🚘

هدى الطالب إلى شرح المكاسب - ج ٧

السيّد محمّد جعفر الجزائري المروّج

هدى الطالب إلى شرح المكاسب - ج ٧

المؤلف:

السيّد محمّد جعفر الجزائري المروّج


الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٨٠
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ 🚘 الجزء ٥ 🚘 الجزء ٦ 🚘 الجزء ٧
🚘 نسخة غير مصححة

على السيّد ، في مقابل عدم خسارة المولى ـ لا من عين الجاني (١) ، ولا من مال آخر (٢) ـ وكونها (٣) في ذمة نفسها تتبع بها بعد العتق ، وليس المراد وجوب فدائها.

وعلى هذا (٤) أيضا (٥) يحمل ما في رواية مسمع عن أبي عبد الله عليه‌السلام :

______________________________________________________

الجناية برقبة الجاني ، وتخيير المولى بين دفعها إلى المجني عليه وبين الفداء بمال آخر ، هذا (*).

(١) بأن لا يسلّمها للمجني عليه ليسترقّها أو يبيعها.

(٢) بأن لا يفديها لا بخصوص الأرش ولا بأقل الأمرين من الأرش وقيمتها.

(٣) معطوف على «عدم الخسارة» ومفسّر له ، إذ معنى عدم تحمل المولى للخسارة كون الجناية في ذمة نفسها.

(٤) أي : وعلى إرادة كون الخسارة على السيد ـ من ماله المردّد بين الجاني وبين سائر أمواله ـ يحمل ما ورد في رواية مسمع بن عبد الملك من أنّ جناية أمّ الولد في حقوق الناس على سيّدها ، يعني : أنّ الأمة لا تتحمّل شيئا ممّا جنته ، ولا شي‌ء في ذمّتها أصلا.

(٥) يعني : كما حمل كلام المبسوط على ذلك ، وعدم إرادة وجوب فدائها على السيّد.

__________________

(*) ولكن الظاهر عدم مساعدة عبارة ديات المبسوط على توجيه المصنف ، لأنه قال بعد العبارة التي نقلها المصنف بلا فصل ما لفظه : «فإذا ثبت أنّ عليه الضمان ، فالذي عليه أقل الأمرين من أرش جنايتها أو قيمتها. فإن كان الأرش أقلّ فليس للمجني عليه أكثر من أرش جنايته. وإن كان الأرش أكثر ، فليس عليه إلّا القيمة ، لأنّه هو القدر الذي هو قيمتها» (١) فتدبّر.

__________________

(١) المبسوط ، ج ٧ ، ص ١٦٠ واختاره القاضي في المهذب ، ج ٢ ، ص ٤٨٨.

٤٠١

«قال : أمّ الولد جنايتها في حقوق الناس على سيّدها ، وما كان من حقوق الله (١) في الحدود (٢) فإنّ ذلك (٣) في بدنها (٤)» (١).

فمعنى كونها (٥) على سيّدها : أنّ الأمة بنفسها لا تتحمّل من الجناية شيئا (*).

ومثلها (٦) ما ارسل عن عليّ عليه‌السلام : «في المعتق عن دبر هو من الثلث ،

______________________________________________________

(١) كذا في النسخ ، ولكن في الوسائل : زيادة «عزوجل».

(٢) كشرب الخمر والزنا ونحوهما من المحرّمات المستوجبة لحدّ أو تعزيز.

(٣) يعني : أنّ ما كان من حقوقه تعالى فهو في بدنها ، ولا يتحمّل السيد شيئا عنها.

(٤) كذا في النسخ ، والمناسب زيادة «الخبر» إذ للرواية تتمة.

(٥) أي : معنى كون جنايتها ـ في حقوق الناس ـ على سيدها هو أنّ الأمة بنفسها ... الخ.

(٦) أي : ومثل رواية مسمع ما أرسله الصدوق قدس‌سره عن أمير المؤمنين عليه‌السلام ، ورواه الشيخ مسندا عنه عليه‌السلام. والظاهر اعتماد المصنف على نقل المقابس (٢) ، وإلّا

__________________

(*) لعلّ تقييد إطلاق جناية المملوك بغير «أمّ الولد» أولى من التصرف في ظهور «على سيّدها» بالحمل على كون الخسارة على السيد ، وذلك لما أفاده المحققان التقي الشيرازي والأصفهاني قدس‌سرهما ، من مخالفة الحمل المزبور لظاهر المقابلة بين جنايتها في حقوقه تعالى وبين جنايتها في حقوق الناس ، وأنّ الضرر في الأولى متمحض في بدنها ، وفي الثانية متمحض على السيد. ولا يصدق تحمل السيد للخسارة ـ بقول مطلق ـ إلّا بتعيّن الفداء في ذمته.

__________________

(١) وسائل الشيعة ، ج ١٩ ، ص ٧٦ ، الباب ٤٣ من أبواب القصاص في النفس ، الحديث : ١.

(٢) مقابس الأنوار ، ص ٧٩ من كتاب البيع.

٤٠٢

وما جنى هو وأمّ الولد فالمولى ضامن لجنايتهم» (١).

والمراد من جميع ذلك (١) : خروج دية الجناية من مال المولى المردّد بين ملكه الجاني (٢) أو ملك آخر.

______________________________________________________

ففي الوسائل هكذا : «المعتق عن دبر فهو من الثلث ، وما جنى هو والمكاتب ...».

وطرح صاحب المقابس كلتا الروايتين لضعف السيد ، وموافقة العامة (٢). ولم يحملهما على ما في المتن.

(١) أي : أن المراد ـ من كون «أرشها على سيّدها» الوارد في الرويتين وكذا في ديات المبسوط ـ هو تحمل المولى لخسارة جناية أمّ ولده إما بتسليم الأمة إلى المجني عليه ، وإمّا بدفع أرش الجناية.

(٢) صفة ل «ملك» وتذكير الوصف بلحاظ الملك ، وإن كانت الجناية من أمّ الولد.

__________________

وتوجيه ذلك بأنّ دفع الأمة خارجا ضرر على السيد كالفداء ممنوع بأنّ تسليمها للمجني عليه كما أنّه ضرر على المولى من حيث خروج المال عن ملكه ، كذلك ضرر على أمّ الولد من حيث صيرورتها رقّا خالصا وانقطاع تشبثها بالحرية.

ويؤيّده : أنّ الخسارة المالية من حيث نفس أمّ الولد غير ملحوظة ، وإلّا فجنايتها في حقوق الله المنصوص في كونها في بدنها أيضا خسارة في مال السيد. فيعلم أنّ التقابل بين ضرر متوجه إلى السيد في ماله ، وضرر متوجه إلى عين الأمة في بدنها.

فالأولى ترك رواية مسمع بإعراض المشهور عن الفتوى بها (٣).

__________________

(١) وسائل الشيعة ، ج ١٦ ، ص ٧٨ ، الباب ٨ من أبواب كتاب التدبير ، الحديث : ٢ ؛ الفقيه ، ج ٣ ، ص ١٢٤ ، الحديث : ٣٤٦٨.

(٢) مقابس الأنوار ، ص ٨٠ من كتاب البيع.

(٣) حاشية المحقق التقي على المكاسب ، القسم الثاني ، ص ٥٤ ؛ حاشية المكاسب للمحقق الأصفهاني ، ج ١ ، ص ٢٩٠.

٤٠٣

وكيف كان (١) ، فإطلاقات حكم جناية مطلق المملوك (٢) سليمة عن المخصّص.

ولا يعارضها (٣)

______________________________________________________

(١) يعني : سواء تمّ توجيه كلام المبسوط والروايتين بإرادة تحمّل الخسارة ، أم لم يتم ـ لوجود القرينة في كلام الشيخ على إرادة تعيّن الأرش ، وكذا ظهور الروايتين في ذلك ـ فالمعوّل عليه هو إطلاق النصوص المتكفّلة لحكم جناية المملوك ، سواء أكان الجاني قنّا أم أمّ ولد ، أم مكاتبا ، مثل معتبرة زرارة المتقدمة في (ص ٣٩٣) الواردة في عبد قتل حرّا ، ومعتبرة فضيل بن يسار عن أبي عبد الله عليه‌السلام : «أنه قال في عبد جرح حرّا ، فقال : إن شاء الحرّ اقتصّ منه ، وإن شاء أخذه إن كانت الجراحة تحيط برقبته ، وإن كانت لا تحيط برقبته افتداه مولاه. فإن أبى مولاه أن يفتديه كان للحرّ المجروح من العبد بقدر دية جراحه ، والباقي للمولى ، يباع العبد ، فيأخذ المجروح حقّه ، ويردّ الباقي على المولى» (١).

والحاصل : أنّ ما ذهب إليه المشهور ـ من التخيير بين دفع المملوك الجاني إلى المجني عليه ، وبين التفدية ـ يستفاد من النصوص الواردة في جناية المملوك خطأ ، بلا فرق بين أصنافه من المدبّر وأمّ الولد والقنّ.

(٢) الشامل لأمّ الولد التي هي محل البحث ، يعني : فلا مانع من شمول إطلاقات حكم جناية مطلق المملوك لأمّ الولد.

(٣) الظاهر أنه تعريض بما في الجواهر من قوله ـ بعد نقل استثناء بيعها لو جنت على مولاها أو على أجنبي عن الروضة ـ : «وفيه : أنّ التعارض من وجه ، ولا دليل على الترجيح ، بل لعلّه للثاني ، باعتبار اقتصار النص والفتوى على الجواز فيما عرفت. فيتجه حينئذ القول في الجناية الموجبة للمال التزام المولى به من غير ثمنها» (٢).

__________________

(١) وسائل الشيعة ، ج ١٩ ، ص ١٥٤ ، الباب ٨ من أبواب ديات النفس ، الحديث : ٢.

(٢) جواهر الكلام ، ج ٢٢ ، ص ٣٧٨.

٤٠٤

أيضا (١) إطلاق المنع

______________________________________________________

وحاصله : أنّ إطلاق ما دلّ على منع بيع أمّ الولد معارض بإطلاق ما ورد في جناية المملوك من دفعه للمجني عليه وجواز بيعه. ومورد الاجتماع هو جناية أمّ الولد ، لأنّ دليل المنع يقتضي عدم بيعها سواء جنت في حياة المولى أم لا ، ودليل التخيير بين الفداء والتسليم إلى المجني عليه يقتضي الاسترقاق وجواز البيع. ولعلّ الترجيح لدليل منع بيعها ، لقوة الدلالة الناشئة من اقتصار النص والفتوى على جواز بيعها في ثمن رقبتها ونحوه.

وعليه فينبغي تقييد إطلاق جناية المملوك ، بعدم كونه أمّ ولد.

ومحصل الجواب : أنّ دفعها إلى المجني عليه خارج عن عموم الدليل المانع عن نقل أمّ الولد عن ملك السيّد إلى غيره ، الظاهر في كون المنهي عنه هو النقل الاختياري.

وجه الخروج : أنّ الوارد في نصوص الجناية هو التسليم والتخلية بينها وبين المجني عليه ، ومن المعلوم أنّ استرقاقها ليس نقلا اختياريا من السيد حتى تشمله الأدلة المانعة عن بيعها ـ بعد جعل البيع عنوانا لجميع النواقل الاختيارية ـ ضرورة أنّ الجناية تتعلق برقبتها ، فتملّك المجني عليه لها واستحقاقه لذلك نشأ عن فعل نفس أمّ الولد بلا وساطة فعل المولى. فحقّ الاستيلاد بطل بفعلها لا بفعل المولى حتى يكون من النقل الاختياري الممنوع.

غاية الأمر أنّ للمولى ولاية التبديل بالفداء ، كولاية من عليه الخمس في دفع حق السادة من غير المال الذي تعلّق به حقّهم. فلو لم يفد المولى فللمجني عليه استرقاق الجاني. فليس الاسترقاق من سنخ النقل الاختياري المشمول لأدلة المنع. حتى يتحقق مورد يتصادق عليه الدليلان ويدّعى تعارضهما.

(١) يعني : كما لا يعارضها نفي الخلاف الذي ادّعاه في ديات المبسوط على كون جنايتها على السيد ، لما عرفت من توجيه الجناية على السيد بما لا ينافي إطلاقات تخيير المولى بين التسليم والفداء.

٤٠٥

عن بيع أمّ الولد (١) ، لأنّ (١) ترك فدائها والتخلية بينها وبين المجني عليه ليس نقلا لها.

خلافا (٢) للمحكيّ عن موضع من المبسوط والمهذّب والمختلف (٣) (٢) : من تعيين الفداء على السيّد.

ولعلّه (٤) للروايتين المؤيّدتين بأنّ استيلاد المولى هو الذي أبطل

______________________________________________________

(١) تعليل لنفي المعارضة ، وتقدم بيانه آنفا.

(٢) هذا ليس قولا رابعا من شيخ الطائفة قدس‌سره زائدا على ما تقدم من الأقوال الثلاثة ، بل هو ما سبق في (ص ٣٩٩) من قوله : «لكن عن ديات المبسوط : أنّ جنايتها على سيّدها بلا خلاف». وما على السيد قد يعبّر عنه بأرش الجناية كما في ديات المبسوط والخلاف ، وقد يعبّر عنه بالفداء كما في جراح المبسوط ، ونقلنا كلماته قدس‌سره فلاحظها.

(٣) قال العلّامة ـ بعد نقل عبارات الخلاف والمبسوط والمهذّب ـ : «والوجه ما قاله في الخلاف ، لعموم الأدلة الدالة على أن السيد لا يعقل عبده. وقوله في المبسوط ليس بعيدا من الصواب ، لأن المولى باستيلاده منع من بيع رقبتها ، فأشبه ما لو أعتق الجاني عمدا».

(٤) أي : ولعلّ تعيين الفداء على المولى ـ وعدم تعلق شي‌ء برقبتها ولا بذمّتها ـ يكون للروايتين. واستدلّ بهما في المقابس أيضا لهذا القول.

أمّا تقريب دلالة خبر مسمع فهو : أنّ حرف الاستعلاء في «على سيدها» ظاهر في تحمّل المولى للخسارة والضرر ، فلا يراد منه التكليف المحض. كما يراد ذلك لو كان المتعلق عملا من الأعمال ، مثل آية الحج وسائر الأحكام التكليفية ، كقوله

__________________

(١) تقدم في أوائل المسألة ، فراجع ص ٢٤١ ، وكذا صحيحة ابن مارد في ص ٢٦٥.

(٢) المبسوط ، ج ٧ ، ص ١٦٠ ؛ المهذب ، ج ٢ ، ص ٤٨٨ ؛ مختلف الشيعة ، ج ٩ ، ص ٤٥٥ ، والحاكي عنهم صاحب المقابس ، ص ٧٩.

٤٠٦

.................................................................................................

______________________________________________________

تعالى : «كتب عليكم كذا» أو «عليك أن تفعل كذا» فالمراد ثبوت مقتضى الجناية على المولى وضعا ، واشتغال ذمته ببدل الجناية ، وكون المجني عليه مالكا للفداء في عهدة السيد.

وعليه فلا شي‌ء في رقبة أمّ الولد ليلزم دفعها إلى المجني عليه ، ولا في ذمتها ليلزمها بعد العتق.

وأمّا تقريب دلالة مرسل الصدوق فهو : ظهور قوله عليه‌السلام : «فالمولى ضامن» في كون مقتضى الجناية ـ وأثرها ـ ثابتا في ذمة السيد وعهدته ، كما هو المتعارف من إطلاق الضمان في سائر الموارد ، كالأمانات المفرّط فيها ، والعارية المضمونة ونحوها.

ومن المعلوم أنّ المجني عليه لو كان مستحقا لنفس الرقبة وجاز له استرقاقها لم يصدق عليه ضمان المولى ، كعدم صدقه على استحقاق دفعها إليه بالأولوية.

والحاصل : أنّ ظهور الروايتين في كون المتعهّد بجبر الجناية من ماله هو المولى مما لا ينكر. وهذا يعارض النصوص الدالة على كون الجناية في رقبتها ، ويتخير المولى بين دفعها وبين فدائها.

ويؤيّد الروايتين الوجه الاعتباري المذكور في المبسوط والمختلف ، من تطبيق كبرى مسلّمة على المقام ، وهي : أنّ عدل الواجب التخييري يصير تعيينيا بالعرض بتعذر سائر الأفراد ، كما لو تعذر العتق وصوم شهرين متتابعين في الكفارة. ولا فرق في هذه الكلية بين كون تعذر بعض الأعدال قبل الموجب وبين كونه بعده.

وهذه القاعدة تنطبق على المقام ، إذ الجناية توجب أحد الأمرين تخييرا : الدفع والفداء ، ويتعذر الدفع هنا ، لأنّ السيد بالاستيلاد منع شرعا عن نقل الأمة إلى غيره ، سواء أكان بعقد أو بغيره ، والمفروض أنّ تسليمها إلى المجني عليه إخراج اختياري ، وهو ممنوع. فالاستيلاد كالعتق إتلاف للمحلّ شرعا ، كما أنّ قتلها بعدها إتلاف لها حقيقة ، هذا. وسيأتي الجواب عن الاستدلال والتأييد.

٤٠٧

أحد (١) طرفي التخيير ، فتعيّن الآخر (٢) ، بناء (٣) على أنّه لا فرق بين إبطال أحد طرفي التخيير بعد الجناية ، كما لو قتل أو باع عبده الجاني (٤) وبين إبطاله قبلها (٥) ، كالاستيلاد الموجب لعدم تأثير أسباب الانتقال فيها (٦).

وقد عرفت (٧) معنى الروايتين ، والمؤيّد مصادرة (٨) لا يبطل به (٩) إطلاق النصوص.

______________________________________________________

(١) وهو الدفع إلى المجني عليه بناء على كونه من النقل الاختياري الممنوع.

(٢) بمقتضى القاعدة المسلّمة من صيرورة الواجب التخييري بالذات تعيينيا بالعرض.

(٣) قيد ل «للتأييد» يعني : أنّ التأييد بالكبرى الكلية مبني على عدم الفرق في تعيينية الفرد الباقي بين التعذر السابق على الموجب واللاحق له.

(٤) فلو قتل المولى عبده الجاني أو باعه لم يبق موضوع للدفع إلى المجني عليه ، ويتعيّن الأرش.

(٥) أي : إبطال أحد طرفي التخيير قبل الجناية.

(٦) أي : في أمّ الولد.

(٧) هذا جواب استدلال المبسوط والمهذّب والمختلف ، ومقصوده من «معنى الروايتين» هو الحمل المتقدم بقوله : «والمراد من جميع ذلك خروج دية الجناية من مال المولى ...».

قال في المقابس : «ويمكن الحمل على أنّ للمولى الفداء كما في الدروس ، أو : على أنّ الحق متعلق بالمولى ، سواء كان بالفداء أو بدفع أمّ الولد. لأنها ماله» (١).

(٨) لأن مانعية الاستيلاد من الاسترقاق الذي ليس من النقل الاختياري أوّل الكلام ، بل عرفت آنفا أنّ أدلة المنع عن النقل لا تشمله أصلا.

(٩) أي : بالمؤيّد.

__________________

(١) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٨٠.

٤٠٨

ومنها (١) : ما إذا جنت على مولاها بما (٢) يوجب صحة استرقاقها لو كان

______________________________________________________

٤ ـ جنايتها على مولاها

(١) معطوف على قوله في (ص ٢٩٦) : «فمن موارد القسم الأوّل» أي : ومن مواضع الاستثناء عن عموم منع بيع أمّ الولد ، هو جنايتها على مولاها. والبحث كما في سابقه في مقامين ، أحدهما جنايتها عليه عمدا ، والآخر خطأ.

ولعلّ أوّل من استثنى هذه الصورة هو الفاضل المقداد مقيدا بما إذا كانت الجناية محيطة بقيمتها ، قال قدس‌سره : «الرابع أن تجني جناية تستغرق قيمتها» (١) بناء على إطلاق المجني عليه لما إذا كان مولاها أو أجنبيا ، كما فهمه المحقق والشهيد الثانيان من قول بعض (٢). والظاهر أنّ مرادهما من البعض هو الفاضل السيوري ، وإلّا فالشهيد قدس‌سره عدّ في اللمعة «جنايتها على غير مولاها» (٣) من مواضع الاستثناء ، ولم يتعرض لجنايتها على مولاها ، فراجع.

والمقصود أنّ أصل استثناء هذا المورد عن عموم المنع أوّل الكلام ، فإن تمّ إطلاق كلام السيوري قدس‌سره فهو ، وإلّا فهذا مجرد فرض لا قائل به ، ولا ريب في مخالفته للمشهور. وسيأتي توجيه الجواز في هذا المورد بوجوه.

وكيف كان فحكم جنايتها على سيّدها عمدا هو جواز الاقتصاص منها ، لا التخيير بينه وبين الاسترقاق ، لأنّ الرقية حاصلة قبل الجناية ، واسترقاقها مرة اخرى بسبب الجناية تحصيل للحاصل ، وهو محال.

(٢) هذا القيد إمّا ناظر إلى وجود شرط الاسترقاق بأن كان مولاها مسلما لا كافرا ، بحيث ، لو كان المجني عليه غيره لاسترقّها ، وإمّا إلى كون الجناية محيطة

__________________

(١) كنز العرفان ، ج ٢ ، ص ١٢٩.

(٢) جامع المقاصد ، ج ٤ ، ص ٩٨ ؛ الروضة البهية ، ج ٣ ، ص ٢٦٠.

(٣) اللمعة ، ص ٩٤.

٤٠٩

المجنيّ عليه غير المولى ، فهل تعود ملكا طلقا (١) بجنايتها على مولاها ، فيجوز له التصرف الناقل فيها ـ كما هو المحكيّ في الروضة (٢) عن بعض ، وعدّها (٣) السيوري من صور الجواز ـ أم لا (٤)؟ كما هو المشهور ، إذ (٥) لم يتحقق بجنايتها على مولاها إلّا جواز الاقتصاص (٦) منها ، وأمّا الاسترقاق (٧) فهو تحصيل الحاصل.

______________________________________________________

بقيمتها كما تقدم عن كنز العرفان ، وأخذه المحقق صاحب المقابس في عنوان الصورة الخامسة (١). والأقرب بسياق الكلام هو الاحتمال الأوّل.

(١) بأن يكون أثر الجناية زوال مانعية الاستيلاد عن النقل ، وصيرورتها ملكا طلقا.

(٢) قال الشهيد الثاني قدس‌سره فيها : «وزاد بعضهم مواضع اخر ... وثالث عشرها : إذا جنت على مولاها جناية تستغرق قيمتها ... ورابع عشرها إذا قتلته خطأ».

(٣) أي : وعدّ الفاضل المقداد جناية أمّ الولد على مولاها ـ بمقتضى إطلاق كلامه ـ من صور الجواز.

(٤) معطوف على قوله : «فهل تعود ملكا طلقا».

(٥) تعليل لفتوى المشهور بعدم جواز التصرف الناقل في أمّ الولد ، ومحصله : أنّ التخيير الثابت ـ في جنايتها العمدية على الأجنبي ـ بين الاقتصاص والاسترقاق ، غير جار في الجناية على سيّدها ، لتعذر الاسترقاق من جهة حصوله قبل الجناية ، فيتعين عدله لو أراد هو أو وليه الأخذ بحقّه وعدم العفو عنها.

(٦) يعني : دون جواز البيع المترتب على الاسترقاق لو كان المجني عليه أجنبيا.

(٧) وهو أحد العدلين فيما لو كانت الجناية على الأجنبي ، فالاسترقاق ممتنع هنا ، لكونه تحصيلا للحاصل.

__________________

(١) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٨٠.

٤١٠

وما يقال في توجيهه (١) من : «أنّ الأسباب الشرعية تؤثّر بقدر الإمكان ، فإذا لم تؤثّر الجناية الاسترقاق أمكن أن يتحقق للمولى أثر جديد ، وهو استقلال جديد في التصرف فيها (٢). مضافا (٣) إلى : أنّ استرقاقها لترك القصاص

______________________________________________________

(١) أي : في توجيه الاسترقاق. والموجّه للاسترقاق بوجوه ثلاثة هو المحقق الشوشتري قدس‌سره هذا أوّلها. قال في المقابس : «أو أنها ـ أي الجناية ـ لما كانت مقتضية لصيرورتها ملكا طلقا للمجني عليه أو وليّه ، وكان الملكية موجودة قبلها ، فلا يمكن حصولها ، وإلّا لزم تحصيل الحاصل ، فأثّرت حينئذ في حصول وصفها ، وهو تماميتها وصيرورتها طلقا ، فيصح البيع حينئذ» (١).

ومحصله : ما أفاده في المتن من أنّ الاسترقاق الذي هو من موجبات الملكية وإن امتنع تأثيره هنا في نفس الملكية ، لحصولها ، لكن لا مانع من تأثيره في وصفها وهو الطلقية. فالاسترقاق يوجب ارتفاع المانع عن بيعها كما ذهب إليه الفاضل المقداد قدس‌سره خلافا للمشهور.

(٢) لئلّا ليلزم إلغاء تأثير الجناية رأسا.

(٣) هذا هو الوجه الثاني من وجوه جواز البيع ، قال في المقابس : «مضافا إلى تنزيل ذلك ـ أي استرقاقها ـ منزلة بيعها في ثمنها وفكّ رقبتها» (٢).

توضيحه : أنّه قيس الاسترقاق بالبيع في الثمن ، فكما يجوز بيعها لفكّ رقبتها عن الثمن ، فكذلك يجوز استرقاقها لفكّها عن القصاص ، فتدبّر.

وبعبارة اخرى : أنّ الإمام عليه‌السلام باع أمّ الولد لأجل فك رقبتها من دين ثمنها. وهذا فك لرقبتها صوريّا لا حقيقيا ، لصيرورتها بالبيع مملوكة لمولى ثالث غير البائع وغير المستولد المديون. فجواز فك رقبتها المرهونة بثمنها ببيعها ليس بأعظم من فك رقبتها ـ من القتل قصاصا ـ باسترقاقها ، فلا بد من جوازه.

__________________

(١) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٨٠.

(٢) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٨٠.

٤١١

كفكاك (١) رقابهنّ الذي انيط به الجواز في صحيحة ابن يزيد المتقدمة. مضافا إلى (٢) : أنّ المنع عن التصرف لأجل التخفيف لا يناسب الجاني عمدا» فمندفع (٣) بما لا يخفى.

______________________________________________________

وعبارة المصنف لا تخلو عن سوء التأدية ، وحقّها أن تكون هكذا : «مضافا إلى أنّ استرقاقها لفكها عن القصاص كبيعها لفكّ رقبتها عن الثمن» كما لا يخفى.

(١) يعني : يكون الاسترقاق نظير بيع أمّ الولد في فكّ رقبتها عن الثمن الذي يكون على المولى ، كما سبق في أول موارد الاستثناء ، فراجع (ص ٢٩٦).

(٢) هذا هو الوجه الثالث ، قال في المقابس : «وإلى : أنّه إذا قتلت مولاها عمدا لا تستوجب التخفيف عليها بالإعتاق ، بل ينبغي المعاملة معها على عكس مرادها. كما اتفق نظير ذلك في بعض الموارد ، كطلاق المريض» (١).

ومحصله : أنّ منع السيد عن التصرفات الناقلة تخفيف بالنسبة إلى أمّ الولد ، والتخفيف لا يناسب الجناية العمدية ، بل المناسب لها التشديد عليها بجواز تلك التصرفات. فمعنى استرقاقها حينئذ إزالة تشبثها بالحرية ، وجعلها رقّا طلقا كسائر المماليك.

(٣) خبر قوله : «وما يقال» و«الفاء» لتضمن الموصول معنى الشرط. وغرضه عدم العبرة بالاستحسان والقياس ونحوهما من الوجوه الاعتبارية التي لا ترجع إلى محصّل ، ولذا لم يعتمد صاحب المقابس عليها ، وقال : «والحقّ ما ذهب إليه معظم الأصحاب من أنّها لا تباع لذلك ، وإنّما يجوز القصاص منها في العمد ، وقد نصّ الشيخ وغيره على ذلك في الرّهن ، لإطلاق الأخبار المانعة عن بيعها مطلقا أو فيما عدا ما استثني فيها ، وليس ما نحن فيه من ذلك» (٢).

ثم ردّ الوجوه بقوله : «وما ذكرناه للقول الآخر فمدفوع بمنع سببية الجناية

__________________

(١) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٨٠.

(٢) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٨٠.

٤١٢

.................................................................................................

______________________________________________________

للتملك ... الخ» فراجع (١).

وتوضيح اندفاع الوجوه هو :

أمّا الأوّل فلما فيه من : أن الاسترقاق يوجب حدوث الملك في محلّ قابل له ، وبعد حدوثه يترتب عليه الآثار الشرعية المترتبة عليه من جواز التصرفات الخارجية والاعتبارية إن لم يكن مانع يمنعها. وأمّا إذا لم يكن المحل قابلا له ـ لوجوده قبل الجناية ـ فلا مورد ولا وجه للاسترقاق.

وحديث «تأثير الأسباب الشرعية بقدر الإمكان» أجنبي عن المقام ، فإنّ مورده هو الآثار العرضية التي تكون من قبيل المعلولات لعلة واحدة ، كإتلاف مال الغير الذي هو سبب لأثرين شرعيّين عرضيّين ، أحدهما تكليفي ، وهو وجوب أداء بدله ، والآخر وضعي ، وهو اشتغال ذمته ببدله. فإذا كان هناك مانع عن الحكم التكليفي ـ كما لو كان المتلف صبيّا مميّزا ـ أثّر في الضمان فقط.

ومن المعلوم أنّ المقام ليس كذلك ، لأنّ الاسترقاق سبب للملكية ، وهي موضوع لآثار شرعية لا تترتب إلّا بعد حدوثها بموجبها أعني به الاسترقاق ، فإن لم يكن المحل قابلا لحدوث الملكية فيه ـ كما نحن فيه ـ لم يترتب شي‌ء من الآثار المترتبة على الملكية المسببة عن الاسترقاق ، فلا معنى للاسترقاق هنا.

وأمّا الوجه الثاني فقد دفعه صاحب المقابس بقوله : «والتنزيل منزلة الثمن لا دليل عليه» (٢). وتوضيحه : أنّ المولى ـ قبل الجناية ـ ممنوع من التصرفات الناقلة ، وتبدل هذا المنع بالجواز لا دليل عليه إلّا ما دلّ على جواز استرقاق المملوك الجاني ، والمفروض استحالته هنا ، لعدم معقولية حصول ملك جديد بسبب الجناية حتى يتغير موضوع منع التصرف ، ويتبدّل بموضوع آخر يستقل المالك بالتصرف في ماله ، هذا.

__________________

(١ و ٢) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٨١.

٤١٣

.................................................................................................

______________________________________________________

ويمكن أن يكون نظر المصنف في دفع الوجه الثاني إلى أمر آخر غير ما في المقابس ، وهو : منع مقايسة فكاك الرقبة من القصاص بفكّها من الثمن ، وذلك لأنّ جواز بيعها في ثمنها مع فرض إعسار المولى منحصر في بيعها. بخلاف فكاك رقبتها من القصاص ، لعدم تعيّنه على المجني عليه ، لإمكان العفو.

ولو سلّم ، أمكن منع القياس بعدم جامع بينهما ، إذ ليس في البيع فكّ ، بل تبديل إضافة الملكية. بخلاف الاسترقاق ، فإنّه فك لها عن الجناية. ولم يستكشف مناط قطعي في البيع ليتعدى منه إلى الاسترقاق.

وأما الوجه الثالث ، فقد دفعه في المقابس أيضا بقوله : «وقتلها عمدا لمولاها يقتضي القصاص منها وإن عتقت لحقّ ولدها ، فعفو أولياء المولى عنها باختيارهم لا يقتضي تسبب القتل للتخفيف ، وهو ظاهر» (١).

وحاصله : أنّ جنايتها العمدية غير مقتضية للتخفيف حتى يقال بعدم مناسبة العمد للتخفيف على الجاني ، بل تقتضي التشديد والتغليظ عليها بالاقتصاص منها ، وهذا الحق باق للمولى ، أو لولي الدم ، واستيفاؤه جائز. فلو عفوا باختيارهم فهو وإن كان تخفيفا عليها ، لكنه ليس ممّا يقتضيه القتل ، فلمولاها الإمساك عليها وأن لا يعرّضها لشي‌ء من النواقل. هذا.

مضافا إلى : أنه من العلة المستنبطة التي لا يعلم دوران الحكم الشرعي مدارها ، فهو مجرّد استحسان لا يعتدّ به في الأحكام الشرعية ، فإنّ العقول قاصرة عن إدراك ملاكاتها ، ولا سبيل إلى معرفتها إلّا بيان المعصوم صلوات الله عليه.

فتلخص : عدم الوجه في الاسترقاق أصلا ، فلا موجب لجواز بيعها جزما. فما عن المشهور من عدم جواز بيعها هو الأقوى ، والله العالم بأحكامه.

__________________

(١) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٨١.

٤١٤

وأمّا الجناية (١) على مولاها خطأ ، فلا إشكال في أنّها لا تجوّز التصرف فيها ، كما لا يخفى. وروى الشيخ ـ في الموثّق (٢) ـ عن غياث ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن عليّ عليه‌السلام ، قال : «أمّ الولد إذا قتلت سيّدها خطا فهي حرّة لا سعاية عليها» (١).

وعن الشيخ والصدوق بإسنادهما عن وهب بن وهب ، عن جعفر عن أبيه صلوات الله وسلامه عليهما : «أنّ أمّ الولد إذا قتلت سيّدها خطا فهي حرّة لا سبيل عليها ، وإن قتلته عمدا قتلت به» (٢).

______________________________________________________

(١) هذا شروع في المقام الثاني ، وهو حكم جنايتها خطأ على مولاها ، فلا يجوز نقلها عن ملكه ، لعدم استحقاق السيّد على ماله مالا ، فتتحرّر من نصيب ولدها ، ولا يجب عليها أن تسعى في دية الجناية.

ويدل عليه موثق غياث بن إبراهيم وخبر وهب بن وهب. نعم يعارضهما ما ورد في خبر حماد بن عيسى من وجوب السعي عليها لو قتلت مولاها خطأ ، وسيأتي في المتن الإشارة إلى الجمع بينه وبين موثق غياث ببعض الوجوه.

(٢) وعبّر عنه صاحب المقابس قدس‌سره بالقوي (٣) ، ورجال السند ثقات ، إلّا طلحة بن زيد ، ولعلّ إختلاف التعبير لأجل ما يستفاد من كلام شيخ الطائفة في شأن الرجل : «وهو عامي المذهب ، إلّا أن كتابه معتمد» (٤) ، ورواية كامل الزيارة

__________________

(١) تهذيب الأحكام ، ج ١٠ ، ص ٢٠٠ ، الحديث : ٧٩١ ، عنه في الوسائل ، ج ١٩ ، ص ١٥٩ ، الباب ١١ من أبواب ديات النفس ، الحديث : ٢ ، ولفظ الحديث ـ المذكور في المتن ـ يختلف عما في التهذيب ووسائل الشيعة ببعض الكلمات ، وبتقديم وتأخير في بعضها الآخر.

(٢) المصدر ، الحديث : ٧٩٢ في التهذيب ، وفي الوسائل ، الحديث : ٣ ، ورواه الصدوق في الفقيه ، ج ٤ ، ص ١٦٢ ، الحديث : ٥٣٦٧.

(٣) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٨٠.

(٤) الفهرست ، ص ١١٢ (طبعة النجف الأشرف).

٤١٥

وعن الشيخ عن حمّاد ، عن جعفر ، عن أبيه عليهما‌السلام : «إذا قتلت أمّ الولد مولاها سعت في قيمتها» (١).

ويمكن حملها على سعيها في بقية قيمتها إذا قصر نصيب ولدها (١).

وعن الشيخ (٢) في التهذيب والإستبصار

______________________________________________________

وتفسير القمي عنه ، فراجع (٢).

(١) كما في المقابس أيضا (٣) ، يعني : أنّ مورد وجوب السعي عليها قصور نصيب ولدها منها ـ أو من مجموع التركة ـ عن قيمتها ، مع فرض عدم انحصار الوارث في ولدها.

والمراد بنفي السعاية في موثق غياث هو عدم وجوبها عليها من حيث القتل. ولا منافاة حينئذ بين عدم السعي عليها من حيث قتل المولى خطأ ، وبين وجوبه عليها من حيث قصور نصيب ولدها.

قال في المقابس : «والظاهر أنّ بناء الرواية ـ أي موثقة غياث ـ على وفاء نصيبه بقيمتها ، ولذلك حكم بحرّيّتها مطلقا ، فصحّ نفي السعاية مطلقا» (٤).

(٢) قال في محكيّ التهذيب بعد ذكر هذين الخبرين ما لفظه : «ولا ينافي هذين الخبرين ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى عن أبي عبد الله عن الحسن بن علي عن حماد بن عيسى عن جعفر عن أبيه عليهما‌السلام ، قال : إذا قتلت أمّ الولد سيّدها خطأ سعت في قيمتها ، لأنّ هذا الخبر نحمله على أنّها إذا قتلته شبه العمد ، لأنّ من يقتل كذلك تلزمه الدية إن كان حرّا في ماله خاصّة ، وإن كان معتقا لا مولى له استسعى في الدية

__________________

(١) وسائل الشيعة ، ج ١٩ ، ص ١٥٩ ، الباب ١١ من أبواب ديات النفس ، الحديث : ١ ؛ تهذيب الأحكام ، ج ١٠ ، ص ٢٠٠ ، الحديث : ٧٩٣.

(٢) معجم رجال الحديث ، ج ١٠ ، ص ١٦٩.

(٣) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٨٠.

(٤) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٨٠.

٤١٦

الجمع بينهما بغير ذلك (١) ، فراجع.

ومنها (٢) : ما إذا جنى

______________________________________________________

حسب ما تضمنه الخبر. وأمّا الخطأ المحض ، فإنّه يلزم المولى ، فإن لم يكن له مولى كان على بيت المال حسب ما قدّمناه» (١).

والفرق بين الحملين واضح ، فإنّ المصنف قدس‌سره حمل الخبر على السعي في بقية قيمتها التي لا بدّ من دفعها إلى الوارث ، لانعتاقها. والشيخ قدس‌سره حمله على السعي في الدية. والحمل الأوّل أقرب بل هو الظاهر ، إذ المتبادر من القيمة هو المالية المساوية لقيمة أمّ الولد ، لا الدية التي هي أرش الجناية ، وبدل ما فات بالجناية. هذا.

وفي الإستبصار حمله على صورة موت الولد ، وكون السعي على وجه الجواز ، وحمل خبري غياث ووهب على كون ولدها باقيا بعد المولى وانعتاقها من نصيب ولدها (٢).

(١) المشار إليه هو : حمل رواية حماد على سعيها في بقية قيمتها إذا قصر نصيب ولدها.

هذا ما يتعلق بالمورد الرابع ، وقد تمّ الكلام في ما لو جنت أمّ الولد ، وسيأتي البحث فيما لو جني عليها.

٥ ـ جناية الحرّ على أمّ الولد بما فيه ديتها

(٢) معطوف أيضا على قوله : «فمن موارد القسم الأوّل» ، ولعلّ أوّل من احتمل كونه من موارد الاستثناء صاحب المقابس (٣) من جهة احتمال عدم الفرق في

__________________

(١) تهذيب الأحكام ، ج ١٠ ، ص ٢٠٠.

(٢) الإستبصار ، ج ٤ ، ص ٢٧٦ ، باب أمّ الولد تقتل سيدها خطأ.

(٣) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٨١.

٤١٧

حرّ عليها (١) بما فيه ديتها ، فإنّها (٢) لو لم تكن مستولدة كان للمولى التخيير بين

______________________________________________________

المملوك الذي جنى عليه حرّ بين أمّ الولد وغيرها. من تخيير المولى ـ في الجناية المحيطة بقيمة المملوك ـ بين الإمساك ولا شي‌ء له ، وبين دفعه إلى الجاني وأخذ قيمته ، قال المحقق قدس‌سره : «فإذا جنى الحرّ على العبد بما فيه ديته ، فمولاه بالخيار بين إمساكه ولا شي‌ء له ، وبين دفعه وأخذ قيمته» (١).

واستدلّ له في المسالك بقوله : «لئلّا يجمع بين العوض والمعوّض ، ولرواية أبي مريم عن أبي جعفر عليه‌السلام ، قال : قضى أمير المؤمنين عليه‌السلام في أنف العبد أو ذكره أو شي‌ء يحيط بقيمته : أنه يؤدّي إلى مولاه قيمة العبد ، ويأخذ العبد» (٢).

وادّعى في الجواهر الإجماع بقسميه على الحكم ، وجعله الحجة بعد خبر أبي مريم المنجبر ضعفه بالعمل ، وجعل قاعدة «عدم الجمع بين العوض والمعوض» مؤيّدا له (٣).

واقتصر في المقابس على بيان احتمالين في المسألة ، وأضاف المصنف احتمالا ثالثا ، وردّه.

وكيف كان ، فعدّ هذا المورد من موارد الاستثناء مبني على الاحتمال الأوّل ، وهو نقلها إلى الجاني بعد دفع قيمتها إلى السيد.

(١) أي : على الأمة ، ليصحّ جعلها مقسما لما إذا كانت مستولدة وغير مستولدة.

(٢) أي : فإنّ الأمة ـ كسائر المماليك عدا أمّ الولد ـ يتخير مولاها بين الإمساك والدفع إلى الجاني.

__________________

(١) شرائع الإسلام ، ج ٤ ، ص ٢٠٨.

(٢) مسالك الأفهام ، ج ١٥ ، ص ١٣٠.

(٣) جواهر الكلام ، ج ٤٢ ، ص ١٢٧.

٤١٨

دفعها إلى الجاني وأخذ قيمتها (١) ، وبين إمساكها ، ولا شي‌ء له ، لئلّا يلزم الجمع بين العوض والمعوّض. ففي المستولدة يحتمل ذلك (٢) ، ويحتمل أن لا يجوز للمولى أخذ القيمة (٣) ، ليلزم منه استحقاق الجاني للرقبة.

وأمّا احتمال (٤) منع الجاني عن أخذها وعدم تملكه لها بعد أخذ الدية منه.

______________________________________________________

(١) المراد بالقيمة هنا ديتها ، والتعبير بالقيمة من جهة أنّ دية المملوك لا تزيد على قيمته شرعا.

(٢) أي : يحتمل تخيير المولى بين الدفع والإمساك ، ومنشأ هذا الاحتمال إطلاق أدلة الجناية. ولا ينافيه حقّ الاستيلاد ، لأنّه مانع عن النقل الاختياري ، لا القهري الشرعي ، فلا تعارض بين دليل المنع عن نقل أمّ الولد ، وبين دليل هذه المعاوضة القهرية ، بعد ضمّ قاعدة «عدم جواز الجمع بين العوض والمعوض» إليه كما لا يخفى.

(٣) لكون النقل حينئذ اختياريا ، والمفروض منع المولى عنه بسبب الاستيلاد. فمرجع هذا الاحتمال إلى تعيّن الإمساك الذي هو عدل دفعها وأخذ قيمتها في الاحتمال الأوّل.

(٤) هذا احتمال ثالث ، ومحصله : التفكيك بين أخذ الدية من الجاني وبين دفع الأمة إليه ، بجواز الأوّل ومنع الثاني ، نظرا إلى أنّ الممنوع شرعا هو انتقال أمّ الولد عن ملك المستولد لها ، دون أخذ الدية.

ويمكن أن يكون وجهه الجمع بين دليل الجناية وبين حق الاستيلاد المانع عن انتقالها عن ملك مستولدها. ولا يلزم الجمع بين العوض والمعوض ، لعدم كون الجنايات من باب المعاوضات ، بل من باب الغرامات.

مضافا إلى : أنّ الدية ليست عوضا عن أمّ الولد ، بل عمّا فات عنها بالجناية كما لا يخفى.

٤١٩

فلا وجه (١) له ، لأنّ الاستيلاد يمنع عن المعاوضة أو ما في حكمها (٢) ، لا (٣) عن أخذ المعوض بعد إعطاء العوض (٤) [لا عن أخذ العوض بعد إعطاء المعوّض]

______________________________________________________

ثمّ إنّ هذا الاحتمال الثالث ليس ملازما للاحتمال الثاني ، وهو وجوب الإمساك تعيينا ، وعدم جواز أخذ القيمة من الجاني كما في بعض الحواشي (١) ، فلاحظ وتأمّل.

(١) جواب الشرط في «وأما احتمال» ودفع له ، وحاصله : أنّ الاستيلاد يوجب منع المولى عن نقلها. وعليه فإن كان الممنوع مطلق انتقالها عن ملك السيد إلى غيره ، تمّ الاحتمال المزبور ، لكون أخذ الدية من الجاني مستلزما لانتقالها إليه ، فيتجه التفكيك بين جواز أخذ القيمة منه ، ومنع دفع المجني عليها إليه.

وإن كان الممنوع خصوص النقل الاختياري ، لم يتجه التفكيك المزبور ، وذلك لأنّ تملّك الجاني لرقبتها بعوض قيمتها ليس من نقل المولى المستولد لها ليكون منهيّا عنه. وحينئذ فإمّا أن يكون أخذ الدية من الجاني ممنوعا مطلقا ، وإمّا أن لا يكون أخذ أمّ الولد كأخذ الدية ممنوعا.

والحاصل : أنّ أخذ الدية من الجاني إن كان من باب تدارك ما فات بسبب الجناية فالمتعيّن هو الاحتمال الأوّل. وإن كان من باب المعاوضة على الرقبة فالمتعين هو الثاني ، ولا يبقى مجال للاحتمال الثالث ، هذا.

(٢) مما يوجب خروجها عن ملك السيد كالهبة والصلح.

(٣) عاطفة ، يعني : فلا يمنع الاستيلاد عن المعاوضة القهرية ـ التي حكم بها الشارع ـ بأخذ أمّ الولد بإزاء عوضها وهو ديتها.

(٤) كذا في نسختنا ، وبناء على بعض النسخ المصححة تكون أمّ الولد عوضا

__________________

(١) حاشية المكاسب للمحقق الإيرواني ، ج ١ ، ص ١٨٩.

٤٢٠