🚘

هدى الطالب إلى شرح المكاسب - ج ٧

السيّد محمّد جعفر الجزائري المروّج

هدى الطالب إلى شرح المكاسب - ج ٧

المؤلف:

السيّد محمّد جعفر الجزائري المروّج


الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٨٠
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ 🚘 الجزء ٥ 🚘 الجزء ٦ 🚘 الجزء ٧
🚘 نسخة غير مصححة

كما لا يخفى ـ أنّه (١) لا وجه للبطلان بانعدام العنوان ،

______________________________________________________

(١) الجملة مرفوعة محلّا على أنّها فاعل قوله : «يرد» وهذا ثاني وجهي المناقشة ، وينبغي الإشارة إلى أمرين قبل توضيحه :

الأوّل : أن الفرق بين الأحكام التكليفية المتعلقة بالعناوين ، وبين الأحكام الوضعية. هو : أن الحكم التكليفي يقف على نفس العنوان ولا يسري إلى المعنون ، كالأمر بالصلاة ، فإنّ مركب الوجوب هو عنوان «الصّلاة» الفاني في المعنون ، لا نفس المعنون أعني به مصداقه الخارجي ، لما تقرر من امتناع اتصافه بالوجوب ، ضرورة أن الخارج ظرف سقوط الأمر لا ثبوته.

وهذا بخلاف الأحكام الوضعية ، فيمكن تعلقها بالأشخاص وبالطبائع وبالعناوين ، فلو قال : «الدار ملك زيد» كان متعلق الحكم هو الموجود الخارجي أعني المعنون بعنوان الدار ، ولو قال : «الخمر نجس» كان المتعلق لبّا الجزئيات الخارجية ، ويكون العنوان عبرة وطريقا إلى ما في الخارج.

وعليه فمعنى مملوكية الدار لزيد كون كل جزء جزء منها ملكا له ، بلا دخل لعنوان «الدراية» فيه.

الثاني : أن حقيقة الوقف إمّا حبس العين على الموقوف عليه أو تمليكها له أو غيرهما. ولا ريب في كون مجعول الواقف اعتبارا وضعيا ، لا تكليفيا. ولا يقتضي تعلقه بعنوان الدار أو البستان تحديد حبس العين على الموقوف عليه بزمان استمرار الصورة البستانية أو الدارية حتى لا تكون الأجزاء الخارجية مملوكة للموقوف عليه أو محبوسة عليهم.

إذا تقرّر هذان الأمران ، قلنا في توضيح الوجه الثاني : إنّ منشأ المصير إلى بطلان الوقف بزوال العنوان هو أخذ عنوان خاصّ في صيغة الوقف ، كقوله : «وقفت البستان على أولادي». ولكن يسأل من صاحب الجواهر قدس‌سره عمّا أراده من كلمة «العنوان» فإمّا أن يكون مراده به ما يقع مفعولا به في مقام الجعل كالمثال المزبور ،

٤١

لأنّه (١) إن اريد ب «العنوان» ما جعل مفعولا (٢) في قوله : «وقفت هذا البستان» فلا شكّ [في] (٣) أنّه ليس إلّا كقوله : «بعت هذا البستان» أو : «وهبته» فإن (٤) التمليك المعلّق بعنوان لا يقتضي دوران الملك

______________________________________________________

وإمّا أن يكون مراده به أمرا آخر كالشرط المبني عليه الإنشاء أو المصرّح به فيه ، بأن يقول : «وقفت هذا البستان على ذريتي ما دام بستانا». والمفروض عدم اقتضاء شي‌ء منهما بطلان الوقف بنفاد العنوان.

أمّا الأوّل فلأنّ وقفية البستان لا تكون مقصورة على هذا العنوان ، بل تسري إلى كل جزء منه ، وتقدّم آنفا سراية الأحكام الوضعية من عناوينها إلى معنوناتها بلا فرق بين الملكية الحاصلة بالوقف أو بالبيع أو بالهبة.

والشاهد على تعلّق الملكية بالمعنون أنّه لو قال : «بعتك هذا البستان» وتغيّرت صورته البستانية بعد البيع لم ينحل العقد ، بل تبقى العرصة والأجزاء ملكا للمشتري. فكذا الحال في الوقف الذي يكون حقيقته إيقافا للعين عن النقل الاعتباري أو تمليكا أو قصرا ، سواء استمرّ العنوان أم تغيّر.

وأما الثاني فسيأتي.

(١) تعليل لقوله : «لا وجه» وتقدم بيان عدم الوجه بناء على أوّل شقيّ الترديد.

(٢) المفعول به هو كلمة «هذا» و«البستان» بدل أو عطف بيان له.

(٣) هذه الكلمة لم توجد في نسختنا ، وإنّما أثبتناها تبعا لما في بعض النسخ ، ومناسبة لكلمة الشك.

(٤) تعليل لوحدة مدلول «وقفت هذا البستان ، و : بعته ، و : وهبته» في أنّ الدار مفعول به في الجميع. فكما أنّ البائع يملّك البستان من المشتري على نحو ملكيته له من الذات والعنوان ، ولا يكون تمليكه مقصورا على عنوان «البستان» ، فلو زال العنوان بقي ملكية المشتري للعرصة لكونها جزءا من المبيع. فكذا في الوقف يتملك

٤٢

مدار العنوان (*). فالبستان إذا صار ملكا فقد ملك منه كلّ جزء خارجي وإن لم يكن (١) في ضمن عنوان «البستان». وليس (٢) التمليك من قبيل الأحكام الجعلية (٣) المتعلقة بالعنوانات.

وإن أريد (٤) ب «العنوان» شي‌ء آخر ، فهو خارج عن مصطلح أهل

______________________________________________________

الموقوف عليه كلّ جزء من العين.

(١) أي : وإن لم يكن كلّ جزء منه جزءا لعنوان البستان ، إذ بعد ذهاب العنوان لا تتعنون العرصة بجزئيتها له فعلا ، بل كانت جزءا له قبل ذهابه.

(٢) هذا دفع دخل مقدر ، حاصله : مقايسة الملكية والحبس بالأحكام التكليفيّة الموقوفة على عناوينها كوجوب الصلاة. وتقدم الدفع بما ذكرناه في الأمر الأوّل في (ص ٤١) فراجع.

(٣) يعني : المجعولة بالأصالة والاستقلال ، وهي خصوص التكليفية ، لوضوح عدم كون الوضعيات ـ عند المصنف ـ مجعولة كذلك كما تقدّم في أوّل البيع ، فراجع (١).

(٤) هذا هو الشّق الثاني من المنفصلة ، وحاصله : أن مراد صاحب الجواهر قدس‌سره بالعنوان إن لم يكن وقوع الكلمة مفعولا به في مقام الإنشاء ، بأن كان المراد شيئا آخر كالاشتراط ، قلنا : إنّ إرادة الشرط من العنوان غير معهودة عند العرف وأهل العلم.

__________________

(*) إلا أن يفرق بينهما بما أفاده السيد قدس‌سره من كون البستان موردا في البيع والهبة ، وعنوانا في الوقف (٢).

ولعلّه لأنّ غرض الواقف من حبس العنوان تسبيل منفعة خاصة ، فكأنّ المنشأ تسبيل منفعة هذا العنوان ، لا منفعة العرصة التي غرست الأشجار فيها. والمفروض أن الوقوف على حسب ما يقفها أهلها. وهذا بخلاف البيع.

__________________

(١) هدى الطالب ، ج ١ ، ص ١٢٢ إلى ١٢٨.

(٢) ملحقات العروة الوثقى ، ج ٢ ، ص ٢٥٤.

٤٣

العرف والعلم ، ولا بدّ من بيان المراد منه ، هل يراد ما اشترط لفظا أو قصدا في (١) الموضوع زيادة على عنوانه؟

وأمّا تأييد ما ذكر (٢) بالوصية فالمناسب أن يقايس ما نحن فيه بالوصية

______________________________________________________

مع أنّ اشتراط التوقيت لا يجدي فيما رامه قدس‌سره من بطلان الوقف بزوال العنوان ، سواء أكان الشرط مصرّحا به كما لو قال : «وقفت هذا على أن يكون بستانا أو : ما دام بستانا» أم منويّا ـ من غير دلالة عليه في الإنشاء ـ كما لو اقتصر على جملة : «وقفت هذا البستان» بانيا على كونه موقّتا ببقاء البستان.

وجه عدم الإجداء : منافاة جعل الملكية المحدودة ـ للموقوف عليه ـ للتأبيد الذي اعتبروه في الوقف. فيشكل نفوذ هذا الشرط بأدلة الشروط وبخصوص «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها».

(١) متعلق ب «ما اشترط» يعني : أنّ اشتراط العنوان في العين الموقوفة يكون تارة ملفوظا به واخرى مقصودا.

وكان المناسب تتميم المطلب بأن يقال : «وصحته محل تأمل» ونحو ذلك ، وإلّا كان إطلاق العنوان على الشرط مجرد الخروج عن مصطلح القوم ، وهو بحث لفظي ، والمهم بيان حكم هذا الشرط صحة وفسادا وإفسادا.

هذا مناقشة المصنف في أصل ما أفاده صاحب الجواهر قدس‌سره هما من بطلان الوقف بانعدام العنوان ، وبقي الكلام في تأييده بفرع الوصية.

(٢) من بطلان الوقف بزوال العنوان ، وحاصل المناقشة : أنّ ما ذكروه في باب الوصية لا يؤيّد بطلان الوقف فيما نحن فيه ، لافتراقهما موضوعا ، فإنّ مدّعى الجواهر تمامية الوقف هنا وكونه ملكا فعليا للموقوف عليه ما دام العنوان باقيا ، والمناسب تأييده بكون الملك فعليا للموصى له ، وهو فيما إذا تمت الوصية بعنوان كالدار ، فزال العنوان ، كما إذا أوصى بدار لزيد فمات الموصي ثم انهدمت الدار ، فإنّها تبقى على ملك الموصى له ، لصيرورة الملكية المنشأة بالوصية فعلية بالموت. فتكون هذه المسألة

٤٤

.................................................................................................

______________________________________________________

نظير الوقف على العنوان.

وحينئذ فإن التزم الفقهاء بخروج الدار المنهدمة عن ملك الموصى له إلى ورثة الموصي كانت متحدة مع المقام. وإن لم يلتزموا بدوران ملك الموصى له مدار العنوان ، بل تبقى العرصة على ملكه ، كان منافيا لما رامه صاحب الجواهر. ومن المعلوم أنّ حكمهم بانتقال الملك إلى الموصى له بموت الموصي وقبول الموصى له (١) شاهد على أن الملكية المنشأة بالوصية وإن كانت متعلقة بعنوان الدار ، إلّا أنّ المتعلق حقيقة هو ذات المعنون ، وأنّ العنوان معرّف محض.

وبعبارة اخرى : كان مقصود صاحب الجواهر من تأييد الوقف بالوصية هو تعلق كل منهما بعنوان الدار مثلا ، فكما أن زوال العنوان يبطل الوصية ، فكذا يبطل الوقف. ومقصود المصنف قدس‌سره إبطال التأييد ، ثم التنظير بفرع آخر.

أمّا بطلان التأييد فللفرق بين المسألتين ، وهو : اقتضاء الوقف على العنوان صيرورة الموقوفة ملكا فعليّا للعنوان ، بخلاف مسألة الوصية ، لكون ملك الموصى له قبل موت الموصي شأنيا لا فعليا.

مضافا إلى : أنّ الموصى به هو عنوان «البستان» حال موت الموصي ، بشهادة حكمهم بعدم اعتبار وجود الموصى به حال الوصية. فلو تغيّر عنوان البستان لم يكن الموصى به موجودا حال الموت ، والموجود حاله ـ وهو العرصة ـ مغاير للموصى به ، فتبطل الوصية من هذه الجهة ، لا من جهة اعتبار بقاء العنوان في بقاء الوصية.

وأمّا التنظير فتقريبه : أنّ الفرع المماثل للوقف على العنوان هو الوصية بالدار التي صارت بعنوانها ملكا فعليا للموصى له بقبوله وبموت الموصي ، ثم زال العنوان ، فإنّهم لم يلتزموا بزوال ملك الموصى له ، وبعوده إلى ورثة الموصي. وهذا كاشف عن

__________________

(١) شرايع الإسلام ، ج ٢ ، ص ٢٤٣.

٤٥

بالبستان بعد تمامها (١) ، وخروج (٢) البستان عن ملك الموصي بموته وقبول الموصى له. فهل يرضى أحد بالتزام بطلان الوصيّة بصيرورة البستان عرصة (٣)؟

نعم (٤) الوصية قبل تمامها

______________________________________________________

عدم موضوعية العنوان ، وكونه معرّفا. فليكن الوقف مستمرّا بعد ذهاب العنوان ، لوحدة المناط.

(١) أي : تمام الوصية ، ووجه المناسبة ما تقدم من فعلية ملك الموقوف عليه والموصى له لو زال العنوان بعد الموت.

(٢) معطوف على التمامية ، وهو أثر لها.

(٣) فينبغي أن لا يرضى صاحب الجواهر ببطلان الوقف بصيرورة البستان عرصة.

(٤) غرضه أنّ منشأ بطلان الوصية قبل تمامها ليس ما زعمه صاحب الجواهر من تغيّر العنوان ، بل لعدم وجود الموصى به ـ وهو البستان ـ حال موت الموصي ، فهو نظير بطلانها من جهات اخرى :

منها : رجوع الموصي عن وصيته قولا أو فعلا ، إمّا بالتصرف الاعتباري في الموصى به ببيع أو هبة أو وقف أو غيرها. وإمّا بالتصرف الخارجي.

قال المحقق قدس‌سره : «وكذا ـ أي يتحقق الرجوع ـ لو تصرّف فيه تصرّفا أخرجه عن مسمّاه ، كما إذا أوصى بطعام فطحنه ، أو بدقيق فعجنه أو خبزه» (١).

ومنها : تلف الموصى به ، كما لو أوصى بعبده فمات قبل موت الموصي (٢).

ومنها : عدم بقاء الاسم لو كان بفعل غير الموصي.

ومنها : رد الوصية بعد الموت وقبل قبوله (٣).

__________________

(١) شرائع الإسلام ، ج ٢ ، ص ٢٤٤.

(٢) المصدر ، ص ٢٦٠.

(٣) المصدر ، ص ٢٤٣.

٤٦

يقع الكلام في بقائها وبطلانها من جهات (١) أخر.

ثم ما ذكره من الوجهين (٢) ممّا لا يعرف له وجه ، بعد إطباق كلّ من قال بخروج الوقف المؤبّد عن ملك الواقف على عدم عوده إليه أبدا (*).

______________________________________________________

(١) لا يخفى أن الجهات المتقدمة لم يقع كلام ـ في بقاء الوصية وبطلانها ـ في جميعها ، لعدم دعوى الخلاف في بعضها كالبطلان بالرجوع وفوات المتعلق ، نعم عدم صدق الاسم ـ إن كان بفعل غير الموصي ـ يقع الكلام في مبطليته لها وعدمها.

(٢) أحدهما : رجوع العين بعد زوال العنوان إلى ورثة الموقوف عليه كما قوّاه في كتاب البيع ، وتقدم في (ص ٣٨).

ثانيهما : رجوعه إلى الواقف أو ورثته كما قوّاه في كتاب الوقف ، واستظهره من مكاتبة الصفار وغيرها ، فراجع (١).

وحاصل مناقشة المصنف في هذا المقطع من كلام صاحب الجواهر قدس‌سره هما هو : أنّ الوقف على العنوان يكون من الوقف المؤبّد ، لا المنقطع. وقد أطبق الفقهاء ـ القائلين بخروج العين عن ملك الواقف ـ على عدم عودها إليه أو إلى ورثته. ويستفاد هذا الإجماع من غير موضع من السرائر ، كقوله في عدم جواز انتفاع الواقف بما وقفه : «لما بيناه وأجمعنا عليه من أنه لا يصحّ وقفه على نفسه ، وأنّه بالوقف قد خرج عن ملكه ولا يجوز عوده إليه بحال» (٢) فعدم دخوله في ملك الواقف متفق عليه.

__________________

(*) الظاهر أنّ المصنف قدس‌سره اقتصر على ما أفاده صاحب الجواهر في كتاب البيع ، فأورد عليه بأنّ عود الوقف المؤبد إلى الواقف وورثته مخالف للإجماع.

__________________

(١) جواهر الكلام ، ج ٢٨ ، ص ٥٧.

(٢) السرائر ، ج ٣ ، ص ١٥٥.

٤٧

.................................................................................................

______________________________________________________

وعليه فلا ينبغي إبداء احتمال رجوع الوقف إلى الواقف ، خصوصا مع تقويته في كتاب الوقف كما سيأتي نقل كلامه في التعليقة.

هذا تمام الكلام في الصورة الثانية.

__________________

لكن صريحه قدس‌سره في كتاب الوقف كونه من المنقطع ، كقوله في تقوية رجوع العين إلى الواقف أو ورثته : «لأنّ عقد الوقف ـ بعد فرض مشروعيته على هذا الوجه ـ إنّما اقتضى نقلها عن المالك ما دام الموقوف عليه غير منقرض. ومتى صار غير موقّت صار باطلا مردودا على الواقف أو ورثته كما هو صريح الصحيح الأوّل ، فلا يحتاج حينئذ إلى سبب جديد ، لأنّ الناقل عن مقتضى الملك إنّما نقل هذا المقدار. وليس هذا من التوقيت في الملك أو في الوقف ، الذي حكينا الإجماع على عدم جوازه ، ضرورة كون ذلك الذى فد اخذت فيه المدّة غاية ، لا ما إذا جاءت تبعا لانقراض الموقوف عليه» (١).

وكقوله في صور وقف العنوان كالدار المنهدمة : «أحدها : وقفها ما دامت دارا ، فانهدمت ، والظاهر كونها من منقطع الآخر» (٢).

وبالجملة : فمناقشة المصنف مبنيّة على كون المقام من الوقف المؤبّد حتى يتجه تمسكه بالإجماع على عود المال إلى الواقف.

إلّا أن يقال : إنّ الغرض إبطال انقطاع الوقف هنا ، ثم الإيراد على الجواهر بأنّه بعد تسليم كونه من المؤبد لا سبيل لإبداء احتمال رجوعه إلى الواقف. فتأمّل.

وكيف كان فالظاهر أن الملكية المنشأة بالوقف على العنوان محدودة ببقائه.

بمعنى أنه أخرج الدار عن ملكه ما دامت دارا مثلا ، وهي ممكنة ثبوتا ، واقتضاء

__________________

(١) جواهر الكلام ، ج ٢٨ ، ص ٥٧.

(٢) المصدر ، ص ١٠٩.

٤٨

.................................................................................................

__________________

«الوقوف» ونحوه صحتها شرعا ، نظير ما نقله المحقق الشيرازي عن بعض الأعلام في ملكية الأرض المحياة من أنّها تحدث بحدوث صفة الإحياء ، وتدوم بدوامها. وكملكية الخلّ التابعة لبقاء عنوان خليّته أو حليته ، فإذا زال عنه ذلك خرج عن الملكية. ودعوى أنّه راجع إلى مزيلية الخراب أو الخمرية أو الحلية عريّة عن البيّنة (١).

وقد يفصّل في المقام بين تبدل الصورة النوعية عرفا ـ مع بقاء المادة الهيولائية المتصورة بصورة اخرى ، كصيرورة النخلة خشبة ، لمباينتهما ، فيبطل الوقف ، كما قال به صاحب الجواهر قدس‌سره وبين عدم تبدلها كذلك ، وإن تبدلت بالدقة ، فيستمر. والوجه فيه كون قوام الوقف بالصورة النوعية العرفية (٢).

ونوقش فيه : بأن شيئية الأشياء وإن كانت بصورها النوعية العرفية أو العقلية ، إلا أنّها لا تقابل بالمال في المعاوضة ، وإنما توجب زيادة مالية المادة.

وعليه فإذا وقف دكانا أو دارا كان ظاهره وقف مادتهما ، ولا تدور الوقفية مدار نفس الصور والعناوين ، لعدم انفكاكها عن المواد ، بل لا يبقى لوقف العنوان ـ بدون وقف المعنون ـ معنى محصّل ، لكونهما متحدين خارجا. فزوال الوقف بزوال المادة وصورتها ، هذا (٣).

مضافا إلى : أن الوقف لو كان متعلقا بالعنوان ـ لا بالعين الخارجية ـ فإن بقي في ملك الواقف شي‌ء منها ليجوز له قلعها بعد يبسها لم يكن معنى لكونها للموقوف عليه ، وإن لم يبق شي‌ء منها في ملك الواقف كيف تصير ملكا له بعد زوال العنوان؟

لكن يمكن أن يقال : إنّ هذا تام في الأوصاف الدخيلة في الرغبات ، كما إذا اشترى عبدا كاتبا ، فتبين كونه أميّا ، فيصح ، ويثبت له خيار تخلف الوصف ، بعد وحدة

__________________

(١) حاشية المكاسب ، القسم الثاني ، ص ٢٦.

(٢) منية الطالب ، ج ١ ، ص ٣٥٠ ؛ المكاسب والبيع ، ج ٢ ، ص ٣٩٤.

(٣) مصباح الفقاهة ، ج ٥ ، ص ٢٠٩ إلى ٢١٢.

٤٩

.................................................................................................

__________________

حقيقة المبيع عرفا في الكاتب وغيره. وهذا بخلاف تعدد الصور المتحدة مادة لعدم كون المادة المشتركة مناطا لوحدة الحقيقة ، لأن مورد المعاملة هو الصورة الخاصة. ففرق بين كون المبيع غنما وبين كونه جسما مركبا من أعضاء. والمرجع في تعيين كون مورد المعاملة هو الصورة أو المادة العرف.

وأما ما أفاده في حكم النخلة الموقوفة فقد عرفت تصريح صاحب الجواهر قدس‌سره من خروج الوقف بتمامه عن ملك الواقف موقتا ومحدودا ببقاء العنوان ، فيعود إليه بعد زواله. والإشكال من ناحية اختصاص الملك بالمرسل أمر آخر. مضافا إلى النقض بعود الوقف إلى الواقف بعد انقراض البطون.

٥٠

الصورة الثالثة : أن يخرب بحيث يقلّ منفعته ، لكن لا إلى حدّ يلحق بالمعدوم (١). والأقوى هنا المنع ، وهو الظاهر من الأكثر في مسألة النخلة المنقلعة ،

______________________________________________________

الصورة الثالثة : إذا خرب الوقف بحيث تقلّ منفعته

(١) تقدّم توضيح الفرق بين هذه الصورة وسابقتها في (ص ٧) وأنّ مورد الكلام هنا بقاء شي‌ء من منفعة العين بعد خرابها.

ولا يخفى أن لقلّة المنفعة ـ كما نبّه عليه المحقق الإيرواني قدس‌سره (١) ـ فرضين :

أحدهما : أن تقلّ المنفعة التي لا حظها الواقف مع بقاء مقدار معتد به منها ، سواء أكان الملحوظ جميع المنافع أو نوع خاصّ منها.

ثانيهما : أن تزول المنفعة المقصودة بالمرّة ، مع بقاء منفعة غير مقصودة ، أو حدوث هذه مقارنا لزوال ما قصد.

والظاهر أنّ النزاع بين مجوّز البيع ومانعه يكون في الفرض الثاني ، بشهادة تعرضهم لحكم النخلة المنقلعة ، ضرورة أنّه لم يبق شي‌ء من الثمرة التي سبّلها الواقف ، وإنما الكلام في مانعية الانتفاع الجزئي بالتسقيف وشبهه عن البيع ، وعدمها. وأما لو كانت النخلة مثمرة وقلّ تمرها ، لم يجز بيعها ، هذا.

ثم إنّ المصنف قدس‌سره قوّى منع البيع هنا وفاقا للأكثر ، كما تقدّم نقله مؤيّدا للمنع في الصورة الثانية ، فراجع (ص ١٦).

__________________

(١) حاشية المكاسب ، ج ١ ، ص ١٧٨.

٥١

حيث جوّز الشيخ رحمه‌الله في محكيّ الخلاف بيعها ، محتجّا بأنّه «لا يمكن الانتفاع بها إلّا على هذا الوجه (١) ، لأنّ الوجه الذي شرطه الواقف قد بطل (٢) ، ولا يرجى عوده» (١). ومنعه (٣) الحلّي قائلا : «ولا يجوز بيعها ، بل ينتفع بها بغير البيع ، مستندا إلى وجوب إبقاء الوقف على حاله مع إمكان الانتفاع. وزوال بعض (٤) المنافع لا يستلزم زوال جميعها ، لإمكان التسقيف بها ونحوه (٢).

______________________________________________________

(١) أي : على وجه البيع والانتفاع بثمنها.

(٢) هذا التعليل ـ بظاهره ـ لا يلائم ما قبله من قوله : «إلّا على هذا الوجه» الظاهر في انتفاء جميع وجوه الانتفاع بنحو السلب الكلي.

ووجه التنافي : دلالة قوله : «لأن الوجه الذي ...» على انتفاء خصوص المنفعة المقصودة للواقف ، وأنّه لا عبرة بسائر الانتفاعات.

لكن يرتفع التنافي بأنّ قوله : «إلّا على هذا الوجه» لا يدلّ على حصر الانتفاع بالبيع ، وسقوط جميع وجوه الانتفاع ، بل المراد عدم العبرة بسائر الانتفاعات ، لعدم كونها مقصودة للواقف ، وإلّا لو سقطت العين عن المنفعة بالمرّة لم يجز بيعها ، إذ كيف يباع ما لا منفعة له أصلا. وسيأتي في (ص ٥٣) بيان ما أراده الشيخ من التعليلين.

(٣) أي : ومنع ابن إدريس قدس‌سره البيع ، استنادا إلى وجوب إبقاء الوقف على حاله ، لأنّه تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة ، فإن تيسّرت الثمرة المسبّلة فهو ، وإلّا فالصرف في منفعة اخرى.

(٤) كعدم إثمار النخلة بسبب قلعها ، فإنّه لا يستلزم فوات منفعة اخرى ، كأن يعمل منها زورق أو جسر ، أو يسقّف بها بيت مثلا.

__________________

(١) الخلاف ، ج ٣ ، ص ٥٥١ ـ ٥٥٢ ، كتاب الوقف ، المسألة : ٢٣

(٢) السرائر ، ج ٣ ، ص ١٦٧

٥٢

وحكي موافقته (١) عن الفاضلين والشهيدين والمحقق الثاني وأكثر المتأخرين.

وحكى في الإيضاح عن والده قدس‌سره : أنّ النزاع بين الشيخ والحلّي لفظي. واستحسنه (٢) ، لأنّ في تعليل الشيخ (٣) اعترافا بسلب جميع منافعها ، والحلّيّ فرض وجود منفعة ، ومنع لذلك بيعها (١).

قيل (٤) : ويمكن بناء نزاعهما على رعاية المنفعة المعدّ لها الوقف ، كما هو

______________________________________________________

(١) أي : موافقة الحلّي ، والموافق جماعة ، والحاكي صاحب المقابس قدس‌سره (٢).

(٢) يعني : واستحسن فخر المحققين كون النزاع لفظيا بين شيخ الطائفة والحلّي ، لمغايرة موضوع المنع والجواز ، وذلك لأنّ الشيخ اعترف بسلب جميع المنافع فجوّز البيع ، والحلّي فرض بقاء بعضها فمنعه. فلو سلب جميع منافع الموقوفة يكون الحلّي مجوزا ، كما أنه لو بقي شي‌ء منها لكان الشيخ مانعا. وهذا هو معنى النزاع اللفظي.

(٣) المقصود من تعليل الشيخ هو الجملة الاولى أعني قوله : «لا يمكن الانتفاع بها إلّا على هذا الوجه» وإلّا لم يتجه نسبة ذلك إلى الشيخ بملاحظة قوله : «لأنّ الوجه الذي شرطه الواقف ...».

(٤) القائل صاحب المقابس قدس‌سره (٣) ، وغرضه جعل النزاع بين العلمين معنويا بأن يتحد موضوع الجواز والمنع.

وحاصله : أن المدار على المنفعة التي اعدت العين الموقوفة لها كالثمرة المترتبة على البستان ، أو على مطلق المنفعة العائدة من العين كالسكنى المترتبة على الدار ، فإذا خرب البستان وبني دارا لم تخرج العين عن الوقفية ، فيكون النزاع بين الشيخ والحلّي معنويا ، لأنّ مناط الجواز عند الشيخ انتفاء خصوص المنفعة المقصودة ، وإن بقيت سائر المنافع ، لقوله : «لأنّ الوجه الذي شرطه الواقف قد بطل» ، ومناطه

__________________

(١) إيضاح الفوائد ، ج ٢ ، ص ٣٩٣.

(٢) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٦٢ ، لكنه قال : «كما نقل» ، والحاكي لها عن الجماعة هو السيد العاملي قدس‌سره ، فراجع مفتاح الكرامة ، ج ٩ ، ص ٩٢ ، وتقدمت المصادر في (ص ١٦) ، فلاحظ.

(٣) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٦٢ ، لكنه قال : «كما نقل» ، والحاكي لها عن الجماعة هو السيد العاملي قدس‌سره ، فراجع مفتاح الكرامة ، ج ٩ ، ص ٩٢ ، وتقدمت المصادر في (ص ١٦) ، فلاحظ.

٥٣

الظاهر من تعليل الشيخ (١) (*). ولا يخلو عن تأمّل (٢).

______________________________________________________

عند الحلي هو انتفاء مطلق المنفعة ، لا خصوص ما شرطه الواقف.

(١) غرض صاحب المقابس من تعليل الشيخ هو قوله : «لأنّ الوجه الذي شرطه الواقف قد بطل» فانه كالصريح في دوران البيع منعا وجوزا مدار ما سبّله الواقف من منفعة وجودا وعدما ، وأنّه لا عبرة بوجود منفعة اخرى ، قال في المقابس : «ويمكن بناء الخلاف على رعاية المنفعة المعدّ ذلك الوقف لها ، وعدمها ، فالشيخ على الأوّل ، والحلّي على الثاني. وهذا هو الظاهر من التعليل كما لا يخفى» (١).

(٢) لعلّ وجه التأمل عدم مساعدة كلامهما على هذا التوجيه ، أمّا الشيخ قدس‌سره فلأنه علّل أوّلا جواز البيع بقوله : «لأنّه لا يمكن الانتفاع بها إلّا على هذا الوجه» ومعناه حصر المنفعة ـ بقول مطلق ـ في البيع ، لا نفي المنفعة المعدّ لها الوقف. ثم علّل هذا الحصر بقوله : «لأنّ الوجه الذي شرطه الواقف قد بطل» وليست هذه الجملة تعليلا لأصل جواز البيع حتى يقال بأنّ مناط الجواز بنظر الشيخ انتفاء المنفعة المقصودة للواقف.

__________________

(*) لكن تعليل الجواز في المبسوط يأبى احتمال إرادة مطلق الانتفاع ، فلاحظ قوله : «إذا قطعت نخلة من أرض الوقف ، أو انكسرت ، جاز بيعها لأرباب الوقف ، لأنّه تعذّر الانتفاع بها على هذا الوجه الذي شرطه ، وهو أخذ ثمرتها». وهذا هو مفاد عبارة الخلاف «لأنّ الوجه الذي شرطه الواقف قد بطل».

وعليه فليس ما أفاده المحقق الشوشتري قدس‌سره بعيدا عن التعليل. ويعود النزاع بينه وبين الحلّى معنويّا ، كما يظهر أيضا من الفقيهين السيد العاملى وصاحب الجواهر قدس‌سره ، فلاحظ (٢).

__________________

(١) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٦٢.

(٢) مفتاح الكرامة ، ج ٩ ، ص ٩٢ ؛ جواهر الكلام ، ج ٢٨ ، ص ١١٠.

٥٤

وكيف كان (١) ، فالأقوى هنا المنع.

وأولى منه (٢) بالمنع ما لو قلّت منفعة الوقف من دون خراب (٣) ، فلا يجوز بذلك (٤) البيع ، إلّا إذا قلنا بجواز بيعه إذا كان (٥) أعود ، وسيجي‌ء تفصيله (٦).

______________________________________________________

وأمّا الحلّي فلدلالة قوله : «وزوال بعض المنافع لا يستلزم زوال جميعها» على دوران منع البيع مدار وجود منفعة ما للوقف ، ولا يجدي زوال خصوص المنفعة المعدّ لها الوقف. وعليه فبناء النزاع على رعاية المنفعة المعدّ لها الوقف بعيد عن مساق الكلامين.

(١) يعني : سواء أكان النزاع بينهما لفظيا أم معنويا ، فالمختار في المسألة هو منع بيع الوقف الذي بقي مقدار من منفعته. والوجه في المنع وجود المقتضي وفقد المانع ، بالتقريب المتقدم في الصورة الثانية ، فراجع (ص ٨).

(٢) الضمير راجع إلى «هنا» المراد به خراب الوقف بما يقلّ نفعه ، وهذا هو الفرع الملحق بالصورة الثالثة. ووجه أولوية منع البيع فيه : أنّ الموضوع لجواز البيع ـ عند القائل به ـ هو «خراب الوقف» بأن يكون قلة المنفعة لأجل خراب العين ، ومن المعلوم عدم صدقه في فرض عمرانها.

نعم يمكن القول بجواز البيع هنا استنادا إلى ما سيأتي في الصورة الرابعة من جواز بيع الوقف لو كان أنفع بحال الموقوف عليه.

(٣) كما إذا استغني عن مثل الحمّام الموقوف ، وعن الخان الموقوف على الزوار والمسافرين ، كما تقدم في الصورة الثانية ، فراجع (ص ٢٢).

(٤) أي : فلا يجوز البيع بقلة المنفعة التي منشؤها خراب العين.

(٥) أي : كان البيع أعود ، وضمير «بيعه» راجع إلى الوقف.

(٦) في الصورة الرابعة ، ولم يختر المصنف قدس‌سره جواز البيع ، لقوله في (ص ٨٧) : «والأقوى المنع مطلقا وفاقا للأكثر».

هذا ما يتعلق بالصورة الثالثة ، وبه تمّ الكلام في بيع الوقف لأجل الخراب ، وسيأتي حكم بيعه لجهات اخرى كالحاجة إلى الثمن وغيرها.

٥٥

الصّورة الرابعة : أن يكون بيع الوقف أنفع وأعود للموقوف عليه (١). وظاهر المراد منه (٢) : أن يكون ثمن الوقف أزيد نفعا من المنفعة الحاصلة تدريجا

______________________________________________________

الصّورة الرابعة : إذا كان بيع الوقف أصلح للموقوف عليه

(١) مورد البحث في هذه الصورة بقاء الوقف عامرا لم يطرأ عليه الخراب ، خلافا لما سبق في الصور الثلاث ، ولم تكن حاجة شديدة للموقوف عليه إلى البيع لصرف الثمن في المئونة كما سيأتي في الصورة الخامسة إن شاء الله تعالى.

فمحلّ الكلام هو البيع لمجرد كونه أصلح بحال الموقوف عليه. وتعرّض المصنف قدس‌سره لجهتين :

إحداهما : راجعة إلى موضوع المسألة ، أعني المقصود بأنفعية البيع.

وثانيتهما : راجعة إلى الحكم ، وهو المنع الذي ذهب إليه الجلّ ، أو الجواز المنسوب إلى الشيخ المفيد. وسيأتي الكلام في كل منهما إن شاء الله تعالى.

(٢) أي : من كون البيع أنفع ، وهذا إشارة إلى الجهة الاولى.

وتوضيحها : أنّ المراد بقاء أصل الثمن وزيادة نفعه ـ أو نفع بدله ـ على ما يعود فعلا إلى الموقوف عليه. كما إذا كانت اجرة الدار الموقوفة مائة دينار شهرا ، ولو بيعت بعشرة آلاف وضورب بالثمن كان الربح الحاصل للموقوف عليه ـ في الشهر ـ مائتين. فتزيد حصة كل واحد من الموقوف عليهم على ما حصل بالإجارة. وكذا لو ابدل الثمن بخان أو دكان ، وكانت الاجرة مائتي دينار شهرا.

وليس المراد بأنفعية البيع صرف أصل الثمن في البطن الموجود ، ضرورة كون

٥٦

مدّة وجود الموقوف عليه (١).

وقد نسب (٢) جواز البيع هنا إلى المفيد (٣) ،

______________________________________________________

البيع أنفع ـ بهذا المعنى ـ من إبقاء الوقف والانتفاع به تدريجا.

والحاصل : أنّ المقصود بكون البيع أعود وأصلح للموقوف عليه زيادة المنفعة التدريجية ـ الحاصلة من الثمن أو البدل ـ على ما ينتفع فعلا من نفس الموقوفة.

ثمّ إنّ الأنفعية تلاحظ تارة بالنسبة إلى خصوص البطن الموجود ، مع الغضّ عن الطبقة اللاحقة ، واخرى مطلقا أي بالنسبة إلى جميع البطون ، بحيث لو قيل بجواز البيع اعتبر كونه أعود لجميع البطون ، لا للطبقة الموجودة خاصة ، وسيأتي في العبارة التنبيه عليه.

(١) وهو كل بطن من البطون ، يعني : أن النفع الواصل إلى كل طبقة ـ من ثمن الموقوفة أو بدلها ـ أزيد مما ينتفع به من نفس الوقف.

(٢) الناسب جماعة كالفاضل الآبي (١) والشهيد (٢) والفاضل الصيمري ـ على ما حكاه عنه في المقابس (٣) ـ والمحقق الثاني (٤) وغيرهم ، ففي كشف الرموز : «فهل يجوز تغيير الوقف أو بيعه لمصلحة؟ قال الثلاثة وسلّار : نعم ، لو كان أنفع للموقوف عليهم وأصلح» ومراده بالثلاثة الشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي.

وفي الدروس : «وجوّز المفيد بيعه إذا كان أنفع من بقائه» (٥).

(٣) ظاهره انحصار القائل بالجواز في الشيخ المفيد قدس‌سره. لكن عرفت نسبة جواز

__________________

(١) كشف الرموز ، ج ٢ ، ص ٥٢ و ٥٣ ، ونقله السيد العاملي في مفتاح الكرامة ، ج ٤ ، ص ٢٥٦ ، وفي ج ٩ ، ص ٨٦.

(٢) غاية المراد ، ج ٢ ، ص ٢٤.

(٣) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٤٣.

(٤) جامع المقاصد ، ج ٤ ، ص ٦٨ ، وكذا السيد العاملي في مفتاح الكرامة ، ج ٩ ، ص ٨٨.

(٥) الدروس الشرعية ، ج ٢ ، ص ٢٧٩.

٥٧

وقد تقدّم (١) عبارته ، فراجع.

______________________________________________________

البيع إلى غيره أيضا وإن لم تخل عن تامّل. وكذا نسبه الشهيد الثاني قدس‌سره إلى الشهيد والمحقق الثاني ، فراجع (١).

(١) غرضه التأمل في نسبة الجواز إلى الشيخ المفيد قدس‌سره ، فإن العبارة التي استفيد منها تجويزه للبيع ـ إذا كان أنفع بحال الموقوف عليه ـ هي قوله : «الوقوف في الأصل صدقات لا يجوز الرجوع فيها إلا أن يحدث الموقوف علهم ما يمنع الشرع من معونتهم ... أو يكون تغيير الشرط في الموقوف أدرّ عليهم وأنفع لهم من تركه على حاله (٢)».

ومحصله : جواز الرجوع في صورتين :

الاولى : امتناع التقرب إليه تعالى بمعونة الموقوف عليهم وصلتهم.

الثانية : كون تغيير الشرط أنفع للموقوف عليه ، بناء على أن يكون مقصوده قدس‌سره من تغيير الشرط تبديل العين الموقوفة. وعلى هذا تتّجه نسبة جواز بيع الوقف ـ إن كان أعود ـ إلى الشيخ المفيد ، هذا.

ولكن الظاهر عدم وفاء العبارة بذلك ، لما في «تغيير الشرط» من احتمالين :

أحدهما : ما تقدم من إرادة تغيير شرط من شرائط الموقوفة مع إبقاء الوقف بحاله ، فلو غيّر شرط عدم البيع أو شرط الدوام وكان أنفع بالموقوف عليه انتقلت الوقفية إلى الثمن أو البدل. كما إذا قال الواقف : «تصدقت بهذه الدار صدقة جارية مؤبدة لا تباع ولا توهب على أولادي بشرط أن يتهجّدوا» فالمراد تجويز تغيير شرط ـ كشرط عدم بيعها ـ إن كان أنفع بحال الموقوف عليه.

وبناء على هذا الاحتمال ينبغي أن يراد بكلمة «الرجوع عن الوقف» في

__________________

(١) مسالك الأفهام ، ج ٥ ، ص ٣٩٩.

(٢) المقنعة ، ص ٦٥٢ ، وتقدم كلامه في الأقوال ، فراجع ج ٦ ، ص ٥٥٧.

٥٨

وزيادة النفع (١) (*) قد تلاحظ بالنسبة إلى البطن الموجود ، وقد تلاحظ

______________________________________________________

جملة المستثنى منها فسخ الشرط المأخوذ في صيغة الوقف ، لا فسخ أصل الوقف والعدول عنه.

ثانيهما : أن يراد من «تغيير الشرط» الرجوع عن أصل الوقف وإبطاله رأسا وجعله كأن لم يكن. وبناء على هذا الاحتمال لا يكون جواز الرجوع أنفع للموقوف عليهم ، بل هو أنفع للواقف المباشر للبيع.

إلّا أن توجّه الأنفعية لهم بإرادة صرف الثمن فيهم ، أو التصدق على كل واحد منهم بما يستحقه ، ولكن لا قرينة في عبارة الشيخ المفيد على هذا التوجيه.

ويمكن ترجيح الاحتمال الثاني على الأوّل بقرينة كلمة «الرجوع» وبيانه : أن المراد بالرجوع في الصورة الاولى ـ وهي امتناع إعانة الموقوف عليهم شرعا ـ ما هو ظاهره من فسخ أصل الوقف ، وينبغي أن يكون هذا المعنى هو المراد ـ بمقتضى السياق ـ من الرجوع في الصورة الثانية. وحينئذ يتعيّن حمل قوله : «تغيير الشرط» على الاحتمال الثاني ، أعني به تغيير ما اشترطه في الإنشاء من عدم بيع الوقف كليّة ، وتغييره بتجويز البيع لا إلى بدل ، هذا.

ولو قيل بعدم قرينية كلمة «الرجوع» على العدول عن أصل الوقف ، فلا أقلّ من إجمال عبارة الشيخ المفيد قدس‌سره وعدم ظهورها فيما نسب إليه من جواز البيع إن كان أعود للموقوف عليه ، هذا.

(١) يعني : أن زيادة منفعة الثمن ـ أو البدل ـ على منفعة نفس العين الموقوفة قد تلاحظ بالنسبة إلى البطن الموجود ، فاللازم على متولّي البيع رعاية مصلحة خصوص البطن الموجود ، وعدم العبرة بمنفعة المعدومين ، وهذا مبني على ما تقدم

__________________

(*) هذه الجملة راجعة إلى موضوع المسألة من زيادة نفع البيع على بقائه ، لا إلى أصل جواز البيع والمنع ، فلعلّ الاولى التعرض لها قبل قوله : «وقد نسب ... الخ».

٥٩

بالنسبة إلى جميع البطون إذا قيل (١) بوجوب شراء بدل الوقف بثمنه.

والأقوى المنع مطلقا (٢) ،

______________________________________________________

في الصورة الاولى (١) من انتهاء أمد الوقف بالبيع وانتقال الثمن إلى البطن الموجود ، بدعوى : أن الوقف على تقدير بقائه يصير ملكا للبطن اللاحق ، وبيعه يبطل هذا التقدير ، فلذا يختص الثمن بالموجود.

وأمّا بناء على كون الثمن ملكا فعليا للموجود وشأنيا للمعدوم ـ كما حققه المصنف قدس‌سره هناك (٢) ـ فلا بد من ملاحظة زيادة المنفعة للجميع ، ولا يحلّ بيع الموقوفة لو اختصت زيادة منفعة البدل أو الثمن بالبطن الموجود.

(١) وأمّا إذا قيل بالاختصاص بالبطن الموجود ـ كما اختاره المحقق قدس‌سره وغيره في دية العبد الموقوف المقتول (٣) ـ كفى كون البيع أنفع بحال البطن الموجود من إبقاء نفس الموقوفة.

(٢) هذا بيان المختار ، والمراد بالإطلاق ما يقابل التفصيل بين حاجة الموقوف عليهم إلى البيع ، وعدمه. كما نقله السيد الفقيه العاملي (٤) عن النهاية والجامع. وعدّه المحقق الشوشتري قولا ثانيا في المسألة ، فقال : «إنّه يجوز البيع إذا كان أنفع بشرط الحاجة الضرورية إلى ذلك ، وقد قال بذلك كثير من الأصحاب» (٥).

وتقييد جواز البيع يظهر من الشهيد قدس‌سره في غاية المراد ، كما نسبه إليه في الجواهر (٦).

__________________

(١) راجع هدى الطالب ، ج ٦ ، ص ٦٣٢.

(٢) هدى الطالب ، ج ٦ ، ص ٦٢٧.

(٣) شرائع الإسلام ، ج ٢ ، ص ٢١٩.

(٤) مفتاح الكرامة ، ج ٤ ، ص ٢٥٧.

(٥) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٤٥.

(٦) غاية المراد ، ج ٢ ، ص ٢٨ و ٣٠ ؛ جواهر الكلام ، ج ٢٢ ، ص ٣٦٤.

٦٠