

فالصغرى هي : أنّ بذل الثمن بإزاء المبيع غير المقدور على تسليمه للمشتري يكون سفهيّا وتضييعا للمال.

والكبرى : أنّ البيع السفهي ممنوع شرعا ، لكونه من موارد أكل مال الغير بالسبب الباطل ، لا بالتجارة عن تراض ، هذا.

(١) يعني : وتملّك الثمن والتصرف فيه ـ مع العجز عن تسليم المثمن ـ أكل له بالباطل المنهي عنه.

(٢) هذا ردّ الوجه الأخير ، قال في المصابيح والجواهر : «وعلى الثالث : المنع من لزوم السفه والتضييع على الإطلاق ، فإنّ بذل القليل من المال في مقابلة الخطير المتوقع الحصول ممّا يقدم عليه العقلاء ، ولا يعدّ مثله سفها ولا تضييعا ...» (١).

وتقدم نظيره من المصنف قدس‌سره في الإيراد على كلام الشهيد في شرح الإرشاد ، فراجع (ص ٦٠٤).

(٣) وعلى تقدير كونه سفها يكون أخص من المدّعى ، إذ لا ريب في عدم السفاهة في بعض الموارد ، فلا يكون الدليل عامّا لجميع أفراد الدعوى.

(٤) أي : ترك البذل ـ بزعم عدم اليقين بحصول عوض المال ـ سفه ، والغرض أن الاستدلال بالسفاهة ينتج عكس المطلوب في بعض الموارد.

(٥) لعلّه إشارة إلى عدم صحة التمسك بالسفاهة لإثبات وجوب التسليم ، إذ النسبة بين السفاهة وبين التسليم عموم من وجه ، لعدم السفاهة مع إمكان الانتفاع بدون تسلم المبيع كالعتق.

__________________

(١) جواهر الكلام ، ج ٢٢ ، ص ٣٩١ ؛ المصابيح ، مجلد التجارة (مخطوط).

٦٢٩

ثم إنّ (١) ظاهر معاقد الإجماعات ـ كما عرفت (٢) ـ كون القدرة شرطا ، كما هو (٣) كذلك في التكاليف ، وقد اكّد الشرطية في عبارة الغنية المتقدّمة (٤) ، حيث (٥) حكم بعدم جواز بيع ما لا يمكن فيه التسليم ، فينتفي المشروط (٦) عند انتفاء الشرط. ومع ذلك (٧) كلّه فقد استظهر بعض من تلك العبارة : أنّ العجز مانع ،

______________________________________________________

هذا تمام الكلام في الوجوه المستدل بها على دخل القدرة على التسليم في البيع ، وسيأتي التنبيه على امور ترتبط بالمسألة.

(١) هذا هو التنبيه الأوّل ، الباحث عن أنّ مقتضى أدلة دخل القدرة هل هو جعلها شرطا في صحة البيع كشرطيتها في التكاليف؟ أم جعل العجز مانعا ، وما يترتب على الاحتمالين من ثمرة ، وكلام المصنف قدس‌سره هنا توطئة لردّ من جعل العجز عن التسليم مانعا ، ولم يجعل القدرة شرطا كما سيأتي.

(٢) تقدم نقل بعض دعاوى الإجماع في (ص ٥٨٠) مما صريحه أو ظاهره شرطية القدرة ، فراجع.

(٣) أي : كون القدرة شرطا في التكاليف ، فإنّه مما لا ريب فيه ، وإن اختلفوا في كونه باقتضاء الخطاب أو بحكم العقل.

(٤) هي قوله : «إنّما اعتبرنا في المعقود عليه أن يكون مقدورا عليه» فراجع (ص ٥٨٠).

(٥) هذا تقريب التأكيد ، لأنّ صاحب الغنية حكم بالانتفاء عند الانتفاء ، وهذا ما يعبّر به عن الشرط. وأمّا المانع فيعبر عنه بالانتفاء عند الوجود ، لأنّ المانع يمنع عن وجود المقتضي.

(٦) وهو جواز البيع ، فينتفي بانتفاء شرطه ، أعني به القدرة على التسليم.

(٧) أي : ومع ظهور معاقد الإجماعات في الشرطية ، وتأكيدها في عبارة الغنية ، فقد استظهر بعض ـ وهو صاحب الجواهر قدس‌سره ـ من عبارة الغنية وغيرها مانعية العجز دون شرطية القدرة ، حيث قال ما لفظه : «نعم قد يظهر من هذه العبارة ـ أي

٦٣٠

لا أنّ القدرة شرط ، قال (١) : «ويظهر الثمرة في موضع الشّكّ» ثمّ ذكر (٢) إختلاف

______________________________________________________

عبارة الغنية ـ بل وغيرها عند التأمل : أنّ المراد من هذا الشرط عدم جواز بيع ما يعجز عن تسليمه كالأمثلة السابقة. وقد يطلق اشتراط القدرة على إرادة كون العجز مانعا ، نحو ما ذكروه في كون القدرة شرطا في التكاليف» (١).

(١) قال في الجواهر : «وتظهر الثمرة في المشكوك فيه» فإنّه بناء على شرطية القدرة يمتنع بيعه ، بخلافه بناء على مانعية العجز.

(٢) يعني : ذكر المستظهر لمانعية العجز : إختلاف الأصحاب ، حيث قال : «ومما يرشد إلى ذلك : أنّهم قد ذكروا الإجماع كما عرفت على اشتراط القدرة ، مع أنهم قد حكوا الخلاف في امور ، منها : بيع الضال ، فإنّه قد قيل فيه وجوه ...» إلى أن قال :

ومنها : بيع الضالة ، وفيها احتمالات ، أوّلها الصحة ...» (٢).

ولا يخفى أنّ المستفاد من عبارة الجواهر امور :

الأوّل : أن المراد بالقدرة في المقام هو عدم العجز ، يعني : أنّ العجز مانع.

الثاني : قياس الوضع بالتكليف ، حيث إنّ المراد بالقدرة المعتبرة في التكليف هو عدم العجز ، لا شرطية القدرة ، وإلّا فلا مجال لقاعدة الاشتغال مع الشك في القدرة ، بل لا بدّ من جريان البراءة فيه كما لا يخفى.

الثالث : أنّ الثمرة بين شرطية القدرة ومانعية العجز تظهر في موارد الشك ، فإنّه بناء على اعتبار القدرة لا يصح البيع إلّا بعد إحرازها. وبناء على مانعية العجز يصح حتى يحرز العجز. فلو باع بزعم عدم القدرة على التسليم ، فبان التمكن منه صحّ بناء على مانعية العجز ، كما صرّح به في موضع آخر (٣).

الرابع : أنّ الوجه في حمل معاقد الإجماعات وغيرها على مانعية العجز هو

__________________

(١) جواهر الكلام ، ج ٢٢ ، ص ٣٨٥.

(٢) المصدر ، ص ٣٨٥ و ٣٨٦.

(٣) المصدر ، ص ٣٩٢.

٦٣١

الأصحاب في مسألة الضالّ (١) والضّالّة ، وجعله (٢) دليلا على أنّ القدر المتفق عليه ما إذا تحقّق العجز.

وفيه (٣) ـ مع (٤)

______________________________________________________

اختلافهم في فروع ، ولا يستقيم هذا الخلاف منهم ـ مع الإجماع المزبور ـ إلّا بحمل معقد الإجماع على كون المراد بهذا الشرط مانعية العجز الثابت ، فيكون مورد اتفاق الغنية وغيرها هو العجز المتحقق. ومورد الخلاف هو العجز المشكوك فيه.

وبعبارة اخرى : لو كانت القدرة على التسليم شرطا إجماعا ، لم يتّجه اختلافهم في بيع الضال والضالة ، لأنّ مقتضى لزوم إحراز وجود الشرط بطلان بيعهما ، ولا مجال للاختلاف فيه. وهذا بخلاف كون العجز مانعا ، فإن احرز العجز لم يصح البيع ، وإن شكّ فيه جاز ، لأصالة عدم المانع ، هذا.

(١) المراد به المملوك وهو العبد ، إذا ضاع. والمراد بالضالة ما عداه ، كالبعير والفرس ونحوهما.

(٢) يعني : جعل صاحب الجواهر إختلاف الأصحاب ـ في مسألة بيع الضال والضالّة ـ دليلا ... الخ.

(٣) أورد المصنف قدس‌سره على ما في الجواهر ـ من مانعية العجز ـ بوجوه أربعة :

الأوّل : أنّ استظهار مانعية العجز من كلمات الأصحاب ممنوع ، لمنافاته لظهور بعضها وصريح الآخر ، قال العلّامة قدس‌سره : «الشرط الرابع ـ من شرائط العوضين ـ القدرة على التسليم ، وهو إجماع في صحة البيع ، ليخرج البيع عن أن يكون بيع غرر» (١). ومن المعلوم أنّ حمل شرطية القدرة على مانعية العجز نصرّف في الدلالة بلا موجب.

(٤) كذا في نسختنا وبعض النّسخ ، وفي بعضها «وفيه ما عرفت» والظاهر سقوط كلمة «مع أو مضافا» ليكون قوله : «ان العجز» مبتدء مؤخّرا كما لا يخفى.

__________________

(١) تذكرة الفقهاء ، ج ١٠ ، ص ٤٨.

٦٣٢

ما عرفت (١) من أنّ صريح معاقد الإجماع خصوصا (٢) عبارة الغنية المتأكدة بالتصريح بالانتفاء عند الانتفاء ، هي (٣) شرطية القدرة ـ : أنّ (٤) العجز أمر عدمي ، لأنّه (٥) عدم القدرة عمّن من شأنه ـ صنفا (٦)

______________________________________________________

(١) يعني : في أوّل المسألة ، فراجع (ص ٥٨٠).

(٢) وجه الخصوصية صراحة عبارة الغنية في الشرطية ، من جهة تفريع بطلان بيع غير مقدور التسليم على انتفاء الشرط. ولو كان العجز مانعا عن الصحة كان المناسب أن يقال : «فينتفي البيع عند وجود المانع» لوضوح استناد بطلان البيع إلى وجود المانع حينئذ ، لا إلى عدمه.

(٣) خبر قوله : «ان صريح».

(٤) هذا ثاني الوجوه ، ومحصله : أنّ تعريف «المانع» لا ينطبق على العجز.

وتوضيحه : أنّ المانع هو الأمر الوجودي المزاحم لتأثير المقتضي في مقتضاه ، كالرطوبة المانعة عن تأثير النار في المحترق. والعجز أمر عدمي لا يصحّ اعتبار مانعيته عن البيع.

ثم إنّ تقابل العجز والقدرة يكون من تقابل العدم والملكة كالعمى والبصر ، فالعجز هو عدم التمكن من فعل فيمن تتمشّى منه القدرة عليه ، سواء أكانت شأنية القدرة عليه باعتبار جنس العقد ، كما إذا كان مقتضى العقد التسليم والإقباض ، وإن لم يشتمل على المعاوضة كالهبة. أم كانت باعتبار نوع العقد بأن كان معاوضيّا مقتضيا للتسليم كالبيع والإجارة والصلح المفيد فائدتهما. أم كانت باعتبار صنف العقد بأن كان بيعا حالا ، إذ من شأنه التمكن من التسليم. فيطلق العاجز في هذه الموارد الثلاثة لو لم يقدر العاقد على الوفاء والإقباض.

(٥) أي : لأن العجز هو العدم في المحلّ القابل للتمكن.

(٦) كما في البائع الذي يباشر بيع ماله ، فإنّ صنف البائعين المباشرين لبيع أموالهم ممّن يقدر على تسليم المبيع ، فالقدرة تكون من حيث الصنف.

٦٣٣

أو نوعا (١) أو جنسا (٢) ـ أن يقدر ، فكيف يكون (٣) مانعا ، مع أنّ المانع هو الأمر الوجودي الذي يلزم من وجوده العدم؟

ثمّ لو سلّم (٤) صحة إطلاق «المانع»

______________________________________________________

(١) كمن يبادل ماله بمال ، سواء أكان ببيع أم صلح أم غيرهما ، فالقدرة ثابتة لهذا الشخص بحسب النوع.

(٢) كقدرة هذا العاقد على التسليم من حيث كونه عاقدا وإن لم يكن مالكا ، بل كان وكيلا.

(٣) أي : فكيف يطلق «المانع» على العجز مع أنّ «المانع» المصطلح وجودي لا عدمي؟

(٤) هذا ثالث الوجوه ، وحاصله : أنّه لو سلّم إطلاق «المانع» على العجز ـ لعدم كونه من العدم المطلق ، بل من المضاف الذي له حظ من الوجود ـ قلنا : إنّ الثمرة التي ذكرها الجواهر بين شرطية القدرة ومانعية العجز لا تترتب على النزاع المزبور ، وذلك لأنّ الشك في القدرة والعجز إمّا مسبوق بالعلم بأحدهما ، وإمّا غير مسبوق به.

فعلى الأوّل يستصحب ما كان سابقا. فإن كانت الحالة السابقة هي القدرة ، فيستصحب القدرة أو عدم العجز. وإن كانت هي العجز فيستصحب العجز أو عدم القدرة.

ولا فرق بين الاستصحابين نتيجة ، إذ بناء على شرطية القدرة أو مانعية العجز إن كانت الحالة السابقة المعلومة هي القدرة ، فيستصحب القدرة أو عدم العجز. وإن كانت هي العجز فيستصحب العجز أو عدم القدرة. وعلى كل حال لا تبقى ثمرة للقول بشرطية القدرة ومانعية العجز.

ولا فرق في انتفاء الثمرة ـ بين شرطية القدرة ومانعية العجز ـ بين أنحاء الشبهة من كونها موضوعية أو مفهومية أو حكمية.

وبيانه : أن الشك تارة في انطباق المفهوم المبيّن على ما في الخارج ، كما إذا

٦٣٤

عليه (١) لا ثمرة فيه (٢) ، لا في صورة الشك الموضوعي أو الحكمي ، ولا في غيرهما (٣) ، فإنّا إذا شككنا في تحقق القدرة والعجز (٤) مع سبق القدرة فالأصل بقاؤها ، أو (٥) لا معه فالأصل عدمها ـ أعني العجز ـ سواء جعل القدرة شرطا أو العجز مانعا (*).

______________________________________________________

علم بحدود مفهوم القدرة ، وأنّه «ما لا يصل إلى حدّ الاستحالة العادية» ولكن شكّ في خصوص المورد أنّه هل يكون محالا عاديّا بالنسبة إليه أم لا.

واخرى في حدود المفهوم وسعته وضيقه ، وأن القدرة تختص بغير الخارج عن الأسباب العادية أو تعمّ الخارج عن المتعسّر وإن لم يصل إلى حدّ المحال العادي.

وثالثة يشكّ فيما خرج عن حيّز عمومات الصحة ، من أنّه العجز المستمر أو خصوص العجز حين العقد.

(١) أي : على العجز وعدم القدرة.

(٢) أي : في النزاع بين شرطية القدرة ومانعية العجز.

(٣) كالشك المفهومي ، الملحق بالحكمي.

(٤) هذا إشارة إلى الشبهة الموضوعية ، يعني ـ بعد الإحاطة بمفهوم القدرة والعجز ، وأنّه تعذر التسليم مثلا لا تعسّره ـ لو شك في تحققها ، فتارة تكون الحالة السابقة محرزة ، وهي إمّا القدرة فتستصحب ، ويصحّ البيع ، وإما العجز فيستصحب ويحكم بالفساد. واخرى لا تكون محرزة ، ولم يتعرض المصنف قدس‌سره لحكمها ، وقد ذكرناه في التعليقة.

(٥) معطوف على «سبق» أي : لا مع سبق القدرة ، بل مع سبق عدم القدرة ، فيستصحب العجز.

__________________

(١) أقول : تترتب الثمرة على القولين فيما إذا لم تعلم الحالة السابقة. فعلى القول بالشرطية لا يصح البيع ، لعدم إحراز الشرط بوجه. وعلى القول بالمانعية يصح

٦٣٥

وإذا شككنا (١) في أنّ الخارج عن عمومات الصحة هو العجز المستمرّ أو العجز في الجملة ، أو شككنا (٢) في أنّ المراد بالعجز

______________________________________________________

(١) معطوف على «إذا شككنا» وإشارة إلى الشبهة الحكمية ، بأن علمنا بتخصيص عمومات الصحة بمثل النهي عن بيع الغرر ، وأنّ القدرة على التسليم شرط في الجملة أو أنّ العجز مانع كذلك ، ولكن لم نعلم بأنّ المانع هو العجز المستمر في مدة طويلة ، أم هو العجز في الجملة أي في مدة قصيرة بعد العقد.

والمرجع في غير القدر المتيقن من المخصّص عن عمومات الإمضاء ، فيحكم بالصحة لو كان العجز في فترة قصيرة وأمكن التسليم بعدها.

(٢) معطوف أيضا على قوله : «إذا شككنا» وإشارة إلى حكم الشبهة المفهومية ، بأن علم دخل القدرة أو عدم العجز ، ولكن شك في أنّ القدرة المعتبرة هي ما تقابل تعذر التسليم عرفا ، أم تعم ما يقابل التعسّر كذلك ، بحيث لو كان في التسليم مشفة صدق عليه العجز أو عدم القدرة.

والشبهة المفهومية كالحكمية من مرجعية عمومات الصحة في غير القدر المتيقن.

__________________

البيع ، لأنّ المقتضي لصحة البيع موجود والمانع غير محرز ، وعدم إحرازه كاف في ترتب الأثر على المقتضي ، لا أنّه يحرز عدم المانع بالأصل حتى يستشكل فيه بتساوي الأصل بالنسبة إلى القدرة والعجز.

وإن كان فيه ما لا يخفى ، لعدم ترتب الأثر بالفرض على القدرة حتى يجري الأصل في عدمها.

لكن ما ذكرناه من كفاية عدم إحراز المانع مبني على حجية قاعدة المقتضي والمانع كما لا يخفى. ولمّا لم تكن القاعدة معتبرة عند المصنف فلا بدّ من التمسك للفساد فيما لم تعلم الحالة السابقة بأصالة الفساد ، للشك في كون الخارج هل هو هذا أم غيره؟ فلا يمكن التمسك بعمومات الصحة.

٦٣٦

ما يعمّ التعسّر ـ كما حكي (١) ـ أم خصوص التعذّر ، فاللازم (٢) التمسك بعمومات الصحة ، من غير فرق بين تسمية القدرة شرطا أو العجز مانعا.

والحاصل (٣) : أنّ التردّد بين شرطية الشي‌ء ومانعيّة مقابله

______________________________________________________

(١) الحاكي صاحبا المصابيح والجواهر ، والمحكي عنه شيخ الطائفة قدس‌سره ، ففي الخلاف : «إذا كانت له أجمة ، يحبس فيها السمك ، فحبس فيها سمكا وباعه ، لا يخلو من أحد أمرين : إمّا أن يكون قليلا ... والأمر الآخر : أن يكون الماء كثيرا صافيا ، والسمك مشاهدا ، إلّا أنّه لا يمكن أخذه إلّا بمئونة وتعب حتى يصطاده ، فعندنا أنه لا يصح بيعه ، إلّا أن يبيعه مع ما فيه من القصب ... الخ» (١).

وحكى العلّامة عدم جواز بيع ما في تسليمه مشقة عن الشافعي في أحد قوليه ، فراجع (٢).

وعبّر صاحب الجواهر عمّا يقابل التعذر بالمشقة والتعسّر (٣).

وعليه فالظاهر أن مقصودهم من «التعب والمشقة والعسر وما فيه مئونة» أمر واحد ، وهو ما قابل التعذر.

(٢) جواب الشرط في قوله : «وإذا شككنا في أن الخارج» وهذا بيان حكم الشبهتين الحكمية والمفهومية ، سواء أكانت القدرة شرطا أم العجز مانعا.

(٣) هذا حاصل ما تقدم في الوجهين الثاني والثالث ، من أنّه لا يصح تردد ما هو دخيل في البيع بين شرطية أمر وجودي وهو التمكن من التسليم ، وبين مانعية أمر عدمي وهو العجز ، مع أنّ المقابلة تكون بين الوجوديين المعبّر عنهما بالضدين.

ولو سلّم كون العجز مانعا لم يجد هنا ، لاختصاص ثمرة البحث بما إذا كان

__________________

(١) الخلاف ، ج ٣ ، ص ١٥٥ ، كتاب البيوع ، المسألة : ٢٤٥ ؛ جواهر الكلام ، ج ٢٢ ، ص ٤٠٣.

(٢) تذكرة الفقهاء ، ج ١٠ ، ص ٥٠.

(٣) جواهر الكلام ، ج ٢٢ ، ص ٤٠٤.

٦٣٧

إنّما يصحّ (١) ويثمر (٢) في الضدين مثل الفسق (٣) والعدالة ، لا (٤) فيما نحن فيه وشبهه كالعلم والجهل.

وأمّا إختلاف (٥) الأصحاب في مسألة الضّالّ والضّالّة فليس لشكّ المالك

______________________________________________________

محتمل الشرطية والمانعية وجوديّا كالضدين ، كما إذا شك في كون العدالة شرطا في إمامة الجماعة ، أو كون الفسق مانعا عنها. فعلى الاشتراط لا بدّ من إحرازها بحجة ، وإلّا جرى أصالة عدم كونه عادلا ، فلا يجوز الصلاة خلف مجهول الحال. وعلى المنع تصح الصلاة خلفه ، لاستصحاب عدم كونه فاسقا.

وهذا بخلاف المقام ، إذ لو كانت الحالة السابقة هي القدرة على التسليم صحّ البيع استصحابا لها ، ولو كانت هي العجز لم يصحّ ، سواء قلنا بشرطية القدرة أم بمانعية العجز.

(١) هذا إشارة إلى الوجه الثاني ، وهو عدم كون العجز مانعا.

(٢) هذا إشارة إلى الوجه الثالث ، وهو انتفاء الثمرة.

(٣) بناء على كون الفسق أمرا وجوديا لا عدميا ، بأن يكون عدم العدالة ومقابلا لها تقابل العدم والملكة.

(٤) معطوف على «في الضدين» يعني : لا يثمر في المقام ، كما لا يثمر في الشك في شرطية العلم لوجوب إكرام زيد مثلا ، أو مانعية الجهل عنه ، لكون الجهل عدميا لا وجوديا ، مع أنّ «المانع» عنوان للأمر الموجود.

(٥) هذا هو الوجه الرابع ، والغرض منه نفي ما استشهد به صاحب الجواهر لإثبات مانعية العجز ، لأنّه قدس‌سره جعل هذا الاختلاف في مقابل اتفاقهم على عدم جواز بيع السمك في الماء والطير في الهواء دليلا على مانعية العجز المعلوم ، إذ لو كانت القدرة الفعلية معتبرة في صحة البيع لم يكن وجه للاختلاف في صحة البيع وبطلانه في الموارد التي أشار إليها الجواهر في كلامه ، بل كان اللازم الحكم بالبطلان في الجميع ،

٦٣٨

في القدرة والعجز ، ومبنيّا على كون القدرة شرطا أو العجز مانعا ـ كما (١) يظهر من أدلتهم على الصحة الفساد ـ بل لما سيجي‌ء عند التعرض لحكمها (٢).

______________________________________________________

لاشتراكها في عدم الشرط ، وهو القدرة الفعلية على التسليم ، إمّا وجدانا وإما تعبدا لأصالة عدم تحقق الشرط.

فالاختلاف شاهد على مانعية العجز المعلوم في السمك والطير في الماء والهواء دون العبد الضال والدابة الضالة ، إذ يتجه الاختلاف في بيعهما لو شك المالك في القدرة على تسليم المبيع ، فإنّ القائل بالجواز يتمسك بأصالة عدم تحقق المانع عن صحة العقد ، والقائل بالبطلان يعتمد على النبوي الناهي عن الغرر.

ومحصّل إيراد المصنف قدس‌سره عليه هو : أنّ اختلافهم في بيع الضال لا يشهد بكون العجز مانعا ، فالقائل بالبطلان تمسّك بالنهي عن الغرر ، والقائل بالصحة منع الغرر ، مدّعيا : أنّ المبيع قبل قبضه يكون في ضمان البائع لا المشتري ، فلو تعذّر تسليمه بطل البيع من زمان ظهور العجز ، لا من حين العقد. ومن المعلوم أن مقتضى مانعية العجز الواقعي بطلان البيع من أوّل الأمر.

(١) هذا قيد للنفي لا المنفي ، وحاصله : أنّه يظهر من الأدلة التي أقاموها على صحة البيع وفساده عدم ابتناء الخلاف على ما زعمه صاحب الجواهر ، بل على ما سيأتي في تلك المسألة إن شاء الله تعالى.

أمّا أدلتهم على الفساد فهي حديث الغرر والإجماع على القدرة على التسليم.

وأما أدلتهم على الصحة فهي المناقشة في الإجماع بتردد مدّعيه ـ كالعلّامة في التذكرة ـ في صحة بيع الضال منفردا ، فإنّ هذا التردد يوهن الإجماع.

وفي الحديث بأنّ الغرر لا يلزم مع فرض كون تلف المبيع قبل القبض من البائع كما سيأتي الكلام في ذلك.

(٢) أي : لحكم المسألة ، وسيأتي ـ في بيع العبد الآبق ـ بقوله : «وأمّا الضال والمجحود والمغصوب ونحوها ... فالأقوى فيها عدم الجواز ، وفاقا لجماعة ، للغرر المنفي ، المعتضد بالإجماع».

٦٣٩

ثمّ (١) إنّ العبرة في الشرط المذكور إنّما هو في زمان استحقاق التسليم (٢) ، فلا ينفع (٣) وجودها حال العقد إذا علم بعدمها حال استحقاق التسليم ، كما

______________________________________________________

(١) هذا هو التنبيه الثاني ، والمقصود من التعرض له تحقيق مورد اعتبار القدرة على التسليم في البيع ، وأنه شرط في مطلق البيوع أم في بعضها.

ومحصل ما أفاده : أنّ قدرة البائع ـ حال العقد ـ على تسليم المبيع منوط بامور :

الأوّل : أن لا تكون العين عند المشتري ، فلو كانت عنده قبل البيع ، لعارية أو إجارة أو غصب أو غير ذلك ، لم يعتبر تمكن البائع من التسليم ، ولم يكن عجزه عنه مانعا أصلا.

الثاني : أن يعتبر التسليم في البيع كما هو الغالب ، فلو لم يشترط فيه صحّ وإن كان عاجزا عن الإقباض ، كما لو اشترى من ينعتق عليه كالعمودين ، ولم يكن المبيع حاضرا عند البائع ، لتحرّره بالعقد المملّك ، ولا دخل لتسلّم المشتري له فيه أصلا.

الثالث : أن يستحق المشتري تسلّم المبيع بنفس العقد ، كما في بيع العين الشخصية التي يقتضي إطلاق العقد تسليمها للمشتري ، وكذا العين الكلية الحالة كصاع من صبرة. فلا يشترط البيع بالقدرة على التسليم حال العقد لو لم يستحقه المشتري إمّا لاشتراط تأخيره مدة ، وإمّا لتزلزل العقد من جهة كون البائع فضوليا ، فلا يستحق التسليم قبل إجازة المالك بناء على النقل. وإمّا لكون المبيع عينا مرهونة إذا باعها الراهن بدون إذن ، فلا يستحق المشتري قبضها قبل الفك أو إجازة المرتهن.

هذا إذا كان التسليم معتبرا من جهة كونه وفاء بالعقد. وأما إذا اعتبر من جهة دخله في السبب المملّك ، فسيأتي.

(٢) إذ لا وجوب قبل الاستحقاق ، ولا يلزم كون البيع غرريا مع فرض حصول القدرة على التسليم في زمان متأخر عن العقد.

(٣) لصدق «الغرر» المنهي عنه مع فرض العجز عن التسليم في زمان استحقاقه المتأخر عن البيع ، ولا ينفع قدرته عليه حال العقد.

٦٤٠