🚘

هدى الطالب إلى شرح المكاسب - ج ٧

السيّد محمّد جعفر الجزائري المروّج

هدى الطالب إلى شرح المكاسب - ج ٧

المؤلف:

السيّد محمّد جعفر الجزائري المروّج


الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٨٠
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ 🚘 الجزء ٥ 🚘 الجزء ٦ 🚘 الجزء ٧
🚘 نسخة غير مصححة

ككلامه الآخر (١) في شرح الإرشاد ، حيث ذكر في مسألة تعيّن الأثمان بالتعيين

______________________________________________________

وكذا في جعل الجزاف في مال الإجارة والمضاربة من موارد الخلاف ، إذ الظاهر عدم التسامح في ذلك ، والالتزام بالبطلان فيها عند المشهور.

(١) الغرض من نقل كلام الشهيد قدس‌سره التنبيه على المسامحة في تعريف الغرر «بالاحتمال المجتنب عنه عند العرف بحيث يوبّخ على مخالفته».

وتوضيح ما أفاده في شرح الإرشاد هو : أنّهم ذكروا في فروع بيع الصرف أنّ الثمن يتعيّن بالتعيين ، ولا يجوز للمشتري الإبدال ، بل عليه تسليم ما عيّنه ثمنا ، خلافا لجماعة من أهل الخلاف ، حيث قالوا بعدم تشخصه ، وبقائه كلّيّا ، بدعوى صيرورة البيع ـ مع كون الثمن شخصيّا ـ غرريّا ، فيفسد.

ووجه كونه غرريا احتمال تلفه قبل إقباضه للبائع ، أو ظهور كونه مستحقا للغير ، فيبطل البيع. بخلاف ما لو كان الثمن كلّيّا ، فإنّه لا بقدح في الصحة ، ويجب الوفاء بالعقد بتسليم فرد آخر من الجنس.

قال العلّامة قدس‌سره : «الدراهم والدنانير تتعيّنان بالتعيين ، فلو باعه بهذه الدراهم أو بهذه الدنانير لم يجز للمشتري الإبدال بمثلها ، بل يجب عليه دفع تلك العين ، كالمبيع. ولو تلفت قبل القبض انفسخ البيع ، ولم يكن له دفع عوضها ـ وإن ساواه ـ مطلقا ، ولا للبائع طلبه ... وبه قال الشافعي وأحمد ، لاختلاف الأغراض بإختلاف الأشخاص ... وقال أبو حنيفة : لا يتعين بالعقد ، بل تتعين بالقبض ، ويجوز إبدالها بمثلها ، وإذا تلفت قبل القبض لا ينفسخ العقد ...» (١).

ونقل الشهيد قدس‌سره استدلال القائل بعدم تعيّن الثمن ـ بتعيين المتبايعين ـ بحديث النهي عن الغرر ، والمفروض انطباق الغرر عليه ، لاحتمال تلف هذا الشخص المعيّن أو ظهور كونه ملكا لغير المشتري.

__________________

(١) تذكرة الفقهاء ، ج ١٠ ، ص ٤٢٧ ـ ٤٢٨.

٦٠١

عندنا (١) : «قالوا ـ يعني المخالفين من العامة ـ : تعيينها غرر ، فيكون منهيّا عنه.

أمّا الصغرى (٢) ، فلجواز عدمها (٣) أو ظهورها مستحقّة ، فينفسخ البيع. وأمّا الكبرى (٤) ، فظاهرة ... إلى أن قال : قلنا (٥) : نمنع الصغرى ، لأنّ الغرر احتمال مجتنب عنه في العرف (٦) ، بحيث لو تركه وبخّ عليه. وما ذكروه (٧) لا يخطر ببال

______________________________________________________

ثم اعترض قدس‌سره عليه بمنع الصغرى : أي عدم صدق الغرر ، إذ ليس «الغرر» مطلق الجهالة ، بل هو الاحتمال الخاص ، أعني به ما يستحق فاعله اللوم والتوبيخ ، ومن المعلوم عدم استحقاقهما على بيع شي‌ء بثمن جزئي معيّن حتى يشمله إطلاق النهي عن بيع الغرر ، هذا.

(١) قال في شرح قول العلّامة : «والأثمان تتعين بالتعيين» ما لفظه : «أقول : هذا تنبيه على خلاف بعض العامة ، فإنّ مذهبه أنّها لا تتعين بالتعيين ، بل يجوز أن يسلّم غير ما وقع عليه العقد. والحقّ أنّها تتعيّن ، وإلّا لزم عدم الإيفاء بالعقود ... الخ».

(٢) أي : صدق الغرر على تعيين الأثمان.

(٣) أي : لجواز عدم الأثمان وفقدانها بسرقة ، أو سقوطها من كيسه ، فلا تكون موجودة عنده حين إنشاء المعاملة.

(٤) وهي عموم النهي عن بيع الغرر.

(٥) هذا اعتراض شيخنا الشهيد قدس‌سره على بعض المخالفين ـ في هذه المسألة ـ من العامة.

(٦) حاصله : أنّ الغرر ليس مطلق احتمال عدم الحصول وإن لم يعتد به العقلاء حتى يكون احتمال عدم الثمن في المثال غررا ، بل خصوص الاحتمال العقلائي. فاحتمال عدم الثمن لا يعدّ غررا ، فيصحّ معه البيع.

(٧) كذا في نسختنا وأكثر نسخ الكتاب ، ولكن في غاية المراد : «وما ذكر».

٦٠٢

فضلا عن اللّوم عليه (١)» انتهى (١).

فإنّ مقتضاه (٢) : أنّه لو اشترى الآبق

______________________________________________________

(١) هذا ما يتعلق بمنع صغرى الغرر ، ثم منع الشهيد قدس‌سره كبرى النهي عنه ، فراجع.

(٢) أي : فإنّ مقتضى قوله قدس‌سره : «لأن الغرر احتمال ...» وهذا تعليل للتأمل في ما نقله عن شرح الإرشاد من تحديد الغرر المنهي عنه بالاحتمال المجتنب عنه عرفا.

وجه التأمل : أنّ مقتضى كون الغرر احتمال عدم الحصول احتمالا عقلائيا موجبا للوم والتوبيخ ـ لا مطلقا ـ هو عدم صدق الغرر على موارد ثلاثة ، مع وضوح صدقه عليها ، مما يكشف عن موضوعية مطلق جهالة الحصول وإن لم يستتبع توبيخا.

فمنها : شراء العبد الآبق أو الحيوان الضالّ ـ المرجوّ الحصول ـ بثمن قليل ، كما إذا قوّم العبد بألف دينار فأبق ، مع كونه مرجوّ الحصول ، فبيع بعشرة دنانير. فمقتضى اختصاص الغرر بما يستحق اللوم على مخالفته عدم صدق الغرر عليه ، لعدم توبيخ العقلاء من أقدم على ذلك ، لإقدامهم على الضرر اليسير رجاء للنفع الكثير ، مع أنّ المعروف عدم جواز بيع الآبق بلا ضميمة.

ومنها : شراء حجر من جواهر الأرض ـ مردّد بين ذهب ونحاس ـ بثمن بخس ، مع كون قيمة الذهب أضعاف قيمة النحاس.

فإن اختصّ الغرر بجهل الحصول ولم يصدق على الجهل بالصفة ـ كما تقدّم من الشهيد في قواعده من كون الغرر شرعا جهل الحصول ـ فلا مانع من بيعه. وإن عمّمنا الغرر للجهل بالصفة ـ كما هو المعروف ـ لزم صحة بيع الفلزّ (٢) المزبور

__________________

(١) غاية المراد ، ج ٢ ، ص ٧٤ ـ ٧٥.

(٢) قال في اللسان في معاني «الفلز» ما لفظه : «والفلز : الحجارة. وقيل : هو جميع جواهر الأرض من الذهب والفضة والنحاس وأشباهها ، وما يرمى من خبثها» ج ٥ ، ص ٣٩٢.

٦٠٣

أو الضّال (١) المرجوّ الحصول بثمن (٢) قليل لم يكن (٣) غررا ، لأنّ العقلاء يقدمون على الضرر القليل رجاء للنفع الكثير.

وكذا (٤) لو اشترى المجهول المردّد بين ذهب ونحاس بقيمة (٥) النحاس ، بناء (٦) على المعروف من تحقق الغرر بالجهل بالصفة.

______________________________________________________

بالثمن البخس ، لعدم اللوم عليه ، مع أنّه لا ريب في صدق الغرر عليه.

ومنها : شراء المكيل أو الموزون أو المعدود ـ قبل العلم بالمقدار ـ بثمن المقدار المتيقن منه ، كما إذا اشترى صبرة من طعام ـ مردّد بين كونه طنّا أو طنّين ـ بعشرة دنانير ، وهي قيمة الطن الواحد ، فيلزم صحته لعدم استتباعه اللّوم ، مع أنّ الغرر صادق عليه.

وبالجملة : فلو اختص الغرر بموارد استحقاق التوبيخ لزم عدم كون البيع في الموارد المتقدمة غرريا ، مع فساد بيعها عند المشهور ، وليس إلّا للغرر.

(١) قال العلّامة الطريحي قدس‌سره : «وفي المجمع : الضالّة : اسم للبقر والإبل والخيل ونحوها. ولا يقع على اللقطة من غيرها. وفي النهاية : هي الضائعة من كل ما يقتنى من الحيوان وغيره» (١).

والمراد بالضّال هنا العبد الضائع المتوقع حصوله ، كما أنّ «الضالة» هي ما عدا الأناسي من الحيوان ، أو مطلقا.

(٢) متعلق ب «اشترى».

(٣) جواب «لو اشترى» واسم «يكن» ضمير راجع إلى الاشتراء.

(٤) معطوف على «لو اشترى» وهذا هو المورد الثاني.

(٥) متعلق ب «اشترى».

(٦) وأما بناء على اختصاص الغرر بالجهل بالحصول ـ كما فسّره الشهيد قدس‌سره به ـ فالمثال خارج موضوعا عن الغرر.

__________________

(١) مجمع البحرين ، ج ٥ ، ص ٤١٠ ، ولاحظ : لسان العرب ، ج ١١ ، ص ٣٩٢.

٦٠٤

وكذا (١) شراء مجهول المقدار بثمن المتيقّن منه ، فإنّ (٢) ذلك (٣) كلّه مرغوب فيه عند العقلاء ، بل (٤) يوبّخون من عدل عنه (٥) اعتذارا بكونه (٦) خطرا.

فالأولى (٧) : أنّ هذا النهي من الشارع لسدّ باب المخاطرة المفضية إلى التنازع في المعاملات (٨) ، وليس (٩) منوطا بالنهي من العقلاء ليخصّ مورده بالسفهاء أو المتسفّهة.

______________________________________________________

(١) معطوف أيضا على «لو اشترى» وهذا هو المورد الثالث.

(٢) تعليل لقوله : «لم يكن غررا».

(٣) أي : الاشتراء في الموارد الثلاثة يكون مرغوبا فيه.

(٤) غرضه الترقي من مجرد رغبة العقلاء في الشراء إلى توبيخ عدم الإقدام على شراء العبد الآبق بثمن قليل ، ولو اعتذر عن ترك الشراء بكونه خطرا لم يقبل منه ، إذ لو ظفر به فقد انتفع كثيرا ، ولو لم يظفر به فات منه شي‌ء قليل ، والمفروض أن العقلاء يقدمون على مثله.

(٥) أي : عن اشتراء الآبق والضالّ ، والحجر المردد ، والمبيع المجهول المقدار.

(٦) أي : بكون الاشتراء ـ في الموارد الثلاثة ـ خطرا ، والغرر مجتنب عنه عرفا.

(٧) غرض المصنف قدس‌سره ـ بعد منع ما أفاده الشهيد من اختصاص الغرر المنهي عنه بالاحتمال المجتنب عنه عند العقلاء ـ إثبات عموم النهي لكل ما يحتمل ترتب المخاطرة عليه ، سواء أكان منشؤه الجهل بالحصول أو بالصفة أو بغيرهما.

وعليه فالغرر الممنوع شرعا لا يدور مدار كون المعاملة سفهية عرفا ، بل يعمّ مثل الموارد الثلاثة التي يقدم العقلاء عليها.

(٨) وإن كان مورد إقدامهم عليه رجاء لتحصيل النفع الكثير.

(٩) أي : وليس مناط النهي عن الغرر شرعا هو احتراز العقلاء عنه ليختص مورده بمعاملة السفهاء أو المتسفهة.

٦٠٥

ثم إنّه قد حكي عن الصدوق في معاني الأخبار (١) : تعليل فساد بعض المعاملات المتعارفة في الجاهلية ـ كبيع المنابذة والملامسة وبيع الحصاة ـ بكونها (٢) غررا (١). مع أنّه (٣) لا جهالة في بعضها (٤) كبيع المنابذة ،

______________________________________________________

(١) غرض الشيخ الصدوق قدس‌سره تطبيق النهي عن بيع المنابذة والملامسة والحصاة على القاعدة ، بأن يكون فسادها من باب الغرر والجهالة ، لا التعبد المحض ، وفقد الصيغة المعهودة في البيع. ووجه صدق الغرر عدم العلم بأنّ المنبوذ أو ما أصابه الحصاة ذو قيمة مرتفعة أو منخفضة ، فيبقى الجهل بالمبيع والثمن بحاله ، فيبطل.

(٢) متعلق ب «تعليل» والضمير راجع إلى بعض المعاملات المتعارفة في الجاهلية.

(٣) ناقش المصنف قدس‌سره في تعليل البطلان ـ بالغرر ـ بمنع الصغرى ، وتوضيحه : أن الشيخ الصدوق قدس‌سره فسّر بيع المنابذة بأنه تعيين المبيع بالنبذ ، بأن يقول المشتري لبائع الثوب «انبذه إليّ ، فإذا رميته فقد وجب البيع» أو يقول البائع للمشتري : «أنبذه إليك فإذا رميته فقد لزم البيع». والظاهر كون الثوب المنبوذ معلوما عندهما ، فلا جهالة فيه حتى يكون غرريا.

وكذا الحال في بيع الحصاة ، لكون المبيع معيّنا عند المتبايعين ، ويكون إنشاء البيع برمي الحصاة وإصابتها به.

ولمّا لم يكن جهالة في المبيع ـ بناء على تفسير الغرر في كلام الشيخ الصدوق قدس‌سره بالنسبة إلى هذه البيوع الثلاثة ـ فلا بدّ من أن يكون مقصوده جهالة خاصة مبطلة للبيع ، بأن لا يسبق تعيين المبيع قبل النبذ ، وإنّما اريد تعيينه بنفس النبذ وإلقاء الحصاة عليه ، ولمسه ، وحينئذ يكون المبيع مجهولا ، إذ التعيين إنّما يتحقق بأحد هذه الأمور ، لا أنّه يتعين قبل ذلك ، ثم يقع النبذ أو غيره.

(٤) المراد بالبعض هو بيع المنابذة والحصاة ، والاقتصار عليهما وعدم ضمّ بيع

__________________

(١) معاني الأخبار ، ص ٢٧٨.

٦٠٦

بناء (١) على ما فسّره به (٢) من أنّه (٣) قول أحدهما لصاحبه : انبذ إليّ الثوب أو أنبذه إليك ، فقد وجب البيع ، وبيع (٤) الحصاة ، بأن يقول : إذا نبذت الحصاة فقد وجب البيع. ولعلّه (٥) كان على وجه خاصّ يكون فيه خطر ، والله العالم.

وكيف كان (٦) ، فلا إشكال في صحة التمسّك لاعتبار القدرة على التسليم

______________________________________________________

الملامسة إليهما ، إمّا رعاية لما في كلام الشيخ الصدوق قدس‌سره من تفسير الغرر فيهما ، وسكوته عن استلزام الملامسة للغرر ، فلم يعلم أنّ النهي عن بيع الملامسة هل يكون من ناحية الغرر كما في المنابذة والحصاة ، أم من جهة التعبد؟

وإمّا لأنّ حكم الجميع واحد ، وهو عدم الغرر في المبيع ، والاقتصار على الأوّلين من باب المثال لا لخصوصية فيهما.

(١) وأمّا بناء على كون منشأ النهي عن هذه البيوع الثلاثة فقد الإيجاب والقبول اللفظيين ، كان أجنبيا عمّا نحن فيه ، حتى لو كان المبيع معلوما ومعيّنا ، كما تقدم في بحث المعاطاة (١).

(٢) الضمير راجع إلى الموصول ، المبيّن بقوله : «من أنّه ...».

(٣) أي : أنّ بيع المنابذة هو قول أحدهما ... الخ.

(٤) معطوف على «بيع المنابذة» أي : لا جهالة في بعضها كبيع الحصاة.

(٥) أي : ولعلّ الغرر ـ الذي علّل الشيخ الصدوق قدس‌سره فساد البيوع الثلاثة به ـ كان على وجه خاص ، وهو ما تقدم بقولنا : «تعيين المبيع بالنبذ وإلقاء الحصاة عليه».

(٦) أي : سواء تمّ صدق الغرر على هذه البيوع الثلاثة أم لا ، فلا إشكال في دلالة النبوي على اشتراط البيع بالقدرة على التسليم.

__________________

(١) هدى الطالب ، ج ١ ، ص ٣٤١.

٦٠٧

بالنبويّ المذكور ، إلّا أنّه (١) أخصّ من المدّعى ، لأنّ ما يمتنع تسليمه عادة ـ كالغريق في بحر يمتنع خروجه منه عادة ونحوه ـ ليس في بيعه خطر ، لأنّ الخطر إنّما يطلق في مقام يحتمل السلامة ولو ضعيفا (٢).

لكن هذا الفرد (٣) يكفي في الاستدلال على بطلانه لزوم (٤) [بلزوم] السفاهة ، وكون (٥) أكل الثمن في مقابله أكلا للمال بالباطل. بل (٦) لا يعدّ مالا

______________________________________________________

(١) أي : أنّ النبوي أخصّ من المدّعى ، لكونه أعمّ من امتناع الحصول عادة ومن رجائه ، كالعبد الآبق في بعض الأوقات ، والنبوي أخص ، إذ الغرر هو الخطر الذي يطلق غالبا في مقام احتمال السلامة ولو احتمالا ضعيفا ، فلا يشمل الممتنع الحصول عادة ، مع وضوح بطلان بيعه أيضا كالمتاع الملقى في البحر ، مما يمتنع الظفر به عادة.

(٢) فمع امتناع الحصول عادة لا يصدق الخطر.

(٣) وهو ممتنع الحصول عادة ، يعني : أنّ النبوي وإن لم يكن شاملا له ، لكن يكفي في بطلان بيعه وجهان :

أحدهما : كون المعاملة سفهية ومستلزمة لأكل المال بالباطل (*).

ثانيهما : أن مثله ساقط عن التمول ، مع أن قوام البيع بمالية العوضين ، نعم لا ريب في بقائه على ملك مالكه.

(٤) كذا في نسختنا ، وهو فاعل «يكفي» وبناء على كون النسخة «بلزوم» فهو متعلق بالاستدلال.

(٥) معطوف على السفاهة ، وتقريب لصدقها على بيع ممتنع التسليم عادة.

(٦) معطوف على «لزوم السفاهة» وغرضه الترقي من كون البيع سفهيّا إلى

__________________

(١) لا يخفى عدم الحاجة إلى هذا الاستدلال بعد شمول النبوي له بالأولوية كما لا يخفى.

٦٠٨

عرفا وإن كان (١) ملكا ، فيصحّ عتقه ، ويكون (٢) لمالكه لو فرض التمكّن منه ، إلّا أنّه (٣) لا ينافي سلب صفة التموّل عنه عرفا ، ولذا (٤) يجب على غاصبه ردّ تمام قيمته إلى المالك ، فيملكه (٥) مع بقاء العين على ملكه

______________________________________________________

فقد قوام البيع أعني به التموّل ، فليس بذل الثمن بإزائه بيعا فضلا عن كونه بيعا سفهيّا.

(١) أي : وإن كان ممتنع التسليم ـ عادة ـ باقيا على ملك مالكه ، بشهادة أمرين :

أحدهما : صحة عتق العبد الآبق في كفارة أو غيرها ، مع أنّه لا عتق إلّا في ملك.

ثانيهما : أنّه لو فرض التمكن من هذا العبد الآبق أو المال الملقى في البحر لم يكن من المباحات الأصلية التي تملك بالحيازة ، بل يجب ردّه إلى مالكه.

وعليه فلا تنافي بين سقوط الممتنع التسليم عن المالية ، وبين بقاء صفة الملك.

(٢) معطوف على «فيصح» وهذا إشارة إلى الشاهد الثاني على عدم زوال الملك.

(٣) أي : أن كون ما يمتنع تسليمه ملكا لا ينافي عدم ماليّته.

(٤) يعني : ولأجل سلب صفة التمول عنه مع بقاء ملكيته يجب على من غصبه قبل ذلك ردّ تمام قيمته من باب بدل الحيلولة ، حيث إنّه بالغصب ضمن المالية والشخصية معا ، وتعذّر الثانية لا يسقط الاولى ، هذا (*).

(٥) يعني : فيملك المالك ـ من الغاصب ـ تمام قيمة المال الممتنع التسليم ، مع

__________________

(*) لكن فيه : أنّ بدل الحيلولة إنّما يجب بالحيلولة بين المالك وبين تمام المالية بسبب الحيولة بين المالك وبين العين ، لا من جهة انتفاء المالية ، وإلّا يحكم بعدم ضمان من غصبها بعد التعذر كما لا يخفى.

٦٠٩

على ما هو ظاهر المشهور (١).

ثمّ إنّه ربما يستدلّ على هذا الشرط بوجوه اخر (٢):

منها (٣) : ما اشتهر عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من قوله : «لا تبع ما ليس عندك»

______________________________________________________

بقاء العين على ملكه. لأنّ بدل الحيلولة غرامة ، لا عوض حتى يتوهم لزوم اجتماع العوض والمعوّض في ملك العين.

(١) كما نبّه عليه في بحث بدل الحيلولة ، كقوله : «أمّا لو خرج عن التقويم ـ مع بقائها على صفة الملكية ـ فمقتضى قاعدة الضمان وجوب كمال القيمة مع بقاء العين على ملك المالك ...» فراجع (١).

الاستدلال على شرطية القدرة على التسليم بوجوه اخر

(٢) وهي أربعة ، كما سيأتي ، وكلّها مذكورة في المصابيح والجواهر.

(٣) هذا أوّل الوجوه ، قال الفاضل النراقي قدس‌سره : «والاستدلال بما دلّ على النهي عن بيع ما ليس عندك كان حسنا ، لو لا معارضته مع ما دلّ على جوازه» (٢).

وظاهره تمامية المقتضي سندا ودلالة ، لكنه معارض.

وهذا النبوي مروي بطرقنا أيضا ، ففي صحيح سليمان بن صالح عن أبي عبد الله عليه‌السلام : «قال : نهى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن سلف وبيع ، وعن بيعين في بيع ، وعن بيع ما ليس عندك ، وعن ربح ما لا يضمن» (٣).

ونقل صاحب الجواهر قدس‌سره الاستدلال به على اشتراط القدرة بقوله : «فإنّه قد وجّه الاستدلال به بأن ليس المنع عن بيع ما ليس عند البائع إلّا لاشتراط القدرة ، لا لعدم حضور المبيع» (٤). والموجّه هو السيد الطباطبائي في المصابيح.

__________________

(١) هدى الطالب ، ج ٣ ، ص ٥٧٨.

(٢) مستند الشيعة ، ج ١٤ ، ص ٣٢٣.

(٣) وسائل الشيعة ، ج ١٢ ، ص ٣٦٨ ، الباب ٢ من أبواب أحكام العقود ، الحديث : ٤.

(٤) جواهر الكلام ، ج ٢٢ ، ص ٣٨٨.

٦١٠

.................................................................................................

______________________________________________________

وتوضيح الحال منوط ببيان المعاني المشار إليها في المتن لكلمة «عند» وهي أربعة :

الأوّل : الحضور في مقابل الغيبة. وقد أبطله بالإجماع على جواز بيع الغائب والسّلف.

الثاني : مجرد الملكية ، وقد أبطلها بأن المناسب حينئذ ذكر اللام بأن يقال : «ما ليس لك» بدل «عندك».

الثالث : مجرد السلطنة والقدرة على التسليم سواء أكانت حاصلة حين العقد أم بعده ، كما إذا باعه ثم اشتراه من مالكه. فالمراد مطلق السلطنة.

وقد أبطله المصنف بوجهين :

أحدهما : تمسّك العامة والخاصة بهذا النبوي على عدم جواز بيع العين الشخصية المملوكة للغير ثم شرائها من مالكها ، فإنّه لو كان المراد مطلق السلطنة على التسليم لكان تمسكهم المزبور منافيا لذلك ، لحصول السلطنة حينئذ ، خصوصا إذا كان وكيلا عن المالك في بيعه ولو من نفسه. فتمسكهم المزبور يكشف عن عدم إرادة مطلق السلطنة من قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ما ليس عندك».

ثانيهما : أنّ بيع العين المملوكة للغير مورد الرواية ، فلو كان المراد مجرد السلطنة على التسليم لزم منه صحة بيعه ، لقدرته على التسليم بالقدرة على مقدمته أعني بيعه من نفسه ، إذ المفروض كونه وكيلا في بيعه ولو من نفسه.

الرابع : السلطنة التامة الفعلية المتوقفة على أمرين : أحدهما : الملكية ، والآخر كونه تحت يده وقدرته وإن كان غائبا عنه.

ولمّا بطلت المعاني الثلاثة المتقدمة تعيّن هذا المعنى الرابع ، فيدل النبوي على اعتبار أمرين : الملكية ، والقدرة على التسليم ، فلا بأس بالاستدلال به على اعتبار القدرة على التسليم.

٦١١

بناء (١) على أنّ «كونه عنده» لا يراد به الحضور (٢) ، لجواز (٣) بيع الغائب والسلف إجماعا ، فهي (٤) كناية ، لا (٥) عن مجرّد الملك ، لأنّ (٦) المناسب حينئذ (٧) ذكر لفظة «اللّام». ولا (٨) عن مجرّد السلطنة عليه والقدرة على تسليمه ، لمنافاته (٩) لتمسّك العلماء من الخاصة والعامة على عدم جواز بيع العين الشخصية المملوكة للغير ، ثم شرائها من مالكها (١٠).

______________________________________________________

(١) هذا تقريب الاستدلال.

(٢) هذا هو المعنى الأوّل.

(٣) تعليل لقوله : «لا يراد» وتقدم في بيع الفضولي البحث الدلالي ، فراجع (١).

(٤) يعني : فالرواية كناية ، والأنسب بقوله : «لا يراد به» أن يقال : «بل هي كناية».

(٥) بعد نفي إرادة الحضور الحسّي وتعيّن كون «عندك» كناية ، عدّد المعاني الكنائية الثلاثة ، وهي الملك ، ومجرد السلطنة بدون الملك ، والسلطنة التامة.

(٦) تعليل لنفي المعنى الكنائي الأوّل ، وهو الملك.

(٧) أي : حين كون الرواية كناية عن مجرد الملك.

(٨) معطوف على «لا» وغرضه نفي المعنى الكنائي الثاني ، بأن يكون مدلول الرواية «لا تبع ما لا سلطنة لك عليه أصلا ـ لا حالا ولا مستقبلا ـ ولا قدرة لك على تسليمه».

(٩) أي : لمنافاة كون «عندك» كناية ـ عن مطلق السلطنة عليه ـ لتمسّك العلماء ... الخ ، فهذا تعليل لنفي المعنى الكنائي الثاني.

(١٠) مع تحقق السلطنة على العين الشخصية والقدرة على تسليمها للمشتري ، إمّا ببيعها عن مالكها فضولا ، وإمّا وكالة عنه.

__________________

(١) هدى الطالب ، ج ٤ ، ص ٤٨٧ و ٤٩١ ، وج ٥ ، ص ٣٠٢ ـ ٣٠٤.

٦١٢

خصوصا (١) إذا كان وكيلا عنه في بيعه ولو (٢) من نفسه ، فإنّ السلطنة والقدرة على التسليم حاصلة هنا (٣) ، مع أنّه (٤) مورد الرواية عند الفقهاء.

فتعيّن (٥) أن يكون كناية عن السلطنة التامّة الفعلية التي تتوقف على الملك مع كونه تحت اليد ، حتّى كأنّه عنده وإن كان (٦) غائبا.

وعلى أيّ حال (٧) (*) فلا بدّ من إخراج بيع الفضولي عنه

______________________________________________________

(١) وجه الخصوصية واضح ، لتسلّط الوكيل على المبيع ، وكون تصرفه كالأصيل.

(٢) وصلية ، إذ تارة يتوكّل في بيع المال للغير ، واخرى في بيعه مطلقا سواء اشتراه الوكيل لنفسه أم لأجنبي.

(٣) أي : في بيع العين الشخصية المملوكة للغير ، ثم يمضي لشرائها من مالكها وتسليمها إلى المشتري.

(٤) هذا إشارة إلى الوجه الثاني ، يعني : مع الغضّ عن تمسك الفقهاء بالرواية على حكم بيع العين الشخصية غير المملوكة للبائع ، يكون مورد الرواية هو النهي عن بيع العين الشخصية المملوكة للغير.

(٥) أي : بعد نفي المعنيين الكنائيّين يتعيّن كون قوله : «كونه عنده» كناية عن السلطنة التامة الفعلية.

(٦) الضمير المستتر وضميرا «كونه ، كأنّه» راجعة إلى الملك.

(٧) يعني : سواء أكان مفاد «لا تبع ما ليس عندك» كناية عن اعتبار مطلق

__________________

(*) لا يخفى أنّه بناء على إرادة مطلق السلطنة من النبوي لا موجب لخروج الفضولي عنه ، لأنّ المنهي عنه هو بيع ما لا سلطنة عليه أصلا حتى بالواسطة. فإذا كان الفضولي قادرا على شراء المبيع من مالكه وتسليمه إلى المشتري ، كان مسلّطا على المبيع.

٦١٣

.................................................................................................

______________________________________________________

السلطنة على المبيع ، أو السلطنة المطلقة أي التامّة ، فلا بدّ ... الخ.

وهذا دفع دخل مقدر ، حاصله : أنّه بناء على اشتراط السلطنة يلزم فساد بيع الفضولي رأسا ، وعدم اقتضائها للصحة ، لانتفاء كلّ من الملك والقدرة على التسليم فيه ، مع التزام الجلّ بكونه موقوفا على الإجازة ، وهذا كاشف عن إرادة معنى آخر من الرواية ، ولا يتجه استظهار شرطية القدرة على التسليم في البيع منها.

ودفع المصنف هذا الدخل بوجهين أجاب بهما عن الاستدلال بالنبوي على بطلان البيع الفضولي (١) :

أحدهما : تخصيص عموم «ما ليس عندك» بما دلّ على ترتب الصحة الاقتضائية على إنشاء الفضولي ، وعدم كونه مسلوب الأثر ، وحيث إن هذا النبوي عام بالنسبة إلى أدلة صحة الفضولي ، خصّص بها.

ثانيهما : حمل النهي على الإرشاد ، بأن يراد من الفساد المدلول عليه بالنهي عدم وقوعه لبائعه الفضولي ، لا مطلقا حتى لمالكه إذا أجاز.

ولكن هذا تصرف مجازي ، بخلاف التخصيص ، فإنّه ليس مجازا على ما ثبت في محلّه.

__________________

نعم إذا لم يكن له سلطنة على المبيع حتى بالشراء من مالكه ، فلا بدّ من إخراج الفضولي عنه.

وبالجملة : فعلى المعنى الثاني والرابع لا محيص عن إخراج الفضولي. وأمّا بناء على المعني الثالث فلا. وأمّا المعنى الأوّل فلا يراد من النبوي على ما أفاده المصنف قدس‌سره.

__________________

(١) راجع هدى الطالب ، ج ٤ ، ص ٤٩٦ ـ ٤٩٨.

٦١٤

بأدلّته (١) ، أو بحمله (٢) على النهي المقتضي لفساده ، بمعنى عدم وقوعه لبائعه لو أراد ذلك (٣).

وكيف كان (٤) ، فتوجيه الاستدلال بالخبر على ما نحن فيه ممكن (٥).

وأمّا الإيراد عليه (٦) بدعوى :

______________________________________________________

(١) متعلق ب «إخراج» والضمير راجع إلى بيع الفضولي. وهذا إشارة إلى الوجه الأوّل.

(٢) معطوف على «من إخراج» أي : فلا بدّ من حمل النهي في «لا تبع ما ليس عندك» على ... الخ. وهذا إشارة الى الوجه الثاني المتقدم آنفا.

(٣) أي : لو أراد البائع الفضولي وقوع البيع لنفسه لا لمالك المبيع.

(٤) أي : سواء أخرجنا بيع الفضولي من هذا النبوي تخصيصا أم تخصّصا ، فتوجيه دلالة قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «لا تبع ما ليس عندك» على منع بيع ما لا قدرة على تسليمه ممكن ، إذ المراد به اعتبار السلطنة المطلقة المنوطة بالملكية والقدرة على التسليم معا.

(٥) ليس المراد به مجرّد الاحتمال حتى لا يجدي في مقام الاستدلال ، بل المقصود ظهور الكلام في المدّعى.

(٦) أي : على الاستدلال بالنبوي ، والمورد صاحب الجواهر قدس‌سره ، قال بعد تقريب الاستدلال بالنبوي ـ كما في المتن ـ ما لفظه : «ولكن قد يقال : إنّ المراد به الإشارة إلى ما هو مستعمل الآن وفي السابق من بيع الشي‌ء المخصوص ، مظهرا له أنّه ماله وعنده ، ثم يمضي بعد ذلك إلى صاحبه ، ويشتريه منه بأنقص مما باعه ، ثم يدفعه إلى الذي باعه إيّاه أوّلا» (١).

وحاصله : أنّ الخبر أجنبي عن المدّعى ، إذ مورده بيع مال الغير ثم تحصيله

__________________

(١) جواهر الكلام ، ج ٢٢ ، ص ٣٨٩.

٦١٥

«أنّ المراد به (١) الإشارة إلى ما هو المتعارف في تلك الأزمنة (٢) من بيع الشي‌ء الغير (*) المملوك ،

______________________________________________________

بالشراء من مالكه ودفعه إلى المشترى ، فيكون المنهي عنه بيع ما لا يملكه البائع ، ومن المعلوم أنّه أجنبي عن بيع المالك لماله مع قدرته على التسليم ، هذا.

وأجاب عنه المصنف قدس‌سره بما حاصله : أنّه لا وجه لهذا الاختصاص ، لأنّ المدار على عموم الوارد لا خصوصية المورد ، لما ثبت في محله من عدم مخصصية المورد.

(١) أي : بصحيح سليمان بن صالح عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، الحاكي لنهي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن عدة امور ، منها بيع ما ليس عندك.

(٢) أي : أزمنة صدور الروايات ، ومراد صاحب الجواهر عصر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

__________________

(*) كذا في نسخ الكتاب ، وهو نقل بالمعنى. والأولى إسقاط حرف التعريف ، لشدة إبهام الكلمة ونكرتها ، ولذا منع بعضهم من اكتساب التعريف بالإضافة ، وبعضهم من تعريفها باللام.

قال ابن هشام : «ولا تتعرّف ـ غير ـ بالإضافة ، لشدة إبهامها».

وقال الفيّومي : «و ـ غير ـ تكون وصفا للنكرة ، وقوله تعالى : غير المغضوب عليهم ، إنّما وصف بها المعرفة ، لأنّها أشبهت المعرفة بإضافتها إلى المعرفة ، فعوملت معاملته ، ووصف بها المعرفة. ومن هنا اجترأ بعضهم فأدخل عليها الألف واللام ، لأنّها لمّا شابهت المعرفة بإضافتها إلى المعرفة جاز أن يدخلها ما يعاقب الإضافة ، وهو الألف واللام. ولك أن تمنع الاستدلال ، وتقول : الإضافة هنا ليست للتعريف بل للتخصيص ، فلا تعاقب إضافة التخصيص ، مثل : سوى وحسب ، فإنّه يضاف للتخصيص ولا تدخله الألف واللام» فراجع المغني ، ج ١ ، ص ٢١٠ ، والمصباح المنير ، ص ٤٥٨

٦١٦

ثم تحصيله بشرائه ونحوه (١) ، ودفعه (٢) إلى المشتري» فمدفوع (٣) بعدم الشاهد على اختصاصه بهذا المورد (٤) ، وليس في الأخبار المتضمنة لنقل هذا الخبر ما يشهد باختصاصه بهذا المورد (*).

نعم (٥) ، يمكن أن يقال : إنّ غاية ما يدلّ عليه هذا النبوي ـ بل النبوي

______________________________________________________

باعتبار ورود جملة «لا تبع ما ليس عندك» في نهي حكيم بن حزام عن بيع شي‌ء لا يملكه ، ثمّ يمضي ويشتريه ويسلّمه.

(١) أي : نحو الشراء ، كالاتهاب من المالك ، أو التصالح معه عليه.

(٢) الضمائر في «تحصيله ، بشرائه ، دفعه» راجعة إلى الشي‌ء غير المملوك.

(٣) جواب الشرط في «وأمّا الإيراد» وهذا ردّ كلام الجواهر ، وتقدم توضيحه آنفا.

(٤) أي : بمورد بيع شي‌ء لا يملكه البائع ، ثم يمضي ويشتريه من مالكه. والوجه في انتفاء الشاهد على الاختصاص هو ورود الجملة ـ في حديث سليمان بن صالح ـ في سياق النهي عن بيوع اخرى ، ولا قرينة على كون قوله عليه‌السلام : «ونهى عن بيع ما ليس عندك» مختصا ببيع ما لا يملكه ، ثم يشتريه من مالكه.

(٥) استدراك على قوله : «فتوجيه الاستدلال بالخبر على ما نحن فيه ممكن»

__________________

(*) قد ذكر المصنف قدس‌سره في ردّ دلالة النبوي المزبور على بطلان الفضولي كلاما عن التذكرة يدل على أنّ مورد النهي هو بيع مال الغير عن نفسه ثم شرائه من مالكه ليدفعه إلى المشترى ، فلاحظ ، فالجواب مختص بمورد السؤال ، وارتضاه المصنف حيث قال : «وهذا المعنى أظهر من الأوّل» ومراده بالأوّل مجرّد الإنشاء ، فراجع (١).

__________________

(١) هدى الطالب ، ج ٤ ، ص ٤٩٦.

٦١٧

الأوّل (١) أيضا (٢) ـ فساد البيع ، بمعنى (٣) عدم كونه علّة تامة لترتب الأثر المقصود ،

______________________________________________________

وغرضه قدس‌سره ـ بعد دفع إيراد صاحب الجواهر قدس‌سره عليه ـ الإشكال على دلالة الخبر على فساد بيع ما لا قدرة على تسليمه. والإشكال من وجهين :

أحدهما : أنّ غاية ما يدلّ عليه النبوي هو فساد البيع بمعنى عدم كون العقد علة تامة لترتب الأثر المقصود عليه ، لا عدم ترتب أثر عليه أصلا ، بحيث يكون وجوده كعدمه ، فيمكن أن يقع مراعى بانتفاء الغرر ، وصيرورة المبيع مقدور التسليم.

وهذا نظير ما تقدم في بيع الفضولي من عدم دلالة النبوي على البطلان رأسا حتى لا يجدي إجازة المالك في ترتب الأثر على إنشاء الفضولي ، بل مفاده إسقاط عقد غير المالك عن الاستقلال في التأثير ، فلا مانع من صحته تأهّلا.

قال : «وبعبارة اخرى : نهي المخاطب عن البيع دليل على عدم وقوعه مؤثّرا في حقّه ، فلا يدلّ على إلغائه بالنسبة إلى المالك حتى لا تنفعه إجازة المالك في وقوعه له» (١).

والحاصل : أنّ بيع ما لا قدرة على تسليمه غير فاسد رأسا ، بل يقع مراعى ، فإن حصلت القدرة صحّ ، وإلّا بطل.

هذا تقريب الوجه الأوّل ، ويأتي بيان الوجه الثاني.

(١) وهو نهيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الغرر.

(٢) يعني كهذا النبوي ، وهو : «لا تبع ما ليس عندك» ومقصوده توجه المناقشة في الاستدلال بكلا الخبرين.

(٣) غرضه تفسير الفساد لئلّا يتوهم ظهور النبوي في الفساد مطلقا سواء حصلت القدرة على التسليم ـ بعد البيع ـ أم لم تحصل ، وسواء تبيّن وجود القدرة حاله أم لم يتبيّن.

__________________

(١) هدى الطالب ، ج ٤ ، ص ٤٩٦.

٦١٨

فلا ينافي (١) وقوعه مراعى بانتفاء صفة الغرر ، وتحقّق (٢) كونه عنده.

ولو أبيت (٣) إلّا عن ظهور النبويّين في الفساد بمعنى لغويّة العقد رأسا

______________________________________________________

(١) يعني : أنّ الفساد ـ بمعنى عدم العلية التامة ـ لا ينافي صحة البيع مراعى بانتفاء الغرر ، فإن حصلت القدرة على التسليم صحّ ، وإلّا لم يصحّ.

(٢) هذا معنى انتفاء صفة الغرر ، أي : تحقق كون المبيع مقدورا تسليمه.

(٣) هذا ثاني الوجهين ، والتعبير ب «ولو أبيت» صريح في ابتناء الوجه الأوّل على إنكار ظهور النبوي في فساد البيع من أصله.

وحاصل هذا الوجه الثاني : أنّه بعد تسليم ظهور الخبر في بطلان بيع ما لا قدرة على تسليمه ـ وعدم الجدوى في حصول القدرة عليه بعد العقد ـ يتعيّن رفع اليد عن الظهور المزبور ، وحمل النهي «عن بيع ما ليس عندك» على عدم العلية التامة في التأثير ، وذلك لأنّه ـ بناء على دلالة النهي في النبوي على الفساد واللغوية ـ يدور الأمر بين ارتكاب أحد أمرين :

إمّا رفع اليد عن الظهور في اللغوية ، والالتزام بجعل الفساد عبارة عن عدم العليّة التامة للتأثير ، ولازمه صيرورة البيع مراعى بارتفاع الغرر.

وإمّا حفظ الظهور في اللغوية ، والالتزام بتخصيص النبوي في موارد التزموا بوقوع البيع فيها مراعى ـ كبيع الرهن ـ مع كون البائع في تلك الموارد عاجزا شرعا عن التسليم.

فلا بدّ أن يقال : «بيع ما ليس عندك فاسد رأسا ، إلّا بيع الرهن ، وبيع ما لا يملكه حين البيع ، وبيع المحجور ، وبيع العبد الجاني عمدا» فإنّها تقع مراعى بإجازة من له الأمر.

ولا ريب في عدم المجال لهذا التخصيص ، وذلك لأن التخصيص وإن كان أولى من المجاز في سائر المقامات ، إلّا أنّه في المقام لكثرته ليس أرجح من المجاز أعني

٦١٩

المنافية (١) لوقوعه مراعى ، دار (٢) الأمر بين ارتكاب خلاف هذا الظاهر (٣) ، وبين إخراج بيع الرهن (٤) ، وبيع ما يملكه بعد البيع (٥) وبيع العبد الجاني عمدا (٦) ، وبيع المحجور (٧) لرقّ أو سفه أو فلس ،

______________________________________________________

به ارتكاب خلاف الظاهر في النهي بحمله على الفساد ، بمعنى عدم العلّية المنحصرة. ومع عدم أرجحية التخصيص من المجاز وبالعكس يتساوى الاحتمالان ، فيصير الكلام مجملا ، فلا يصح معه الاستدلال.

وعليه فالتمسك بالنبوي على اعتبار القدرة على التسليم ليس في محله ، ولا مانع حينئذ من التمسك بالقواعد العامة المقتضية للصحة.

(١) صفة ل «لغويّة» وضمير «لوقوعه» راجع إلى العقد.

(٢) جواب الشرط في «ولو أبيت».

(٣) وهو الفساد بمعنى اللغوية وعدم ترتب الأثر.

(٤) كما لو باع الرّهن ، لتعذّر التسليم فعلا من جهة كونه وثيقة على الدين ، مع صحة البيع مراعى بالافتكاك. فلو قيل بلغوية بيع غير المقدور تسليمه حال العقد لزم تخصيص عموم النهي ، وإخراج بيع الرهن منه.

(٥) هذا مورد آخر مما يصحّ البيع مع العجز عن التسليم حال العقد ، لعدم كونه مالكا للمبيع ، فباعه فضولا ثم تملّكه ، وأجاز ، فيصحّ البيع ، مع كونه موردا لعموم النهي عن بيع ما ليس عندك.

(٦) هذا مورد ثالث مما يصحّ البيع فيه مراعى ، ولا يبطل رأسا. كما تقدم تفصيله في محلّه ، فلو باعه المولى لم ينفذ ، لكون أمر القصاص والاسترقاق بيد المجني عليه أو وليّه ، فإن افتكت رقبته من حق المجني عليه ـ بالعفو أو بقبول الفداء من المولى ـ وتمكن المولى من تسليمه صحّ البيع ، وإلّا فلا.

(٧) هذا رابع الموارد مما لا يبطل فيه البيع رأسا ، بل يقع بيع الرّق موقوفا على

٦٢٠