🚘

هدى الطالب إلى شرح المكاسب - ج ٧

السيّد محمّد جعفر الجزائري المروّج

هدى الطالب إلى شرح المكاسب - ج ٧

المؤلف:

السيّد محمّد جعفر الجزائري المروّج


الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٨٠
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ 🚘 الجزء ٥ 🚘 الجزء ٦ 🚘 الجزء ٧
🚘 نسخة غير مصححة

في هذه الصورة (١) في النصّ والفتوى مسوق لبيان ارتفاع المانع عن بيعها من جهة الاستيلاد (٢) ، فتكون ملكا طلقا كسائر الأملاك التي يؤخذ المالك ببيعها من دون بيع المستثنيات (٣).

فحاصل السؤال في رواية عمر بن يزيد : أنّه هل تباع أمّ الولد في الدين على حدّ سائر الأموال التي تباع فيه (٤)؟

وحاصل الجواب : تقرير ذلك (٥) في خصوص ثمن الرقبة ، فيكون ثمن الرقبة بالنسبة إلى أمّ الولد كسائر الديون بالنسبة إلى سائر الأموال.

ومما ذكر (٦) يظهر : أنّه لو كان نفس أمّ الولد ممّا يحتاج إليها المولى للخدمة ،

______________________________________________________

(١) أي : صورة كون الثمن دينا في ذمة السيّد ، فيجوز بيعها حال حياته.

(٢) أي : أنّ الاستيلاد لا يمنع من البيع في هذه الصورة.

(٣) فكما أنّ بيع سائر الأموال في الدين مشروط بعدم كونها من مستثنيات الدين ، وإلّا لا يلزم المديون ببيعها ، فكذا يكفي في بيع أمّ الولد عدم وجود غير مستثنيات الدين فلا تباع المستثنيات لا في ثمن رقبة أمّ الولد ولا في سائر الديون.

(٤) أي : في الدين.

(٥) أي : تقرير جواز البيع في خصوص ثمن الرّقبة ، لا في سائر ديون سيّدها.

هذا كلّه في أصل جواز بيع أمّ الولد مع وجود مستثنيات الدين ، وسيأتي ما فرّعه على الجواز من أمرين.

(٦) من جواز بيعها إن لم يكن عند المولى شي‌ء غير مستثنيات الدّين ، وهذا

__________________

ومما ذكرنا يظهر ضعف دعوى «حكومة ما دلّ على استثنائها ، وعدم وجوب صرفها في الدين على قوله : ولم يدع من المال ما يؤدى عنه» فلاحظ وتأمّل.

وعلى ما ذكرنا من عدم استثناء المستثنيات هنا يسقط ما فرّعه على خروج المستثنيات من عدم بيع نفس أمّ الولد إذا احتاج إليها للخدمة ، ومن عدم بيع الكفن.

٣٢١

فلا تباع (١) في ثمن رقبتها ، لأنّ (٢) غاية الأمر كونها بالنسبة إلى الثمن كجارية اخرى يحتاج إليها.

ومما ذكرنا (٣) يظهر الوجه في استثناء الكفن ومئونة التجهيز ، فإذا كان للميّت (٤) كفن وأمّ ولد ، بيعت في الدّين ، دون الكفن ، إذ يصدق أنّ الميّت لم يدع ما يؤدّي عنه الدين عداها (٥) ،

______________________________________________________

متفرّع على تقديم جواز بيع أمّ الوالد على استثناء بعض الأموال عن بيعها وفاء للدين.

وحاصل هذا الفرع : أنّ من مستثنيات الدين الخادم اللائق بحال المديون ، فلو كانت أمّ الولد مما يحتاج إليها السيد للخدمة كانت هي من جملة المستثنيات ، ولا يجوز بيعها حينئذ. فكما لا تباع جارية المديون ـ المحتاج إلى خدمتها ـ لوفاء الدين ، لكونها كدار السكنى والنفقة ، فكذا لا تباع أمّ الولد وإن كان في ثمن رقبتها.

(١) جواب الشرط في «لو كان».

(٢) تعليل لعدم بيعها ، وتقدم توضيحه آنفا.

(٣) أي : من جواز بيعها مع وجود مستثنيات الدين ـ إن لم يكن للمولى مال يفي به الدين ـ يظهر ... ، وهذا فرع آخر مما يتفرع على جواز بيع أمّ الولد.

وحاصله : أنّ ما يستثنى من تركة الميّت الكفن ، ومئونة التجهيز لخروجها من الأصل قبل أداء الدين. فلو ترك الكفن وأمّ الولد ـ مع كون ثمنها دينا على الميت قدّم المستثنى ، وهو الكفن ، وبيعت في ثمن رقبتها ، وذلك لصدق الضابطة الواردة في رواية عمر بن يزيد : من أنّ السيد لم يدع من المال شيئا ليؤدّى به الدّين سوى نفس أمّ الولد ، لفرض عدم كون الكفن ومئونة التجهيز مالا يؤدّى به الدّين.

(٤) أي : للميّت المعسر ، حيث لم يكن له في حياته ـ سوى المستثنيات ـ مال لأداء ثمن أمّ ولده ، فإعساره بعد الموت بعدم مالكية مئونة التجهيز.

(٥) أي : عدا أمّ الولد ، فتباع في ثمنها.

٣٢٢

لأنّ (١) الكفن لا يؤدّي عنه الدين.

ثم (٢) إنّه لا فرق بين كون ثمنها بنفسه دينا للبائع (٣) ، أو استدان الثمن (٤)

______________________________________________________

(١) تعليل لصدق : أن الميّت لم يخلّف مالا يؤدّى به عنه دينه.

هذا تمام الكلام في أوّل ما فرّعه المصنف قدس‌سره على جواز بيع أمّ الولد في حياة السيد مقدمّة لأداء الدّين ، وما ترتّب عليه من فرعين. وسيأتي الكلام في الفرع الثاني.

(٢) هذا فرع ثان من فروع جواز بيعها في حياة السيد ، وتوضيحه : أنّ كون ثمن أمّ الولد على عهدة السيد يتصور على أنحاء :

الأوّل : أن يشتري الأمة بثمن كلّيّ في ذمته ـ كمائة دينار ـ ولم يؤدّ منه شيئا إلى البائع ، ولم يكن له مال غيرها ليوفي به الدين ، ثم صارت عنده أمّ ولد. وهذا المورد هو القدر المتيقن من جواز بيعها في ثمنها.

الثاني : أن يقترض السيد بقدر ما عيّن من ثمن الجارية ، فيشتريها ، ولم يكن له مال يفي بدينه.

الثالث : أن يشتري الجارية بثمن في ذمّته ـ كالنحو الأوّل ـ إلّا أنه استدان من شخص آخر مقدار الثمن ، ودفعه إلى البائع ، مع فرض عدم تملّك مال يؤدّي به الدين.

وهل يختصّ جواز بيعها في ثمن رقبتها بالنحو الأوّل؟ لكون الثمن للبائع في ذمة السيّد ، بخلاف الأخيرين ، فإن الدّين ليس في ثمنها وإن كان لأجل ثمنها.

أو يفصّل بين النحو الثاني والثالث ، بجواز بيعها في الثاني دون الثالث؟ جزم المصنف قدس‌سره بعدم جواز بيعها في الأخير ، ونقل تأمّل صاحب المقابس قدس‌سره في الثاني.

(٣) هذا هو النحو الأوّل ، المعهود من إطلاق «كون الثمن في الذمة».

(٤) هذا هو النحو الثاني ، ولعلّ وجه إلحاقه بالأوّل كون الدين بشخصه ثمنا للجارية ، فلو بيعت في أداء هذا الدين فقد بيعت في ثمنها.

٣٢٣

واشترى به. أمّا (١) لو اشترى في الذمة ، ثم استدان ما أوفى به البائع ، فليس بيعها في ثمن رقبتها ، بل ربما تؤمّل (٢) فيما قبله ، فتأمّل (٣).

ولا فرق (٤) بين بقاء جميع الثمن في الذمّة أو بعضه ،

______________________________________________________

(١) هذا هو النحو الثالث ، وحكمه عدم جواز البيع ، لأنّ ما استقرّ في ذمة السيد ليس ثمنا ، بل ما أوفى به الثمن دين عليه.

(٢) المتأمل ـ بل المانع ـ هو المحقق الشوشتري ، قال قدس‌سره : «ولو استدان لأداء الثمن وأدّاه منه ، أو اشتراها بذلك الثمن الذي استدانه بعينه ، وسلّمه إلى البائع ، فقد سقط حق البائع عنه وعن الأمة ، وبقي حق الدين ، وحكمه كسائر الديون» (١) ، ثم نقل كلام ابني زهرة وإدريس قدس‌سره هما القائلين بجواز بيعها لو استدان لثمنها مع عجزه عن وفاء الدين ، ثم قال : «والأصح ما ذكرناه».

ولا يبعد ما ذكره ، لعدم صدق «ثمن أمّ الولد» على ما في ذمته ، لأنّه ليس عوضا عن الأمة ، وأنّ ما في ذمته مال الغير الذي استدانه منه. وليس عنوان الثمنية للأمة منطبقا عليه. والجمود على ظاهر عنوان «ثمن رقبتها» يقتضي المصير إلى ما ذهب إليه في المقابس ، فتدبّر.

(٣) إشارة إلى : أنّ معنى قوله : «تباع في ثمن رقبتها» هل هو نفس الثمن الكلّي الواقع في ذمته بدلا عن الأمة؟ فكأنّه قيل : «تباع في دين هو نفس ثمن الأمة» فيصدق على نفس الثمن الكلي في الذمة ، وعلى المال الذي استدانه واشترى بعينه الجارية ، ولا يصدق على غير هاتين الصورتين من الصور. بل يمنع صدقه على المال الذي اقترضه واشترى بعينه الجارية ، لعدم اشتغال ذمته به بعنوان كونه ثمنا للجارية ، كما لا يخفى.

أم معناه «الدين الذي نشأ لأجل ثمن الجارية» فيصدق على جميع الصور.

(٤) هذا فرع ثالث من فروع جواز بيع أمّ الولد في ثمن رقبتها حال حياة المولى ،

__________________

(١) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٧٦.

٣٢٤

ولا بين (١) نقصان قيمتها عن الثمن أو زيادتها (٢) عليه.

______________________________________________________

ومحصّله : أنّه لا فرق في الجواز بين عدم أداء شي‌ء من ثمنها إلى البائع ، وبين أداء بعضه وبقاء بعضه الآخر في ذمة السيّد.

والوجه في عدم الفرق صدق «أنّها بيعت في ثمنها» فإنّ «الثمن» وإن كان مجموع ما يقع عوضا في المعاملة ، فيقول البائع : «بعتكها بمائة» مثلا ، وليس «الثمن» كليا ليصدق على كل جزء منه ، فالجزء بعض الثمن لا هو الثمن ، إلّا أنّه يصدق «ما لم يؤد ثمنها» ما دام بقي شي‌ء من ثمنها في ذمة المولى ، لأنّ عدم أداء كل الثمن يتحقق بعدم أداء بعضه.

قال في المقابس : «انّه لا فرق بين بقاء جميع الثمن في ذمة المولى أو بعضه ، لاشتراك السبب ، ولإطلاق الأخبار حتى صحيحة عمر بن يزيد ، فإنّ قوله : ـ لم يؤدّ ثمنها ـ شامل لما إذا لم يؤدّ جميعه ، سواء لم يؤدّ منه شيئا أصلا ، أو أدّى بعضه دون بعض. مضافا إلى إطلاق أوّله وآخره. وكلام معظم الأصحاب أيضا مطلق ...» ثم نقل خلاف الشيخ في كتاب التهذيب ، وإن أطلق الحكم في الإستبصار ، فراجع (١).

(١) هذا رابع الفروع ، وحاصله : أنّه يجوز بيعها في ثمن رقبتها ، سواء زادت عليه ، بأن اشتراها بمائة دينار ، فارتفعت إلى مائة وخمسين ، أم ساوته ، أم نقصت عنه ، بأن صارت ثمانين دينارا.

والوجه في عدم الفرق بين هذه الحالات إطلاق النصّ المجوّز لبيعها لأداء دينها ، قال في المقابس : «ولا فرق أيضا بين مساواة القيمة للثمن الباقي في الذمة أو نقصانها عنه ، وبين زيادتها عليه ... لإطلاق النصّ والفتوى ، مع ندرة المساواة وغلبة الاختلاف في مثل ذلك» (٢).

(٢) أي : زيادة القيمة الفعلية على ثمنها.

__________________

(١) مقابس الأنوار كتاب البيع ، ص ٧٥.

(٢) مقابس الأنوار كتاب البيع ، ص ٧٥.

٣٢٥

نعم (١) لو أمكن الوفاء ببيع بعضها اقتصر عليه ، كما عن غاية المراد التصريح به (٢).

ولو كان (٣) الثمن مؤجّلا لم يجز للمولى بيعها قبل حلول الأجل وإن كان

______________________________________________________

(١) هذا فرع خامس ، وهو كالاستدراك على الفرعين السابقين ، ومحصله : أنّ جواز بيعها في ثمنها يدور مدار أداء الدين ، فلو بقي نصف ثمنها في عهدة السيد ، وارتفعت قيمتها إلى ضعف ثمنها لم يجز بيع أزيد من ربعها. ولو بقي تمام الثمن في ذمته اقتصر على بيع نصفها ، وهكذا. والوجه في الاقتصار عدم صدق «بيعها في ثمن رقبتها» على بيع بعضها الآخر ، فلا يجوز ، لكون الاضطرار إلى بيع البعض لا الكل ، فهو نظير الإكراه على البعض الذي لا يدعو إلى فعل الجميع.

قال في المقابس : «ولو بيع بعضها وادّي بقيمته جميع الثمن لم يجز بيع الباقي ، لعدم كون هذا البيع في أداء الثمن ، فيكون باطلا» (١).

(٢) أي : بالاقتصار على بيع بعض أمّ الولد. قال قدس‌سره فيه : «واعلم أنّه ـ أي أن العلّامة قدس‌سره ـ شرط في منع البيع القدرة على الثمن أو إيفائه ، وهو لا يصدق إلّا بالقدرة على المجموع ، أو إيفائه المجموع. وحينئذ مفهومه : صحة بيعها إذا قدر على البعض أو أوفى البعض. وهو جيّد إن اريد به بيع ما يقوم بما يفي ، لا بيع الجميع لو فضل عن الباقي في الذّمة» (٢). وحكاه عنه في المقابس (٣).

واقتصر صاحب الجواهر قدس‌سره على بيان الوجهين من دون ترجيح (٤).

(٣) هذا سادس فروع جواز بيع أمّ الولد في ثمن رقبتها ، وهو في الواقع تقييد الجواز بكون الدّين حالّا ، يطالب المولى به. فلو كان مؤجّلا ، كما لو اشتراها بمائة دينار إلى سنة مثلا ، وحملت منه أو ولدت له قبل مضيّها ، لم يجز بيعها قبل حلول

__________________

(١) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٧٥.

(٢) غاية المراد ، ج ٢ ، ص ٥٥.

(٣) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٧٥.

(٤) جواهر الكلام ، ج ٢٢ ، ص ٣٧٨.

٣٢٦

.................................................................................................

______________________________________________________

الأجل ، وذلك «لأنّ قوله : ولم يؤدّ ثمنها وإن كان مطلقا من حيث كونه حالا ومؤجّلا ، إلّا أنّ المتعارف من هذا التعبير أن يكون ـ أي عدم الأداء ـ من باب العدم المقابل للملكة ، لا السلب المقابل للإيجاب. فلا يقال : ـ لم يؤدّ الثمن ـ إلّا إذا كان الثمن أدائيّا ، والمؤجّل ليس كذلك ، إذ ليس للدائن استحقاق الأداء ، ولا المديون مستحقا عليه الأداء» (١).

وبيانه : أنّ جواز بيعها في ثمن رقبتها إمّا أن يكون لأجل تزاحم حق الاستيلاد مع حق الدائن والبائع ، كما يستفاد من تعليل صاحب المقابس بقوله : «لأنّ ذلك ـ أي الأجل ـ زمان الاستحقاق ، ولإمكان الإبراء أو تبرع آخر بالأداء» (٢) (*). وإمّا لأجل تعارض دليل حرمة بيعها مع دليل وجوب أداء الدين ، وتقديم الثاني على الأوّل.

والمفروض عدم تحقق شي‌ء منهما في المقام. أمّا التزاحم فلفرض عدم حقّ فعليّ للدائن ، ولا سلطنة فعلية له على المولى. فلا مزاحم فعليّ لحق الاستيلاد.

__________________

(*) لا يخفى ما في هذا التعليل من العلّة ، لأنّ الاستحقاق قد حصل بنفس العقد ، لأنّه المملّك للعوضين فيما لم يكن للقبض دخل في التمليك. نعم حلول الأجل يوجب السلطنة على الطالبة. فالتعليل بدعوى انصراف إطلاق «البيع في ثمن رقبتها» عن المؤجل لعلّه أولى.

بل تمكن دعوى ظهور نفس الكلام في المعجّل ، حيث إنّ قوله : «ولم يدع من المال ... الخ» ظاهر في كون الدّين حالا ، وعدم مال يفي به فعلا. وهذا لا يلائم المؤجل ، لأنّ الإخبار عن عدم المال الوافي بالدّين في المستقبل ـ مع إمكان حصول ما يفي به فيما بعد ـ في غاية البعد ، فتدبّر.

__________________

(١) حاشية المكاسب للمحقق الأصفهاني ، ج ١ ، ص ٢٨٠.

(٢) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٧٥.

٣٢٧

مأيوسا من الأداء عند الأجل (١).

وفي اشتراط (٢) مطالبة البائع ، أو (٣) الاكتفاء باستحقاقه ولو (٤) امتنع عن

______________________________________________________

وأمّا التعارض ، فلعدم خطاب فعلي بوجوب أداء الدين حتى يقدّم على دليل بيع أمّ الولد.

(١) لعدم موضوعية اليأس فعلا مع كون الاستحقاق استقباليا.

(٢) هذا سابع الفروع ، وهو أيضا ـ كما صرّح به ـ ناظر إلى ما يحتمل كونه شرطا لجواز بيعها في الدّين. وتوضيحه : أنّه لو اشتراها بثمن في ذمته واستولدها ، فيحتمل في جواز بيعها وفاء للدين وجوه :

الأوّل : اشتراطه بمطالبة البائع ، وجعله في المقابس مقتضى الاحتياط ، والاقتصار على موضع اليقين في مخالفة الأصل. والظاهر إرادة أصالة منع بيع أمّ الولد.

الثاني : عدم اشتراط جواز بيعها بمطالبة الثمن ، بل يكفي استحقاق البائع للدين ببلوغ الأجل ، حتى مع امتناعه عن تسلّم الثمن. ووجهه اقتضاء إطلاق «جواز بيعها في ثمنها» سواء أكانت هناك مطالبة من البائع أم لم تكن. وحيث إنّ الدين مستحق هنا ببلوغ الأجل ، فلا يقاس هذا الفرع بالفرع المتقدم الذي موضوعه عدم فعلية الاستحقاق.

الثالث : التفصيل بين رضا البائع بتأخير أداء الدين وإسقاط ماله من حقّ الحلول ـ وإن لم يكن هذا الحق من الحقوق القابلة للإسقاط ـ فلا يجوز بيعها حينئذ. وبين عدم مطالبته بالثمن وإن لم يرض بالتأخير ، فيجوز بيعها حينئذ ، لاستحقاقه للثمن بالحلول.

(٣) هذا هو الوجه الثاني ، وهو مقتضى إطلاق رواية ابن يزيد المجوّزة لبيعها في ثمنها.

(٤) وصلية ، فالمناط في الجواز هو استحقاق البائع للثمن ، سواء رضي بتسلّمه من المولى أم أبى ، فيوضع عند الحاكم أو أمين.

٣٢٨

التسلّم ، أو الفرق (١) بين رضاه بالتأخير وإسقاطه لحقّ الحلول وإن لم يسقط بذلك (٢) ، وبين عدم المطالبة ، فيجوز في الثاني دون الأوّل (٣) [في الأوّل دون الثاني] وجوه (٤) ، أحوطها الأوّل ، ومقتضى الإطلاق الثاني (٥).

ولو تبرّع (٦) متبرع بالأداء ، فإن سلّم إلى البائع برئت ذمّة المشتري ،

______________________________________________________

(١) هذا هو الوجه الثالث ، أي : التفصيل بين الرضا بالتأخير وعدم المطالبة.

(٢) أي : بالإسقاط ، كعدم سقوط الأجل لو أسقطه المديون ليصير الدّين حالا.

(٣) كذا في بعض النسخ المصححة ، وهو موافق لنصّ عبارة المقابس ، فما في نسختنا من قوله : «فيجوز في الأوّل دون الثاني» لعلّه سهو من النسّاخ.

(٤) مبتدء مؤخّر لقوله : «ففي اشتراط».

(٥) قال في المقابس : «والأوّل مقتضى الاحتياط ، والاقتصار على موضع اليقين في مخالفة الأصل ، مع كون الغالب مطالبة صاحب الحق بحقه. والثاني مقتضى الإطلاق. والثالث طريق الجمع» (١).

والحقّ دوران الجواز مطلقا مدار إطلاق دليل جواز البيع ، فمع إطلاقه يجوز مطلقا ، وبدونه لا بدّ من الاقتصار على المتيقن ، وهو اعتبار مطالبة البائع.

(٦) هذا فرع ثامن من فروع كون ثمن الأمة دينا على المولى ، ومحصّله : أنّه هل يشترط في جواز البيع عدم وجود من يتبرّع بأداء الدّين ، أم لا؟ فصّل المصنف قدس‌سره ـ كما في المقابس أيضا (٢) ـ بين تسليم الثمن للبائع ، فيسقط الدين حينئذ ويصح بيعها ، لانتفاء الموضوع وهو الدين. وبين تسليمه للمولى إن كان حيّا ، أو للورثة إن كان ميّتا.

وفي وجوب القبول وجهان ، وجه الوجوب : احتمال اختصاص جواز البيع بصورة الاضطرار والعجز عن أداء الدين ولو بالتكسّب ، وأنّ مجرّد عدم ملكية ما يقابل الدّين غير كاف في جواز البيع ، فيجب حينئذ عليهم القبول لئلّا تباع أمّ الولد.

__________________

(١) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٧٥.

(٢) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٧٥.

٣٢٩

ولا يجوز بيعها (١). وإن سلّم (٢) إلى المولى أو الورثة (*) ، ففي وجوب القبول نظر (٣).

______________________________________________________

ووجه عدم الوجوب كون قبول الهبة ـ مقدمة لأداء الدين ـ منة لا يجب على المولى ولا على ورثته قبولها. وعليه فلا مانع حينئذ من تقدم حق الدائن وجواز بيع أمّ الولد.

(١) لسقوط الدين عن ذمة السيّد ، ولا مجوّز لبيعها.

(٢) تسليم ما يقابل الثمن إلى السيد أو وارثه يمكن أن يكون بعنوان الإباحة والبذل ، وأن يكون بعنوان التمليك والهبة. والظاهر إرادة الهبة بقرينة توقفه على القبول ، وتنظّره في وجوبه.

فلو كان التبرّع للسيّد بعنوان البذل أمكن القول بعدم جواز بيع أمّ الولد ، لأنّ إباحة المال محقّقة لسلطنة المولى على أداء دينه ، والمفروض كفاية هذا المقدار في أداء الدين ، وعدم توقفه على الملك ـ بقبول الهبة مثلا ـ كتوقف جملة من الامور عليه كالبيع والوقف والعتق. فلا حاجة إلى القبول حينئذ حتى يتكلم في وجوبه وعدمه.

(٣) كما في المقابس أيضا ، ولعلّ وجه الوجوب احتمال اختصاص جواز البيع

__________________

(*) اورد عليه بعدم الوجه في الجمع بين المالك والوارث في العنوان ، سواء أكان التبرع بذلا أم هبة. لأن المكلّف بوجوب التكسب مقدمة لأداء الدين هو المديون دون ورثته ، ولا يجب عليهم تفريغ ذمة المورّث من أموالهم ولا مما أبيح لهم التصرف فيه ، بل من أموال الميت ، فلا يجب على الورثة قبول الهبة. وعلى تقدير القبول فهو ـ كما لو كان التبرع بذلا ـ كسائر الأموال التي يملكون التصرف فيها.

والحاصل : أن التنظر في وجوب القبول يتّجه بناء على كون التبرع هبة ، والمتهب هو السيد لا الوارث (١).

__________________

(١) حاشية المكاسب للمحقق الأصفهاني ، ج ١ ، ص ٢٨١ ؛ حاشية المكاسب للمحقق الإيرواني ، ج ١ ، ص ١٨٥.

٣٣٠

وكذا (١) لو ارضي البائع باستسعائها في الأداء.

ولو (٢) دار الأمر بين بيعها

______________________________________________________

بصورة الاضطرار والعجز عن أداء الدين ولو بالتكسّب ، وعدم كفاية مجرد عدم تملك ما يقابل الدّين في جواز البيع ، فيجب حينئذ القبول لئلّا تباع أمّ الولد.

ولكن يمكن أن يقال : إنّ الإطلاق يدفع هذا الاحتمال ، فلا يجب عليهم القبول. كما يمكن الالتزام بعدم وجوب القبول ، لكونه منة لا يلزم تحمّلها ، لما في قبول الهبة لكلّ أحد ومن كلّ أحد مهانة ونقص يوجب الحرج المنفي شرعا.

(١) يعني : ففي جواز البيع نظر ، وهذا فرع تاسع ، وهو ملحق حكما بالفرع الثامن. ومحصله : أنّه لو أرضى السيد أو الورثة ـ أو ثالث ـ البائع بأن تسعى أمّ الولد وتكتسب لتوفي ثمنها ، فهل يجوز للسيد أو الورثة بيعها ، من جهة صدق عدم وجود مال فعلا يؤدّى به الدين؟ أم يجب الاستسعاء ما دام البائع راضيا بتأخر تسلم الثمن. ولعلّ وجهه انصراف دليل جواز البيع عن هذه الصورة التي لا مطالبة لذي الحق فعلا وإن جازت له.

(٢) هذا فرع عاشر ، ومحصله : أنّه لو دار الأمر في بيعها في ثمن رقبتها بين أن يشتريها أبوها أو أخوها أو ابن أخيها أو غيرهم ممّن تنعتق أمّ الولد عليه قهرا ، وبين أجنبي ، فتبقى رقّا إلى أن تتحرر من نصيب ولدها من الإرث ، ففي تقديم الأوّل ، أو التخيير بينه وبين الأجنبي ، وجهان.

وجه الوجوب ـ كما في المقابس ـ أمران : أحدهما : تغليب جانب الحرية ، وحصول الانعتاق الذي هو الغرض الموجب لمنع بيعها.

ثانيهما : الجمع بين الحقين أي حق البائع المستحقّ للثمن. وحق أمّ الولد للتحرّر.

ووجه عدم الوجوب إطلاق الرواية المجوّز لبيعها إن لم يجد ما يؤدّي به الثمن.

ويجري الوجهان لو كان المشتري أجنبيا ، ودار الأمر بين بيعها منه بشرط أن يعتقها ، وبين بيعها منه مجرّدا عن الشرط.

٣٣١

ممّن ينعتق (١) عليه ، أو (٢) بشرط العتق ، وبيعها (٣) من غيره (٤) ، ففي وجوب تقديم الأوّل وجهان (٥).

ولو (٦) أدّى الولد ثمن نصيبه

______________________________________________________

(١) كذا ، والصواب «تنعتق».

(٢) أي : من لا تنعتق أمّ الولد عليه قهرا من الأصناف الأحد عشر ، فالمراد كون المشتري أجنبيّا دائرا بين شخصين ، أحدهما يشتريها بشرط أن يعتقها ، والثاني يأبي الشرط المزبور.

(٣) معطوف على «بيعها» أي : وبين بيعها.

(٤) أي : غير من ينعتق عليه وغير من يرضى شرط العتق ، فتبقى أمّ الولد عنده رقّا.

(٥) لكن احتمل في المقابس تفاصيل في المسألة ، قال قدس‌سره : «ففي وجوب البيع عليه ـ أي على من ينعتق أو من يقبل شرط الإعتاق ـ دون غيره به ، وممّن لم يكن كذلك ، أو التخيير بينهما ، أو التفصيل بين ما إذا اشتراه بما يشتريه به غيره ، وما إذا كان بأقلّ منه ، فيتعيّن في الأوّل دون الثاني. أو ـ أي يفصّل ـ بين ما إذا كان البائع المولى أو الورثة ، أو بينهم أيضا بين ما انحصر الوارث في الولد ، وما إذا شاركه غيره ممّن لا ينعتق عليه. أو بين حصصهم في هذه الصورة ، فيجب على الولد أن يبيع على من ينعتق عليه إن أمكن ، ولا يجب على غيره ، إشكال» (١).

(٦) هذا فرع حادي عشر ، وهو مفروض في موت السيّد وبقاء ثمن أمّ الولد في ذمته ، وانتقال أمواله إلى ورثته ، ولكن لم يف نصيب ولدها بالدين ، كما إذا كان ثمنها مائة دينار ، ونصيب الولد من التركة خمسين دينارا ، فأدّاها إلى البائع أو من يقوم مقامه ، وبقي نصف ثمنها دينا ، فينعتق منها نصفها ، ويتوقف تحرّر جميعها على ما ذكروه في باب العتق بالسراية ، وهو : أن الولد إن كان موسرا ـ أي له مال غير

__________________

(١) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٧٥.

٣٣٢

انعتق (١) عليه ، وحكم الباقي يعلم من مسائل السراية (٢).

______________________________________________________

ما ورثه من أبيه ـ انعتق تمامها ، ويقوّم عليه نصيب الباقي. وإن كان معسرا سعت في باقي ثمنها ، فإن أدّته انعتق نصيب سائر الورثة منها.

ثم إنّ وجه ربط هذا الفرع بفروع بيع أمّ الولد في ثمن رقبتها هو حصول التعارض بين دليلين.

أحدهما : ما دلّ على انتقال التركة بمجرد الموت إلى الورثة.

وثانيهما : ما دلّ على انعتقا هذه الأمة على الولد بالملك لإرث كان أو غيره.

وحيث إنّ صحيحة عمر بن يزيد ـ من جواز بيعها في الدين ـ ناظرة إلى صورة موت المولى ، وانتقالها بالإرث ، فلا بدّ من تخصيص إحدى القاعدتين بالاخرى ، إمّا بالالتزام بأنّ ما ينتقل إلى الوارث غير الجارية المستولدة التي بقي ثمنها ، فتنعتق. وإمّا بالالتزام باختصاص انعتاق أمّ الولد بصورة استقرار الملك بالإرث ، وهو بعد أداء الدين ، غاية الأمر أنّ سائر الديون لا تمنع من استقرار الإرث ، بخلاف ثمن رقبتها.

والظاهر تخصيص قاعدة الانعتاق ، لما دلّ على جواز بيعها في الثمن.

وبهذا يتّجه ما في المتن من أنّه لو أدّى الولد نصيبه انعتقت عليه بمجرد الأداء ، إذ المخصّص لقاعدة الانعتاق هو جواز بيعها لوفاء الثمن ، فإذا أدّى ثمن نصيبه ارتفع الموضوع ـ وهو الدين بمقدار نصيبه ـ فلا يجوز البيع. فتبقى قاعدة الانعتاق بلا مانع ، وينعتق باقيها بما ذكروه في باب السراية.

(١) كذا في النسخ ، والأولى «انعتقت» وفي المقابس «انعتق نصيبه» فيتجه بناء الفعل للمذكّر.

(٢) قال المحقق قدس‌سره : «وإذا ملك شقصا ممّن ينعتق عليه ، لم يقوّم عليه إن كان معسرا. وكذا لو ملكه بغير اختياره» (١). وقال في عتق شقص العبد المشترك : «قوّم عليه إن كان موسرا ، وسعى العبد في فكّ ما بقي منه إن كان المعتق معسرا» (٢).

__________________

(١) شرائع الإسلام ، ج ٣ ، ص ١١٣.

(٢) المصدر ، ص ١١١.

٣٣٣

ولو أدّى (١) ثمن جميعها ، فإن أقبضه البائع فكالمتبرع (٢). وإن كان (٣) بطريق الشراء ، ففي وجوب قبول ذلك (٤) على الورثة نظر (٥) ، من الإطلاق (٦) ،

______________________________________________________

(١) أي : الولد ، وهذا هو الفرع الثاني عشر ، ومفروضه موت المولى وبقاء الثمن في ذمته ، وانتقال التركة إلى الورثة. والمذكور في المتن ـ كالمقابس (١) ـ صورتان ، فتارة يؤدّي ولد الجارية ثمنها إلى البائع تفريغا لما في ذمة أبيه ، فيكون متبرعا بأداء دين أبيه ، ولا ريب في منع بيع امّه حينئذ.

واخرى يمضي إلى سائر الورثة ، ويشتري منهم حصصهم من الامّ ، كما لو كان الورثة عشرة ، فاشترى الولد أنصبة التسعة منهم.

وهل يجب على الورثة بيعها من الولد لتنعتق عليه ، أم يجوز الامتناع ، فتكون كسائر التركة ملكا لهم ، ويجوز لهم بيعها ـ من غير ولدها ـ في ثمن رقبتها؟ فيه وجهان ، مقتضى إطلاق «بيعها في ثمنها» جواز الامتناع ، فتباع من أجنبي مقدمة لوفاء الدين. ومقتضى الجمع بين حق الاستيلاد والدّين وجوب بيعها للولد ، فيؤدّي الورثة ثمنها بالعوض المأخوذ من ولدها.

(٢) حيث تقدم في الفرع التاسع سقوط الدين بالتبرع ، وعدم توقفه على القبول.

(٣) معطوف على «فإن أقبضه» أي : وإن كان أداء الولد ثمن جميع امّه بطريق شرائها من إخوته وسائر الورثة ـ ليوفوا دين المورّث بما يأخذوه من الولد ـ ففي وجوب القبول نظر.

(٤) أي : الشراء من الورثة.

(٥) مبتدء مؤخر لقوله : «ففي وجوب» والجملة بتمامها جواب الشرط ل «وإن كان».

(٦) هذا وجه عدم وجوب القبول على الورثة ، والمراد به عدم تقييد «بيع الأمة في ثمنها» ببيعها من ولدها ، فلا مانع من كون المشتري لها أجنبيّا.

__________________

(١) مقابس الأنوار ، ص ٧٥.

٣٣٤

ومن الجمع (١) بين حقّي الاستيلاد والدّين.

ولو امتنع (٢) المولى من أداء الثمن من غير عذر ، فلجواز بيع البائع لها

______________________________________________________

(١) هذا وجه وجوب القبول ، وتقدم بيانه آنفا.

(٢) هذا هو الفرع الثالث عشر ، وهو مبني على إلحاق الامتناع عن أداء الدين بعدم الأداء حتى يجوز بيعها لوفاء ثمنها. وحاصله : أنّه لو امتنع مولى الجارية من أداء ثمنها إلى البائع مع كونه موسرا ، وانحصر طريق استيفاء حقّه في المقاصة ، بأن يأخذ الجارية من مولاها وبيعها من آخر مقاصة ، فهل يجوز له ذلك إمّا مستقلا وإمّا بالاستئذان من الحاكم ، أو لا يجوز ذلك؟ استدل صاحب المقابس لكلّ من الجواز والمنع ، ثم رجّح المنع.

أمّا وجه الجواز فامور :

الأوّل : تنزيل يسار المولى ـ مع الامتناع عن أداء الثمن ـ منزلة إعساره ، فكما لا يمنع الغريم من استرداد عين ماله مع إعسار المديون ، فكذا يجوز للبائع هنا.

الثاني : إطلاق بعض النصوص ، كرواية عمر بن يزيد الثانية المجوّزة للبيع في ثمن الرقبة ، بدعوى شمول إطلاقها لصورة وجود المال ، إلّا إذا كان المولى موسرا غير ممتنع عن أداء الثمن ، فيجوز البيع فيما عداه. ومنه المقام ، وهو امتناع المديون من الأداء من مال آخر.

الثالث : أنّ حق البائع مقدّم عند التزاحم ـ مع حق الاستيلاد ـ من جهة سبقه زمانا ، لأنّ بناء المعاوضة على التقابض من الطرفين ، والمفروض عدم قبض الثمن.

وأمّا وجه المنع فامور ثلاثة أيضا ، وهي المنقولة في المتن عن المقابس :

الأوّل : أنّ الشارع اعتبر لأمّ الولد حقّا يمنع من بيعها ، ومن المعلوم عدم سقوط هذا الحق بامتناع المولى الموسر عن أداء ثمنها ، و (لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) ، فينبغي إلزام المولى بالوفاء ، لا بيع الجارية.

الثاني : ظهور الفتاوى في منع بيعها في هذه الحالة.

الثالث : أنّ أمّ الولد متشبثة بالحرية وإن لم يتحرر منها شي‌ء في حياة مولاها ،

٣٣٥

مقاصّة مطلقا (١) ، أو مع إذن الحاكم وجه (٢).

وربما يستوجه (٣) خلافه (٤) ، لأنّ المنع (٥) لحقّ أمّ الولد ، فلا يسقط بامتناع المولى ، ولظاهر (٦) الفتاوى ، وتغليب (٧) جانب الحرّية.

وفي الجميع نظر (٨) (*).

______________________________________________________

فلو جاز بيعها بقيت على الرّقية. وحيث إن الشارع غلّب جانب الحرية لم يجز للبائع أخذها وبيعها من آخر للحصول على ثمنها.

هذا ما استدلّ به صاحب المقابس ، وسيأتي مناقشة المصنف فيها.

(١) في قبال اشتراط جواز بيعها باستيذان الحاكم ، فالمراد بالإطلاق استقلال بائع الجارية باستردادها وبيعها ، سواء أذن الحاكم أم لم يأذن.

(٢) والدليل على هذا الوجه الامور الثلاثة ، وقد تقدم بقولنا : «أما وجه الجواز فامور ...».

(٣) المستوجه صاحب المقابس قدس‌سره ، لقوله : «والأوجه المنع ، عملا بظاهر الفتاوى ... الخ» (١).

(٤) أي : خلاف الجواز الذي لا يخلو من وجه.

(٥) هذا أوّل الامور الثلاثة ، يعني : لأنّ منع بيعها يكون لأجل حق الاستيلاد ، فلا يسقط هذا الحق بامتناع المولى عمّا يجب عليه من إيصال الثمن للبائع.

(٦) معطوف على «لأنّ المنع» يعني : أن قولهم : «أم الولد مملوكة لا يجوز بيعها» مطلق ، يشمل ما لو امتنع المولى الموسر عن تسليم الثمن للبائع.

(٧) معطوف على «ظاهر» أي : ولتغليب جانب الحرية.

(٨) أمّا في الأوّل ، فلعدم قيام حجة على اعتبار حقّ لأمّ الولد حتى يؤخذ

__________________

(*) في النظر نظر ، إذ موضوع جواز بيعها في ثمن رقبتها هو إعسار المولى ،

__________________

(١) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٧٥ ـ ٧٦.

٣٣٦

والمراد بثمنها (١) : ما جعل عوضا لها

______________________________________________________

بإطلاق مانعيته عن نقلها إلى الغير بالبيع وشبهه ، وإنّما ينتزع حقّها من النهي عن بيعها. وحينئذ فلو فرض إطلاق بعض النصوص ـ بحيث يقتضي جواز بيعها ـ لم يكن منشأ لانتزاع الحق حتى يقال بأنّ حقّها لا يسقط بامتناع مولاها عن أداء الثمن.

وأمّا في الثاني ، فلأنّ الفتاوى إن بلغت حدّ الإجماع ، فهو الحجة ، وإلّا فلا حجة فيها.

مضافا إلى : أنها غير مسوقة لبيان عدم ترخيص البائع في بيعها ، بل ناظرة إلى حكم المولى ومنعه من نقلها عن ملكه.

وأمّا الثالث : فلأنّه اعتبار محض لا حجة عليه شرعا ، مع أنّ مورد تغليب جانب الحرية هو ما لو تحرّر بعض المملوك ، والمفروض في المقام عدم تحرر شي‌ء منها بعد.

(١) هذا هو الفرع الرابع عشر ، والغرض منه بيان ما يراد ب «الثمن» الذي يجوز بيع أمّ الولد مقدمة لوفائه ، فأفاد قدس‌سره : أنّ «الثمن» وإن كان ظاهرا في ما يقابل المثمن ، فيختص بعقد البيع ، ولا يشمل ما إذا كان انتقال الجارية إلى المولى بعقد آخر كالصلح المعاوضي ، فلا يجوز بيعها حينئذ لأداء عوض الصلح إلى المصالح ، إلّا أنّ

__________________

فصورة إيساره مع الامتناع داخلة في صور المنع عن بيعها.

مضافا إلى : أنّ أدلة المقاصة لا تشرّع البيع فيما لا يجوز بيعه كأمّ الولد والوقف ، بل موضوعها ما يجوز فيه البيع.

نعم تعليل المقابس بالوجوه الثلاثة لا يخلو من العلّة ، إلّا قوله : «ولظاهر الفتاوى» وإن كان فيه أيضا : أنّه إن لم يكن إجماعا لا يجدي ، لعدم كونه حجة.

كما أنّ قوله في أدلة الجواز : «تنزيلا للإيسار مع الامتناع منزلة الإعسار» غير ظاهر ، لعدم دليل على هذا التنزيل. وعصيان المولى لا يوجب سقوط حقّ الاستيلاد الثابت لأمّ الولد.

٣٣٧

في عقد مساومتها (١) وإن كان صلحا.

وفي إلحاق (٢) الشرط المذكور في متن العقد

______________________________________________________

المراد بالثمن ما جعل عوضا في العقد المعاوضي ، إمّا لظهوره عرفا في مطلق العوض ، وإمّا لمناسبة الحكم والموضوع.

قال في المقابس : «والمعتبر في الثمن مقابلته بالأمة في عقد المعاوضة وإن كان صلحا ونحوه على الأشبه ، لمساواة الجميع في المعنى المقتضي للبيع ، ولقوله عليه‌السلام : في فكاك رقابهن. فذكر البيع والثمن في بعض النصوص وفي الفتاوى محمول على الغالب» (١).

(١) وهي «المجاذبة بين البائع والمشتري على السلعة وفصل ثمنها» (٢). لكن المراد به هنا المجاذبة بين المتعاوضين سواء أكان العقد بيعا أم غيره.

(٢) هذا هو الفرع الخامس عشر ، ومحصله : أنّه تقدّم جواز بيع أمّ الولد في ثمنها لو كان في ذمة المولى ولم يكن له مال يفي به. وهل يجوز البيع لو أدّى الثمن أو كان له مال يفي به ، ولكن شرط بائع الجارية ـ في العقد ـ على المشتري شيئا يحتاج الوفاء به إلى المال ، وهو معسر لا مال له إلّا أمّ الولد ، كما لو شرط الإنفاق على البائع سنة مثلا ، فعجز عن الوفاء بما التزم به ، بحيث توقف إنفاذه على بيعها ، مقدمة للوفاء بالشرط ، فيكون كجواز بيعها في ثمنها ، أم لا؟

وبعبارة اخرى : هل يكون الشرط كالثمن في جواز بيعها أم لا؟

استشكل المصنف ـ وفاقا لصاحب المقابس قدس‌سرهما ـ في الإلحاق.

فوجه الإلحاق كون الشرط كالمبيع في أنّ له قسطا من الثمن ، ومعدودا جزءا منه ، فالعجز عن الوفاء به كالعجز عن أداء الثمن ، فيجوز بيعها ، إن لم يكن «بيعها في ثمنها» منصرفا عنه.

__________________

(١) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٧٦.

(٢) لسان العرب ، ج ١٢ ، ص ٣١٠ ؛ مجمع البحرين ، ج ٦ ، ص ٩٤.

٣٣٨

بالثمن (١) ـ كما إذا اشترط الإنفاق على البائع (٢) مدّة معيّنة ـ إشكال (٣).

وعلى العدم (٤) ، لو فسخ البائع ، فإن قلنا بعدم منع الاستيلاد من الاسترداد

______________________________________________________

ووجه عدم الإلحاق : عدم كون الشرط جزءا منه ، لأنّ الثمن عبارة عمّا يقع تلو «باء» المقابلة ، والشرط وإن كان منشأ لتفاوت ما يبذل بإزاء العين ، إلّا أنّه خارج عن الثمن ، فلا يجوز بيعها حينئذ فيه ، لعدم صدق «بيعها في ثمنها» عليه (*).

(١) متعلق ب «إلحاق الشرط» والمراد بالإلحاق جواز بيعها مقدمة للوفاء بالشرط.

(٢) متعلق ب «اشترط» يعني : اشترط البائع على المشتري للأمة : أن ينفق على البائع مدة.

(٣) مبتدء مؤخر لقوله : «وفي إلحاق» وتقدّم وجه الإشكال جوازا ومنعا.

(٤) يعني : وعلى عدم الإلحاق : لو فسخ البائع لأجل تخلف الشرط ـ بعد أن أولدها المشتري ـ فعلى القول بعدم منع الاستيلاد عن النقل ، فلا مانع من الاسترداد بلا إشكال. وعلى القول بمنع الاستيلاد من الاسترداد وصيرورتها بالاستيلاد كالتالف انتقل إلى القيمة الفعلية سواء زادت عن ثمنها الذي اشتراها به أم نقصت عنه.

والظاهر عدم جواز الاسترداد وإن قلنا بجواز بيعها في قيمتها ، وذلك لعدم صدق «بيعها في ثمنها» على بيعها للوفاء بالشرط ، لما اشير إليه من عدم كون الشرط جزء للثمن حتى يصدق البيع في ثمنها عليه.

نعم ، بناء على جواز بيعها في مطلق الدين أمكن أن يقال بكشف ذلك عن ارتفاع مانعية الاستيلاد النقل ، فيجوز استردادها حينئذ. والمسألة تحتاج إلى التأمل.

__________________

(*) وهو الحق ، فلا يجوز بيعها للوفاء بالشرط. ومع الشك في الصدق لا يجوز أيضا ، لعموم المنع.

نعم ، بناء على الإشكال في أصالة المنع يتمسك بما دلّ على جواز البيع من العمومات.

٣٣٩

بالفسخ استردّت. وإن قلنا (١) بمنعه عنه فينتقل إلى القيمة.

ولو قلنا (٢) بجواز بيعها حينئذ (٣) في أداء القيمة ، أمكن القول بجواز استردادها ، لأنّ (٤) المانع عنه (٥) هو عدم انتقالها ، فإذا لم يكن بدّ من نقلها لأجل القيمة ، لم يمنع (٦) عن ردّها إلى البائع ، كما لو بيعت على البائع في ثمن رقبتها (٧).

______________________________________________________

(١) معطوف على «فإن قلنا» يعني : وإن قلنا بمنع الاستيلاد عن استرداد نفس الجارية ، انتقل حق البائع إلى القيمة.

(٢) هذا تتمة لقوله : «وعلى العدم» لا أنه مقابل له ، وحاصله : أنّه لو فسخ ذو الخيار وقلنا بانتقال حقّه إلى القيمة ، لا العين رعاية لحق الاستيلاد ، ولم يتمكّن المولى من أداء القيمة إلا ببيعها ، أمكن القول بجواز ردّ عينها إلى البائع وعدم تعيّن بيعها ، وذلك لوحدة المناط ، إذ بعد جواز انتقالها عن المولى لا فرق بين نقلها إلى المشتري ، ثم تسليم القيمة إلى البائع ، وبين نقلها ـ ابتداء ـ إلى البائع ذي الخيار.

وامتناع استرداد عينها بالفسخ لا ينافي جواز استردادها وفاء للقيمة التي هي كالثمن. كما أنّ عدم جواز بيعها مقدمة للوفاء بالشرط ـ على ما تقدم في الفرع السابق ـ لا ينافي جواز بيعها في أداء القيمة.

وعليه فالمقام نظير جواز بيعها في ثمن رقبتها من البائع لا من أجنبي حتى يؤدّى ثمنها إلى البائع.

(٣) أي : حين الالتزام بمنع الاستيلاد عن استرداد العين والانتقال إلى القيمة.

(٤) تعليل لإمكان القول بجواز استرداد العين ، وتقدم بيانه آنفا.

(٥) أي : عن استرداد العين.

(٦) أي : لم يمنع الاستيلاد عن ردّ أمّ الولد إلى البائع.

(٧) إذ بعد جواز بيعها في أداء ثمنها لا فرق بين أن يكون مشتريها هو البائع أو أجنبيا.

هذا تمام الكلام في المقام الأوّل المنعقد لبيان حكم بيعها في ثمنها إن كان دينا على المولى.

٣٤٠