🚘

هدى الطالب إلى شرح المكاسب - ج ٧

السيّد محمّد جعفر الجزائري المروّج

هدى الطالب إلى شرح المكاسب - ج ٧

المؤلف:

السيّد محمّد جعفر الجزائري المروّج


الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٨٠
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ 🚘 الجزء ٥ 🚘 الجزء ٦ 🚘 الجزء ٧
🚘 نسخة غير مصححة

.................................................................................................

______________________________________________________

لا مطلقا كما هو مورد البحث ، فيكون الصحيح أخصّ من المدّعى ، وهو جواز شرط البيع لكلّ مصلحة (١).

ولكنّه غير ظاهر أيضا ، لما تقدّم في شرح فقرات الصحيحة من ظهور كلام أمير المؤمنين عليه‌السلام في إعطاء السلطنة على البيع ، وهذا هو الاشتراط. وقرينة حصر التمكن من وفاء الدين في بيع نصيب من الوقف مفقودة. ولو سلّم لم يجر هذا الاحتمال في تجويزه عليه‌السلام اتّخاذ نفس الوقف سري الملك ، لعدم فرض الحاجة فيه إلى بيعه مقدمة لرفع الضرورة.

الخامس : أنّ النصيب الذي جاز بيعه لهما عليهما‌السلام خارج من الوقف ، بمعنى أنّ الأمير عليه‌السلام وقف أمواله بينبع واستثنى نصيبا منها ، وفوّض تعيين النصيب إلى السبطين عليهما‌السلام ، فيتوقف تحديد مقدار الموقوف أيضا على تعيين ذلك النصيب ، ولا مانع منه ، فان الوقوف على حسب ما يقفها أهلها ، كذا أفاده في المقابس (٢).

ولكن مخالفته لظاهر الصحيحة من كون النصيب من جملة الأموال الموقوفة وعدم استثنائه منها مما لا تنكر.

هذا ما قيل في حمل بيع نصيب من المال.

وأمّا قوله عليه‌السلام : «وإن شاء جعله سري الملك» فاستقرب صاحب المقابس قدس‌سره أنّ الإذن في جعل الوقف مثل الملك وقع على وجه المبالغة في أمر التولية ، وفي استحقاقهما عليهما‌السلام للمنافع. وكان أمير المؤمنين عليه‌السلام عالما بأنّهما لا يفعلان إلّا ما هو الصحيح المشروع ، ولا يقتطعان شيئا من الوقف ، هذا.

ولكنك خبير ببعد هذا الحمل ، لعدم قرينة عليه ، مع كونه في سياق قوله عليه‌السلام : «فإن أراد أن يبيع نصيبا من المال» وقد استبعد صاحب المقابس حمله على الإذن

__________________

(١) حاشية العلّامة السيد الإشكوري على المكاسب ، ص ١٧٠.

(٢) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٥٦.

١٢١

والعمل أشكل (١).

______________________________________________________

في أداء الدين من الوقف ، فراجع المقابس (١).

وأمّا قوله عليه‌السلام : «وإن كان دار الحسن غير دار الصدقة فبدا له أن يبيعها» فقد يؤوّل ـ كما في المقابس أيضا ـ بأنّ دار الصدقة غير داخلة في الأموال التي حكم عليها في أوّل هذا الخبر بأنّها صدقة واجبة بتلة ، لأنّ الموقوف هو ماله بينبع وما حولها وبوادي القري وبديمة وبأذينة ، وكلّها ضياع ومزارع ، ولم تشتمل على دار يسكنها الإمام المجتبى عليه‌السلام. وحينئذ فلعلّ دار الصدقة التي فوّض أمرها إلى الإمام المجتبى عليه‌السلام كانت دارا جعل له سكناها ما دامت الحاجة ، وبعده عليه‌السلام بعنوان الوصية يفعل ما أمره عليه‌السلام به ، ومن المعلوم أن «الصدقة» كما تطلق على الوقف كذلك تطلق على السكنى والرقبى والعمرى ، هذا.

ولكن يمكن ترجيح احتمال إرادة الموقوفة من «دار الصدقة» بما في ذيل الصحيحة من أمره عليه‌السلام بأن يترك المال ولا يباع منه شي‌ء ولا يوهب ولا يورث ، فيكون شرط البيع توسعة للسبطين عليهما‌السلام تشريفا لهما.

(١) لإعراض المشهور عنه ، بل ادعى العلّامة المجلسي قدس‌سره مخالفة الصحيحة للمقطوع به عند الأصحاب (٢) ، ومن المعلوم أن عدم الاعتناء بما قطعوا به في غاية الإشكال كما لا يخفى على أهله. خصوصا مع ورودها في بيع الوقف العام ، وتقدم منع بيعه.

هذا تمام الكلام في حكم الصورة السادسة ، وتحصّل أن الاشتراط مجوّز للبيع ، عملا بأدلة الشروط وبعموم «الوقوف».

__________________

(١) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٥٦.

(٢) ملاذ الأخيار ، ج ١٤ ، ص ٤٣٥.

١٢٢

الصورة السابعة : أن يؤدّي بقاؤه إلى خرابه علما أو ظنّا (١) (*)

______________________________________________________

الصورة السابعة : أداء بقاء الوقف إلى خوف الخراب

(١) تقدم في الصورة الاولى الفرق بينها وبين هذه الصورة ، وأنّ مفروض الكلام هنا عدم الخراب فعلا ، وإنّما يخاف خراب الموقوفة لو بقيت على حالها. وتقدم في نقل الأقوال ما استظهره المصنف من وحدة مضمون تعابير الفقهاء بتأدية بقاء الوقف إلى خرابه تارة ، وبخوفه اخرى ، وبخشيته ثالثة ، وقال : «فظهر من ذلك أنّ جواز البيع بظنّ تأدية بقائه إلى خرابه ممّا تحققت فيه الشهرة بين المجوّزين» (١).

وعنوان هذه الصورة بنحو الإطلاق ـ في قبال من قيّد جواز البيع بكون منشئه خلف أرباب الوقف ـ موافق لما في المقابس من قوله : «الصورة الثالثة : أن يباع خوفا من أن يؤول إلى الخراب أو التلف ، وفيها أيضا أقوال .... ثالثها : الجواز في المؤبّد أو مطلقا ، وهو قول الشيخ وابن سعيد في كتابيه ... الخ» واختاره هو قدس‌سره فراجع (٢).

__________________

(*) لا يخفى منافاة تفسير خوف الخراب هنا بالعلم أو الظن به لما سيذكره في الصورة الثامنة من تفسير الخوف بما هو أعم منهما ومن الاحتمال ، مع أن الوارد في كلمات الأصحاب إما خوف الخراب أو خشيته ، وإمّا خشية وقوع فتنة بين أربابه

__________________

(١) هدى الطالب ، ج ٦ ، ص ٥٧٢.

(٢) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٦١ و ٦٢.

١٢٣

وهو المعبّر عنه ب «خوف الخراب» في كثير من العبائر المتقدمة (١).

والأداء إلى الخراب (٢) قد يكون للخلف (٣) بين أربابه ، وقد يكون (٤) لا له.

______________________________________________________

ثمّ إنّ المصنف قدس‌سره قسّم هذه الصورة تارة بالنظر إلى منشأ خوف خراب الوقف ، واخرى بالنظر إلى ما يبقى من المنفعة بعد الخراب.

أما التقسيم الأوّل فمنشأ الأداء إلى الخراب إمّا خلف الموقوف عليهم ، وإمّا غيره كعدم تمكنهم من عمارة الوقف وترميمه ، فهنا فرضان.

وأما التقسيم الثاني فله فرضان أيضا ، ضرورة أن الخراب المعلوم أو المظنون قد يبلغ حدّا تسقط العين به عن الانتفاع المعتدّ به ، فالباقي كالمعدوم ، وقد لا يبلغ هذا الحد ، وإنما يوجب نقص المنفعة. فهذه فروض أربعة ستأتي أحكامها.

(١) ففي المبسوط : «إذا خيف على الوقف الخراب» وفي الغنية «خيف خرابه» وقريب منهما ما في الوسيلة وفقه القرآن وجامع الشرائع والنزهة ووقف الشرائع ، والقواعد ، والتحرير والإرشاد ، وبيع التذكرة والدروس (١).

(٢) هذا هو المقسم الأوّل ، وهو باعتبار منشأ الأول إلى الخراب.

(٣) هذا أول الفرضين من المقسم الأوّل ، كما تقدم. وإسناد الخراب إلى الخلف مبني على الغالب من كون الاختلاف موجبا لترك الإقدام على ترميم الوقف ، فيؤول الأمر إلى الخراب ، وإلّا فلا ملازمة بين الخلف والخراب كما هو واضح.

(٤) أي : قد يكون الخراب لا للخلف بين الأرباب ، بل لموجب آخر.

__________________

كما في التحرير ، أو «يخاف منه تلف الأموال» كما في جامع المقاصد.

وعليه فاختصاص الخوف بالعلم والظن في الصورة السابعة ، وعمومه للاحتمال في الثامنة غير ظاهر الوجه.

__________________

(١) تقدمت مصادر الأقوال في ج ٦ ، ص ٥٦٢ ـ ٥٦٧.

١٢٤

والخراب المعلوم (١) (*) أو المخوف قد يكون على حدّ سقوطه من الانتفاع نفعا معتدّا به ، وقد يكون على وجه نقص المنفعة.

وأمّا (٢) إذا فرض جواز الانتفاع به بعد الخراب بوجه آخر ، كانتفاعه السابق أو أزيد ، فلا يجوز بيعه ، إلّا على ما استظهره بعض من تقدّم كلامه سابقا (٣) : من أنّ تغيّر عنوان الوقف يسوّغ بيعه ،

______________________________________________________

(١) هذا هو المقسم الثاني ، وهو باعتبار خراب الوقف كليّة ، أو بما يبقى مقدار معتد به من المنفعة.

(٢) هذا فرض ثالث من المقسم الثاني ، وغرضه قدس‌سره استثناء هذا الفرض من موضوع البحث في الصورة السابعة ، أعني به كون الخراب موجبا لنقص المنفعة أو لقلته بما لا يعتد به.

ومحصل هذا الفرض : ما إذا أمكن الانتفاع بالوقف ـ بعد خرابه ـ بوجه آخر ، كالبستان الذي يبست أشجاره فقطعت ، فأجرت العرصة للزراعة مثلا ، وكانت الاجرة أزيد من عوائد البستان أو مثلها. وحكم هذا الفرض عدم جواز بيع الوقف حينئذ ، إلّا على مبنى صاحب الجواهر قدس‌سره من بطلان وقفية العين بانعدام عنوانها الملحوظ حين الوقف ، وقد تقدم تفصيله في الصورة الثانية ، فراجع.

والحاصل : أن موضوع البحث في الصورة السابعة هو ندرة المنفعة بعد الخراب ، أو مجرد نقصها وإن كانت معتنى بها.

(٣) حيث قال : «ثم ذكر ـ يعني صاحب الجواهر ـ أنّه قد يقال بالبطلان أيضا بانعدام عنوان الوقف ، فيما إذا وقف بستانا مثلا ملاحظا في عنوان وقفه البستانية» فراجع (ص ٣٠).

__________________

(١) هذه الكلمة مستدركة ، لفرض شمول «المخوف» للمعلوم والمظنون بمقتضى تفسير الخوف بالعلم أو الظن.

١٢٥

وقد عرفت (١) ضعفه.

وقد عرفت (٢) من عبارة جماعة تجويز البيع في صورة التأدية إلى الخراب ولو لغير الاختلاف ، ومن اخرى تقييدهم به.

الصورة الثامنة : أن يقع بين الموقوف عليهم إختلاف لا يؤمن معه تلف المال أو النفس (٣) ،

______________________________________________________

(١) بقوله : «أقول : يرد على ما قد يقال بعد الإجماع على أنّ انعدام العنوان لا يوجب بطلان الوقف ... الخ» فراجع (ص ٣٩).

(٢) غرضه قدس‌سره الإشارة إلى ما ورد في كلمات الأصحاب حول هذه الصورة السابعة ، وظاهره وجود قولين في المسألة : أحدهما : إطلاق جواز البيع ، مهما كان منشأ الأداء إلى الخراب ، وهو المحكي عن النهاية.

ثانيهما : تقييد جواز البيع بكون المنشأ إختلاف أرباب الوقف ، وهو للأكثر ، كما يظهر بملاحظة كلماتهم المنقولة أوائل المسألة (١). وسيأتي تفصيل المصنف قدس‌سره.

الصّورة الثامنة : وقوع الاختلاف مع خوف تلف المال أو النفس

(٣) نقل صاحب المقابس قدس‌سره عنوان هذه الصورة قولا خامسا في حكم بيع الوقف لدفع الخلف أو لرفعه ، فقال : «خامسها : أنه يجوز إذا حصل خلف بين أربابه بحيث يخاف منه الإفضاء إلى تلف الأموال والنفوس ، وهو اختيار المحقق الكركي في تعليق الإرشاد ...» (٢). ويستفاد أيضا من الشهيدين قدس‌سرهما وممّن (٣) أخذ بصحيحة ابن مهزيار الآتية التي ورد فيها جواز البيع إذا خيف تلف الأموال والنفوس.

وتقدم في الكلمات المنقولة أوائل المسألة «أو يخاف من وقوع خلف بينهم

__________________

(١) لاحظ : هدى الطالب ، ج ٦ ، ص ٥٦٢ ـ ٥٦٧.

(٢) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٥٨.

(٣) غاية المراد ، ج ٢ ، ص ٣٠. الروضة البهية ، ج ٣ ، ص ٢٥٥.

١٢٦

وإن (١) لم يعلم أو يظنّ ذلك (٢).

فإنّ الظاهر من بعض العبارات السابقة جوازه لذلك (٣) ، خصوصا (٤) من عبّر بالاختلاف الموجب لخوف الخراب.

______________________________________________________

يؤدّي إلى فساده ـ أي فساد الوقف ـ» (١) كما في مهذّب القاضي قدس‌سره ، من دون عطف «النفوس» على الأموال.

وكيف كان فهذه الصورة تشارك السابعة في جامع الخوف ، وتفارقها بامور :

الأوّل : أخذ خصوصية الخلف بين أهل الوقف في الثامنة دون السابعة.

الثاني : أخذ خصوصية العلم أو الظن بالخراب مستقلا ، في السابعة ، ولحاظ خوف أحد الأمرين من تلف المال أو النفس في الثامنة.

الثالث : تفسير الخوف في السابعة بالعلم أو الظن ، وفي الثامنة بما يعم الاحتمال.

(١) حرف الوصل ظاهر في شمول الخوف وعدم الأمن لما يعم العلم والظنّ والاحتمال.

(٢) المشار إليه هو تلف المال أو النفس ، والمراد بتلف المال هنا تلف الوقف كما استظهره الشهيد الثاني قدس‌سره (٢).

(٣) أي : جواز البيع لخوف أداء الاختلاف إلى تلف المال أو النفس ، كقول العلّامة قدس‌سره : «وكذا يباع لو خشي وقوع فتنة بين أربابه» (٣).

(٤) توضيحه : أنّ بعض الفقهاء جوّز البيع عند أداء بقاء الوقف على حاله ـ مع خلف أربابه ـ إلى الخراب ، كالشهيد الثاني قدس‌سره ، والمحقق والعلّامة في بيع الشرائع

__________________

(١) المهذب ، ج ٢ ، ص ٩٢.

(٢) الروضة البهية ، ج ٣ ، ص ٢٥٥.

(٣) تحرير الأحكام ، ج ١ ، ص ١٦٥ (ج ٢ ، ص ٢٧٩ ، الطبعة الحديثة).

١٢٧

الصورة التاسعة : أن يؤدّي الاختلاف بينهم إلى ضرر عظيم (١) ، من غير تقييد بتلف المال (٢) ، فضلا عن خصوص الوقف.

______________________________________________________

والقواعد. ومن المعلوم ظهور «الأداء» في العلم والاطمئنان بترتب خراب الوقف على بقائه مع ما بين الموقوف عليهم من المنازعة ، فلا عبرة حينئذ بظنّ الأداء إليه واحتماله.

وهذا بخلاف من عبّر من الفقهاء ـ وهم الأكثر ـ بخوف الخراب أو خشيته أو «لا يؤمن ...» فإنّ «خوف الخراب» يشمل العلم والظن والاحتمال الموهوم ، إذ «الخوف» هو الحالة النفسانية الناشئة عن مجرد الاحتمال وإن كان موهوما جدّا.

الصورة التاسعة : اداء الخلف إلى ضرر عظيم

(١) هذه الصورة مذكورة في كلام ابن سعيد قدس‌سره ، لقوله : «أو يؤدي المنازعة فيه بين أربابه إلى ضرر عظيم» (١) ولعله متحد مع ما في تهذيب شيخ الطائفة من تجويز البيع «لو أدّى كونه وقفا إلى ضرر أو إلى إختلاف ، وهرج ومرج ، وخراب الوقف» (٢).

وكيف كان فتختلف هذه الصورة مع سابقيتها بأمرين :

الأول : عدم أخذ الخوف فيها ، بل المناط إفضاء بقاء الوقف إلى تلف الوقف أو تلف مال آخر أو فتنة عظيمة وفساد كبير مع أن عنوان الصورة السابعة والثامنة «خوف الخراب» كما تقدم.

الثاني : أخذ خوف خصوص الخراب فيهما ، بخلاف هذه ، إذ لا خصوصية لتلف الوقف هنا.

(٢) أي : تلف مال غير العين الموقوفة ، لما سيأتي في مكاتبة ابن مهزيار من

__________________

(١) نزهة الناظر ، ص ٧٤.

(٢) تهذيب الأحكام ، ج ٩ ، ص ١٣١.

١٢٨

الصورة العاشرة : أن يلزم فساد يستباح به الأنفس (١).

والأقوى (٢) : الجواز مع تأدية البقاء إلى الخراب على وجه لا ينتفع به نفعا يعتدّا به عرفا ، سواء كان لأجل الاختلاف أو غيره.

______________________________________________________

تجويز البيع لتلف الأموال والنفوس ، ولا خصوصية لتلف الوقف. وأمّا تعميم الضرر للنقص في العرض فلعدم اختصاص الضرر المنفي بالنقص المالي كما قرّر في محلّه.

الصورة العاشرة : أداء بقاء الوقف إلى فساد تستباح به الأنفس

(١) هذا العنوان قريب من كلام ابن سعيد أيضا ، حيث قال : «أو خيف وقوع فتنة بينهم تستباح بها الأنفس» (١) وتقدم في الأقوال نقله عن تعليق الإرشاد للمحقق الكركي ، والحاكي له هو السيد العاملي قدس‌سره ، إلّا أن المنقول عنه في المقابس كما تقدم في (ص ١٢٦) الأداء إلى تلف الأموال والنفوس.

وهذه الصورة كالتاسعة لم يؤخذ فيها الخوف ، وظاهر اللزوم هو العلم باستباحة الأنفس لو بقي الوقف بحاله ، وانحصر سد الفتنة في بيعه ، ولا يكفي مجرد الاحتمال حينئذ أو عدم الأمن من استباحة الأنفس.

وفرقها مع الصور الثلاث المتقدمة توقف جواز البيع هنا على تلف النفوس خاصة ، ولا عبرة بتلف الوقف أو سائر الأموال.

حكم الصّور الأربع

(٢) فصّل المصنف قدس‌سره في بيع الوقف ـ في الصور الأربع الأخيرة ـ فجوّزه في قسم من الصورة السابعة ، وهو أداء بقاء الوقف ـ علما أو ظنا ـ الى سقوطه عن الانتفاع المعتد به ، سواء أكان منشأ الخراب إختلاف أرباب الوقف أم غيره. والشاهد على إرادة الجواز في خصوص هذا القسم هنا ما سيأتي في (ص ١٤٩) من قوله : «وأما المنع في غير هذا القسم من الصورة السابعة».

__________________

(١) الجامع للشرائع ، ص ٣٧٢.

١٢٩

والمنع (١) في غيره من جميع الصور.

أما الجواز في الأوّل (٢) ، فلما مرّ من الدليل (٣) على جواز بيع ما سقط عن الانتفاع (٤) ، فإنّ (٥) الغرض من عدم البيع عدم انقطاع شخصه ،

______________________________________________________

ومنع البيع في نقص المنفعة كما منعه في الصور التالية لها ، فهنا دعويان. ويقع الكلام فعلا في أوّل شقّي التفصيل.

وقد استدل على الجواز بوجود المقتضي ودفع ما يحتمل كونه مانعا عن البيع ، ثم نقل وجهين آخرين للجواز وناقش فيها ، وسيأتي بيان الكلّ إن شاء الله تعالى.

(١) معطوف على «الجواز» أي : أنّ الأقوى منع البيع في سائر الصور.

(٢) وهو ما لو أدّى بقاء الوقف إلى الخراب علما أو ظنّا. وقد استدل على جواز البيع فيه بوجوه ثلاثة كما سيأتي ، أوّلها : ما في المتن من وجود المقتضي وفقد المانع. ثانيها : ما ذكره في التنقيح. ثالثها : ما نقل عن العلّامة وجماعة.

(٣) ما استدل به المصنف على جواز البيع هنا ـ من وجود المقتضي وفقد المانع ـ تقدم مستوفى في الصورة الاولى. وظاهر المتن دفع المانع ، وأمّا المقتضي فغير مذكور في العبارة اتكالا على وضوحه.

والمراد بالمقتضي في مقام الإثبات هو العمومات المقتضية لصحة البيع ، كقوله تعالى : (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) و (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) و (تِجارَةً عَنْ تَراضٍ).

وأما المانع فالمذكور في المتن هو الحقوق المتعلقة بالعين الموقوفة ، أعني بها حق الشارع والواقف والموقوف عليهم.

(٤) حيث قال في الصورة الاولى : «لعدم جريان أدلة المنع. أما الإجماع ... الخ» (١).

(٥) هذا دفع المانع من ناحية غرض الواقف ، وتقريب الغرض : أنّ مقصود

__________________

(١) هدى الطالب ، ج ٦ ، ص ٦١٤.

١٣٠

.................................................................................................

______________________________________________________

الواقف من حبس عين خاصة أبدا هو بقاؤها بشخصها لتكون صدقة جارية ينتفع بها معنويا ، كما ينتفع الموقوف عليهم بها مادّيا. ومن المعلوم أن تجويز بيعها ـ عند خوف خرابها وقلة منفعتها لو بقيت بحالها ـ ينافي هذا الغرض. وحيث إن الوقوف تكون على حسب ما يقفها أهلها لم يجز نقض غرض الواقف.

والمصنف دفع هذا المانع بما محصله : عدم لزوم نقض غرض الواقف ، بل يلزم حفظ مقصوده لو بيع الوقف ، وبيانه : أن غرض الواقف وإن كان حبس شخص ما وقفه ، وعدم تبديله بشي‌ء آخر ، إلّا أنه محدود بعدم العلم أو الظن بانقطاع هذا الشخص ، لينتفع به الموقوف عليهم.

وأمّا مع علمه بأوله إلى الخراب وتعذّر الانتفاع به مستقبلا فيدور الأمر بين وجهين :

أحدهما : ترك الوقف حتى يهلك ويخرج عن كونه صدقة جارية ، وحينئذ فكما تسقط العين عن حيّز الانتفاع بها فكذا تنعدم ماليتها القائمة بها.

ثانيهما : تبديل الوقف ، وهو وإن استلزم إسقاط حق الواقف من الانتفاع المختص بشخص الوقف ، إلّا أنّه يوجب حفظ غرضه في الانتفاع بمالية العين القائمة بالبدل. فإن قيل بالوجه الأوّل استلزم عدم رعاية حق الواقف في نوع ماله ليكون صدقة جارية. وإن قيل بالوجه الثاني فقد روعي فيه حقه ، فيكون نوع ماله صدقة.

ولا ريب في أن هذا الوجه أوفق بغرض الواقف ، لما فيه من رعاية حقه في الوقف ، بخلاف ترك البيع الموجب لسقوط حقه شخصا ونوعا.

والمتحصل : أن البيع غير مناف للتبديل.

فإن قلت : كلام المصنف هنا ينافي ما سيأتي في (ص ١٤٨) ـ في ردّ المستدلّ على الجواز بلزوم رعاية غرض الواقف ـ من عدم الدليل على وجوب متابعة أغراض الواقفين ، فإنّ ما يجب الوفاء به هو العقد والشرط فيه ، دون الأغراض

١٣١

فإذا فرض العلم أو الظّنّ بانقطاع شخصه ، فدار الأمر (١) بين انقطاع شخصه ونوعه ، وبين انقطاع شخصه لا نوعه ، كان (٢) الثاني أولى ،

______________________________________________________

الخارجة عن حاق الإنشاءات.

قلت : لا تهافت بين كلماته ، وذلك لأنّ غرض الواقف قد يجعل مقتضيا للبيع ، بأن يقال : انه كما تعلّق غرضه بحبس شخص العين كذلك بنوعه ، لتعدد المطلوب ، وهذا سيأتي منعه هناك بما محصله : قصور مقام الإثبات ، وعدم الدليل على لزوم مراعاة غرض الواقف ، فلا مقتضي للبيع من هذه الجهة. وقد يجعل مانعا عن البيع ، ولا بد من إبطال مانعيته عنه كما صنعه هنا ، وتقدّم تقريب المانعية ودفعها.

نعم ، عبارة المصنف قدس‌سره هنا لا تخلو من مسامحة من جهة تعبيره بالغرض ، مع أن مقصوده تعلق حق الواقف ، والشاهد على هذا التسامح أنه قدس‌سره أحال عدم مانعية الحقوق الثلاثة ـ عن البيع ـ على ما أفاده في الصورة الاولى ، وهو قوله : «والأوّل ـ أي ترك البيع حتى يتلف ـ تضييع مناف لحق الله وحقّ الواقف وحق الموقوف عليه» (١). وهذا التصريح قرينة على مراده من «غرض الواقف». وإن كان في العدول عن التعبير بالحق إلى «غرض» مسامحة ، لوضوح كون الحق أمرا اعتباريا متعلقا بالعين ، بخلاف الغرض الداعي إلى الإنشاء ، والخارج عنه.

هذا كلّه بالنسبة إلى عدم المانع من جهة تعلق حق الواقف. وأما عدم مانعية حق الشارع والموقوف عليهم فسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

(١) هذا متفرع على خوف انقطاع الشخص ، وهو دوران الأمر بين وجهين كما تقدّم آنفا.

(٢) هذا جواب الشرط في قوله : «فإذا فرض» والمراد بالثاني هو رعاية حق الواقف في كون ماله صدقة جارية ولو بنوع الموقوفة ، بأن تباع وتبدّل بعين اخرى.

__________________

(١) هدى الطالب ، ج ٦ ، ص ٦٢١.

١٣٢

فليس (١) فيه منافاة لغرض الواقف أصلا.

وأمّا الأدلة الشرعية (٢) فغير ناهضة ، لاختصاص الإجماع (٣) ، وانصراف النصوص إلى غير هذه الصورة (٤).

وأمّا الموقوف عليهم (٥) ، فالمفروض إذن الموجود منهم ،

______________________________________________________

(١) هذا نتيجة أولوية البيع والتبديل من إبقاء الوقف حتى يهلك ، يعني : أن حفظ حق الواقف منحصر في البيع ، فضلا عن منافاته له.

(٢) غرضه نفي المانع من ناحية الأدلة الشرعية الناهية عن بيع الوقف الشاملة لما يخاف خرابه ، مثل الإجماع ، ومعتبرة علي بن راشد ، وفيها : «لا يجوز شراء الوقف». فإنّهما من موانع التمسك بالعمومات القاضية بصحة البيع ، وذلك لأن إمضاء الصدقة الجارية والحكم عليها بإبقائها ينافي بيعها.

وحاصل ما أفاده قدس‌سره : أنه لا كاشف عن تعلق حقه تعالى بالوقف المشرف على الخراب حتى يجب رعايته. أمّا الإجماع فغير مانع ، لما تقدم في الصورة الاولى من التأمل في تحققه على عدم جواز البيع حتى في ما نحن فيه. ولو شك فيه فمقتضى كونه لبيّا الاقتصار على القدر المتيقن ، وهو ما عدا صورة الخراب أو خوفه. مضافا إلى احتمال كونه مدركيا.

وأما معتبرة ابن راشد فلانصرافها إلى غير صورة خشية الخراب ، كانصرافها عن صورة فعلية الخراب ، لوحدة مناط الانصراف وعدم دخل فعلية الخراب فيه.

وأما عموم «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها» فلعدم تكفله حرمة البيع تعبّدا ، بل هو إمضاء للكيفية التي رسمها الواقف. وقد تقدم أن تعلق حق الواقف بحبس شخص العين محدود بما دام الانتفاع بها ممكنا ، لا ما إذا آلت إلى سقوط المنفعة.

(٣) يعني : اختصاصه بحال عمارة الوقف وعدم خوف الخراب.

(٤) وهي صورة خشية الخراب ، كانصرافها عن صورة الخراب الفعلي.

(٥) هذا نفي المانع الثالث عن جواز البيع ، يعني : أن حق الموقوف عليهم هو

١٣٣

وقيام الناظر العام (١) أو الخاص (٢) مقام غير الموجود.

نعم (٣) ، قد يشكل الأمر فيما لو فرض تضرّر البطن الموجود من بيعه (٤) ، للزوم (٥) تعطيل الانتفاع إلى زمان وجدان البدل ، أو كون (٦) البدل قليل المنفعة بالنسبة إلى الباقي.

______________________________________________________

كون العين صدقة جارية لهم ينتفعوا بها. وهذا الحق لا ينافي جواز البيع إذا آلت إلى الخراب ، لينتفعوا ببدلها. وأمّا حقّهم في البيع فقد روعي بكونهم متصدّين له بضمّ ولي سائر البطون.

(١) وهو الفقيه الجامع للشرائط.

(٢) وهو من عيّنه الواقف. هذا تمام ما استدل به المصنف قدس‌سره على جواز البيع لو أدى بقاء الوقف إلى خرابه. وسيأتي التعرض لبعض فروع المسألة.

(٣) هذا استدراك على قوله : «أما الجواز في الأوّل» وغرضه استثناء صورتين من حكمه بجواز البيع ، عند خشية الخراب وبيان حكمهما.

(٤) هذا إشارة إلى الصورة الاولى ، وهي : أنه لو استلزم بيع الوقف تضرر البطن الموجود بعدم انتفاعهم ، لكون الثمن غالبا من النقدين أو الأنواط ، وتوقّف التبديل على التأخير ومضيّ برهة من الزمان ، فإنه لا يخلو البيع حينئذ من إشكال ، لحرمان الموجودين من الوقف رأسا. أمّا العين فلأنّها بيعت ، وأما البدل فلعدم حصوله بعد ، ومن المعلوم منافاة تعطيل الانتفاع لحقّ الموقوف عليهم. هذا.

(٥) بيان لكيفية تضرر الموجودين ، وقد تقدم آنفا.

(٦) معطوف على «لزوم» أي : لكون البدل. وهذا إشارة إلى الصورة الثانية ، وهي ما إذا أمكن التبديل ولم يلزم تعطيل انتفاع الموجودين ، إلا أن منفعة البدل قليلة بالقياس إلى ما بقي من منفعة نفس الموقوفة إلى زمان خرابها ، كما إذا فرض أن الزمان الباقي من أزمنة بقاء الموقوفة عام واحد ، ولو بيعت قبل مضي هذا العام واستبدلت بعين اخرى كانت منفعة البدل في هذا العام مائة دينار مثلا. ولو ابقيت

١٣٤

ومما ذكر (١) يظهر أنّه يحب تأخير البيع إلى آخر أزمنة إمكان البقاء مع (٢) عدم فوات الاستبدال فيه (٣) ، ومع فوته (٤)

______________________________________________________

الموقوفة في هذا العام كانت منفعتها فيه مأتي دينار ، فيتضرر البطن الموجود بهذه المائة.

ومقتضى قاعدة نفي الضرر عدم جواز بيعه ، لأن جواز البيع حينئذ ضرري ، فينفى بقاعدة الضرر.

(١) يعني : ومن تضرر البطن الموجود ببيع الوقف في هاتين الصورتين يظهر ... الخ.

ومحصله : أن هنا شقّين :

فتارة يمكن كلّ من البيع وشراء البدل في آخر أزمنة إمكان بقاء العين ، فيجب الإبقاء ، ولا يجوز البيع قبل آخر الأزمنة ، إذ لا وجه لرفع اليد عن الغرض ـ في شخص الوقف ـ مع إمكان رعايته في برهة من الزمان. كما إذا فرض بقاء العين إلى سنة ، وأمكن بيعها واستبدالها قبل مضيّ عام ، وامتنع بعده.

واخرى يمكن البيع في آخر أزمنة الإمكان ، ولكن يتعذر شراء البدل في ذلك الوقت بذلك الثمن لقلّته مثلا ، ففي جواز تقديم البيع قبل خراب الوقف بسنة إشكال.

ولعلّ وجهه تعارض الغرض القائم بشخص الوقف ونوعه أي ماليته ، فمن جهة رعاية الغرض من شخص الوقف لا يجوز تقديم البيع ، لقابليته فعلا للانتفاع به. ومن جهة رعاية الغرض من وقف النوع يلزم تقديم البيع والاستبدال وإن فات الغرض القائم بالشخص.

(٢) قيد لقوله : «يجب» وهذا إشارة إلى الشّق الأوّل المتقدم بقولنا : «فتارة يمكن ... الخ».

(٣) أي : في آخر أزمنة إمكان بقاء شخص الوقف.

(٤) أي : فوت الاستبدال ، وهذا إشارة إلى الشق الثاني المتقدم بقولنا : «واخرى يمكن».

١٣٥

ففي تقديم البيع إشكال (*).

ولو دار الأمر (١) بين بيعه

______________________________________________________

(١) توضيح هذا الفرع : أنه قد تكون الموقوفة بحاجة إلى عمارة وترميم ، ولم يكن لأربابها مال للصرف فيها ، فكان بقاؤها بحالها مؤدّيا إلى الخراب ، فيدور

__________________

(*) لا يخفى أنه مع الشك في انصراف الأدلّة ـ المانعة لجواز البيع ـ عن هذه الصورة لا يجوز البيع ، لكون الشك في تخصيص عموم المنع.

إلّا أن يقال : إن عمومات نفوذ البيع محكمة ما لم يعلم بالتخصيص ، ومع الشك في شمول الأدلة المانعة يتمسك بعمومات الصحة ، فيجوز البيع.

ثمّ إنّه يمكن أن يكون منشأ الإشكال تعارض ضرر البطن الموجود المقتضي للانتفاع بشخص العين إلى آخر أزمنة إمكان بقائها ، وبين ضرر المعدومين المقتضي لتقديم البيع والتبديل رعاية لحقّهم في الوقف ولو في نوعه لا في شخصه. وبعد تساقط قاعدتي الضرر في الجانبين يرجع إمّا إلى عموم منع بيع الوقف ، وإمّا إلى العمومات المقتضية للصحة.

وهذا المطلب وإن كان صحيحا في نفسه ، إلّا أن تعارض ضرر البطن الموجود والمعدوم غير مفروض في كلام المصنف ، إذ لا قرينة فيه على أنّ مراده بالتّأخير وفوات الاستبدال هو زمان انقراض الموجودين ، فربّما يكون التأخير بمقدار سنة أو أقل ـ كما ذكرناه في التوضيح ـ مفوّتا للاستبدال ، خصوصا لو كان منشأ خوف الخراب الخلف بين الموقوف عليهم ، لعدم اقتضاء المصلحة تأخير البيع والتبديل من طبقة إلى طبقة اخرى.

نعم تعارض حق البطون مفروض في الفرع الآتي. وعليه فلعلّ الاولى ما أثبتناه وفاقا لما في بعض الشروح (١) وخلافا لما في بعضها (٢).

__________________

(١) بغية الطالب ، ج ١ ، ص ١٧٠.

(٢) غاية الآمال ، ص ٤٥٣.

١٣٦

والإبدال به (١) ، وبين (٢) صرف منفعته الحاصلة مدّة من الزمان

______________________________________________________

الأمر بين تقديرين :

أحدهما : البيع والاستبدال ، رعاية لحق الموقوف عليهم بالانتفاع بالبدل ، ولكن يفوت حق الواقف من وقف شخص المال.

ثانيهما : إجارة الموقوفة على ما هي عليها ، وصرف عوائدها في العمارة والترميم ، حفظا لحق الواقف لتعلق غرضه بشخص العين ، ولحق البطن اللاحق ليتلقّى الوقف قابلا للانتفاع به.

نعم يفوت حق البطن الموجود مدّة الإجارة ، لحرمانه عمّا يملكه من المنفعة.

واختيار أحد الوجهين منوط بملاحظة إنشاء الوقف. فإن شرط الواقف صرف منافعه في إصلاحه وعمارته ، ثم صرف ما يفضل من العوائد في الموقوف عليهم ، فالأقوى هو الوجه الثاني عملا بالشرط النافذ.

وإن لم يشترط ذلك ، وقع التعارض بين حق البطن الموجود المقتضي للبيع والإبدال ، وبين حق الواقف ـ في إبقاء شخص المال المحبوس مهما أمكن ـ المقتضي لصرف المنفعة في الترميم ، وسقوط حق البطن الموجود.

والأقوى بنظر المصنف قدس‌سره هو الوجه الأوّل ، ومنشأ ترجيحه ـ كما افيد ـ إمّا حكومة قاعدة نفي الضرر الجارية في تضرر البطن الموجود على وجوب مراعاة غرض الواقف من وقف شخص المال. وإمّا تزاحم الحقين ، وترجيح حق البطن الموجود على حق الواقف ، لكونه مالكا فعليا للوقف ، والأهمية مرجحة لأحد المتزاحمين.

(١) أي : الإبدال بالبيع أي بالثمن ، وليس المراد تبديل الوقف بعين اخرى ولو من دون بيع ، وذلك لاستدراك كلمة «بيعه» حينئذ ، فالمراد صرف الثمن في شراء البدل.

(٢) معطوف على «بين» وهذا هو التقدير الثاني المتقدم آنفا.

١٣٧

لتعميره (١) ، ففي ترجيح (٢) حقّ البطن الذي يفوته المنفعة (٣) ، أو حقّ (٤) الواقف وساير البطون المتأخرة المتعلّق (٥) بشخص الوقف ، وجهان ، لا يخلو أوّلهما عن قوة (*) إذا لم يشترط (٦) الواقف إصلاح الوقف من منفعته مقدّما على الموقوف عليه.

______________________________________________________

(١) متعلق ب «صرف منفعته» ولعلّ الأولى إبداله ب «عمارة» لما في كلام بعض أهل اللغة «من أن التعمير بمعنى إعطاء العمر فعلا أو قولا على سبيل الدعاء» لا إصلاح البناء ، فراجع (١).

(٢) خبر مقدّم لقوله : «وجهان» والجملة جواب الشرط في «ولو دار».

(٣) فوات المنفعة على البطن الموجود إمّا في برهة من الزمان ، كما إذا كانت مدة الإجارة خمس سنوات ، ولا ينقرض البطن في مثلها ، فينتفع بالوقف بعد عمارتها. وإمّا في تمام زمان حياته إن كانت آخر مدة الإجارة والترميم مقارنا لانقضاء البطن الموجود.

(٤) معطوف على «حقّ البطن» أي : ففي ترجيح حق الواقف وساير البطون ، وهذا هو الوجه الثاني.

(٥) صفة ل «حق الواقف ...».

(٦) فلو شرط الواقف ذلك كان الأقوى هو الوجه الثاني ، لأن المؤمنين عند شروطهم.

__________________

(*) لا وجه للبيع مع عموم الأدلة المانعة ، كما لا وجه لوجوب صرف المنفعة الحاضرة في عمارته ، بل ينتفعون به إلى أن يخرب ، فحينئذ يجوز بيعه.

__________________

(١) مفردات ألفاظ القرآن الكريم ، للراغب ، ص ٣٤٧ وكذا نقل ابن منظور عن الأزهري «ولا يقال : أعمر الرجل منزله بالألف» فلاحظ : لسان العرب ، ج ٤ ، ص ٦٠٤. نعم في المنجد : أن التعمير كالأعمار جعل المنزل آهلا.

١٣٨

وقد يستدلّ على الجواز فيما ذكرنا (١) بما عن التّنقيح من : «أن بقاء الوقف على حاله ـ والحال هذه ـ إضاعة وإتلاف للمال ، وهو منهي عنه شرعا ، فيكون البيع جائزا» (١).

ولعلّه (٢) أراد الجواز بالمعنى الأعم ،

______________________________________________________

(١) هذا ثاني الوجوه المستدل بها على جواز بيع الوقف فيما إذا كان بقاؤه مؤدّيا إلى الخراب والتلف على وجه لا ينتفع به ، استدل به الفاضل المقداد ، وهو قياس مؤلف من صغرى وكبرى ، فالصغرى : أنّ الإبقاء وعدم البيع إضاعة للمال وإسراف ، لفرض سقوطه بتلفه عن المالية المعتد بها.

والكبرى : أن تضييع المال منهي عنه شرعا بلا ريب. ونتيجة هاتين المقدمتين جواز البيع لئلا يتحقق التضييع المحرّم.

(٢) أي : ولعلّ الفاضل المقداد قدس‌سره أراد ... الخ. ومحصله : أنه لمّا كان مقتضى حرمة التضييع وجوب البيع لا إباحته ـ كما هو ظاهر عبارة التنقيح : كان جائزا ـ أراد المصنف قدس‌سره توجيه الجواز بما لا يرد عليه ما في المقابس ، وبيانه : أن المحقق الشوشتري قدس‌سره ناقش في الدليل المزبور بوجوه ثلاثة ، وقال قبلها : «ولا يخفى أن هذا الدليل يقتضي وجوب البيع فضلا عن جوازه» (٢) لوضوح أن الدافع للتضييع المحرّم ليس مجرد جواز بيع الوقف الآئل إلى الخراب ، لإمكان ترك الفعل المباح وتحقق إضاعة المال خارجا.

وعليه فكان المناسب أن يقول الفاضل السيوري : «فيكون البيع واجبا». ولو أراد إثبات مجرد الجواز كان عليه الاستدلال بوجه آخر لا بحرمة التضييع.

هذا توضيح ما في المقابس. والمصنف قدس‌سره ـ مع اعترافه بأنّ مقتضى عبارة

__________________

(١) التنقيح الرائع ، ج ٢ ، ص ٣٣٠.

(٢) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٥٩.

١٣٩

فلا يرد (١) عليه (٢) (*) «أنّه يدلّ على وجوب البيع».

وفيه : أن المحرّم (٣) هو إضاعة المال

______________________________________________________

التنقيح هو الوجوب لا الجواز ـ حمل قوله : «جائزا» على الجواز بالمعنى الأعم الشامل للوجوب أيضا. فلو أراد الفاضل من الجواز الوجوب ـ لا معناه الخاص وهو الإباحة ـ لم يرد عليه ما في المقابس ، لابتناء إيراد صاحب المقابس على الجمود على ظاهر الجواز ، وعدم إرادة الأعم منه ومن الوجوب.

(١) هذا نتيجة إرادة الجواز بالمعنى الأعم الشامل للوجوب ، وقد عرفته آنفا.

(٢) أي : على ما في التنقيح من قوله : «فيكون البيع جائزا».

(٣) ناقش المصنف قدس‌سره فيما نقله عن التنقيح بوجهين ، هذا أوّلهما ، وعبارة المتن لا تخلو من إجمال ـ كما اعترف به المحقق الإيرواني قدس‌سره (١) ـ إذ لم يتضح منها أن مراده منع صغرى القياس أو كبراه ، وإن كان صدر الكلام ظاهرا في منع الكبرى وعلى كلّ فينبغي توضيحها على كلا الاحتمالين.

فإن كان الغرض منع الصغرى ـ أي عدم صدق «الإضاعة» على ترك بيع الوقف المؤدّي بقاؤه إلى الخراب ـ فبيانه : أنّ صدق مفهوم «الإضاعة» منوط بأمرين :

أحدهما : صدور فعل وتصرّف في المال يكون سببا لتلفه ، فلا تصدق على ترك المال بحاله إلى أن يتلف بنفسه من جهة انتهاء استعداد بقائه ، أو من جهة اخرى عارضة عليه موجبة لخرابه ، كالخلف بين أرباب الوقف لو استلزم تلفه.

__________________

(*) الإنصاف وروده عليه ، ضرورة أن النتيجة لحرمة التضييع هي وجوب البيع لا جوازه ، وحمل الجواز على معناه الأعم خلاف ظاهر الاستدلال المزبور.

__________________

(١) حاشية المكاسب ، ج ١ ، ص ١٨١.

١٤٠