🚘

هدى الطالب إلى شرح المكاسب - ج ٧

السيّد محمّد جعفر الجزائري المروّج

هدى الطالب إلى شرح المكاسب - ج ٧

المؤلف:

السيّد محمّد جعفر الجزائري المروّج


الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٨٠
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ 🚘 الجزء ٥ 🚘 الجزء ٦ 🚘 الجزء ٧
🚘 نسخة غير مصححة

بحكم (١) الشرع (*).

والمسألة من أصلها موضع إشكال (٢) ، لعدم لزوم الجمع بين العوض والمعوّض ، لأنّ الدية عوض شرعيّ عمّا فات بالجناية ، لا عن رقبة العبد. وتمام الكلام في محلّه.

______________________________________________________

والدية معوّضا. ولا بأس ، لاتصاف كلا المالين بالعوضية في مبادلتهما.

(١) متعلق ب «أخذ» يعني : يكون الأخذ مستندا إلى حكم الشارع.

(٢) كذا في المقابس أيضا. وغرضهما قدس‌سرهما التأمل في كبرى المسألة المعنونة في باب القصاص ، ولا اختصاص للإشكال بالجناية على أمّ الولد.

ووجه التأمّل : الخدشة في الاستدلال عليه بمحذور الجمع بين العوض والمعوّض ، ضرورة كون الدية عوضا شرعيا عمّا فات بالجناية ، لا عوضا عن رقبة المجني عليه ، حتى يقال بلزوم تسليم المملوك إلى الجاني ـ لو دفع القيمة ـ حذرا من اجتماع العوض والمعوض عند أحد المالكين. فإن تمّ خبر أبي مريم ولو بانجباره بعمل المشهور فهو الحجة ، وإلّا فيشكل الأمر في مطلق المملوك ، خصوصا في أمّ الولد من جهة تشبثها بالحرية ، واستلزام دفعها إلى الجاني فوات حق الاستيلاد.

هذا تمام الكلام في المورد الخامس.

__________________

(*) لكن يمكن منعه بأن يقال : إنّ جواز الإعطاء شرعا أوّل الكلام ، لإمكان الجمع بين دليلي الجناية والاستيلاد بما عرفت آنفا من لزوم دية الجناية على الجاني ، وعدم انتقالها إلى الجاني ، حفظا لحق الاستيلاد. ودعوى لزوم الجمع حينئذ بين العوض والمعوض قد عرفت ما فيها. وقد أشار إليه المصنف قدس‌سره بقوله : «لأن الدية عوض شرعي عمّا فات بالجناية ... الخ».

٤٢١

ومنها (١) : ما إذا لحقت بدار الحرب ، ثم استرقّت (*) حكاه في الروضة.

______________________________________________________

٦ ـ إذا لحقت بدار الحرب ، ثم استرقت

(١) معطوف أيضا على قوله في (ص ٢٩٦) : «فمن موارد القسم الأوّل» وهذا المورد حكاه الشهيد الثاني قدس‌سره عن بعض. وأما الصورة الاخرى ـ وهي ما لو أسرها المشركون ثم استعادها المسلمون ـ فأضافها صاحب المقابس قدس‌سره.

والمراد بلحوقها بدار الحرب أعم من كونه باختيارها أو باستيلاء المشركين عليها ـ كما صرّح به في المقابس ـ كما أنّه لا فرق في المسترق بين أن يكون مولاها وغيره.

والمراد بالأسر أن يغزو المشركون على بلاد المسلمين فيأسروها ، ثم استعادها المسلمون منهم.

قال المحقق الشوشتري قدس‌سره : «وتحقيق المسألة : أنّ المسترق لها إن كان المولى فهي أمّ ولده كما كانت. وإن كان ـ أي المسترق ـ من جملة المقاتلين فهو أحقّ بها ، بل هو أولى ممّن استولد جارية من المغنم. والكلام في تقويمها عليه كما إن لم يكن مسترقا ولا غانما. وبيان ذلك : أنّ المشركين إذا غنموا من المسلمين فإنّهم لا يملكون ذلك مطلقا. فإذا غنمه المسلمون منهم ، فإن أقام أربابها البيّنة قبل القسمة ردّ عليه بأعيانها ، ولا يغرم الإمام للمقاتلة شيئا ، كما هو المنقول في التذكرة والمنتهى عن عامة أهل العلم ... وإن جاءوا بالبينة بعد القسمة فلعلمائنا وللشيخ قولان في ذلك ...». ثم قال في آخر كلامه : «وللاستثناء وجه في الصورة الثانية لا الاولى» (١) فراجع.

__________________

(*) اورد عليه بأنّ اللحوق بدار الحرب إن كان مخرجا لها عن رقيّتها لمولاها.

__________________

(١) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٨٨.

٤٢٢

وكذا لو أسرها المشركون (١) ، ثم استعادها المسلمون

______________________________________________________

(١) جواز البيع في هذه الصورة موقوف على امور ثلاثة :

أحدها : أن يكون الآسر لها غير مولاها ، فلو كان مولاها لا يجوز بيعها ، لإطلاق أدلة المنع.

ثانيها : عدم العلم بكونها ملكا للمولى قبل القسمة ، إذ معه كذلك لا يجري عليها القسمة ، بل هي باقية على ملك مولاها ، ولا تقسّم بين المسلمين المقاتلين.

ثالثها : لزوم القسمة وعدم انتقاضها بثبوت كونها ملكا للمولى بعد القسمة ، وغرامة الإمام عليه‌السلام قيمتها للمقاتلة ، إذ بناء على انتقاضها بالعلم بسبق ملك

__________________

المستولد ، وكان مسترقّها غير مولاها ، فجواز بيعها حينئذ ممّا لا إشكال فيه ، لخروج هذه الصورة عن قاعدة المنع عن بيعها موضوعا. وإن كان مسترقها مولاها فجواز بيعها لا يخلو عن إشكال ، لإطلاق أدلة المنع ، فلا يجوز. ومن دعوى انصرافها عن هذه الصورة فيجوز هذا ما أفاده صاحب الكفاية قدس‌سره (١).

أقول : الظاهر جواز بيعها على كل حال. أمّا إذا كان المسترق غير المولى فظاهر. وأمّا إذا كان المولى فلأنّ المنع الذي هو حكم شرعي تابع لموضوعه ، وهو بقاء سيادة المولى ومالكيته عليها ، إذ عدم جواز نقلها حكم لسيدها المستولد لها فقط. فمع ارتفاع سيادته عنها يرتفع خطاب عدم الجواز عنه ، فلا موضوع حتى يكون موردا للإطلاق أو الاستصحاب. فجواز البيع للمستولد لها إذا كان هو المسترق لها لا يخلو من جودة كما ذهب إليه بعض ، وإن تنظّر فيه غير واحد كصاحب الجواهر قدس‌سره.

نعم ، بناء على عدم كون اللحوق مزيلا للملكية فلا ينبغي الإشكال في عدم جواز البيع لمستولدها ، إذ المفروض بقاؤها على ملكه ، فلا موجب لجواز بيعها.

وتفصيل المسألة موكول إلى محلّه.

__________________

(١) حاشية المكاسب ، ص ١١٩.

٤٢٣

وكأنّه (١) [فكأنّه] فيما إذا أسرها غير مولاها (٢) ، ولم [فلم] يثبت كونها أمة المولى إلّا بعد القسمة (٣) ، وقلنا بأنّ القسمة لا تنقض ، ويغرم الإمام قيمتها لمالكها (٤).

لكن المحكيّ (٥) عن الأكثر

______________________________________________________

المولى لا تعطى لغيره من المسلمين ، فلا يجوز له بيعها. وعدم انتقاض القسمة وغرامة الإمام عليه‌السلام هو المحكي عن الشيخ في النهاية ، لكن عن الأكثر انتقاض القسمة ، وردّها على مولاها ، وهو المنصوص أيضا ، والتفصيل في محله في كتاب الجهاد.

(١) الضمير راجع إلى الاستثناء المفهوم من السياق ، وغرضه توجيه عدّ الصورة الثانية ـ وهي ما لو أسرها المشركون ثم استعادها المسلمون ـ من جملة مواضع الاستثناء. وتقدّم آنفا اشتراط جواز البيع فيها بأمور ثلاثة.

(٢) هذا أوّل الشروط ، إذ لو أسرها مولاها كانت أمّ ولده ، فيمنع نقلها عن ملكه.

(٣) هذا ثاني الشروط ، فلو أسرها غير المولى وتبيّن قبل قسمة غنائم الحرب كونها وليدة مولاها ردّت إليه. ففي الجواهر : «وأما الأموال والعبيد فلأربابها قبل القسمة ، عند عامة العلماء كما في المنتهى ومحكيّ التذكرة ، بدون غرامة شي‌ء للمقاتلة» (١).

(٤) هذا ثالث الشروط ، فلو تبيّن كونها أمّ ولد بعد قسمة الغنائم ـ وقلنا بجواز نقض القسمة ـ ردّت إلى مولاها.

(٥) نسبه صاحب المقابس إلى الأكثر خلافا لما في النهاية من كون الغنائم بعد القسمة لأربابها ، ويغرم الإمام قيمتها لمالكها ، قال المحقق قدس‌سره : «ولو عرفت بعد القسمة فلأربابها القيمة من بيت المال. وفي رواية : تعاد على أربابها بالقيمة. والوجه

__________________

(١) جواهر الكلام ، ج ٢١ ، ص ٢٢٣.

٤٢٤

والمنصوص (١) : أنّها تردّ على مالكها ، ويغرم قيمتها للمقاتلة.

______________________________________________________

إعادتها على المالك» (١).

واستدل عليه في الجواهر بقوله : «الذي هو أحق بماله أينما وجده ، وفاقا للمحكي عن الشيخ في المبسوط وابني زهرة وإدريس والفاضل والشهيدين والكركي والمقداد وغيرهم ، بل عن الغنية الإجماع عليه» (٢).

ثم قال مازجا للشرح بالمتن : «ولكن يرجع الغانم بقيمتها على الإمام عليه‌السلام ، كما صرّح به غير واحد ، مطلقين ذلك ، لخبر طربال المنجبر سنده بفتوى من عرفت» (٣).

(١) ليست هذه الجملة منصوصة بنفسها ، لكنها مضمون رواية طربال ، عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : «سئل عن رجل كان له جارية ، فأغار عليه المشركون ، فأخذوها منه. ثم إنّ المسلمين بعد غزوهم ، فأخذوها فيما غنموا منهم. فقال : إن كانت في الغنائم وأقام البيّنة أنّ المشركين أغاروا عليهم ، فأخذوها منه ردّت عليه. وإن كانت قد اشتريت وخرجت من المغنم فأصابها ، ردّت عليه برمّتها. واعطي الذي اشتراها الثمن من المغنم من جميعه. قيل له : فإن لم يصبها حتى تفرّق الناس وقسّموا جميع الغنائم فأصابها بعد؟ قال : يأخذها من الذي هي في يده إذا أقام البيّنة ، ويرجع الذي هي في يده ـ إذا أقام البينة ـ على أمير الجيش بالثمن» (٤).

ودلالتها على كون الجارية ـ بعد الأسر ـ لمولاها مطلقا ظاهرة ، سواء وجدها في الغنائم قبل تقسيمها ، أم وجدها في يد من اشتراها من المقاتلين بعد تقسيم الغنائم بينهم ، وعلى كلّ فرقبتها ملك مولاها ، وعلى أمير الجيش إعطاء الثمن لمن اشتراها من المقاتلين.

__________________

(١) شرائع الإسلام ، ج ١ ، ص ٣٢٦.

(٢) جواهر الكلام ، ج ٢١ ، ص ٢٢٥.

(٣) جواهر الكلام ، ج ٢١ ، ص ٢٢٥.

(٤) وسائل الشيعة ، ج ١١ ، ص ٧٥ ، الباب ٣٥ من أبواب جهاد العدو ، الحديث : ٥.

٤٢٥

ومنها (١) : ما إذا خرج مولاها عن الذمّة (٢) وملكت أمواله التي هي منها.

ومنها (٣) : ما إذا كان مولاها ذمّيّا وقتل مسلما ،

______________________________________________________

قال في الوسائل : «قد عمل به الشيخ وجماعة ، وحملوا ما خالفه على التقية» (١).

هذا ما يتعلق بالمورد السادس.

٧ ـ خروج مولاها عن الذمة

(١) معطوف على قوله : «فمن موارد القسم الأوّل» وهذا مورد سابع ، قال في المقابس : «الثامنة عشر : إذا خرج مولاها عن الذمة ، وملكت أمواله التي هي ـ أي أمّ ولده ـ منها ، فيتصرّف فيها بالبيع وغيره. والقول باستثناء ذلك منقول في الروضة عن بعض الأصحاب ، وإنّما فرض في الذّمّي ، لأنّه هو الذي تجري عليه أحكام المسلمين ، ويحكم باستيلاد أمته. وأمّا المستأمن فليس كذلك ... الخ» (٢).

(٢) إمّا بعدم أداء الجزية ، وإمّا بمحاربته للمسلمين ، وإمّا بارتكابه للمنكرات جهرا ، وإمّا بإعانة الكفار عليهم ، وإمّا بغير ذلك ، فإنّ الذّمّي إذا خرق الذمة صار حربيا ، ويجري عليه حكم الحربي من إباحة أمواله ودمه ، فلا مانع من استرقاق أمّ ولده وبيعها.

٨ ـ إذا قتل مولاها الذمي مسلما

(٣) معطوف أيضا على قوله : «فمن موارد القسم الأوّل» وهذا مورد ثامن مما استثني من عموم منع نقل أمّ الولد ، والمستثنى له صاحب المقابس. قال قدس‌سره في الصورة الرابعة والثلاثين : «إذا كان مولاها ذمّيّا ، وقتل مسلما ، فيدفع هو وأمواله إلى أولياء المقتول كما هو المشهور بين الأصحاب والمنقول عليه الإجماع في الانتصار والسرائر

__________________

(١) وسائل الشيعة ، ج ١١ ، ص ٧٥ ، الباب ٣٥ من أبواب جهاد العدو ، الحديث : ٥.

(٢) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٨٨.

٤٢٦

فإنّه يدفع (١) هو وأمواله إلى أولياء المقتول.

هذا ما ظفرت به من موارد القسم الأوّل ، وهو ما إذا عرض لأمّ الولد حقّ للغير أقوى من الاستيلاد.

______________________________________________________

وغيرهما ، والمرويّ في الصحيح وغيره. فإذا استرقّوا القاتل وملكوا أمواله فامّ الولد منها ، لكونها مملوكة ، ولهم التصرف فيها بما شاءوا. وإن قتلوه وقلنا بأنّ لهم حينئذ ماله بتمامه بمجرّد الدفع بل القتل ، فكذلك ... الخ» (١).

وما نسبه إلى الأصحاب ـ من حكم جناية الذمي على مسلم ـ مذكور في باب القصاص ، ومورده قتل المسلم عمدا كما في الجواهر (٢). وقد دلّ على الحكم غير واحد من النصوص ، ففي صحيح ضريس الكناسي عن أبي جعفر قدس‌سره : «في نصراني قتل مسلما ، فلمّا اخذ أسلم. قال : اقتله به. قيل : وإن لم يسلم؟ قال يدفع إلى أولياء المقتول ، فإن شاءوا قتلوا ، وإن شاءوا عفوا ، وإن شاءوا استرقّوا. قيل : وإن كان معه عين [مال]؟ قال : دفع إلى أولياء المقتول هو وماله» (٣).

ثم قال في الجواهر : «والظاهر أن ذلك حكم قتله المسلم ، لا لخروجه بذلك عن الذمة المبيح لنفسه ـ قتلا واسترقاقا ـ ولماله ، كما في كشف اللثام ... وإلّا لجاز لغير أولياء المقتول ، وهو خلاف النص والفتوى» (٤).

والمقصود أنّ جواز استرقاق القاتل الذمي وأمّ ولده منصوص بخصوصه ومعقد الإجماع كذلك ، ولذا لم يعدّ من صغريات المورد السابق ، وهو تخلف الذمي عن شروط الذمة.

(١) أي : يدفع المولى الذمي وأمواله ـ التي منها أمّ ولده ـ إلى أولياء المقتول ، كما هو المشهور نقلا وتحصيلا ، على ما في الجواهر (٥).

__________________

(١) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٩٤.

(٢) جواهر الكلام ، ج ٤٢ ، ص ١٥٦.

(٣) الوسائل ، ج ١٩ ، ص ٨١ ، الباب ٤٩ من أبواب قصاص النفس ، الحديث : ١.

(٤) جواهر الكلام ، ج ٤٢ ، ص ١٥٧.

(٥) جواهر الكلام ، ج ٤٢ ، ص ١٥٦.

٤٢٧

وأمّا القسم الثاني (١) ـ وهو ما إذا عرض لها حقّ لنفسها أولى بالمراعاة من حقّ الاستيلاد ـ فمن موارده :

ما إذا أسلمت وهي أمة ذمّيّ (٢) ،

______________________________________________________

هذا ما يتعلق بجملة من صور الاستثناء التي جعلها المصنف في القسم الأوّل ، والجامع بينها تعلق حق الغير بامّ الولد. وتقدّم أنّ مناط الجواز في بعضها قصور دليل المنع عن شموله للتملّك القهري الناشئ عن الاسترق‌اق ، وبعد حصول الملكية للمسترق يجوز له بيعها ، لاختصاص عدم الجواز بمن استولدها.

واعتذر صاحب المقابس قدس‌سره عن إهمال عدّة من الصور في كتب الفقهاء ـ مع التزام كثير منهم بجواز بيع أمّ الولد في جملة منها ـ بأنّ مقصودهم الاقتصار على المنصوص بخصوصه ، والغالب وقوعه ، وأنّ مرادهم أنه لا يجوز للمولى ومن بحكمه كالوارث أن يبيعها باختياره ، ولا ريب في خروج كثير من الصور عن ذلك (١).

موارد القسم الثاني

(١) أي : القسم الثاني من مواضع الاستثناء الأربعة ، وقوله : «وأما» معطوف على قوله : «فمن موارد القسم الأول» وكان الأنسب بالسياق أن يقول هنا : «ومن موارد القسم الثاني» أو تصدير القسم الأول بقوله : «أما القسم الأوّل فموارد منها ...».

وكيف كان فقد جمع المصنف قدس‌سره تحت هذا العنوان موارد أربعة سيأتي بيانها.

١ ـ إذا أسلمت وهي أمة ذمّي

(٢) هذا هو المورد الأوّل ، وعقد له صاحب المقابس الصورة السابعة والعشرين ، فقال : «إذا كانت مستولدة ذمّيّ ، ثم أسلمت دونه ، فتباع عليه ...» وأشار إلى فتوى جماعة ببيعها على مولاها قهرا ، كالشيخ والحلي والفاضلين والشهيدين والسيوري والصيمري وغيرهم ، فراجع (٢).

__________________

(١) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٩٤ ـ ٩٥.

(٢) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٩٢.

٤٢٨

.................................................................................................

______________________________________________________

قال ابن إدريس قدس‌سره : «ولا خلاف بين أصحابنا : أنّ الذمي إذا كانت عنده جارية ذميّة ، فأسلمت ، فإنّها تباع عليه بغير اختياره ، ويعطى ثمنها ، لقوله تعالى : (وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً). وهذا مذهب شيخنا في مبسوطه» (١).

وظاهر «عندنا» في المبسوط (٢) هو الإجماع ، لا كون بيعها على الذمي رأيه خاصة.

ولا يخفى أنّ الحكم بوجوب بيعها قهرا على مولاها مورد لتعارض دليلين بالعموم من وجه :

أحدهما : ما دلّ على وجوب بيع العبد المسلم على مولاه الكافر ، من النّص والإجماع المتقدمين في مسألة منع نقل العبد المسلم إلى كافر (٣) ، ومن المعلوم أنّ المنهي عنه هو نقل مطلق المملوك سواء أكان عبدا أم أمة ، وسواء أكانت الأمة ذات ولد أم لم تكن.

ثانيهما : ما دلّ على منع بيع أمّ الولد رعاية لحقّ الاستيلاد ، وإطلاق المنع يعمّ ما لو كان مولاها مسلما أو كافرا.

ومادة اجتماع العامّين من وجه هي أمّ ولد أسلمت عن مولى ذمّيّ.

وحينئذ فإن كان لأحد المتعارضين حكومة على الآخر ، أو مرجّح يوجب تقديمه على الآخر ، فهو. وإن لم يكن شي‌ء منهما فمقتضى قاعدة التعارض تساقطهما في مورد الاجتماع ، والرجوع إلى دليل آخر ، وهو إمّا عموم ما يقتضي صحة بيعها ، وإمّا استصحاب منع البيع.

__________________

(١) السرائر ، ج ٣ ، ص ٢٢.

(٢) المبسوط ، ج ٢ ، ص ١٨٨.

(٣) هدى الطالب ، ج ٦ ، ص ٢٨٤.

٤٢٩

فإنّها تباع عليه (١) ، بناء (٢) على أنّ حقّ إسلامها المقتضي (٣) لعدم سلطنة الكافر عليها أولى من حقّ الاستيلاد المعرّض للعتق. ولو فرض تكافؤ دليلهما (٤)

______________________________________________________

وحكم المصنف قدس‌سره بصحة بيعها ، إما لترجيح أحد المتعارضين على الآخر بوجوه ثلاثة ، وإمّا لمرجعية عمومات الصحة لو فرض تكافؤ العامين من وجه في مادة الاجتماع ، وسيأتي بيان كلا الوجهين إن شاء الله تعالى.

(١) أي : فإنّ أمّ الولد ـ التي أسلمت ـ تباع على مولاها الذمي قهرا ، وفي المسألة أقوال اخرى نقلها في المقابس والجواهر ، والجهة المشتركة بين الكل نفي سلطنة الكافر عليها.

فمنها : أنّها لا تقرّ في يده ، بل تكون عند امرأة مسلمة تتولّى القيام بحالها ، ويؤمر بالإنفاق عليها ما دام ولدها باقيا ، كما عن الخلاف وموضع من المبسوط.

وعن ابن سعيد : أنّ الحاكم يتركها عند من يرى تركها عنده مصلحة.

ومنها : ما عن التذكرة من أنه يحال بينها وبين مولاها ، وتكسب في يد غيره له ، ويؤخذ منه النفقة.

ومنها : ما عن المختلف من أنّها تستسعى في قيمتها ، فإذا أدّتها عتقت.

ومنها : وجوب دفع قيمتها من الزكاة أو من بيت المال لتعتق. وإلّا بيعت.

ومنها : غير ذلك ، فراجع (١).

(٢) لا ريب في ابتناء وجوب البيع على تقديم حق الإسلام على حق الاستيلاد ، ووجه التقديم امور ثلاثة سيأتي بيانها. فلو قيل بتكافئ الحقّين وتساقطهما أو بالجمع بينهما مهما أمكن ـ كما يراه بعض القائلين بعدم تعيّن البيع ـ لم يتجه القول بوجوب البيع بهذا الطريق ، فإن تمّ الطريق الثاني فهو ، وإلّا أشكل الأمر.

(٣) صفة لحقّ إسلام أمّ الولد.

(٤) وتساقطهما في المجمع ، وهذا إشارة إلى إثبات صحة البيع بنحو آخر ، أي

__________________

(١) جواهر الكلام ، ج ٢٢ ، ص ٣٤٣.

٤٣٠

كان المرجع عمومات صحة البيع ، دون قاعدة «سلطنة الناس على أموالهم» المقتضية (١) لعدم جواز بيعها عليه ، لأنّ (٢) المفروض : أنّ قاعدة «السلطنة»

______________________________________________________

العموم المقتضي للصحة. وتقريب التمسك به هو كون الشك في التخصيص الزائد ، إذ لو كان دليل حقّ إسلامها مقدّما على دليل حق الاستيلاد لم يلزم تخصيص في عمومات صحة البيع. وإن كان حقّ الاستيلاد مقدّما على حقّ إسلامها لزم تخصيص فيها ، هذا (*).

(١) وذلك لأنّ مقتضى سلطنة المالك على ماله عدم نفوذ تصرف اعتباري فيه من دون رضاه ، وحرمة مزاحمته. فالحكم بوجوب بيع الأمة ـ قهرا ـ على مولاها مع فرض بقائها بعد الإسلام على ملكه تقييد لإطلاق سلطانه ، وبعد تكافؤ حقّي الإسلام والاستيلاد وتساقطهما يرجع إلى قاعدة السلطنة المانعة عن بيعها عليه قهرا. ولا تصل النوبة إلى عموم حلّ البيع وصحة العقود.

(٢) تعليل لقوله : «كان المرجع عمومات صحة البيع دون قاعدة السلطنة» وتوضيحه : أنّ مرجعية قاعدة السلطنة في المقام منوطة بعدم وجود دليل حاكم عليها ، والمفروض حكومة قاعدة «نفي سلطنة الكافر على المسلم» على قاعدة «سلطنة الناس على أموالهم».

ولعلّ وجه الحكومة : أنّ قاعدة نفي السبيل وإن لم تكن شارحة بمدلولها اللفظي لما يراد من قاعدة السلطنة ، إلّا أنه يكفي في الحكومة أن يتعرض الدليل الحاكم إلى عقد الوضع أو عقد الحمل في الدليل المحكوم. وهذه الضابطة تنطبق على قاعدة نفي السبيل ، وينتفي بها سلطنة الكافر على مملوكه المسلم. وبعد سقوط

__________________

(*) لكن الحق كون المرجع في المقام استصحاب حكم المخصص أعني به ما دلّ على عدم جواز بيع أمّ الولد ، لا عموم العام ، لعدم كون الشك في التخصيص الزائد ، بل في استمرار حكم المخصص كما لا يخفى.

٤٣١

قد ارتفعت بحكومة أدلة نفي سلطنة الكافر على المسلم (*). فالمالك ليس مسلّطا قطعا (١) ، ولا حقّ له في عين الملك جزما (٢).

______________________________________________________

قاعدة السلطنة لا يبقى مانع من الرجوع إلى عموم ما دلّ على حلّ البيع ووجوب الوفاء بالعقود.

(١) وإن كان مالكا لأمّ ولده قطعا ، لعدم خروجها عن ملك الكافر بمجرّد قبول الإسلام ، وإلّا لم يكن معنى للبيع عليه ، فإنّ إلزامه بالبيع شرعا دليل كونها ملكا له.

(٢) لانتقال حقّه إلى ثمنها لو بيعت.

وقد تحصّل إلى هنا : أنّ أمّ الولد المسلمة ليست موردا لتعارض قاعدة نفي

__________________

(*) لا يخفى أنّ دليل نفي سلطنة الكافر على المسلم ـ المقتضي لجواز البيع على الكافر ـ معارض بدليل منع البيع المقتضي لفساد البيع. ومع التعارض لا حكومة لدليل نفي السلطنة على قاعدة السلطنة. فمنع الرجوع إلى قاعدة السلطنة لحكومة دليل نفي سلطنة الكافر على المسلم غير ظاهر ، كما سبق التأمل في هذه الحكومة في مسألة بيع العبد المسلم من الكافر ، حيث قال : «وحكومة الآية عليها غير معلومة» (١).

ولا بأس بتوجيه الحكومة بما في كلام المحقق الأصفهاني قدس‌سره (٢) : بأنّها من باب نفي الحكم بلسان نفي الموضوع تنزيلا حتى ينتفي الحكم المترتب عليه ، ولا يكون حينئذ منافيا لما دلّ على ثبوت الحكم ، إذ لا ملك للكافر تنزيلا ـ وإن كان مالكا حقيقة ـ حتى يترتب عليه السلطنة التي هي سبيل على المسلم. لكن لم يعلم كفاية هذا المقدار ـ بنظر المصنف قدس‌سره ـ من كون الحاكم ناظرا بمدلوله اللفظي إلى المحكوم. ولو سلّم فالتنافي بين التأمل في الحكومة هناك والجزم بها هنا ظاهر ، وهو أعلم بما قال في الموضعين.

__________________

(١) هدى الطالب ، ج ٦ ، ص ٣٠٤.

(٢) حاشية المكاسب ، ج ١ ، ص ٢٢٩ و ٢٩٣.

٤٣٢

إنّما الكلام في تعارض حقّي أمّ الولد (١) من حيث كونها مسلمة (٢) ، فلا يجوز كونها مقهورة بيد الكافر ، ومن حيث (٣) كونها في معرض العتق ، فلا يجوز إخراجها عن هذه العرضة.

والظاهر أنّ الأوّل (٤) أولى ، للاعتبار ،

______________________________________________________

السبيل مع قاعدة السلطنة ، لحكومة الاولى على الثانية. نعم يتزاحم فيها حقّان كما سبق التنبيه عليه ، وسيأتي تقديم الأهم منهما.

(١) غرضه من هذا الكلام تثبيت الأولوية التي أفادها بقوله : «بناء على أنّ حقّ إسلامها المقتضي لعدم سلطنة الكافر عليها أولى من حق الاستيلاد». ووجه الأولوية امور ثلاثة ستأتي في المتن.

(٢) يعني : لا من حيث حقّ سلطنة المالك عليها.

(٣) معطوف على «من حيث» وهذا حق آخر لام الولد.

(٤) وهو حق الإسلام. لمّا كان المقام من تزاحم الحقين ، والحكم فيه تقديم الأهم منهما على المهم إن كان ، وإلّا فالتخيير ، أخذ في إثبات أهمية حق الإسلام من حق الاستيلاد المقتضي لبقائها إلى أن تنعتق من نصيب ولدها. وقد أثبت المصنف قدس‌سره أهميته بوجوه :

الوجه الأوّل : الاعتبار ، بتقريب : أنّ المولى الحكيم لا يرضى بأن يكون من أسلم وانقاد له مقهورا تحت استيلاء الكافر.

والظاهر أن مراد المصنف قدس‌سره ما جعلوه دليلا أو مؤيّد القاعدة نفي السبيل ، ففي العناوين : «وثالثها : الاعتبار العقلي ، فإنّ شرف الإسلام قاض بأن لا يكون صاحبه مقهورا تحت يد الكافر ، ما لم ينشأ السبب من نفسه ، فإنّه حينئذ أسقط احترام نفسه. وهذا وإن لم يكن في حدّ ذاته دليلا ، لكنّه مؤيّد قوي مستند إلى فحوى ما ورد في الشرع» (١).

__________________

(١) العناوين ، ج ٢ ، ص ٣٥٢.

٤٣٣

.................................................................................................

______________________________________________________

وعليه فيقال في تقديم قاعدة حقّ الإسلام على حق الاستيلاد : إنّ نفي السبيل ووجوب البيع يكون باقتضاء شرافة الإسلام وحرمة الإيمان. وهذا من قبيل حقّ الله سبحانه وتعالى ، كما حكي عن الشهيد قدس‌سره الميل إليه وعن الشهيد الثاني القطع به. ومن المعلوم أنّ ما كان كذلك لا معنى لتخصيصه ببعض الأفراد ، ولا لتقييده بحال دون حال. ومع الإباء عن التخصيص والتقييد يتقوّى ظهور هذا العام أو المطلق ، فيكون أظهر في العموم والشمول لمادة الاجتماع من العام الآخر أعني به منع بيع أمّهات الأولاد (*).

الوجه الثاني : حكومة قاعدة نفي السبيل على جلّ الأحكام الأوّلية ، وكونها من مبطلات العقود ، «كعدم صحة وصايته على مال مسلم أو على مولّى عليه محكوم بإسلامه حتى بالاشتراك مع وليّ مسلم ، وفسخ النكاح لو أسلمت زوجته ولم يسلم هو في العدّة» كما في العناوين (١).

وحيث كان منع بيع أمّ الولد ـ رعاية لحقّها ـ موجبا لثبوت السبيل لمولاها الكافر عليها ، لزم بيعها تقديما لقاعدة نفي السبيل.

الوجه الثالث : النبوي المنجبر بعمل المشهور الدال على عدم علوّ الكافر على المسلم ، وهو يقتضي تقديم حق الإسلام على حق الاستيلاد عند التزاحم ، فتباع أمّ الولد على الكافر قهرا.

__________________

(*) لكن فيه : أنّه وإن كان يشهد بتقديم حق الإسلام ، لكنه لا اعتبار به ، لعدم لكونه دليلا تعبديا ، بل هو أمر اعتباري لا عبرة به كما لا يخفى.

وأمّا قاعدة نفي السبيل وكذا قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ على ما روى ـ : «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه» فلا يقتضيان بيعها عليه ، لعدم منافاتهما لإضافة الملكية ، إذ لو كانا منافيين لها لكانا مقتضيين لخروجها عن ملكيتها له. نعم ينافيان سلطنة الكافر عليها.

__________________

(١) العناوين ، ج ٢ ، ص ٣٥١.

٤٣٤

وحكومة (١) قاعدة «نفي السبيل» على جلّ القواعد ، ولقوله (٢) صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه» (١).

وممّا ذكرنا (٣) ظهر : أنّه لا وجه للتمسّك باستصحاب المنع قبل إسلامها ،

______________________________________________________

والمتحصل : أن الدليل الاجتهادي يقتضي بيع أمّ الولد في هذه الصورة ، ولا تصل النوبة إلى التمسك بالأصل العملي.

(١) معطوف على «اعتبار» أي : ولحكومة ... وهذا هو الوجه الثاني.

(٢) معطوف على «للاعتبار» وهذا هو الوجه الثالث.

(٣) يعني : ومن جواز البيع إمّا لتقديم حقّ الإسلام على حقّ الاستيلاد المقتضي لعدم جواز البيع ، وإمّا لمرجعية عمومات صحة البيع عند تكافؤ دليلي الحقّين ، ظهر : أنّه لا مجال للتمسك باستصحاب منع البيع ، بأن يقال : إنّه لا ريب في موضوعية الاستيلاد لمنع البيع والتصرف الناقل فيها. ويشك في طروء الرافع ، وهو الحق المقدّم على الاستيلاد ـ كحق الإسلام ـ بحيث يزيل ذلك المنع ، ومقتضى الاستصحاب عدم طروئه ، فيحكم باستمرار ذلك المنع بعد إسلامها ، ونتيجته عدم جواز بيعها مطلقا ، لا باختيار مولاها الكافر ، ولا قهرا عليه ، هذا.

واعترض المصنف قدس‌سره عليه بوجوه ثلاثة :

الأوّل : أن الدليل الاجتهادي على جواز البيع موجود ، وهو إمّا عمومات الصحة ، وإمّا حقّ الإسلام ، ومعه لا يبقى شك في المنع حتى تصل النوبة إلى الأصل

__________________

فالجمع بين دليل منع البيع ودليل نفي السبيل يقتضي عدم جواز البيع ، وعدم تسلطه عليها ، فترجيح حق الإسلام على حق الاستيلاد بقاعدة نفي السبيل وعلوّ الإسلام مرجوح ، فتأمل جيّدا.

__________________

(١) وسائل الشيعة ، ج ١٧ ، ص ٣٧٦ ، الباب الأول من أبواب موانع الإرث ، الحديث : ١١.

٤٣٥

لأنّ (١) الشك إنّما هو في طروء ما هو مقدّم على حقّ الاستيلاد ، والأصل عدمه (٢).

مع إمكان (٣) معارضة الأصل بمثله لو فرض (٤) ـ في بعض الصور ـ تقدّم الإسلام على المنع عن البيع.

______________________________________________________

العملي. للقطع بعدم سلطنة الكافر على الأمة المسلمة ، هذا. وسيأتي الوجهان الآخران.

(١) هذا تقريب جريان استصحاب المنع ، وتقدم بيانه آنفا.

(٢) أي : عدم طروء حقّ لأمّ الولد المسلمة مقدّم على حق الاستيلاد.

(٣) هذا وجه ثان لعدم المجال للتمسك بالاستصحاب ، وحاصله : أنّ استصحاب المنع قبل إسلامها لا يوافق المدّعى ، وهو عدم الجواز في جميع الصور ، فيكون الدليل أخص من المدعى.

توضيحه : أنّه إذا كان إسلامها بعد الوطء وقبل استقرار النطفة في الرحم ـ بناء على صيرورتها أمّ ولد باستقرارها في الرحم ـ تعارض استصحاب المنع مع استصحاب الجواز ، ويتساقطان.

وكذا لو أسلمت ، ثم وطأها مولاها شبهة ، فحملت منه ، فيتعارض استصحابا المنع والجواز.

وكذا لو تقدم الإسلام على ما هو متمّم لمانعية الاستيلاد عن البيع ، كما لو استولدها ، ولكن جاز بيعها في ثمن رقبتها لإعسار المولى ، فأسلمت ، وتجدّد اليسار قبل أن يجبره الحاكم الشرعي على البيع ، فيستصحب وجوب البيع عليه قبل يساره ، كما يستصحب منع البيع الحادث بالاستيلاد مع تجدد اليسار ، فيتعارض الاستصحابان ، ويتساقطان.

(٤) أي : لو فرض تقدم الإسلام على منع بيعها للاستيلاد.

٤٣٦

ومع إمكان (١) دعوى ظهور قاعدة «المنع» في عدم سلطنة المالك ،

______________________________________________________

(١) مقتضى السياق كون هذا إشكالا ثالثا على استصحاب المنع ، وغاية تقريبه أن يقال : إنّ القضية المشكوكة غير المتيقنة ، إذ عدم الجواز قبل الإسلام كان لأجل مصلحة المالك ، فالبيع لمصلحة المالك ومراعاة مالكيته غير جائز. وهو غير البيع لأجل تقديم حق الإسلام على حقها الآخر. فالمنع المتيقن سابقا غير المنع المشكوك لاحقا ، ومع إختلاف القضية المتيقنة والمشكوكة لا مجال للاستصحاب ، هذا.

لكن فيه ما لا يخفى ، حيث إنّ المتيقن والمشكوك ـ وهو المنع ـ واحد ، غايته أنّ علة بقائه غير علة حدوثه. وإختلاف علّتي الحدوث والبقاء لا يقدح في الوحدة ، ولا تنثلم به. نظير ما إذا علم بجلوس زيد في المسجد إلى الزوال بداعي الصلاة فيه ، وشك في بقاء جلوسه بعد الزوال للشك في حدوث داع آخر يقتضي استمراره ، فلا ينبغي الإشكال في جريان الاستصحاب حينئذ.

هذا ما يقتضيه سوق العبارة من جعل قوله : «ومع إمكان ... الخ» إشكالا ثالثا على استصحاب المنع.

لكن الأولى جعله راجعا إلى أصل المطلب ـ وهو تقديم حق الإسلام على حق الاستيلاد ـ بأن يقال : إنه لا تعارض بين دليلي الحقين حتى تصل النوبة إلى الاستصحاب ، وذلك لأنّ دليل منع البيع لا إطلاق له بحيث يشمل صورة وجود حقّ آخر مجوّز للبيع حتى يقع لهذا الإطلاق التعارض بين دليلي الحقين. بل دليل المنع لا يدلّ على أزيد من مانعية حق الاستيلاد عن البيع ، فهو لا يقتضي نفي حقّ آخر كحق الإسلام المقتضي لجواز البيع بناء على مذهب المصنف وغيره ، ومن المعلوم عدم المعارضة بين المقتضي واللّامقتضي ، فيقدّم حق الإسلام على حق الاستيلاد (*).

__________________

(*) لكن الحق ثبوت الإطلاق وعدم الإهمال ، وإلّا فهذا الاحتمال يوجب

٤٣٧

وتقديم (١) حقّ الاستيلاد على حقّ الملك ، فلا ينافي (٢) تقديم حقّ آخر (٣) لها على هذا الحقّ (٤).

______________________________________________________

(١) معطوف على «عدم» أي : ظهور قاعدة المنع في تقديم حق الاستيلاد.

(٢) لأنّ المنافاة فرع الدلالة ، كما إذا ورد دليل على وجوب صلاة الجمعة مثلا وآخر على حرمتها ، فإنّهما متعارضان ، لدلالة كل منهما التزاما على نفي مدلول الآخر. وفي المقام لمّا فرض عدم دلالة دليل المنع على نفي حقّ آخر ، فإذا ثبت بدليل حق آخر لم يقع التنافي بينهما ، لعدم المعارضة بين البيان واللابيان ، هذا.

(٣) كحقّ الإسلام فيما نحن فيه.

(٤) وهو حقّ الاستيلاد.

والحاصل : أنّ هنا ـ أي أمّ الولد التي أسلمت عن مولى كافر ـ حقوقا ثلاثة ، حق المالك ، وحق الاستيلاد ، وحق الإسلام. وينتفي حقّ المالك بسبب الاستيلاد لتقدمه عليه ، وحقّ الإسلام مقدّم على حق الاستيلاد ، فلا منافاة بين تقديم حق الاستيلاد على حق المالك ، وبين تقديم حق الإسلام على حق الاستيلاد.

هذا تمام الكلام في المورد الأوّل من القسم الثاني ، وتحصّل من كلمات المصنف قدس‌سره وجوب بيعها على الكافر رعاية لشرف الإسلام وعظمته. وهو موافق لما ذهب إليه صاحب الجواهر في مسألة بيع العبد المسلم ، ولكنه قدس‌سره قوّى خلافه في مستثنيات بيع أمّ الولد ، فراجع (١).

__________________

وقوف جل الإطلاقات.

مضافا إلى عدم الحاجة إلى استثناء الموارد المذكورة في كتب الفقهاء من عدم جواز البيع. مع أنّ المصنف استفاد من أدلة منع بيع أمّ الولد قاعدة عامة لعدم جواز البيع ، وهذه الاستفادة تمتنع مع إهمال دليل المنع وعدم إطلاقه ، فتدبّر.

__________________

(١) جواهر الكلام ، ج ٢٢ ، ص ٣٤٢ و ٣٨٢.

٤٣٨

ومنها (١) : ما إذا عجز مولاها عن نفقتها ولو بكسبها ، فتباع على من

______________________________________________________

٢ ـ إذا عجز مولاها عن نفقتها

(١) معطوف على قوله : «فمن موارده» أي : ومن موارد القسم الثاني عجز مولاها عن نفقتها ، ويتحقق العجز بأن لا يكون للمولى مال من نفسه بمقدار نفقة أمّ الولد ، وأن لا تقدر هي على الكسب لتكون نفقتها من كسبها.

وفي هذا المورد قال جمع بجواز بيعها ، بأن يكون المشتري موسرا قادرا على الإنفاق عليها. وقيّد الشهيد الثاني قدس‌سره جواز بيع تمام رقبتها بعدم تأدية بيع بعضها بنفقتها ، وإلّا وجب الاقتصار على بيع البعض «وقوفا فيما خالف الأصل على موضع الضرورة» (١). وربما يستفاد جواز بيعها في هذه الصورة ـ كما في المقابس ـ من المحقق (٢) والعلّامة قدس‌سره في التحرير ، فلاحظ ما نقله عنهما في الصورة الخامسة والعشرين. وفي المسألة وجوه اخر كما في المقابس والجواهر (٣) ، فراجع.

وكيف كان فلعلّ وجه حكمهم ببيعها على من ينفق عليها هو قاعدة نفي الضرر الحاكمة على الأحكام الأوّلية ، فإنّ منع البيع لحقّ الاستيلاد ضرري ، فيرفع بقاعدته ، نظير حقّ بقاء العذق لسمرة في حائط الأنصاري ، فكما ينفى حقّ بقاء العذق وسلطنة سمرة على بقائه في الحائط ، فكذلك حق الاستيلاد ، لكونه ضرريا. وارتفاع المنع عن بيعها يلازم جوازه. ولا فرق في الحكم الضرري المرفوع بقاعدة الضرر بين التكليفي والوضعي.

ومما ذكر يظهر عدم الوجه فيما قد يقال : من أنّ قاعدة الضرر نافية للحكم لا مثبتة له. وذلك لأنّ المرفوع هو عدم جواز البيع ، وارتفاعه ليس إلّا الجواز الثابت بعمومات صحة البيع ، فتدبّر.

__________________

(١) الروضة البهية ، ج ٣ ، ص ٢٥٨.

(٢) شرائع الإسلام ، ج ٢ ، ص ٣٥٤.

(٣) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٩١ ؛ جواهر الكلام ، ج ٣١ ، ص ٣٩٢.

٤٣٩

ينفق عليها ، على ما حكي عن اللمعة وكنز العرفان وأبي العبّاس والصيمري والمحقق الثاني (١).

وقال في القواعد : «لو عجز عن الإنفاق على أمّ الولد امرت بالتكسّب ، فإن عجزت انفق عليها من بيت المال ، ولا يجب عتقها. ولو كانت الكفاية بالتزويج وجب. ولو تعذّر الجميع ففي البيع إشكال» (١) (٢).

وظاهره عدم جواز البيع مهما أمكن الإنفاق من مال المولى (٢) ، أو كسبها ،

______________________________________________________

(١) حاصله : أنّه بعد عجز المولى عن الإنفاق عليها وعجزها عن التكسب لا يجب عتقها على المولى ، بل إما أن ينفق عليها من بيت المال ، وإمّا أن تتزوج. فإن تزوّجت دواما وجب نفقتها على الزوج ، وإن تزوّجت انقطاعا أنفقت على نفسها من عوض بضعها. وإن تعذّر كل من الإنفاق من بيت المال والتزويج ، فهل يجب بيعها على مولاها أم لا؟ فيه وجهان ، فوجه الجواز حفظ نفسها عن الهلاك ، وهو أولى لها من إبقائها متمسكة بالحرية.

ووجه المنع عموم النهي عن بيع أمّ الولد. كذا أفاده في الإيضاح وكشف اللثام (٣).

(٢) تقدّم آنفا أنّ العلّامة قدس‌سره اقتصر على الإنفاق عليها من بيت المال والتزويج ، ولكن المصنف وفاقا لصاحب المقابس قدس‌سرهما استظهر التعميم ، رعاية لحق الاستيلاد المانع عن بيعها مهما أمكن.

قال في المقابس ـ بعد نقل عبارة القواعد ـ : «وحاصله : اعتبار عدم حصول الإنفاق ، وانسداد أبوابه مطلقا من ماله وكسبه ، ومالها ـ على القول بملكيتها ـ

__________________

(١) اللمعة ، ص ٩٤ ؛ كنز العرفان ، ج ٢ ، ص ١٢٩ ؛ المهذب البارع ، ج ٤ ، ص ١٠٦ ؛ غاية المرام (مخطوط) ، ج ١ ، ص ٢٨٠ ؛ جامع المقاصد ، ج ٤ ، ص ٩٩ ، والحاكي عنهم المحقق الشوشتري في مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٩٠ ـ ٩١.

(٢) قواعد الأحكام ، ج ٣ ، ص ١١٧.

(٣) إيضاح الفوائد ، ج ٣ ، ص ٢٨٩ ؛ كشف اللثام ، ج ١ ، كتاب النكاح ، ص ١١٣.

٤٤٠