🚘

هدى الطالب إلى شرح المكاسب - ج ٧

السيّد محمّد جعفر الجزائري المروّج

هدى الطالب إلى شرح المكاسب - ج ٧

المؤلف:

السيّد محمّد جعفر الجزائري المروّج


الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٨٠
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ 🚘 الجزء ٥ 🚘 الجزء ٦ 🚘 الجزء ٧
🚘 نسخة غير مصححة

لانصراف (١) قوله عليه‌السلام : «لا يجوز شراء الوقف» إلى غير هذه (٢) الحالة.

وكذا (٣) «حبس العين وتسبيل المنفعة» إنّما يجب الوفاء به ما دام المنفعة المعتدّ بها موجودة (٤). وإلّا (٥) فمجرّد حبس العين وإمساكه (٦) ـ ولو من دون منفعة ـ لو وجب الوفاء به لمنع (٧) عن البيع في الصورة الاولى.

______________________________________________________

(١) تعليل للإمكان ، وغرضه نفي ما يتوهّم كونه مانعا ، وهو إمّا إطلاق النهي في رواية ابن راشد ، والمفروض انصرافه إلى حالة وجود المنفعة. وإمّا وجوب الوفاء بإنشاء الواقف والعمل على طبقه من حبس العين أبدا ، وقد عرفت أيضا عدم مانعيته.

(٢) أي : غير حالة كون المنفعة في غاية القلّة بحيث تلحق بالمعدوم.

(٣) هذا نفي المانع الثاني ، وقد تقدم بيانه ، والأولى سوق العبارة هكذا : «ولأنّ حبس ...» فيكون معطوفا على «لانصراف».

(٤) يعني : أن «حبس العين أبدا» مقدمة للتوصل إلى تسبيل المنفعة ، فمع سلبها لم يكن حبس العين متعلق غرض الواقف حتى يجب الوفاء به بإبقاء الموقوفة على حالها.

(٥) يعني : وإن وجب الوفاء بعقد الوقف مطلقا حتى مع سلب المنفعة المعتدّ بها ، لزم منع البيع في الصورة الاولى أيضا حفظا لغرض الواقف وهو حبس العين الخاصّة ، مع أنّه لا ريب في جواز البيع هناك ، كما عرفت.

والأولى بسلاسة العبارة حذف «وإلّا» أو جملة «فمجرد حبس العين ... الوفاء به» بأن يقال : «وإلّا لمنع وجوب الوفاء عن البيع في الصورة الاولى» والأمر سهل.

(٦) الأولى تأنيث الضمير ، لكون «العين» مؤنثا سماعيّا.

(٧) أي : لمنع وجوب حبس العين عن البيع حتى في الصورة الاولى ، لوحدة المناط ، وهو تعلق غرض الواقف بحبس عين خاصة. ووجوب الوفاء بالعقد مانع

٢١

ثمّ إنّ الحكم المذكور (١) جار فيما إذا صارت منفعة الموقوف قليلة لعارض (٢) آخر غير الخراب ، لجريان (٣) ما ذكرنا فيه.

ثمّ إنّك (٤) قد عرفت فيما سبق أنّه ذكر بعض : أنّ جواز بيع الوقف

______________________________________________________

عن البيع في كلتا الصورتين ، وحيث جاز التبديل هناك فكذا هنا.

هذا تمام الكلام في ما إذا كان منشأ ندرة المنفعة خراب الوقف ، وسيأتي حكم ما لو كان منشأ قلة المنفعة غير الخراب.

(١) وهو جواز بيع الوقف المسلوب معظم منفعته لأجل الخراب ، مع الإشكال الذي ذكره بقوله : «لكن الخروج بذلك ... مشكل». فيقال بجواز البيع لو قلّت المنفعة مع قابلية الموقوفة للانتفاع بها ، كما إذا وقف بعيرا للسقي فاستغني عنه بعد وضع أنابيب الماء ، أو وقف خانا لنزول الزوّار والمسافرين فيه ، فتعطّل بعد قطع المسافات البعيدة بالطائرات والسيارات ، وكذا لو وقف دارا على ذرّيته ليسكنوها بأنفسهم ، ولم يمكنهم ذلك لوقوعها في محلّة لا يقيم فيها ـ فعلا ـ ذووا المروّات ، ونحو ذلك ممّا تكون العين فيه عامرة ، ولكن لا ينتفع بها في الجهة المقصودة للواقف.

فما تقدّم من وجه جواز البيع ومنعه يجري هنا أيضا ، وبعد ترجيح جانب الجواز هناك ـ من جهة أن حبس العين مقدمة لتسبيل الثمرة المعينة ، وبانتفائها ينتفي حقيقة التسبيل المأخوذ في الوقف ، ولا يبقى مجال لحفظ خصوصية العين المسلوبة منفعتها ـ نقول بجواز البيع هنا ، لوحدة المناط.

(٢) المراد به ما يكون كاللازم غير المفارق بحسب العادة ، كالأمثلة المتقدمة.

(٣) تعليل لقوله : «جار» وضمير «فيه» راجع إلى الموصول في قوله :

«فيما» وهو مورد قلة المنفعة لعارض غير الخراب.

(٤) ما أفاده المصنف قدس‌سره هنا إلى آخر الصورة الثانية تعريض بكلام صاحب الجواهر قدس‌سره من التزامه بفساد الوقف في موردين :

أحدهما : خراب الوقف على وجه تنحصر منفعته المعتدّ بها في إتلافه ، كالحصير

٢٢

لا يكون إلّا مع بطلان الوقف ، وعرفت وجه النظر فيه (١). ثمّ وجّه (٢) بطلان الوقف

______________________________________________________

والجذع ونحوهما مما يكون الانتفاع به بإتلاف العين كالإحراق.

ثانيهما : انعدام عنوان الوقف ، كما إذا وقف بستانا ملاحظا في إنشائه عنوان «البستان» فخرب ، وسقط عن كونه بستانا.

وقد ذهب صاحب الجواهر قدس‌سره إلى بطلان الوقف في هذين الموردين بعد حكمه بأنّ تجويز بيع الوقف كاشف عن بطلانه ، لامتناع اجتماع المتنافيين ، كما تقدّم توضيحه في أوائل المسألة ، فراجع (١).

وتوضيح ما أفاده في المورد الأوّل هو : أنّ الوقف مؤلّف من أمرين أحدهما حبس العين ، والآخر تسبيل المنفعة ، ومن المعلوم تفرع التسبيل على وجود الثمرة خارجا ، ولا فرق في إناطة صحة الوقف بوجود كلّ من العين ومنفعتها بين الابتداء والاستدامة ، فكما يعتبر وجودهما حدوثا كذلك يعتبر بقاء ، فلو خربت الموقوفة ولم ينتفع بها بطل وقفيّتها ، ضرورة انتفاء المركّب بانتفاء أحد أجزائه كانتفائه بانعدام تمام الأجزاء.

والحاصل : أن الشرط الدخيل في صحة الوقف ـ وهو كون العين ذات ثمرة مسبّلة ـ يقتضي انتهاء أمد الوقف بانتفاء الثمرة.

(١) أي : في ما ذكره البعض من بطلان الوقف بجواز بيعه ، وتقدم إيراد المصنف عليه بقوله : «وفيه : أنّه إن اريد من بطلانه انتفاء بعض آثاره ... فهذا لا محصّل له. وإن اريد به انتفاء أصل الوقف ـ كما هو ظاهر كلامه ـ ففيه : مع كونه خلاف الإجماع ... أنّ المنع عن البيع ليس مأخوذا في مفهومه» فراجع (٢).

(٢) أي : جعل صاحب الجواهر قدس‌سره الوجه في بطلان الوقف ـ في الصورة الاولى

__________________

(١) هدى الطالب ، ج ٦ ، ص ٥٣٣ إلى ٥٣٥.

(٢) المصدر ، ص ٥٣٧ إلى ٥٣٩.

٢٣

في الصورة الاولى بفوات شرط (١) الوقف المراعى في الابتداء والاستدامة ، وهو (٢) كون العين ممّا ينتفع بها مع بقاء عينها.

وفيه (٣) : ما عرفت سابقا من أنّ بطلان الوقف بعد انعقاده صحيحا

______________________________________________________

المتقدمة ـ فوات شرط الوقف. قال قدس‌سره : «والظاهر تحقق البطلان فيما لو خرب الوقف على وجه تنحصر منفعته المعتدّ بها منه في إتلافه ، كالحصير والجذع ونحوهما ... ووجه البطلان حينئذ فقدان شرط الصحة في الابتداء المراعى في الاستدامة بحسب الظاهر ، وهو كون العين مما ينتفع بها مع بقائها» (١).

(١) المراد بالشرط في عبارة الجواهر المتقدمة مقوّم الوقف ، ولذا عبّر عنه بشرط الصحة ، وهذا الشرط ملحوظ في الوقف حدوثا وبقاء. فلو فرض بقاء العين على الوقفية ـ مع فرض انتفاء الثمرة ـ لم يكن حبسها مقدمة لتسبيلها كما هو واضح.

(٢) أي : أن الشرط المراعى ابتداء واستدامة هو كون العين مما ينتفع بها مع بقائها.

(٣) ناقش المصنّف قدس‌سره في ما تقدم من الجواهر بوجوه أربعة :

الأوّل : أنّه لا وجه لبطلان الوقف المؤبّد بمجرّد انتفاء المنفعة. توضيحه : أن الكلام تارة في انتهاء الوقف المنقطع ، وهو الموقّت بأمد محدود كجعل داره وقفا على قوم مخصوصين ، فينتهي الوقف بانقراضهم ، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى في (ص ١٩٧).

واخرى في انتهاء أمد الوقف المؤبّد بانتفاء الثمرة المسبّلة ، وعدمه ، وهو محلّ البحث.

فذهب صاحب الجواهر إلى أنّه كان وقفا صحيحا ، وقد انتهى أمده بزوال المنفعة ، وأورد عليه المصنّف بأنّه «لا وجه له» وظاهره امتناعه ثبوتا ، لاستلزام

__________________

(١) جواهر الكلام ، ج ٢٢ ، ص ٣٥٨.

٢٤

.................................................................................................

______________________________________________________

البطلان انقلاب الشي‌ء عمّا هو عليه ، إذ مع وقوع الوقف المؤبّد صحيحا يمتنع انقلابه وصيرورته باطلا بنفاد المنفعة.

الثاني : أنّ القصور في جهة الإثبات ، بمعنى أنّه لو سلّمنا إمكان انقلاب الوقف المؤبّد إلى المنقطع كان البطلان منوطا بوفاء الدليل به ، لئلّا يكون من القول بغير العلم ، لعدم نهوض دليل بالخصوص على الخروج عن مقتضى قوله عليه‌السلام : «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها». وعليه فلا حجة على بطلان الوقف بفوات المنفعة.

الثالث : أن الشرط المزبور ـ وهو كون العين مما ينتفع بها مع بقاء عينها ـ وإن كان دخيلا في الوقف ، لوضوح كون الغاية من حبس العين تسبيل ثمرتها ، إلّا أنّه يكفي في انعقاد الوقف صحيحا وجود المنفعة حال حدوث الوقفية وإنشائها ، وأمّا اعتبار استمرارها فلم يقم عليه دليل.

والشاهد على كفاية وجود هذا الشرط ابتداء هو ملاحظة شروط سائر العقود الناقلة ، كمالية العوضين في باب البيع ، فهي معتبرة حين الإنشاء ، لكون البيع مبادلة مال بمال. ولا يقدح في صحته وترتب النقل عليه سقوط المبيع عن المالية بيد المشتري ، كما إذا اشترى خلّا فتخمّر ، أو سقوط الثمن عن المالية بيد البائع إذا كان من الأنواط التي تنسخها الحكومات ، فإنّ السقوط عن المالية لا يوجب الخروج عن الملك.

الرّابع : أنّ جواز بيع الوقف في مورد طروء المسوّغ له لا يوجب انتهاء أمد الوقف ، وبطلانه ، بل يتبدّل لزوم الوقف بالجواز والتزلزل ، فإن بيع بطل ، وإن لم يبع بقي وقفا ، لما تقدّم في أوائل المسألة من أن مفاد دليل جواز بيع الوقف هو جواز إبطاله ، ومن المعلوم أن جواز الإبطال ليس مبطلا ، بل المبطل هو إنشاء بيع الوقف.

وعليه فتجويز البيع شرعا تخصيص في دليل لزوم الوقف ، وصيرورته جائزا بعد عروض المسوّغ.

٢٥

لا وجه له (١) في الوقف المؤبّد (٢). مع أنّه (٣) لا دليل عليه. مضافا إلى أنّه (٤) لا دليل على اشتراط الشرط المذكور في الاستدامة ، فإنّ (٥) الشروط في العقود الناقلة يكفي وجودها حين النقل ، فإنّه (٦) قد يخرج المبيع عن الماليّة ، ولا يخرج بذلك (٧)

______________________________________________________

هذا توضيح المناقشة ـ بوجوه أربعة ـ في المورد الأوّل مما تقدم في كلام صاحب الجواهر قدس‌سره.

(١) إمّا لاستحالة انقلاب الشي‌ء عمّا هو عليه. فمع فرض تحقق شرط الصحة ـ وهو تسبيل الثمرة ابتداء ، ووقوع الوقف الصحيح ـ يمتنع بطلانه. نعم لا مانع من جواز إبطاله بالعقد الناقل.

وإمّا للزوم محذور الخلف لو قيل بصيرورة الوقف الدائم منقطعا ينتهي أمده بنفسه بطروء الخراب. ولذا لم يقل أحد ممّن أجاز بيع الوقف ببطلانه كما تقدّم آنفا.

(٢) كما هو محلّ الكلام ، ويظهر منه عدم البأس في بطلان الوقف المنقطع ـ بمعنى انتهاء أمده ـ بسلب المنفعة.

(٣) الضّمير للشأن ، وهذا هو الوجه الثاني ، ومحصّله ـ كما عرفت ـ عدم قيام دليل على بطلان الوقف في محلّ البحث ، فلا مخصّص لعموم «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها» المقتضي لبقاء العين على صفة الوقفية بعد انتفاء الثمرة.

(٤) الضمير للشأن ، وهذا هو الوجه الثالث ، وتقدّم تقريبه آنفا.

(٥) تعليل لقوله : «لا دليل» يعني : أن أدلة شروط العقود ظاهرة في كفاية وجود الشرط حدوثا ، ولا دليل على اعتبار وجودها بقاء ، سواء أكانت معتبرة في المتعاقدين أم في العوضين.

(٦) الضمير للشأن ، وهذا بيان لكفاية وجود الشرط ابتداء.

(٧) أي : بالسقوط عن المالية. وحيث إن النسبة بين المال والملك عموم من وجه ، فلا بأس بانتفاء أحدهما وبقاء الآخر. والمراد بالملك ظاهرا ما هو أعم من النسبة الخاصة بين المالك والمملوك ، ومن حقّ الاختصاص الثابت في مثل الخمر

٢٦

عن ملك المشتري (١). مع أنّ (٢) جواز بيعه لا يوجب الحكم بالبطلان ، بل يوجب خروج الوقف عن اللزوم إلى الجواز ، كما تقدّم (٣) (*).

______________________________________________________

المنقلب عن الخلّ.

(١) بأن يدخل في ملك البائع مرّة اخرى من جهة فساد البيع ، الناشئ من فقد شرط المالية بقاء.

(٢) هذا هو الوجه الرابع المتقدم آنفا.

(٣) يعني في قوله : «إن جواز البيع لا ينافي بقاء الوقف إلى أن يباع ، فالوقف يبطل بنفس البيع ، لا بجوازه ...» فلاحظ (١).

__________________

(*) ينبغي بيان أمرين :

أحدهما : وجه مناسبة التعرض لكلام صاحب الجواهر قدس‌سره في هذه الصورة الثانية.

ثانيهما : في تمامية ما أورده المصنف عليه في المقطع الأوّل وهو انتفاء المنفعة.

أمّا الأمر الأوّل ، فلعلّ المناسب نقل كلام الجواهر بتمامه في مسألة بطلان الوقف بطروء المسوّغ ، وعدمه ، إذ ليس في الموردين المذكورين هنا إلّا تطبيق تلك الكبرى. وكذا البحث في ما يترتب على البطلان من انتقال الوقف إلى الواقف أو الموقوف عليه. ولو تعيّن اقتطاع هذين الموردين كان المناسب جدا التعرض للمورد الأوّل منهما في الصورة الاولى ، كما هو مقتضى صريح المصنف قدس‌سره «ثمّ وجّه بطلان الوقف في الصورة الاولى».

نعم البحث عن زوال العنوان يناسب الصورة الثانية كما أفاده المحقق الأصفهاني قدس‌سره (٢).

__________________

(١) هدى الطالب ، ج ٦ ، ص ٥٢٩ إلى ٥٣١.

(٢) حاشية المكاسب للمحقق الاصفهاني قدس‌سره ، ج ١ ، ص ٢٦٨.

٢٧

.................................................................................................

__________________

وأمّا الأمر الثاني ، فقد اورد على مناقشة المصنف قدس‌سره بأجنبيتها عمّا في الجواهر ، وذلك لأن حقيقة الوقف حبس العين وتسبيل الثمرة ، وحيث إن مفهوم التسبيل متقوم ذاتا بالثمرة فلا يعقل بقاء الحبس وانتفاء الثمرة الموجب لانتفاء التسبيل ، بلا فرق بين الابتداء والاستدامة. فلا يعقل وقف مجرّد عن المنفعة. ولو فرض بقاء العين ـ بلا ثمرة ـ على الحبس كان وقفها بقاء بمعنى آخر أي حبسها من دون منفعة ، وهذا مغاير لمعنى الوقف حال الإنشاء من حبس العين وتسبيل الثمرة.

والحاصل : أن المركب ينتفى بانتفاء أحد أجزائه. هذا بناء على تركب ماهية الوقف.

وبناء على كون حقيقته حبسا للعين لتسبيل الثمرة ، فانتفاء الحبس بانتفاء غايته أوضح ، لفرض كون التحبيس مقدمة للتوصل إلى تسبيل المنفعة ، وأنّ ما لا منفعة فيه لا تحبيس للعين لأجل تلك المنفعة المعدومة. قال المحقق الأصفهاني قدس‌سره : «إذ الحبس لأجل التوصل إلى غاية لا يعقل بقاؤه بعد عدم إمكان التوصل إلى الغاية» (١).

وبالجملة : لما كان تسبيل المنفعة دخيلا في حقيقة الوقف ومقوّما لماهيته تعيّن بطلانه وانتهاؤه بانتفاء مقوّمه.

وحينئذ فاعتبار اشتمال العين على الثمرة ليس شرطا تعبديا خارجا عن حقيقة الوقف ، ليتجه التفصيل بين الابتداء والاستدامة بكفاية وجوده حدوثا وعدم اعتباره بقاء يقال تارة بأنه لا وجه له ، واخرى بأنّه لا دليل على اعتباره في الاستدامة ، وثالثة بالاستشهاد بشرط المالية في البيع مما لا ريب في اعتباره حال العقد لا إلى الأبد.

إذ في الأوّل : ما تقدم من كون تسبيل الثمرة مقوّما للوقف حدوثا وبقاء ، ولا ريب في انتفاء الشى‌ء بانتفاء مقوّمه. فعدم البطلان مما لا وجه له.

وفي الثاني : أنّ الشرط المزبور ليس أمرا تعبديا خارجا عن حقيقة الوقف

__________________

(١) حاشية المكاسب ، ج ١ ، ص ٢٦٨ ، وكذا حاشية المحقق التقي الشيرازي ، القلم الثاني ، ص ٢٤ و ٢٥.

٢٨

.................................................................................................

__________________

حتى يطلب الدليل عليه ، بل هو المنشأ بإنشاء الواقف. فكما لا يعقل وقف ما لا نفع فيه حدوثا ، فكذا لا يعقل ذلك بقاء.

مضافا إلى عدم كون هذا الوجه مغايرا للأوّل ، إذ لو كان ممتنعا لم يعقل قيام الدليل عليه ، وإن قام الدليل على البطلان كان هو الوجه.

وفي الثالث : أنه ليس أمرا مغايرا لقوله في الوجه الثاني : «لا دليل عليه» والدليل عليه تقوم حقيقة الوقف بتسبيل الثمرة ، فتنتهي بانتفائها.

وأمّا تنظير المقام بشرائط العقود كمالية العوضين ، فيشكل بأنّ الوقف ليس من هذا القبيل ، إذ حقيقة الوقف هي تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة. ومن المعلوم أنّ هذا العنوان لا يتحقق إلّا ببقاء العين مع الانتفاع بها ، فمع عدم إمكان الانتفاع بها مع بقائها لا يصح وقفها. وهذا بخلاف شروط العقود الناقلة كمالية العوضين ، فإذا زالت مالية أحدهما بعد تمامية العقد والقبض لا يبطل العقد ، بل يبقى على ملكية من انتقل إليه وإن خرج عن المالية.

وعليه فالأولى تنظير الوقف بالإجارة المتوقفة على وجود المنفعة في المدة ليستوفيها المستأجر ، ولا يكفي كون العين ذات منفعة حال العقد ، ولذا يبطل بسقوطها عن قابلية الانتفاع بها بعده.

والحاصل : أن دعوى كفاية وجود شرائط العقود في الابتداء دون الاستدامة تتّجه في ما يكون خارجا عن ماهية العقد ، لا فيما يتقوّم به.

ولا يخفى أن المحقق الإيرواني قدس‌سره ـ بعد إبطال وجوه المناقشة الثلاثة وإرجاعها إلى وجه واحد ـ احتمل تارة واستظهر اخرى أن شيخنا الأعظم قدس‌سره استفاد من تعبير الجواهر ب «شرط الصحة» أنّ تسبيل الثمرة أمر زائد على حقيقة الوقف ، ولذا أورد عليه بأنّه لا وجه له ولا دليل عليه. مع أنّ مقصود صاحب الجواهر من شرط صحة الوقف هو الفصل المقوّم للماهية ، ومعه لا يبقى موضوع للإيراد عليه (١).

__________________

(١) حاشية المكاسب ، ج ١ ، ص ١٧٧.

٢٩

ثمّ ذكر : (١) أنّه قد يقال بالبطلان

______________________________________________________

(١) يعني : ذكر ذلك البعض ، وهو صاحب الجواهر قدس‌سره ، وهذا بيان المورد الثاني الذي التزم قدس‌سره فيه بصحة وقف العنوان ، وبطلانه ـ أي انتهاء أمده ـ بمجرّد زواله وإن لم يكن من الوقف المنقطع المصطلح.

والفرق بينه وبين سابقه هو : أن الزائل ـ في السابق ـ الفصل المقوّم للوقف بما هو وقف أعني تسبيل المنفعة المأخوذ في ماهية الوقف مهما كانت الموقوفة. والزائل في هذا المورد هو موضوع الوقف ، من جهة انعدام الوصف والعنوان المجعول وقفا.

وكيف كان فينبغي الإشارة إلى ما أفاده صاحب الجواهر قدس‌سره في باب الوقف من أنحاء أخذ عنوان في الإنشاء ، ثمّ توضيح العبارة المنقولة منه في المتن ، فنقول : إنّه إذا وقف دارا أو بستانا على أولاده :

فتارة : يكون المقصود موضوعية العنوان المأخوذ في صيغة الوقف بنحو تمام الموضوع ، كقوله : «هذه الدار وقف عليهم ما دامت دارا» فينتهي وقفها بانهدامها وتغيير الصورة الدارية سواء أمكن الانتفاع بها أم امتنع. وهذا وقف منقطع الآخر ، لأنّ المجعول للموقوف عليهم هو الملكية المحدودة ببقاء العنوان. وفرقه مع الوقف المنقطع ـ المقابل للمؤبّد ـ هو أن الانقطاع هنا بانقضاء الموقوف ، وفي المنقطع المتعارف بانقضاء الموقوف عليهم.

__________________

لكن ظهر بما ذكرناه في التوضيح إمكان مغايرة مناط الإشكال الأوّل للآخرين ، بجعله ناظرا إلى مقام الثبوت ، وجعلهما ناظرين إلى مقام الإثبات.

وفي الرابع : أنّه لم يتعرض صاحب الجواهر هنا لبطلان الوقف بطروء المسوّغ حتى يقال : إنّ تجويز البيع ينافي لزوم الوقف لا حقيقته ، فإنّ كلامه متمحض في انتهاء الوقف بسلب المنفعة. ولو فرض إرادة جواز البيع من البطلان كان إشكال المصنف عليه مبنائيّا ، وقد سبق البحث فيه.

٣٠

.................................................................................................

______________________________________________________

واخرى : يكون المقصود موضوعية العنوان لا بنحو التحديد ببقاء الدار عامرة ، بل للانتفاع بها دارا ، كما إذا قال : «وقفتها دارا» بمعنى أنّه ينتفع بها دارا ، فيستمرّ وقفها بعد انهدامها ما دامت صالحة للانتفاع بها. فإذا خرجت عن قابلية الانتفاع ـ على وجه لا يرجى عودها ـ أمكن القول ببطلان وقفها.

وثالثة : يكون المقصود من وقف الدار تسبيل منفعتها ، سواء أكانت دارا ـ كما هي حال الوقف ـ أم غيرها ، بأن تجعل خانا أو حمّاما ، أو نحوهما ، فيكون أخذ عنوان «الدار» في الإنشاء مشيرا إلى وقفية الذات ـ وهي العرصة المعنونة بعنوان الدار ـ ولذا يجوز تغيير هيئتها اختيارا.

ورابعة : يكون غرض الواقف ـ كما في الصورة الثالثة ـ تسبيل منفعة الدار ، لكن علم إرادة الدوام منه ، بأن يتعدد مطلوب الواقف ، فما دام الانتفاع بها دارا ممكنا تعيّن ذلك ، ولا يجوز تغييرها ، ولو انهدمت جاز الانتفاع بها مطلقا إما بإحداث دار مثلها أو حمّام أو غيرهما.

هذا ما أفاده في كتاب الوقف (١).

وأمّا كلامه هنا فمحصّله : أنّ غرض الواقف من قوله : «وقفت البستان على أولادي» إن كان هو النحو الأوّل أي كان حبس البستان على الموقوف عليهم حبسا محدودا وموقّتا ببقاء عنوان «البستان» ـ لكونه ملحوظا جهة تقييدية تدور الوقفية مداره ـ كان لازمه البطلان بالانهدام ، وخروج العرصة عن الوقفية ، ولا عبرة بإمكان الانتفاع بها بنحو آخر. ويتجه البحث حينئذ عن رجوعها إلى الواقف أو صيرورتها ملكا طلقا للموقوف عليهم.

فإن قلت : لا وجه لخروج العرصة عن الوقفية بعد زوال عنوان «البستان»

__________________

(١) جواهر الكلام ، ج ٢٨ ، ص ١٠٩.

٣١

أيضا (١) بانعدام عنوان الوقف فيما إذا وقف بستانا ـ مثلا ـ ملاحظا (٢) في عنوان وقفه (٣) البستانية ، فخربت (٤) (*) حتى خرجت عن قابلية ذلك (٥) ،

______________________________________________________

لكونها جزءا من الموقوفة ، إذ «البستان» مركّب من العرصة والأشجار ، ومن المعلوم أن سقوط الأشجار عن الوقفية ـ لتبدلها بأخشاب ـ لا يوجب انتفاء وقفية العين.

قلت : إنّ العرصة وإن كانت جزءا من الموقوفة ، إلّا أنّ الواقف لم يجعلها وقفا لا بشرط الأشجار ، بل بشرطها ، فزوال عنوان «البستان» وانتهاء وقفيته يوجب سقوط وقفية العرصة من جهة فقد الشرط.

وإن كان غرض الواقف حبس العرصة على الموقوف عليهم على النحو الثالث أو الرابع ، لم يقدح ذهاب عنوان «البستان» في استمرار وقف العرصة ، هذا.

(١) يعني : كبطلان الوقف في صورة الخراب.

(٢) حال من ضمير الفاعل المستتر في «وقف».

(٣) أي : وقف البستان.

(٤) كذا في الجواهر أيضا ، والأولى «فخرب ، خرج» لرجوع الضمير المستتر إلى البستان.

(٥) أي : عن قابلية كونه بستانا.

__________________

(*) الأولى تبديل قوله : «فخربت» بأن يقول : «فتبدّلت» إذ الكلام في ذهاب العنوان الذي اخذ موضوعا في إنشاء الوقف ، لا مشيرا. فالمدار على ذهاب العنوان سواء أكان ذلك بالخراب أم بغيره ، كما إذا وقف بنت مخاض فصارت بنت لبون ، وهكذا ، فإنّ العنوان قد تبدل بدون الخراب.

نعم لا بأس بذكر الخراب من باب المثال ، لكونه في سياق سابقه من كون انعدام المنفعة المعتد بها لأجل الخراب. والأمر سهل.

٣٢

فإنّه (١) وإن لم تبطل منفعتها أصلا ، لإمكان الانتفاع بها دارا مثلا ، لكن ليس (٢) من عنوان الوقف. واحتمال (٣) بقاء العرصة (٤) على الوقف ، باعتبار أنّها جزء من الوقف ، وهي باقية (٥). وخراب (٦)

______________________________________________________

(١) مقصوده بقاء مقدار معتدّ به من المنفعة بعد انعدام الصورة البستانية ، كتشييد دور على الأرض ، فينبغي الحكم ببقاء وقفها حينئذ ، لكن لمّا كان المجعول وقفا هو عنوان «البستان» كان مقتضاه بطلان وقف العرصة أيضا كما تقدّم آنفا.

(٢) أي : ليس الانتفاع بالعرصة ـ ببناء دار فيها ـ مقصودا من وقف عنوان «البستان».

(٣) مبتدء ، خبره «يدفعه» وغرض صاحب الجواهر قدس‌سره من بيان الاحتمال دفع إمكان القول ببقاء العرصة على الوقفية بعد خراب البستان. وتقدم بقولنا : «فإن قلت ...».

(٤) بفتح العين وسكون الراء المهملة ك «سجدة» وهي «كل موضع واسع لا بناء فيه» (١).

(٥) فينبغي بقاء وقفيتها ، وعدم زوالها بانعدام وصفها ، أي : كونها بستانا.

(٦) مبتدء ، خبره «لا يقتضي» وهذا تتمة الاحتمال المزبور ، يعني : أنّ خراب البستان يقتضي بطلان الوقف في خصوص البستان ، ولا يقتضي بطلان الوقف في العرصة.

ثمّ إن ما في المتن من جملة «وخراب غيرها ... بطلانه فيها» موافق لما في الطبعة الحجرية من الجواهر (٢) ، وهو الصحيح. والموجود في الطبعة الأخيرة «وخراب غيرها وإن اقتضى بطلانه فيها» خطأ قطعا ، ولم يشر إلى ما سقط من العبارة في جدول التصويب.

__________________

(١) لسان العرب ، ج ٧ ، ص ٥٣.

(٢) جواهر الكلام ، مجلّد المتاجر ، ص ٧٧.

٣٣

غيرها (١) وإن اقتضى بطلانه فيه لا يقتضي (٢) بطلانه فيها ، يدفعه (٣) : أنّ (٤) العرصة كانت جزءا من الموقوف من حيث كونه (٥) بستانا (٦) ، لا مطلقا (٧). فهي (٨) حينئذ جزء عنوان الوقف الذي فرض خرابه. ولو فرض (٩) إرادة وقفها لتكون (١٠)

______________________________________________________

(١) أي : غير العرصة ، والمراد بالغير هو عنوان البستان.

(٢) يعني : أنّ انتهاء أمد وقف البستان لا يستلزم انتهاء أمد وقف العرصة.

(٣) أي : يدفع الاحتمال ، وتقدم توضيح الدفع بقولنا : «قلت ...».

(٤) الجملة مرفوعة محلّا ، لكونها فاعلا ل «يدفعه».

(٥) أي : كون الموقوف.

(٦) يعني : أن هذه الحيثية تقييدية ، فبذهاب عنوان البستان تزول الوقفية عن العرصة أيضا.

(٧) هذا قرينة على كون وقفية العرصة بنحو وحدة المطلوب ، إذ ملحوظ الواقف موضوعية العنوان بنحو وحدة المطلوب ، لا بنحو تعدد المطلوب حتى يبقى حكم أحدهما بعد زوال حكم الآخر.

(٨) يعني : فالعرصة حين كون الموقوف عنوان البستان ـ لا بذاتها ـ تكون جزءا للعنوان الذي زال وقفيته بزوال البستان.

(٩) هذا تقريب بقاء وقفية العرصة كما تقدم في الفرض الرابع.

(١٠) أي : سواء أكانت الموقوفة بستانا كما هو كذلك فعلا ، أم دارا ، كما لو خرب البستان وبني دار فيها.

وعليه فالمراد بقوله : «لتكون» ـ بقرينة ما سيأتي من قوله : «وإن قارنت وقفه» ـ أنّ البستان موجود بالفعل ، ومجعول الواقف وقف كل من الذات والعنوان بنحو تعدد المطلوب.

وليس المراد وقف خصوص الأرض بدون الأشجار الموجودة بالفعل ، وإنّما يجب على الموقوف عليه جعلها بستانا في المستقبل من جهة اشتراطه عليه. وذلك

٣٤

بستانا أو غيره لم يكن (١) إشكال في بقائها ، لعدم (٢) ذهاب عنوان الوقف.

وربما يؤيّد ذلك (٣)

______________________________________________________

لأن لازم وقف هذه الأرض وجوب قلع الأشجار الفعلية ـ الباقية على ملك الواقف ـ مقدمة لغرس أشجار فيها.

(١) جواب الشرط ، وضمير «بقائها» راجع إلى «وقفها» وتأنيث الضمير باعتبار إضافة «وقف» إلى ضمير المؤنث الراجع إلى العرصة.

(٢) يعني : لم يكن ملحوظ الواقف عنوان «البستان» كي ينتهي وقف العرصة ، بل كان الملحوظ وقف الذات والعنوان بنحو تعدد المطلوب.

(٣) المشار إليه هو بطلان وقفية العرصة فيما كان الموقوف عنوان البستان ، وغرض صاحب الجواهر قدس‌سره تأييد انتهاء مدة وقف العرصة ـ بذهاب العنوان ـ بما ذكروه في باب الوصية من أنه لو أوصى بدار لزيد ، فانهدمت ، ثمّ مات الموصي ، بطلت الوصية ، لكون الموصى به عنوان «الدار» الذي هو اسم مجموع العرصة والبناء ، والمفروض فوات المركّب بفوات أحد أجزائه ، ولا تنتقل أرضها إلى الموصى له ، بدعوى : تعلق الوصية بكل جزء جزء من الدار ، سواء أكانت عامرة أم منهدمة.

قال المحقق قدس‌سره : «لو أوصى له بدار فانهدمت وصارت براحا ، ثم مات الموصي ، بطلت الوصية ، لأنّها خرجت عن اسم الدار. وفيه تردّد» (١).

وبيّن صاحب الجواهر وجه التردد وردّه ، فراجع (٢).

وبالجملة : فالتزامهم ببطلان الوصية بانهدام الدار ـ من جهة زوال عنوان الموصى به وهو الدار ـ صالح لتأييد ما تقدم من سقوط العرصة عن الوقفية بزوال عنوان البستان.

__________________

(١) شرائع الإسلام ، ج ٢ ، ص ٢٦٠.

(٢) جواهر الكلام ، ج ٢٨ ، ص ٤٦٣.

٣٥

في الجملة (١) ما ذكروه في باب الوصية من أنّه لو أوصى بدار ، فانهدمت (٢) قبل موت الموصي ، بطلت الوصية ، لانتفاء موضوعها (*).

______________________________________________________

والوجه في التأييد ـ دون الشهادة ـ وجود الفرق بين الوصية بالعنوان وبين وقف العنوان ـ بعد اشتراكهما في تقييدية الجهة والعنوان ـ وهو : أنّ تقييدية العنوان ملحوظة في الوصية حدوثا فقط ، بمعنى أن يكون المنقول بسبب الوصية إلى المنقول إليه عنوان «الدار».

وأمّا بعد الانتقال إليه وصيرورتها مالكا للموصى له فهو بالخيار بين إبقائها على العنوان الداري وبين إعدامها. وهذا بخلاف الوقف ، فإنّ العنوان إذا لوحظ فيه على جهة القيدية فهو ملحوظ كذلك حدوثا وبقاء.

(١) الظاهر كون هذه الكلمة قيدا للمؤيّد وهو فرع الوصية ، ومراد صاحب الجواهر قدس‌سره الإشارة إلى مورد حكمهم بالبطلان ، وهو ما إذا كان الانهدام لا بفعل الموصي ، وإلّا كان رجوعا عن الوصية بلا ريب. قال الشهيد الثاني قدس‌سره : «وموضع الخلاف ما إذا كان الانهدام لا بفعل الموصي ، وإلّا كان رجوعا» (١).

ولعلّه أشار بقوله : «في الجملة» إلى تفصيل بعضهم بين كون الموصى به دارا معينة ، فلا تبطل الوصية بها ، وبين كون الموصى به دارا من دوره ـ على نحو الكلّي في المعيّن ـ فانهدمت جميع دوره ، فالوصية باطلة. فراجع.

(٢) لا بفعل الموصي ، وإلّا كان رجوعا عن الوصية ، لا من بطلان الوصية بانتفاء موضوعها.

__________________

(*) مقتضى اتحاد الوقف والوصية في هذا الحكم جعله دليلا لا مؤيّدا ، فلاحظ الجواهر.

__________________

(١) مسالك الأفهام ، ج ٦ ، ص ٣٠١.

٣٦

نعم (١) لو لم تكن الدارية والبستانية ونحو ذلك (٢) مثلا عنوانا للوقف وإن (٣) قارنت وقفه ، بل كان المراد به الانتفاع به (٤) في كلّ وقت على حسب ما يقبله (٥) ، لم يبطل (٦) الوقف بتغيّر أحواله.

ثمّ ذكر (٧) أنّ في عود الوقف

______________________________________________________

(١) استدراك على قوله : «قد يقال بالبطلان» وغرض صاحب الجواهر قدس‌سره الإشارة إلى بقاء وقفية العرصة إن كان الملحوظ وقف المعنون ـ لا البستان ـ لا بنحو تمام الموضوع ولا جزئه ، وإنّما اخذ في الإنشاء للإشارة إلى أن متعلق الوقف هو الذات.

والوجه في جعله عنوان مشيرا هو مقارنة الوقفية والبستانية.

والظاهر انطباق ما تقدم في الفرض الثالث على قوله : «نعم» ولم يظهر وجه للجزم بكونه تكرارا لقوله : «لو فرض» كما زعمه العلّامة الشهيدي قدس‌سره (١).

(٢) كعنوان «الحمّام» إن كان المقصود وقف الذات الباقية بعد خرابه.

(٣) وصلية ، يعني : لا فرق في كون مقصود الواقف وقف العرصة بين اقترانها بكونها بستانا أو دارا ، وبين عدم الاقتران ، كما إذا لم يغرس فنها الأشجار بعد ، أو لم يبن فيها دار كذلك.

(٤) هذا الضمير وضميرا «وقفه ، به» راجعة إلى الوقف ، المراد به الموقوف.

(٥) الضمير المستتر راجع إلى الوقف ، والبارز إلى الموصول المراد به الانتفاع.

(٦) جواب الشرط في «لو لم تكن».

هذا تمام ما أفاده صاحب الجواهر في المورد الثاني أعني به بطلان وقف العنوان بمجرّد تغير أحواله ، ثم ذكر احتمالين بعد بطلان الوقف ، سيأتي بيانهما.

(٧) يعني : ذكر ذلك البعض ، وهو صاحب الجواهر ، قال قدس‌سره : «ثم على فرض

__________________

(١) هداية الطالب إلى أسرار المكاسب ، ص ٣٥١.

٣٧

إلى ملك الواقف (١) أو وارثه (٢) ـ بعد البطلان ـ أو الموقوف عليه (٣) وجهين (٤).

______________________________________________________

بطلان الوقف بذلك ـ أي بانعدام العنوان ـ فهل يعود للواقف وورثته كالوقف المنقطع؟ أو للموقوف عليه وورثته ، وجهان ... الخ».

ووجه العود إلى الواقف أو ورثته هو : أنّ خروج الموقوفة عن ملكه ودخولها في ملك الموقوف عليه كان محدودا ببقاء العنوان الملحوظ حين الإنشاء من بستان أو دار وإمكان الانتفاع الخاص به ، ومع انتفاء ذلك الوجه يعود إلى ملك الواقف إن كان حيّا ، وإلى وارثه إن كان ميّتا.

ووجه صيرورته ملكا طلقا للموقوف عليه هو : خروج العين عن ملك الواقف ودخولها في ملك الموقوف عليه ، ملكا غير طلق بمعنى منعه عن التصرف فيها بالانتفاع المنافي لبقاء العين في الملك ما دامت قابلة لتلك المنفعة. ومع فرض ذهاب العنوان وبطلان الوقف به تصير ملكا طلقا له ، لأن المنع من مطلق التصرف كان محدودا بما رسمه الواقف من عنوان ، فيرتفع المنع بانتفاء العنوان.

ثم رجّح صاحب الجواهر قدس‌سره في كتاب البيع هذا الوجه ، واستشهد له بالنّص والفتوى المجوّزين للموقوف عليهم بيع الوقف ، كما قوّى في كتاب الوقف رجوعه إلى الواقف أو ورثته.

(١) إن كان حيّا حين انعدام عنوان الوقف.

(٢) إن مات الواقف قبل زوال العنوان.

(٣) معطوف على «الواقف» والمراد بعود الوقف إلى الموقوف عليه صيرورته ملكا طلقا له ، وإلّا فالملكية المقيّدة بالعنوان كانت ثابتة له إلى حال بقائه.

(٤) اسم «إنّ» والجملة منصوبة محلّا على المفعولية ل «ذكر».

هذا ما أفاده صاحب الجواهر ، وناقش المصنف فيه وفي تأييده بفرع الوصية وفيما رتّب عليه من وجهين في مآل الوقف بعد نفاد العنوان ، وسيأتي بيان الكلّ إن شاء الله تعالى.

٣٨

أقول (١):

______________________________________________________

(١) ناقش المصنف في ما أفاده صاحب الجواهر قدس‌سره هما ـ من بطلان الوقف بزوال العنوان ـ بوجهين :

الأوّل : مخالفته للإجماع على أن زوال العنوان غير مبطل للوقف ، وهذا الإجماع ادّعاه صاحب الجواهر أيضا في مسألة بقاء وقف عرصة الدار المنهدمة ، قال : «إذا انهدمت الدار ... لم تخرج العرصة بذلك عن الوقف ، ولم يجز بيعها. بلا خلاف أجده بين من تعرّض له ...» لكنه قدس‌سره جعل مورد البحث ـ أعني وقف عنوان الدار ـ غير مندرج في معقد الإجماع (١).

وعليه فاحتجاج المصنف قدس‌سره باتفاق الأصحاب مبني على إطلاق حكمهم ببقاء وقف العرصة بعد انهدام الدار ، سواء أكان الملحوظ عنوان الدار أم لا ، فراجع (٢).

والحاصل : أنّ الفقهاء وإن اختلفوا في حكم بيع الوقف إذا خرب أو خشي خرابه ، فمنهم من جوّز البيع ، ومنهم من منعه ، لكن هذا الاختلاف غير قادح في إطباقهم على بقاء الوقف بعد تغيير عنوانه ، إذ لا ملازمة بينهما ، لكون النسبة بين الخراب وسقوط العنوان عموما من وجه ، لصدق «تغيّر العنوان» دون الخراب فيما إذا كانت العين الموقوفة حيوانا بسنّ خاص كبنت لبون أو بنت مخاض مثلا ، فإذا تجاوز سنّهما عن هذا الحد ، فقد تغيّر العنوان مع عدم صدق الخراب.

ولصدق «الخراب» بدون «تبدل العنوان» في الأرض الموقوفة للزراعة ، فانقطع عنها الماء ، فإنّه يصدق الخراب على هذه الأرض مع عدم تبدل عنوانها.

ولتصادقهما في الدار المنهدمة والبستان الذي خرب ، وزال عنوان بستانيته.

__________________

(١) جواهر الكلام ، ج ٢٨ ، ص ١٠٨.

(٢) المصدر ، ص ١٠٩.

٣٩

يرد على [ذلك] (١) ما قد يقال ـ بعد الإجماع على أنّ انعدام العنوان لا يوجب بطلان الوقف ، بل (٢) ولا جواز البيع ، وإن اختلفوا فيه (٣) عند الخراب أو (٤) خوفه ، لكنّه (٥) غير تغيّر العنوان ،

______________________________________________________

فالنتيجة : أنّ استمرار الوقف بعد نفاد العنوان مجمع عليه. ومعه لا وجه للالتزام بالبطلان كما صار إليه صاحب الجواهر قدس‌سره. هذا توضيح الوجه الأوّل ، وسيأتي الوجه الثاني.

(١) كذا في نسختنا ، والظاهر عدم الحاجة إلى هذه الكلمة ، كما لم تذكر في بعض النسخ المصححة ، فكأنّه قال : «إنّه : يرد ـ على ما أفاده في الجواهر من قوله :

قد يقال بالبطلان أيضا ... ـ أوّلا مخالفته للإجماع ... الخ».

(٢) الوجه في الإتيان ب «بل» هو : أنّ موضوع جواز البيع هو الوقف أي ما كان باقيا على وقفيته ، فلو لم يجز البيع بعد انعدام العنوان كان بقاء وقفية العين أوضح وجها.

(٣) أي : في جواز البيع ، فمنعه ابن إدريس (١) ، وجوّزه جماعة ، فراجع الأقوال (٢).

(٤) الإتيان ب «أو» للتنبيه على اختلاف عبائر المجوّزين ، فمنهم من جوّز البيع عند الخراب كسلّار (٣) ، ومنهم من جوّزه عند خوف الخراب وخشيته ، كالشهيد في الدروس (٤).

(٥) أي : لكنّ «خراب الوقف» المختلف حكمه أمر ، و«انعدام العنوان» أمر آخر ، لكون النسبة بينهما عموما من وجه ، كما تقدم آنفا.

__________________

(١) راجع هدى الطالب ، ج ٦ ، ص ٥٤٥.

(٢) المصدر ، ص ٥٤٧ وما بعدها.

(٣) المصدر ، ص ٥٦٣.

(٤) المصدر ، ص ٥٦٧.

٤٠