🚘

هدى الطالب إلى شرح المكاسب - ج ٧

السيّد محمّد جعفر الجزائري المروّج

هدى الطالب إلى شرح المكاسب - ج ٧

المؤلف:

السيّد محمّد جعفر الجزائري المروّج


الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٨٠
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ 🚘 الجزء ٥ 🚘 الجزء ٦ 🚘 الجزء ٧
🚘 نسخة غير مصححة

ظاهر كلّ من قال بلزوم (١) العقد هو القول بالكشف.

وقد تقدّم عن القواعد ـ في مسألة عفو الرّاهن عن الجاني على المرهون ـ : أنّ الفكّ يكشف عن صحّته (٢).

ويدلّ على الكشف أيضا (٣) : ما استدلّوا به على الكشف في الفضولي : من أنّ العقد سبب تامّ ... إلى آخر ما ذكره في الروضة وجامع المقاصد (٤).

______________________________________________________

القائلين بصحة بيع الراهن ـ المتعقب بالفك ـ إلى الكشف يمنعنا من جعل الفك ناقلا. وعليه يكون حاله حال إجازة المرتهن وإجازة العقود الفضولية.

(١) أي : لزومه بالفك. والحاصل : أن الفقهاء على قولين ، أحدهما : لزوم عقد الرهن ، واستكشافه بالفك. وثانيهما : بطلان عقده وعدم تصحيحه بالفك.

فالقول الثالث ـ وهو الصحة وكون الفك ناقلا ـ ممّا لا قائل به. وإن شئت التفصيل فراجع رهن الجواهر (١).

(٢) أي : عن صحة العفو ، وتقدم كلامه في (ص ٥٢١) والغرض منه ظهور قوله : «فإن انفك ظهر صحة العفو» في كون الفك كاشفا.

(٣) يعني : كما دلّ عليه ظاهر كلّ من قال بلزوم العقد بالفك ، وصرّح به العلّامة قدس‌سره ، وغرضه أن بعض أدلة كاشفية الإجازة في البيع الفضولي يقتضي ـ بالأولوية ـ أن يكون فكّ الرهن كاشفا ، لأنّهم استدلّوا هناك «بأنّ العقد سبب تام في التأثير ...» ومن المعلوم أنّ عقد الراهن ـ لكونه مالكا ـ أولى بالسببية ، إذ لا مزاحم إلّا حق المرتهن.

(٤) نقله المصنف عنهما في أوّل بحث الإجازة بقوله : «ان العقد سبب تام في الملك ، لعموم قوله تعالى : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وتمامه في الفضولي إنما يعلم بالإجازة ، فإذا أجاز تبيّن كونه تاما يوجب ترتب الملك عليه ، وإلا لزم أن لا يكون الوفاء

__________________

(١) جواهر الكلام ، ج ٢٥ ، ص ٢٠١ ـ ٢٠٣.

٥٤١

ثم (١) إنّ لازم الكشف ـ كما عرفت (٢) في مسألة الفضولي ـ لزوم العقد قبل إجازة المرتهن من طرف الراهن (٣) ،

______________________________________________________

بالعقد خاصة ، بل به مع شي‌ء آخر. وبأنّ الإجازة متعلقة بالعقد فهو رضي بمضمونه وليس إلّا نقل العوضين من حينه» (١).

(١) بعد ترجيح كون الفكّ كاشفا عن تأثير بيع الراهن ، تعرّض المصنف قدس‌سره لفرع يترتب عليه ، وهو : أنه هل يجب على الراهن فك الرهن إمّا بأداء الدين ، وإما بتبديله برهن آخر ليتمكن من الوفاء بعقد البيع وتسليم المبيع للمشتري ، أم لا يجب ذلك؟

وتقدم نظيره في ثمرات الكشف والنقل بالنسبة إلى وظيفة الأصيل المتعامل مع الفضولي ، فلو كان البائع فضوليا كان المشتري هو الأصيل ، فقيل بوجوب الانتظار والتربص عليه حتى يجيز المالك أو يرد ، بناء على الكشف ، وبجواز نقض العقد بناء على النقل.

ففي المقام لا يجوز للراهن ـ قبل فكّ الرهن ـ الإقدام على ما يناقض البيع ، إمّا بفسخه قولا أو فعلا وردّ الثمن إلى المشتري ، وإمّا بإبطاله بأن يأذن للمرتهن في بيع المرهونة ليستوفي دينه أو لجهة اخرى. والوجه في عدم جواز فعل المنافي هو كون البيع عقدا للمالك ، ولازما من قبله ، فيجب الوفاء به حتى ينكشف تماميته بالفك أو سقوط حقّ المرتهن بمسقط آخر.

(٢) حيث قال في الثمرات : «ومنها : جواز تصرف الأصيل فيما انتقل عنه بناء على النقل وإن قلنا بأنّ فسخه غير مبطل لإنشائه ... وأمّا على القول بالكشف فلا يجوز التصرف فيه ، على ما يستفاد من كلمات جماعة» (٢).

(٣) وهو أحد الأقوال في المسألة ، قال العلّامة قدس‌سره : «والأقرب اللزوم ـ أي

__________________

(١) جامع المقاصد ، ج ٤ ، ص ٧٤ ؛ الروضة البهية ، ج ٣ ، ص ٢٢٩ ؛ هدى الطالب ، ج ٥ ، ص ١٤ ـ ١٧.

(٢) هدى الطالب ، ج ٥ ، ص ١٠٧ و ١١٢.

٥٤٢

كالمشتري (١) الأصيل ، فلا يجوز له (٢) فسخه ، بل ولا إبطاله بالإذن (٣) للمرتهن في البيع.

نعم ، يمكن أن يقال (٤) : بوجوب فكّه من مال آخر ، إذ لا يتمّ الوفاء بالعقد

______________________________________________________

لزوم العقود ـ من جهة الراهن قبل الفك» (١).

وقال السيد العاملي قدس‌سره في شرحه : «كما هو خيرة الإيضاح وجامع المقاصد ، لأنه صدر منه العقد في حال كونه مالكا ، فحقّه أن يكون لازما ، ولا مقتضى للجواز إلّا حق المرتهن ، وهو منحصر في جانبه ، فيختص به ، لأنّ العقد فضولي بالنسبة إليه خاصة ، دون العاقد الآخر مع الفضولي ، فالعقد فيما نحن فيه لازم من جهة الراهن البائع ، والمشتري ، وجائز من جهة المرتهن خاصة» (٢). واختاره صاحبا المقابس والجواهر ، فراجع (٣).

(١) يعني : كلزوم البيع على المشتري من الراهن ، ولعلّ المقصود لزوم العقد على المشتري من البائع الفضولي.

(٢) أي : للراهن. والفرق بين الفسخ والإبطال أن الفسخ إيقاع منوط بالإنشاء ولو فعلا ، بخلاف الإبطال فقد يتحقق بالإذن للمرتهن غفلة عمّا أنشأه بنفسه من البيع.

(٣) سواء أذن للمرتهن بيع الرهن مرة اخرى من نفس المشتري من الراهن ، أو من غيره ، وسواء أكان بقصد استيفاء الدين أم لغاية اخرى.

(٤) هذا في مقام الترقي ، يعني : لا يجوز للراهن فسخ البيع ولا إبطاله ، بل يمكن أن يقال بوجوب فك المرهونة على الراهن من مال آخر ، لتوقف وجوب الوفاء ببيعه على ذلك ، فوجوب الفك يكون من باب المقدمة.

ومن هنا يظهر أن حقّ التعبير أن يكون هكذا : «بل يمكن أن يقال بوجوب

__________________

(١) قواعد الأحكام ، ج ٢ ، ص ١١٣.

(٢) مفتاح الكرامة ، ج ٥ ، ص ١١٨.

(٣) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ١٠٩ ؛ جواهر الكلام ، ج ٢٥ ، ص ٢٠٢.

٥٤٣

الثاني (١) إلا بذلك (٢) ، فالوفاء بمقتضى الرهن غير مناف للوفاء بالبيع.

ويمكن أن يقال (٣) : إنّه إنّما يلزم الوفاء بالبيع بمعنى عدم جواز نقضه. وأمّا دفع حقوق الغير وسلطنته فلا يجب (٤) ، ولذا (٥) لا يجب على من باع مال

______________________________________________________

فكه ... الخ» لا «نعم» لظهوره في الاستدراك على ما سبق من وجوب الوفاء ، مع أنّ مقصوده تثبيته وحرمة نقض البيع.

(١) وهو بيع الراهن ، لكونه عقدا ثانيا بالنسبة إلى عقد الرهن.

(٢) أي : إلّا بفك هذا الرهن ـ المبيع حسب الفرض ـ لتسليمه للمشتري.

(٣) غرضه التأمل في وجوب الفك ، المتقدم بقوله : «نعم يمكن أن يقال». وحاصله : أنّ وجوب الوفاء لا يقتضي رفع سلطنة الغير ، بل مقتضاه عدم نقض البيع. فإن كان المحل خاليا عن حق الغير وسلطنته ترتّب اللزوم على العقد ، وإلّا فوجوب الوفاء ليس إلّا حرمة نقضه ، لا إفراغ المحلّ عن سلطنة الغير.

وعليه ، فلا يقتضي وجوب الوفاء بالعقد فكّ الرهن.

(٤) لعدم كونه من مقتضيات وجوب الوفاء بالعقد ، لا مطابقة ولا تضمنا ولا التزاما.

(٥) أي : ولأجل أن معنى لزوم الوفاء عدم جواز النقض ـ لا إتمام العقد بتحصيل السلطنة أو طلب الإسقاط من ذي الحق ـ لا يجب ... الخ.

وتوضيح هذا الفرع الذي جعله شاهدا على المقام هو : أنّ الفضول لو باع مال الغير بقصد وقوعه لنفسه ، ففيه احتمالان :

أحدهما : كون هذا البيع كسائر العقود الفضولية من أن من بيده أمر العقد إن أجاز ، وقع العقد له ، ووجب عليه الوفاء به ، ولا شأن للفضولي أصلا. وإن ردّه كان إنشاء الفضولي عقدا صوريا ، لا عبرة به.

وثانيهما : كون هذا البيع لازما على الفضولي ، ويجب الوفاء به ، ولكن لا يجب عليه شراء المال من مالكه مقدمة لإيجاد الشرط ـ وهو الملك ـ وتسليم المبيع للمشتري ، بل إن اتفق دخوله في ملك الفضولي وجب الوفاء بعقده ، وإن

٥٤٤

الغير لنفسه أن يشتريه (١) من مالكه ، ويدفعه إليه (٢) (*) ، بناء على (٣) لزوم العقد بذلك (٤).

وكيف كان (٥) ، فلو امتنع ،

______________________________________________________

لم يتفق ذلك لم يجب.

وما أفاده المصنف قدس‌سره ـ من جعل هذا الفرع شاهدا للمقام ـ مبني على الاحتمال الثاني ، فيقال : كما لا يجب على الأجنبي إيجاد شرط الوفاء بالعقد ، فكذا لا يجب على الراهن إعدام المانع عن نفوذ بيعه ، بتخليص المبيع من حقّ الرهانة ، هذا.

(١) الجملة في محل رفع على الفاعلية ل «يجب» وضمائر «يشتريه ، مالكه ، يدفعه» راجعة إلى مال الغير.

(٢) أي : إلى المشتري ، المستفاد من السياق.

(٣) وأما بناء على بطلان هذا البيع رأسا ، أو كونه موقوفا على إجازة المالك ـ كما ربما يظهر من فروع «من باع ثم ملك» (١) ـ فلا مجال للاستشهاد به ، فكونه شاهدا مبني على الاحتمال الثاني المتقدم بقولنا : «ثانيهما ...».

(٤) أي : بمجرد بيع مال الغير لنفسه.

(٥) يعني : سواء قلنا بوجوب الفك على الراهن أو عدم وجوبه ، فلو امتنع الراهن البائع من فكّ الرهن بعد بيعه وكان له مال آخر ـ سوى الرهن ـ يمكن فكّ الرهن به ، ففيه وجهان :

__________________

(*) لا يخفى ما فيه ، فإنّ العقد هناك ما لم ينتقل المبيع إلى الفضولي لا يصير عقدا له ، ومن المعلوم أنّ موضوع وجوب الوفاء هو عقد العاقد ، وهذا الموضوع كسائر موضوعات الأحكام لا يجب تحصيله ، لعدم اقتضاء الحكم وجوب إيجاد موضوعه ، بخلاف عقد الراهن ، فإنّ العقد عقده ، فيجب عليه الوفاء به.

__________________

(١) هدى الطالب ، ج ٥ ، ص ٣٣٠ ـ ٣٣٤.

٥٤٥

.................................................................................................

______________________________________________________

أحدهما : اقتضاء حق المرتهن جواز بيع العين المرهونة مقدمة لاستيفاء الدّين ، ومن المعلوم أنّ لازم جواز البيع قهرا على الراهن هو إبطال العقد الصادر من الراهن والمشتري.

ثانيهما : عدم جواز البيع ، ولكن بجبر الراهن على فك الرهن بأداء الدين من سائر أمواله.

أمّا جريان الوجهين ـ بناء على احتمال وجوب فك الرهن ـ فلما أفاده المحقق الأصفهاني قدس‌سره (١) بما توضيحه : أمّا بيع الرهن ـ قهرا على الراهن ـ فلجوازه عند الامتناع من فكّ الرهن وأداء الدين ، والامتناع المجوّز للبيع عليه أعمّ من الاختياري والقهري الناشئ من مبادرته بنقل الرهن إلى غيره بالبيع ، فجاز بيع خصوص العين المرهونة لتعلق حق المرتهن بها سابقا على نقل الراهن. ولا يلزم حينئذ بفكّ الرهن من مال آخر.

وأمّا الوجه الثاني ـ وهو الإجبار على الفك بمال آخر ـ فلأنّ الواجب على الراهن الذي باع الرهن أن يفكّها منه حتى يسلّم العين للمشتري ، وحيث إنّه يمتنع عن الفك ، جاز للحاكم أن يجبره عليه ، لكونه وليّا على الممتنع.

وأمّا جريان الوجهين ـ بناء على احتمال عدم وجوب الفك ـ فلما أفاده الفقيه المامقاني قدس‌سره بقوله : «وأمّا على تقدير عدم وجوبه ، فالبيع عليه أيضا لا إشكال فيه ، وإنّما الإشكال في إجباره. ووجه دفعه ما أشار إليه المصنف قدس‌سره بقوله : جمعا بين حق المشتري والمرتهن اللازمين على الراهن البائع» (٢).

والظاهر أنه قدس‌سره استظهر من التعليل «بالجمع بين الحقّين» جواز الإجبار على البيع ، وهو كذلك. ويبقى الإجبار على الفك خاليا عن الدليل ، بعد فرض كون مبنى

__________________

(١) حاشية المكاسب ، ج ١ ، ص ٢٩٩.

(٢) غاية الآمال ، ص ٤٦١.

٥٤٦

فهل يباع عليه (١) ، لحقّ المرتهن ، لاقتضاء الرهن ذلك (٢) ، وإن لزم من ذلك (٣) إبطال بيع (٤) الرّاهن ، لتقدم (٥) حق المرتهن ، أو يجبر (٦) الحاكم الراهن على فكّه من مال آخر ، جمعا (٧) بين حقّي المشتري والمرتهن (٨) اللازمين (٩) على الراهن البائع؟ وجهان (١٠) (*).

______________________________________________________

الإجبار على البيع والفك هو الاحتمال الثاني أعني به عدم وجوب الفكّ. فكيف يعلّل وجوب الفك بالجمع بين الحقين؟

(١) أي : يباع على الراهن رعاية لحق المرتهن السابق على بيع الراهن.

(٢) أي : بيع الرهن قهرا على الراهن الممتنع من أداء دينه وفكّ ماله المرهون.

(٣) أي : من بيع الرهن ـ قهرا على الراهن ـ لغاية حق المرتهن.

(٤) أي : بيع الرهن من المشتري من دون رضا المرتهن.

(٥) تعليل لقوله : «يباع عليه».

(٦) هذا هو الوجه الثاني المتقدم بقولنا : «ثانيهما».

(٧) تعليل لجواز الإجبار.

(٨) أما حق المرتهن ، فلكون العين وثيقة على ما يستحقه من الدين. وهو لازم على الراهن. وأما حقّ المشتري فلاستحقاقه المبيع الذي اشتراه من الراهن ببيع لازم. فالجمع بين هذين الحقين يقتضي إلزام الراهن بفك الرهن من مال آخر ليخلص المبيع للمشتري.

(٩) صفة ل «حقّي» يعين : أنّ الحقّين ثابتان ـ للمشتري والمرتهن ـ على عهدة الراهن.

(١٠) مبتدء مؤخر لقوله : «يباع عليه ، أو يجبر» ومجموع الجملة جواب للشرط في قوله : «فلو امتنع».

__________________

(١) الإنصاف عدم إمكان المساعدة على ظاهر كلام المصنف قدس‌سره ، وذلك لأنّ

٥٤٧

ومع انحصار (١) المال في المبيع فلا إشكال في تقدم حق المرتهن (٢).

______________________________________________________

(١) يعني : أن مصبّ الوجهين المتقدمين هو تملك الراهن مالا آخر ـ غير الرهن ـ ليقال بوجوب فكّ الرهن بذلك المال. وأما مع انحصار ماله في العين المرهونة فلا إشكال في تقديم حق المرتهن ، وبطلان بيع الراهن.

(٢) لتعين حقه في المبيع ، إذ ليس للراهن مال آخر حتى يكون مخيرا في وفاء الدين من المرهونة وغيرها.

__________________

مقتضى وجوب الفكّ هو إجبار الحاكم أو عدول المؤمنين ، بل كل أحد ـ من باب وجوب النهي عن المنكر ـ على الفك ، لا التخيير بين الفك وبين بيع الرّهن عليه ، إذ المفروض أنّ بيع الراهن يقتضي وجوب الوفاء الذي هو منوط برفع سلطنة المرتهن بالفك ، فيجب عليه الفك. ومع امتناعه عن الفك يجبره الحاكم أو العدول عليه ، لكونه ممتنعا عن أداء حقّ الغير.

ومقتضى عدم وجوب الفك ـ لعدم اقتضاء وجوب الوفاء ذلك بالتقريب المتقدم ـ هو عدم إجباره على الفك وجواز بيع المرهونة ، لاقتضاء الرهن جواز استيفاء الدين من العين المرهونة ، ومع الامتناع يجبر على بيعها ، ولا وجه لإجبار الراهن على خصوص فكها.

فالمتحصل : أنّه بناء على وجوب الفك يجبر الراهن عليه ، وبناء على عدمه يجبر على بيع الرهن.

٥٤٨

مسألة (١)

إذا جنى العبد عمدا بما (٢) يوجب قتله أو استرقاق كلّه (٣) أو بعضه (٤) ،

______________________________________________________

بيع العبد الجاني عمدا

(١) عدّ بعض الفقهاء تعلق حق المجني عليه برقبة العبد الجاني رابع الامور المخرجة للمال عن الطّلق ، وتقدّم في (ص ٣٨٩ و ٣٩٦) ـ فيما لو جنت أمّ الولد على غير مولاها ـ بيان حكم جنايتها عمدا وخطأ ، كما تقدم حكم جناية مطلق المملوك ، فراجع.

والمقصود بالبحث هنا مجرّد كون حق الجناية مانعا عن صحة البيع أو عن لزومه ، وعدمه. والأقوال مبنية على بقاء الجاني على ملك مولاه ، وعدم اقتضاء الجناية العمدية دخوله قهرا في ملك المجنيّ عليه أو في ملك وليّه ، نعم يجوز له الاسترقاق كلّا أو بعضا بقدر الجناية ، كما يجوز قتله قصاصا.

(٢) أي : باجتماع شرائط القصاص ، بأن يكون المجني عليه حرّا مسلما ، وتقدم في (ص ٣٨٩) الإشارة إلى بعض شرائط القصاص.

(٣) كما إذا قتل العبد ـ عمدا ـ حرّا أو حرّة ، أو عبدا أو أمة ، أو جنى على طرف من الأطراف ، وكانت ديته مستوجبة لقيمة الجاني ، فإنّ المجني عليه أو وليّه مخيّر بين قتل الجاني وبين استرقاقه.

(٤) كما إذا جنى العبد على طرف من الأطراف ، وكانت ديته أقلّ من قيمة العبد ، فيسترقّ المجنيّ عليه أو وليّه من الجاني بالنسبة ، والتفصيل في محلّه.

٥٤٩

فالأقوى صحة بيعه (١) ، وفاقا للمحكيّ عن العلّامة (٢) والشهيد والمحقق الثاني وغيرهم (٣) ، بل في شرح الصيمري : أنّه المشهور (٤) ،

______________________________________________________

(١) قال السيد العاملي قدس‌سره : «واختيرت صحته ـ أي : صحة البيع ـ في نهاية الاحكام والتحرير والدروس واللمعة وجامع المقاصد والمسالك والروضة. وقد سمعت ما في التذكرة. وهو ظاهر جماعة من المحشين والشارحين ، وفي الحدائق : أنّه المشهور. قالوا : والبيع حينئذ يكون موقوفا على رضا المجني عليه أو وليه ...» (١).

(٢) قال في القواعد : «ويجوز بيع الجاني وإن كان عمدا وعتقه ، ولا يسقط حق المجني عليه عن رقبته في العمد» (٢).

وقال في التذكرة : «الأقوى بين علمائنا صحة بيع الجاني ، سواء كانت جنايته عمدا أو خطأ أوجبت القصاص أو لا ، على النفس أو ما دونها» (٣).

والمستفاد من كلمات الأصحاب : أن الأقوال في بيعه ثلاثة :

أحدها : الصحة على وجه الجواز.

ثانيها : هي مع اللزوم.

ثالثها : البطلان.

(٣) كفخر المحققين قدس‌سره لعدم التعليق على ما في القواعد ، وكصحابي الحدائق والجواهر (٤).

(٤) قال في المقابس : «لكنه ـ أي الصيمري ـ نسب الجواز ـ أي جواز البيع ـ

__________________

(١) مفتاح الكرامة ، ج ٤ ، ص ٢٦٦ ولاحظ الدروس الشرعية ، ج ٣ ، ص ٢٠٠ ؛ جامع المقاصد ، ج ٤ ، ص ٩٩ ؛ الروضة البهية ، ج ٣ ، ص ٢٦٣ ؛ مسالك الأفهام ، ج ٣ ، ص ١٧١.

(٢) قواعد الأحكام ، ج ٢ ، ص ٢٣.

(٣) تذكرة الفقهاء ، ج ١٠ ، ص ٤٢.

(٤) إيضاح الفوائد ، ج ١ ، ص ٤٢٨ ؛ الحدائق الناظرة ، ج ١٨ ، ص ٤٥٨ ؛ جواهر الكلام ، ج ٢٢ ، ص ٣٨٣.

٥٥٠

لأنّه (١) لم يخرج باستحقاقه للقتل أو الاسترقاق عن ملك مولاه ،

______________________________________________________

إلى المشهور ، واستدلّ عليه بما يكشف عن اختياره أو الميل إليه» (١).

(١) أي : لأن العبد الجاني لم يخرج عن ملك مولاه ، وهذا دليل ما قوّاه من صحة بيع الجاني على وجه الجواز ، أي موقوفا على افتكاكه من القتل والاسترقاق ، وذلك لبقاء الملكية والمالية ، إذ مجرّد تعلق الجناية بالعبد لا يخرجه عنهما ، فسلطنة المالك على بيعه بلا مزاحم.

والحاصل : أنّه لا منافاة بين البيع وبين حق الجناية ، لتعلقه بالجاني بما أنه جان ، لا بما أنّه مملوك لسيده المعيّن. وليس كحق الرهانة ، فإنّه ـ على ما قيل ـ يتعلق بالمرهونة بما أنها مملوكة للراهن ، فالبيع مناف له. وبهذا يتضح الفرق بين حق الرهانة وبين حق الجناية.

فإن قلت : إنّ القول ببقاء العبد الجاني على ملك سيّده لا يكفي في الحكم بصحة بيعه معلّقا على الافتكاك ، وذلك لأن من شروط البيع قابلية الانتفاع بالمبيع ، فلو خرج عن قابليته بطل بيعه رأسا ، لا وقوعه موقوفا على إمكان الانتفاع ، كالتزامهم ببطلان بيع العبد الآبق من جهة كونه بمنزلة التالف ، وكبيع الحيوان المريض المشرف على الموت كما قيل. ولمّا كانت جناية العبد عمدا معرّضة له للقتل أو الاسترقاق ـ لاستحقاق المجني عليه أو وليّه ذلك ، وجواز المطالبة بأحد الأمرين ـ كان الجاني ملكا لا ينتفع به ، بل ساقطا عن التموّل ، هذا.

قلت : أوّلا : إنّ جواز القصاص أو الاسترقاق لا يوجب نقصا في جهة من الجهات الدخيلة في النقل والانتقال ـ من خروج المبيع عن ملك السيد ، أو سقوطه عن المالية ، أو كونه مما لا يبذل بإزائه المال ، لكون ملكيته في معرض الزوال بالقصاص ، أو لكونه متعلقا لحقّ الاسترقاق المنافي للنقل عن ملك السيد ـ وذلك :

أمّا عدم خروجه عن ملك السيد بمجرد تحويز استرقاقه ، فلأنّ معناه جواز أن

__________________

(١) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٩٦.

٥٥١

على ما هو المعروف عمّن عدا الشيخ في الخلاف كما سيجي‌ء (١).

وتعلّق (٢) حقّ المجنيّ عليه به لا يوجب خروج الملك عن قابلية الانتفاع

______________________________________________________

يتملكه المجني عليه ، وليس معناه دخول العبد الجاني في ملك المجني عليه قهرا. كما أن تجويز القصاص ليس بمعنى إسقاط ملكيته ، وخروجه عن طرف إضافته إلى السيّد ، بل معناه تجويز إعدام الملك. وتقدم نظير هذا في بيع الوقف من أن تجويز بيعه بطروء المسوّغ لا يترتب عليه بطلان الوقفية ، بل المبطل هو بيعه خارجا.

وأمّا عدم سقوطه عن المالية ـ مع كونه مالا في حد ذاته ـ فلأنّ تجويز القصاص ترخيص في إعدام المال ، لا إسقاطه عن المالية فعلا.

وأمّا عدم قبول العبد الجاني لبذل المال بإزائه ، فممنوع أيضا ، ضرورة عدم تعيّن القتل أو الاسترقاق ليكون بذل المال بإزائه سفهيا وأكلا للمال بالباطل ، وذلك لإمكان العفو ، بل ربما يكون العفو موثوقا به (١).

وأمّا منافاة حقّ المجنيّ عليه للبيع فقد تقدم آنفا في الفرق بين حقّي الجناية والرهانة.

وثانيا : أن تعلق حق المجني عليه لا يقتضي فساد بيع الجاني من أصله ، بل يوجب عدم نفوذه فعلا ، وتوقّفه على افتكاك العبد عمّا يستحقه المجني عليه من القتل أو الاسترقاق ، فإن افتك لزم ، وإن لم يفتك ـ بل قتل أو استرق ـ كشف عن بطلان بيع السيد عبده الجاني.

(١) سيأتي في (ص ٥٦٢) نقل إجماع الخلاف ـ على خروجه عن ملك السيد ـ بما لفظه : «فإنّه لا خلاف بينهم أنّه إذا كانت جنايته عمدا ينتقل ملكه إلى المجني عليه».

(٢) هذا دفع دخل مقدّر ، تقدّما بقولنا : «فإن قلت ... قلت» ومقصود المصنف قدس‌سره ردّ ما أفاده صاحب المقابس قدس‌سره بقوله : «والتحقيق : أنّه وإن قلنا بكونه مملوكا للمولى صورة ، إلّا أنه ليس له أثر معلوم ، ولا نفع متبيّن مقداره ، لإمكان

__________________

(١) حاشية المحقق الأصفهاني ، ج ١ ، ص ٢٩٩.

٥٥٢

به (١) ، ومجرّد (٢) إمكان مطالبة أولياء المجنيّ عليه له في كلّ وقت بالاسترقاق أو القتل لا يسقط (٣) اعتبار ماليّته.

وعلى تقدير تسليمه (٤) ،

______________________________________________________

مطالبة أولياء المقتول بأحدهما ـ أي القصاص أو الاسترقاق ـ في كلّ وقت. ومثل هذا يسقط اعتبار ماليّته ، وترفع صلاحيته لما ذكر ، إذ مقتضاها الدوام والاستمرار ، كما أشرنا إليه في حكم البيع سابقا» (١).

(١) حتى يكون بذل المال بإزاء هذا الملك ـ الخارج عن قابلية الانتفاع به ـ سفهيا.

(٢) غرض المستشكل من هذه الجملة إسقاط العبد الجاني عن المالية المقومة للبيع.

(٣) خبر قوله : «ومجرّد» ودفع لتوهم سقوطه عن المالية ، كما لا مجال لتوهم خروجه عن ملك السيد.

(٤) هذا ثاني الوجهين المتقدم بقولنا : «وثانيا» والظاهر رجوع الضمير إلى «خروج الملك عن قابلية الانتفاع به» فالمعنى : أنّ تسليم خروج الملك عن قابلية الانتفاع ، كما تقدم في كلام المقابس آنفا ـ مع الالتزام بتعلق حق الغير برقبته ـ لا يوجب سقوط إضافة الملكية. فالمقصود نقص الملك فعلا ، وكون السيد مسلوب السلطنة على عبده الجاني من جهة كون الأمر ـ في قتله أو استرقاقه أو قبول الفداء أو العفو مجانا ـ راجعا إلى المجني عليه أو وليّه.

وعليه فالعبد الجاني باق على ملك مولاه متعلقا به حق الغير ، كبقاء الرهن على ملك الراهن متعلقا به حق المرتهن. فلو باعه السيد صحّ ، لكن لا منجزا ، بل موقوفا على افتكاكه عن حقّ المجني عليه ، فإن افتك ـ بالفداء أو العفو ـ كشف عن لزوم البيع ، وإلّا كشف عن بطلانه.

__________________

(١) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٩٨.

٥٥٣

فلا ينقص ذلك (١) عن بيع مال الغير ، فيكون (٢) موقوفا على افتكاكه (*) عن القتل والاسترقاق ، فإن افتكّ لزم ، وإلّا (٣) بطل البيع من أصله.

______________________________________________________

ويشهد لبقاء صفة الملكية ـ وعدم زوالها بالجناية ـ قوله بعد أسطر : «ان المبيع إذا كان متعلقا لحقّ الغير فلا يقبل» إذ لو كان مراده من ضمير «تسليمه» خروج العبد عن ملك السيد لم يتجه ذلك.

(١) أي : بيع العبد الجاني مع فرض خروج الملك عن قابلية الانتفاع به فعلا. ووجه عدم كونه أسوأ حالا من البيوع الفضولية المعهودة هو كون الفضولي أجنبيا عن العوضين ، ولا ولاية لا عليهما ، بخلاف المقام ، لفرض بقاء الجاني على ملك السيد ، وإن كانت رقبته متعلّق حقّ المجني عليه.

(٢) أي : فيكون بيع العبد الجاني موقوفا على افتكاك العبد عن القتل أو الاسترقاق.

(٣) أي : وإن لم يفتك ـ بأن قتله المجنيّ عليه أو استرقّه ـ كشف عن بطلان البيع من أصله.

__________________

(*) لا يخفى أنّ الوقوف على الافتكاك غير الصحة التي قوّاها في صدر المسألة ، فإنّ صحة عقد الفضولي موقوفة على الإجازة. وظاهر عبارته هنا الصحة الفعلية. كما أنّ قوله قدس‌سره بعد ذلك : «فإن افتك لزم» لا يخلو من مسامحة ، إذ الصواب أن يقال : «فإن افتكّ صحّ ولزم».

وقوله : «وإلّا بطل البيع من أصله» يدلّ على أنّ المراد بقوله : «فإن افتكّ لزم» هو الصحة المستتبعة للزوم ، إذ مقابل البطلان هو الصحة ، لا اللزوم. وأما الصحة على وجه اللزوم فقد أشار إليها بقوله : «ويحتمل».

وقد يورد على العبارة أيضا بما في حاشية المحقق الإيرواني قدس‌سره بعدم الاستقامة ، لأن ضمير «تسليمه» إما أن يعود إلى كلا المنعين ـ وهما خروج العبد

٥٥٤

ويحتمل أن يكون البيع غير متزلزل (١) ،

______________________________________________________

(١) هذا إشارة إلى القول الثاني في المسألة ، وهو صحة بيعه منجزا ، لا موقوفا

__________________

الجاني عن قابلية الانتفاع والسقوط عن التمول ـ وإمّا إلى خصوص الخروج عن قابلية الانتفاع.

فعلى الأوّل لا وجه لقوله : «فلا ينقص» إذ بعد تسليم الأمرين يتعيّن البطلان ، لا أنه أحسن حالا من البيع الفضولي ، ضرورة عدم خروج المبيع الفضولي عن التملك والتمول ، وأمّا بيع ما لا نفع فيه أو ما ليس بمتمول فباطل ، سواء أكان أصالة أم فضولا.

وعلى الثاني لم يتجه قوله : «فإن افتك لزم» إذ بعد تسليم الخروج عن الملك كان بيع السيد فضوليا موقوفا على إجازة المالك الفعلي ، وهو المجني عليه كسائر البيوع الفضولية ، الواقعة للملّاك بإجازاتهم ، ولا دخل للافتكاك في نفوذ البيع السابق أصلا ، هذا (١).

لكن يمكن اختيار الشق الثاني كما ذكرناه في التوضيح ، وجعل التسليم راجعا إلى الخروج عن قابلية التملك ، بأن يكون مراد الشيخ الأعظم منع السيد فعلا عن التصرف في العبد حتى يختار المجني عليه أحد الامور ، وليس في عبارة المتن الخروج عن الملك والانتقال إلى المجنى عليه حتى يكون بيع السيد فضوليا موقوفا على الإجازة ، لا الفك.

وعلى هذا فلا حزازة في العبارة من جهة التعبير ب «فلا ينقص» باعتبار كون البيع تصرفا في متعلّق حقّ الغير مع بقائه على ملك السيد. وما أفاده المحقق الإيرواني «من وقوع البيع للمجني عليه وتوقفه على إجازته» موافق لما في المقابس من وقوعه له على تقدير الإجازة ، لا للسيد الذي لا خيار له في العبد الجاني (٢).

__________________

(١) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٩٨.

(٢) حاشية المكاسب ، ج ١ ، ص ١٩٢.

٥٥٥

.................................................................................................

______________________________________________________

على الفك أو الإجازة ، والمحتمل صاحب المقابس قدس‌سره ، ويظهر من قصاص الجواهر (١) وجود القائل به كما نقله فيه عن الفاضل الأصفهاني قدس‌سره (٢).

قال المحقق الشوشتري فيما لو باع المولى عبده الجاني أو رهنه : «وإن كان ـ أي التصرف ـ بيعا أو رهنا فلا ريب في أنه لا يرفع الخيار الثابت للولي ... وهل يبطل البيع من أصله؟ أو ينفسخ من حينه ، أو يكون كالتلف الطارئ على المبيع ، فيثبت الخيار للمشتري مع جهله ، للعيب السابق على البيع ، لا مع علمه ، فيكون كبيع المريض الذي يخاف عليه من الموت إذا مات بعد البيع والقبض ، وبيع الأرمد الذي يخاف عليه من العمى ، فعمي بعدها وانعتق بذلك ، أو يفرّق ... الخ» ثم اختار البطلان ، وردّ الاحتمالات الاخرى ، فراجع (٣).

وكيف كان فتوضيح ما في المتن من الصحة المنجزة هو : أنّ شرط صحة البيع ولزومه ـ أعني به كون المبيع ملكا للبائع ـ موجود ، ومقتضاه انتقال الرقبة إلى ملك المشتري ، فإن رضي وليّ المجني عليه بالفداء أو عفا فلا كلام. وإن اقتصّ من العبد أو استرقّه جاز. فإن كان المشتري عالما بجنايته الموجبة للقتل أو الاسترقاق كان التلف عليه ، ولا يستحق الرجوع إلى البائع بالثمن. وإن كان جاهلا ثبت له الخيار ، لأنّ كون العبد معرضا للقتل أو الاسترقاق عيب يوجب الخيار. نظير شراء عبد أرمد مشرف على العمى ، لكونه عيبا فيه يستحق المشتري الجاهل به الفسخ.

وحينئذ فإن كان القتل أو الاسترقاق في زمن الخيار ـ أي قبل علم المشتري بالحال ـ كان على البائع. وإن كان بعده فهو على المشتري.

__________________

(١) جواهر الكلام ، ج ٤٢ ، ص ١٣٨ ، ويظهر من بيع الجواهر اختيار كونه مراعى ، فلاحظ ج ٢٢ ، ص ٣٨٤.

(٢) كشف اللثام ، ج ٢ ، ص ٢٧٢ (الحجرية).

(٣) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ١٠١ و ١٠٢.

٥٥٦

فيكون تلفه (١) من المشتري في غير زمن الخيار (٢) ، لوقوعه (٣) في ملكه ، غاية الأمر أنّ كون البيع عرضة لذلك (٤) عيب يوجب الخيار مع الجهل ، كالمبيع (٥) الأرمد (٦). إذا عمي ، والمريض إذا مات بمرضه.

ويردّه (٧) : أنّ المبيع إذا كان متعلّقا لحقّ الغير فلا يقبل أن يقع لازما (٨) ،

______________________________________________________

(١) المراد من تلفه قتله أو استرقاقه ، فلا يسلم المبيع للمشتري حينئذ.

(٢) إذ لو كان التلف في زمن الخيار كان على البائع ، لقاعدة «التلف في زمن الخيار ممّن لا خيار له».

(٣) تعليل لكون التلف من المشتري لا البائع ، وذلك في صورتين :

إحداهما : علم المشتري حال البيع بحال المبيع.

وثانيتهما : جهله به حاله ، ولكن علم به بعده ولم يفسخ البيع ، لسقوط خيار العيب حينئذ.

(٤) أي : كون المبيع عرضة للتلف عيب موجب لخيار المشتري الجاهل بالعيب المشرف عليه.

(٥) كذا في نسخ الكتاب ، والأنسب ـ كما تقدم عن المقابس ـ «كبيع الأرمد».

(٦) الذي هو في معرض العمى الموجب للانعتاق ، وقد عمي بعد البيع ، وانعتق بذلك. وكذا المريض الذي يخاف عليه من الموت ، وقد مات بعده ، فإنّ جهل المشتري بالعيب يوجب الخيار.

(٧) أي : ويردّ احتمال صحة البيع على وجه اللزوم : أنّ المبيع ـ وهو العبد الجاني ـ قد تعلق به حق الغير ، فوقوع بيعه لازما يوجب سقوط الحق ، وهو باطل. فلا محيص عن الالتزام بأحد الأمرين ، إما بطلان البيع رأسا ، أو وقوفه على الإجازة.

والمتعين هو الثاني. أمّا الصحة فلكون السيد مالكا ، وأما إجازة المجني عليه فلتعلق حقه بالعبد.

وعلى كلّ فلا وجه للالتزام بكون بيع السيد لازما كما زعمه المحتمل.

(٨) كما تقدم في حقّ الرهانة أيضا.

٥٥٧

لأدائه (١) إلى سقوط حق الغير. فلا بدّ إمّا أن يبطل ، وإمّا أن يقع مراعى.

وقد عرفت (٢) أن مقتضى عدم استقلال البائع في ماله ، ومدخليّة الغير فيه وقوع بيعه مراعى ، لا باطلا.

وبذلك (٣) يظهر الفرق بين ما نحن فيه وبين المريض الذي يخاف عليه من الموت ، والأرمد الذي يخاف عليه من العمى الموجب للانعتاق ، فإنّ (٤) الخوف في المثالين لا يوجب نقصانا في سلطنة المالك مانعا عن نفوذ تمليكه منجّزا ، بخلاف تعلق حقّ الغير (٥).

اللهم إلّا أن يقال (٦) : إن تعلّق حقّ المجنيّ عليه

______________________________________________________

(١) أي : لأداء لزوم البيع إلى سقوط حق الغير من المجني عليه والمرتهن.

(٢) حيث قال في (ص ٥٥٤) : «فلا ينقص ذلك عن بيع مال الغير ، فيكون موقوفا على افتكاكه ... الخ» وغرضه قدس‌سره تعيين الشق الأخير ، وهو الصحة الموقوفة على الافتكاك.

(٣) يعني : وبتعلق حق الغير بالعبد الجاني يظهر الفرق بينه وبين المثالين المتقدمين في كلام المحتمل ، وهما : بيع المريض المشرف على الموت ، والأرمد المشرف على العمى ، حيث إنّ خوف الموت والعمى لا يوجب قصورا في سلطنة المالك ، بخلاف حق الغير ، فإنّه يزاحم سلطنة المالك ، فيمنع من لزوم العقد.

(٤) تعليل لظهور الفرق وبيان له. فالحيوان المريض بمرض يخشى منه الموت يصحّ بيعه لتمام سلطنة المالك عليه ، والمشتري الجاهل بالحال يثبت له الخيار.

(٥) وهو المجني عليه ، فإنّ حقه مانع عن نفوذ تمليك السيّد وبيعه منجّزا.

(٦) غرضه تأييد ما تقدم في قوله : «ويحتمل» من صحة بيع السيد منجزا وعدم توقفه على فك العبد من حقّ المجنيّ عليه ، وكون بيع العبد الجاني والمريض والأرمد من باب واحد. وحاصله : أن حق الجناية قائم برقبة الجاني أينما كانت ، سواء بقي العبد رقّا لسيّده أم انتقل إلى غيره ببيع أو هبة. وللمجني عليه الأخذ بحقّه

٥٥٨

لا يمنع من نفوذ تمليكه (١) منجّزا ، لأنّ للبائع سلطنة مطلقة (٢) عليه ، وكذا للمشتري ، ولذا (٣) يجوز التصرف لهما فيه من دون مراجعة ذي الحق ، غاية الأمر أنّ له (٤) التسلّط على إزالة ملكهما ، ورفعه (٥) بالإتلاف أو التملّك (٦) [التمليك]. وهذا (٧) لا يقتضي وقوع العقد مراعى ، وعدم استقرار الملك.

وبما ذكرنا (٨) ظهر الفرق بين حقّ المرتهن المانع من تصرّف الغير ،

______________________________________________________

ـ من القصاص أو الاسترقاق ـ أينما وجد العبد.

وعليه فمقتضى سلطنة المالك على ماله نفوذ بيع العبد الجاني ، من دون مراعاته بإجازة المجني عليه ، أو بافتكاكه. كما أنّ للمشتري سلطنة التصرف فيه بذلك ما لم يكن مفوّتا.

(١) أي : تمليك المولى العبد الجاني منجّزا ، لا مرعيّا بالافتكاك.

(٢) بمقتضى حذف المتعلق في حديث «الناس مسلطون على أموالهم» مع عدم نهوض حجة على التقييد.

(٣) أي : ولأجل ثبوت السلطنة المطلقة ـ للبائع والمشتري ـ على العبد الجاني ، ينفذ تصرفهما فيه منجزا.

(٤) أي : أنّ لذي الحق سلطنة على إزالة ملك البائع والمشتري ، لثبوت الولاية للمجني عليه شرعا.

(٥) معطوف على «التسلط» أي : له رفع ملك البائع أو المشتري بالإتلاف ، وهو قتل العبد الجاني.

(٦) أي : الاسترقاق. وما في نسختنا أولى ممّا في أكثر النسخ من «التمليك».

(٧) أي : ثبوت التسلّط للمجني عليه ـ على إزالة الملك ـ لا يقتضي تزلزل ملك المشتري ، وكون لزومه مراعى بالافتكاك. وعليه فلا يبقى فرق بين ما نحن فيه وبين الخوف في المثالين ـ وهما بيع الأرمد والمريض ـ في كون البيع منجّزا.

(٨) أي : بعدم مانعية حق الجناية عن نفوذ التمليك المنجّز ـ لكون البائع سلطانا مستقلا في التصرف في ماله ـ ظهر الفرق بين حق الجناية وبين حق الرهانة ،

٥٥٩

وحقّ (١) المجنيّ عليه غير المانع فعلا ، غاية الأمر أنّه (٢) رافع [مانع] شأنا.

وكيف كان (٣) ، فقد حكي عن الشيخ في الخلاف البطلان ، فإنّه قال فيما حكي عنه : «إذا كان لرجل عبد ، [جان] (٤) فجنى ، فباعه مولاه بغير إذن المجنيّ عليه ، فإن كانت جنايته (٥) [جناية] توجب القصاص فلا يصح البيع ،

______________________________________________________

حيث إنّ المالك الراهن محجور عن التصرف في المرهونة بدون إجازة المرتهن أو إذنه ، هذا.

لكن الإنصاف أنّ هذا الفرق بحسب القواعد غير فارق ، لعدم منافاة بين حق الرهانة وبين بيع المرهون ، لإمكان تعلق الحق بالعين أينما كانت كحق الجناية. فالأولى الاستناد في الفرق بينهما إلى ما ثبت بالتعبد من ممنوعية الراهن والمرتهن عن التصرف.

(١) معطوف على «حق المرتهن» فحق المجنيّ عليه لا يمنع صحة تصرف البائع والمشتري فعلا بحيث يكون مراعى بإجازة ذي الحق أو الافتكاك.

(٢) أي : أنّ حق المجني عليه رافع شأني ، وله اقتضاء رفع تصرف السيد ـ بالبيع ـ أو المشتري. ومن المعلوم أن المانع الشأني ـ أي قبل الأخذ بحقّ الجناية بالقتل أو الاسترقاق ـ لا يزاحم تأثير بيع السيد في النقل إلى الغير.

وقد تحصّل إلى هنا اقتضاء القاعدة للقول بلزوم بيع العبد الجاني ، هذا.

(٣) أي : سواء قلنا بالصحة الفعلية أو المرعية ، فقول شيخ الطائفة قدس‌سره مخالف لكليهما ، لأنّه ذهب إلى عدم صحة بيع العبد الجاني عمدا.

وغرض المصنف قدس‌سره التعرض للقول الثالث في المسألة ، وهو الفساد ، المبني على انتقال العبد عن ملك السيد إلى المجني عليه أو وليّه.

(٤) كذا في نسختنا ، وفي بعض النسخ كالمصدر «فجنى».

(٥) كذا في النسخ ، ولكن في الخلاف ـ في الموضعين ـ «جناية» يعني : كانت

٥٦٠