🚘

هدى الطالب إلى شرح المكاسب - ج ٧

السيّد محمّد جعفر الجزائري المروّج

هدى الطالب إلى شرح المكاسب - ج ٧

المؤلف:

السيّد محمّد جعفر الجزائري المروّج


الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٨٠
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ 🚘 الجزء ٥ 🚘 الجزء ٦ 🚘 الجزء ٧
🚘 نسخة غير مصححة

ففي (١) صحة الشرط إشكال. ومع البطلان (٢) في إبطال الوقف نظر (٣)» انتهى (١).

وذكر (٤) في الإيضاح في وجه الجواز (٥) رواية جعفر بن حنّان المتقدمة ، قال : «فإذا جاز بغير شرط فمع الشرط أولى (٦).

______________________________________________________

(١) جواب الشرط في قوله : «ولو شرط» وهذا هو القول الثاني في المسألة. وسيأتي بيان منشأ الإشكال.

(٢) أي : لو بنينا على بطلان شرط بيع الوقف عند طروء أحد المسوّغات ، فهل يبطل نفس الوقف؟ لكون الشرط الفاسد مفسدا ، أم يصحّ الوقف ويلغو الشرط ، لعدم سراية فساد الشرط إلى الوقف.

(٣) وجه النظر ما أفاده فخر المحققين قدس‌سره بقوله : «جعل الشيخ العقود المتضمنة للشرط ليست معلّقة عليها ، بل هي عقود وشروط ، وبطلان أحد الجزءين لا يستلزم بطلان الآخر. ويحتمل البطلان ، لأنّه إنّما أوقعه على هذا التقدير ، ولا يعلم رضاه بدونه ...» ثمّ رجّح عدم مفسدية الشرط هنا ، لكون الوقف تبرعا محضا ، بخلاف العقود المعاوضية التي يكون للشرط مدخل في العوض ، فراجع.

(٤) مقصوده قدس‌سره بيان منشأ الإشكال في نفوذ الشرط ، لا منشأ النظر في بطلان الوقف وصحته.

(٥) أي : جواز شرط البيع عند حصول مصلحة خاصة من تضرر أو خراب أو قلّة منفعة.

(٦) عبارة الإيضاح هي : «فإذا جاز بيعه بغير شرط فمعه أولى».

ووجه الأولوية : ثبوت جواز البيع في مثل الخراب والحاجة الشديدة ونحوهما ـ عند من يرى ذلك ـ بأصل الشرع ، وبدون اشتراط الواقف ، فيكون الشرط مؤكّدا لجواز البيع.

__________________

(١) قواعد الأحكام ، ج ٢ ، ص ٣٩٥.

١٠١

وفي (١) وجه المنع : أنّ الوقف للتأبيد ، والبيع ينافيه. قال : والأصحّ أنه لا يجوز بيع الوقف بحال (٢)» انتهى (١).

وقال الشهيد في الدروس : «ولو شرط الواقف بيعه عند حاجتهم (٣) أو وقوع الفتنة بينهم فأولى بالجواز» انتهى (٢).

______________________________________________________

(١) معطوف على «في وجه الجواز» يعني : وجّه فخر المحققين المنع بأنّ الوقف ... الخ. ومحصل وجه المنع : منافاة اشتراط البيع ـ بطروء حالة ـ للتأبيد المقوم للوقف ، وقد تقرر في بحث الشرط المأخوذ في العقد اعتبار عدم مناقضته لحقيقة المنشأ ، لامتناع القصد الجدّي إلى المتنافيين ، كما إذا اشترط عدم العوض في العقود المعاوضية ، كالبيع على أن لا يكون ثمن للمبيع ، والإجارة بلا اجرة.

وكذا الحال في الوقف الذي حقيقته حبس العين ـ دائما ـ عن التصرفات الناقلة ، فيمتنع إنشاء هذا المعنى وشرط البيع المنافي للحبس ، ولذلك يبطل الشرط ، بل مقتضى انتفاء الإرادة الجدية بطلان أصل الوقف. هذا.

ولا يخفى أن منافاة البيع للتأبيد تكون من جهة أخذ الشرط المناقض لمقتضى الوقف كما هو ظاهر كلام الفخر بشهادة ما سيأتي من مناقشة المحقق الكركي فيه.

ويمكن أن تكون المنافاة لما علم من السّنة ، مثل ما دلّ على النهي عن شراء الوقف ، فلا تتقوم ماهية الوقف بمنع البيع ، وحينئذ فشرط البيع يخالف ما علم اعتباره في الوقف تعبدا ، وهو عدم البيع.

(٢) هذه الجملة هي منشأ نسبة منع بيع الوقف مطلقا إلى فخر المحققين قدس‌سره.

(٣) تقدم في (ص ٩٨) أنّ الشهيد قدس‌سره لم يقيّد نفوذ شرط البيع بشراء بدل بالثمن ـ كما قيّده به العلّامة قدس‌سره ـ ووجهه : أنّه جعل الشرط بيع الوقف عند الحاجة إلى

__________________

(١) إيضاح الفوائد ، ج ٢ ، ص ٣٩٣.

(٢) الدروس الشرعية ، ج ٢ ، ص ٢٧٩.

١٠٢

ويظهر منه (١) أنّ للشرط تأثيرا ، وأنّه (٢) يحتمل المنع من دون الشرط ، والتجويز معه.

وعن المحقق الكركي أنّه قال : «التحقيق (٣) أنّ

______________________________________________________

صرف الثمن في مئونة الموقوف عليهم ، ومعه لا مورد للتقييد المذكور في الإرشاد والقواعد.

(١) يعني : يظهر من قول الشهيد : «فأولى بالجواز» أنّ لشرط البيع عند الحاجة أو الفتنة تأثيرا في جواز البيع ، إذ لو لا تأثير هذا الشرط لم يكن للأولوية معنى محصلا.

(٢) معطوف على «أنّ للشرط» والظاهر كونه مفسّرا له ، بقرينة قول فخر المحققين : «فإذا جاز بغير شرط فمع الشرط أولى» فالمراد من الأولوية كون الجواز مع الشرط أوضح وجها من الجواز بدون الشرط ، كما في طروء الخراب والفتنة والحاجة إلى ثمنه.

ويحتمل أن يراد من الأولوية القدر المتيقن من جواز البيع ، بحيث لو قيل بالمنع منه بعروض المسوّغات قيل بجوازه بالشرط.

ولكن يشكل هذا الاحتمال بأنّ دليل نفوذ الشرط مقيّد بعدم كونه محلّلا للحرام ، فلو لم يحرز جواز البيع بطروء حالة على الوقف امتنع إحرازه بالشرط.

وعليه فالأولى أن يراد بالأولوية ما ذكرناه أوّلا. ويتعيّن حمل قوله : «يحتمل المنع» على الاحتمال غير المصادم للظهور ، فكأنّه قال : «أن بيع الوقف بلا شرط وإن كان محتمل المنع ، لكنه جائز لو خرب أو قل نفعه أو كان أعود للموقوف عليهم. وهذا الجواز أظهر لو شرط الواقف البيع عند حصول المسوّغ».

(٣) محصّل كلام المحقق الثاني قدس‌سره هو التفصيل بين كون الشرط مسوّغا للبيع بنفسه ، وبين عدمه. واستدل على نفوذ الشرط في الشق الأوّل بوجود المقتضي وفقد المانع عنه.

أما وجود المقتضي فلأنّ شرط بيع الوقف بطروء بعض الحالات عليه جائز في

١٠٣

كلّ موضع (١) قلنا بجواز بيع الوقف

______________________________________________________

نفسه ، فيجب الوفاء به بمقتضى «المؤمنون عند شروطهم». والوجه في جوازه وفاء الأدلة الخاصة بجواز بيعه بحصول بعض الأسباب كالخراب والحاجة ونحوهما.

وعليه يكون شرط البيع عند حصول تلك الحالات مؤكدا للجواز الثابت بأصل الشرع.

وأمّا فقد المانع فلأنّ المانع المدّعى في كلام الفخر قدس‌سره هو التأبيد المأخوذ في إنشاء الوقف ، ولكنه غير مانع ، وذلك لأنّ حبس العين أبدا ومنع بيعه مقيّد واقعا بعدم حصول أحد أسباب البيع ، لفرض صحة بيعه بعروض مثل الخراب أو قلة المنفعة حتى لو أخذ التأبيد في الصيغة.

وعليه فشرط البيع عند حصول السبب ليس إلّا إظهارا للقيد الدخيل في تأبيد الوقف.

نعم يختص نفوذ الشرط بإحراز كون السبب مسوّغا للبيع في نفسه. فلو شك في جواز بيع الوقف لمجرد كونه أعود وأصلح للموقوف عليهم لم ينفع جعله شرطا ، بل يوجب البطلان ، فلا ينعقد وقفا ولا حبسا كما سيأتي توضيحه.

(١) هذه العبارة ليست نصّ كلام المحقق الثاني قدس‌سره ، لمغايرتها له كثيرا ، وإنّما هي محصّله ومضمونه ، واعتمد المصنف على نقل صاحب المقابس (١) ، لقوله فيه : «وقال المحقق الكركي : التحقيق ...» إلى آخر ما في المتن.

وكيف كان فمراد المحقق الكركي قدس‌سره من المواضع التي يجوز فيها بيع الوقف هو المواضع الثلاثة المتقدمة في نقل الأقوال ، حيث قال : «إن المعتمد جواز بيعه في ثلاثة مواضع : أحدها : إذا خرب واضمحلّ ... ثانيها : إذا حصل خلف بين أربابه.

ثالثها : إذا لحق بالموقوف عليهم حاجة شديدة ...» واستدلّ على كلّ منها في كتاب الوقف ، فراجع (٢).

__________________

(١) مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٦٣.

(٢) جامع المقاصد ، ج ٩ ، ص ٦٩ و ٧٠.

١٠٤

يجوز (١) اشتراط البيع في الوقف إذا بلغ تلك الحالة ، لأنّه (٢) شرط مؤكّد ، وليس (٣) بمناف للتأبيد المعتبر في الوقف ، لأنّه (٤) مقيّد واقعا بعدم حصول أحد أسباب المنع (٥) [البيع]. وما لا (٦) فلا ، للمنافاة ، فلا يصحّ (٧) حينئذ حبسا ،

______________________________________________________

(١) لعموم «المؤمنون عند شروطهم» وهذا بيان المقتضي لنفوذ شرط البيع.

(٢) أي : لأنّ اشتراط البيع يكون شرطا مؤكّدا لما دلّ على جواز البيع عند عروض المسوّغ.

(٣) أي : وليس اشتراط البيع بمناف لمقتضى الوقف. وهذا إبطال للمانع عن صحة الشرط المزبور.

(٤) أي : لأنّ التأبيد مقيّد تحسب جعل الشارع ـ بعدم عروض المسوّغ.

(٥) كذا في نسختنا. وهو موافق لما في المقابس ، وفي بعض نسخ الكتاب «البيع» بدلا عن المنع ، وهو أولى والمراد واضح.

(٦) معطوف على «كل موضع» وهذا بيان الشق الثاني من التفصيل. يعني : وكل موضع لم نقل بجواز بيع الوقف فيه لم نقل بجواز اشتراط البيع فيه ، لكون اشتراط جواز بيعه حينئذ منافيا لحقيقة الوقف المتقومة بالتأبيد ، والشرط المخالف لمقتضى العقد فاسد ومفسد وإن لم نقل بمفسدية الشرط الفاسد في سائر الموارد ، لأنّ الشرط المخالف لحقيقة العقد يخلّ بقصد مضمون العقد ، ومع اختلال القصد لا عقد حتى يجب الوفاء به.

(٧) سقط هنا أسطر من كلام المحقق الكركي ، وجملة «فلا يصح ... الخ» ليست نصّ عبارته ، وعلى كلّ فمقصوده من قوله : «فلا يصح» دفع دخل أورده المحقق على نفسه ، وحاصل الدخل : قياس شرط البيع ـ في غير المواضع التي يجوز فيها البيع ـ بموارد اخرى كشرط رجوع الوقف إلى الواقف عند حاجته ، فكما يصحّ الشرط المزبور ويحكم بكونه حبسا ، فكذا في المقام. ولا وجه للحكم ببطلان الشرط من جهة منافاته للتأبيد.

١٠٥

لأنّ (١) اشتراط شراء شي‌ء بثمنه يكون وقفا مناف لذلك (٢) ، لاقتضائه (٣) الخروج عن المالك ، فلا يكون (٤) وقفا ولا حبسا» (١) انتهى.

أقول : [و] يمكن أن يقال (٥)

______________________________________________________

وحاصل الدفع : أن القياس مع الفارق ، ضرورة بقاء العين المحبوسة على ملك الحابس ، بخلاف المقام ، لأنّ شرط الواقف البيع وتبديل العين بما يكون وقفا ينافي بقاء العين على ملكه ، ومعه لا وجه لصحة شرط البيع. ومقتضاه فساد الإنشاء ، وعدم كونه حبسا ، لكون العين في الحبس باقية على ملك الحابس ، فإذا بيعت كان ثمنها للحابس.

(١) تعليل لعدم تعنون الإنشاء المزبور بكونه حبسا ، وتقدّم وجهه آنفا.

(٢) أي : لكونه حبسا.

(٣) تعليل للتنافي ، يعني : لأن اشتراط شراء شي‌ء بالثمن يكون وقفا يقتضي خروج الثمن عن ملك الحابس ، مع وضوح بقائه عليه.

(٤) هذا نتيجة بطلان اشتراط البيع في الإنشاء ومبطليته للوقف ، وعدم وقوعه حبسا.

أمّا الأوّل فلعدم قصد التأبيد المعتبر في حقيقة الوقف.

وأما الثاني فلما تقدم آنفا من بقاء العين المحبوسة على ملك الحابس ، فلا يصحّ شراء شي‌ء بثمنه ووقفه ، لأنّه يقتضي خروج الثمن عن ملك مالك العين المحبوسة ، والمفروض بقاؤه على ملكه فلا يصحّ وقفه.

(٥) غرضه المناقشة في الشق الثاني من تفصيل جامع المقاصد ـ وهو قوله : «وما لا فلا للمنافاة» ـ وحاصله : أنّ مجرّد عدم جواز البيع بدون الشرط في بعض المواضع ـ كما إذا كان أعود وأصلح لأهل الوقف ـ لا يوجب عدم جوازه مع

__________________

(١) جامع المقاصد ، ج ٤ ، ص ٩٧ و ٩٨.

١٠٦

.................................................................................................

______________________________________________________

الشرط بعد وجود المقتضى له وفقد المانع عنه.

أمّا المقتضي الذي اعترف المحقق الثاني قدس‌سره بوفائه بإثبات الجواز فامور : أحدها : عموم مكاتبة الصفار ، وثانيها : عموم «المؤمنون عند شروطهم» وثالثها : نصّ خاص لم يتمسّك به في جامع المقاصد.

أما تقريب دلالة المكاتبة فهو : أن قوله عليه‌السلام : «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها» إمضاء للوقف على حسب الكيفية التي رسمها الواقف ، بمعنى كون الإمضاء مطابقا للإنشاء ، فإن جعله مطلقا فمطلقا ، وإن جعله مشترطا بالسلطنة على البيع لمصلحة كان ممضى كذلك. وليس مدلول المكاتبة تأسيس حكم تعبدي كحرمة بيع الوقف حتى يكون أجنبيا عن تنفيذ الشرط المزبور.

وأما دلالة عموم «المؤمنون عند شروطهم» فلظهور كلامه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في جعل التزام المؤمن بشرطه ، وعدم مفارقته له ولا التخلف عنه. ومقتضى إطلاق كونه عند شرطه وجوب الوفاء بالشرط تكليفا ، وعدم نفوذ هدمه ومخالفته وضعا. وحيث إن إنشاء الواقف متضمن للسلطنة على بيع الوقف لمطلق المصلحة فهو شرط نافذ ، ويصح للموقوف عليهم العمل به.

وأمّا النصّ الخاص ، فهو صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج الحاكية لما أوقفه أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلّين ، وسيأتي تقريب الاستشهاد به. هذا بيان المقتضي.

وأمّا عدم المانع ، فلأنّ المانع المتوهّم منافاة شرط البيع للتأبيد المقوّم للوقف كما سبق في كلام فخر المحققين والمحقق الثاني قدس‌سره. ولكن الظاهر عدم تحقيق التنافي هنا ، لأنّ شرط بيع الوقف ينافي إطلاق الوقف لا مقتضاه وماهيّته.

وبيانه : أن الشرط المأخوذ في العقد تارة يكون مضادّا لحقيقته ، كما إذا كان مفهوم البيع «تمليك عين بعوض» فاشترط فيه أن يكون بلا ثمن ، وهو في قوة أن لا يكون البيع بيعا ، وبطلانه واضح ، لامتناع قصد المتقابلين والمتضادّين. واستحالة

١٠٧

ـ بعد التمسّك (١) في الجواز بعموم «الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها» و(٢) «المؤمنون عند شروطهم» ـ

______________________________________________________

إمضائهما شرعا حتى لو تحقق القصد من غير الملتفت.

واخرى يكون منافيا لإطلاق العقد ، بحيث لو لا الاشتراط كان الإطلاق مقتضيا لذلك الأمر ، كانصراف إطلاق عقد البيع إلى كون الثمن من نقد البلد ، فإن اشترط نقدا آخر كان منافيا لهذا الإطلاق لا لذات البيع. وهكذا الحال في سائر العقود.

والظاهر أن التنافي بين الوقف وشرط البيع يكون من القسم الثاني ، بمعنى : أن الوقف ـ على تقدير عدم تقييده بشي‌ء ـ يقتضي التأبيد ، فلا تأبيد مع شرط الواقف. وهذا يؤكّد ثبوت العقد لا أنه ينافيه. وهو نظير شرط الرجوع في الهبة ، وشرط خيار الفسخ في المعاملة في كونه منافيا للزوم العقد لا لحقيقته.

والشاهد على اجتماع الوقف مع جواز البيع هو بقاء وقفية العين عند التجرد عن الشرط وطروء حالة احرز كونها مسوّغة للبيع ، وأنّ المبطل لوقفيتها إنشاء البيع خارجا ، لا تجويز بيعها شرعا.

نعم بناء على كون جواز البيع مضادا لحقيقة الوقف ـ كما اختاره صاحب الجواهر قدس‌سره ـ كان شرط البيع مضادا لحقيقة الوقف ، لكن تقدم في أوّل المسألة منعه ، فراجع.

والمتحصل : أن المقتضي لمشروعية شرط البيع موجود ، والمانع عنه مفقود ، من دون تفصيل بين القسمين.

(١) كما تمسّك المحقق الثاني قدس‌سره وغيره بهذا العموم ، وغرضه إثبات المقتضي لصحة الشرط.

(٢) معطوف على «عموم» أي : وبعموم «المؤمنون». والتعبير بالعموم لأجل عدم ورودهما في خصوص شرط بيع الوقف.

١٠٨

بعدم (١) ثبوت كون جواز البيع منافيا لمقتضى الوقف ،

______________________________________________________

(١) متعلق ب «يقال» وهذا ناظر إلى نفي المانع عن شمول العمومين المزبورين لشرط البيع ، والمانع هو التنافي المذكور في جامع المقاصد.

وليس قوله : «بعدم» مناقشة اخرى في تفصيل المحقق الثاني ، بل هو متمم للمناقشة ، لوضوح أنّ مجرد عموم «الوقوف» و«المؤمنون» لا يصلح دليلا لنفوذ شرط البيع ، ما لم يحرز عدم منافاة الشرط لمقتضى الوقف ، إذ مع منافاته له يبطل عند الكلّ.

فإن قلت : إن التعبير ب «عدم ثبوت» لا يجدي في رفع المانع ، فيشكل بأنّ المناط في التمسك بدليل الشروط هو إحراز عدم التنافي بين الشرط ومقتضى العقد لا احتماله.

وكما لا وجه للتمسك بأدلة الوقوف والشروط في فرض العلم بالمنافاة كما هو واضح ، فكذلك في فرض الشك فيها. أما بالنسبة إلى عموم «الوقوف» فللشك في عقديته ، إذ لو كان الشرط منافيا واقعا لم يكن عقد حتى يمضى شرطه الضمني. وأما بالنسبة إلى عموم «المؤمنون» فلتعنون الشرط بعدم كونه مخالفا لمقتضى العقد.

وعليه فلا بد من إثبات عدم التنافي ، ثم التمسك بدليلي الوقوف والشروط ، إذ التمسك بهما حينئذ يكون تمسكا بالعام في الشبهة المصداقية. ويتعيّن الرجوع إلى الاصول العملية ، ومقتضاها في المقام عدم جواز البيع للاستصحاب.

قلت : نعم ، مجرد عدم ثبوت التنافي لا يكفي في التمسك بالعمومين ، إلّا أن غرض المصنف قدس‌سره ـ بقرينة الاستشهاد بجواز بيع الوقف بطروء المسوّغ ـ هو ثبوت عدم التنافي ، وإنّما عبّر بعدم الثبوت «تنزيلا على هو المتعارف في المخاصمات عند المتأدبين من عدم المسارعة إلى الإنكار» (١).

__________________

(١) حاشية المحقق الإيرواني ، ج ١ ، ص ١٨٠.

١٠٩

فلعلّه (١) مناف لإطلاقه (٢) ، ولذا (٣) يجتمع الوقف مع جواز البيع عند طروء مسوّغاته ، فإنّ التحقيق ـ كما عرفت سابقا (٤) ـ أنّ جواز البيع لا يبطل الوقف ، بل هو وقف يجوز بيعه ، فإذا بيع خرج عن كونه وقفا.

ثمّ إنّه لو سلّم (٥) المنافاة فإنّما هو بيعه للبطن الموجود وأكل ثمنه.

______________________________________________________

(١) أي : فلعلّ شرط جواز البيع ، وهذا أيضا لتعيين المنافاة للإطلاق ، لا لمقتضى الوقف ، وليس المراد مجرد احتمال التنافي للإطلاق ، وتقدم في توضيح عدم المانع الفرق بين منافاة شرط البيع لماهية الوقف ، فيبطل ، وبين منافاته لإطلاقه فيصح.

(٢) لاقتضاء إطلاق الوقف التأبيد ، وعدم سلطنة الموقوف عليهم على إبطاله بالبيع.

(٣) أي : ولأجل منافاة جواز البيع للإطلاق ـ لا للحقيقة ـ يجتمع الوقف مع جواز البيع عند طروء مسوّغاته ، وهذا الاجتماع ظاهر قول المحقق الثاني قدس‌سره : «إن كل موضع يجوز فيه بيع الوقف» (١) ، فيمكن إلزامه بصحة شرط البيع أيضا ، لنفوذ الشرط المخالف لإطلاق العقد.

(٤) يعني : قبل التعرض لكلام الشيخ الكبير وصاحب الجواهر قدس‌سرهما ، حيث قال : «ثم إنّ جواز البيع لا ينافي بقاء الوقف إلى أن يباع ، فالوقف يبطل بنفس البيع ، لا بجوازه ...» فراجع (٢).

(٥) هذا وجه ثان للخدشة في المنافاة المتقدمة في كلام المحقق الثاني قدس‌سره ، ومحصله : أن تعليل بطلان شرط البيع بالتنافي أخص من المدعى ، توضيحه : أن المواضع التي جوّز الشارع فيها بيع الوقف ـ بنظر المحقق الثاني قدس‌سره ـ على نحوين :

__________________

(١) جامع المقاصد ، ج ٩ ، ص ٧٣.

(٢) هدى الطالب ، ج ٦ ، ص ٥٢٩ ـ ٥٣١.

١١٠

وأمّا تبديله بوقف آخر (١) فلا تنافي بينه (٢) وبين الوقف.

فمعنى كونه حبسا (٣) : كونه محبوسا من أن يتصرّف فيه بعض طبقات

______________________________________________________

فتارة يجب شراء البدل بالثمن ، وهما موضعان ، أحدهما : خراب الوقف واضمحلاله. وثانيهما : حصول خلف بين أربابه.

واخرى لا يجب التبديل ، لكون الغرض من تجويز البيع صرف الثمن في حاجة أرباب الوقف ، إذا لحقهم حاجة شديدة ولم يكن ما يكفيهم من غلّة وغيرها.

وعلى هذا ، فإن لم يكن شرط سلطنة الموقوف عليهم على البيع منافيا لماهية الوقف ـ بأن كان منافيا لإطلاقه وعدم تقييده ـ فلا كلام كما مرّ في الوجه الأوّل.

وإن كان الشرط المزبور منافيا لمفهوم الوقف ـ وهو حبس العين أبدا وتسبيل الثمرة ـ كان لازمه التفصيل بين أنحاء شرط البيع ، بأن يقال : إن كان الغرض من الشرط صيرورة الثمن ملكا طلقا للبطن الموجود ـ كما في مورد جواز البيع لرفع الحاجة والضرورة ـ كان منافيا لمقتضى الإنشاء من التأبيد وبقاء العين مهما أمكن لتدرّ منافعها على البطون. وإن كان المقصود من الشرط تبديل الوقف وتعلق حق البطون بالبدل على حدّ تعلقه بالمبدل لم يكن الشرط مضادا للتأبيد. ومن المعلوم أنّ المواضع المعدودة في قواعد العلّامة قدس‌سره قد صرّح فيها بشراء بدل الوقف بالثمن ، كالبيع فرارا من زيادة الخراج.

وعليه فلا وجه لمنع شرط البيع في جميع الموارد بزعم المنافاة ، بل ينبغي التفصيل بين المواضع ، مع أنّ المحقق الثاني قدس‌سره لم يفصّل بينها.

(١) كما هو صريح كلام العلّامة قدس‌سره : «ولو شرط بيعه عند الضرر ... وشراء غيره بثمنه ...».

(٢) أي : بين التبديل المستند إلى الشرط.

(٣) هذه الجملة دفع دخل مقدّر يرد على قوله : «فلا تنافي بينه وبين الوقف» وتقريب الدخل : أنّ شرط بيع الوقف وتبديله بوقف آخر ـ كما اذا

١١١

.................................................................................................

______________________________________________________

شرط البيع عند الخراب أو الفتنة ـ ينافي مفهوم الوقف ، كمنافاته له إذا شرط البيع بالحاجة إلى الثمن.

ووجه المنافاة : أن حقيقة الوقف عندهم «تحبيس الأصل ـ أي عين خاصة ـ وتسبيل المنفعة» والمراد من حبسها هو المنع عن النقل والانتقال ، ومن المعلوم امتناع القصد إلى المتنافيين ، وهما : إنشاء الحبس ، وإنشاء السلطنة على عدم الحبس بالبيع.

والحاصل : أنّ الشرط المزبور يضاد مفهوم الوقف ، لا إطلاقه حتى يقال بجوازه ونفوذه بعموم أدلة الشروط.

وتقريب الدفع : أنّ معنى الوقف وإن كان تحبيس الأصل ، إلّا أن حبس عين خاصة على نحوين ، فتارة يكون المراد حبس شخصها مطلقا ، فلا محالة يكون اشتراط جواز بيعها والتصرف فيها منافيا لوقفها بذاتها.

واخرى يكون المراد حبسها مقيّدا ، بمعنى منع تصرف بعض البطون في العين الموقوفة على وجه تصرف المالك في ملكه الطلق من بيعه متى شاء ، وتصرفه في الثمن كيفما شاء. ولا منافاة حينئذ بين الوقف وبين شرط البيع عند عروض مصلحة ، كما لا منافاة بينه وبين حصول مسوّغ شرعي للبيع كالخراب ، فكأنّه قال : «حبست هذه العين عن التصرفات المالكية كبيعها متى شاء أهل الوقف من دون استبدالها بعين اخرى ، وشرطت بيعها عند عروض كذا واستبدالها. أي حبستها بنفسها أو ببدلها».

وعليه فكون وقف العين بمعنى حبسها بشخصها هو مقتضى الإطلاق ، وعدم اشتراط حبسها بما هي مال ، بأن يقول : «وقفت هذه الدار على ذريتي» لظهور ترك التقييد بالتبديل ـ عند عروض مصلحة ـ في حبس نفس العين بخصوصيتها ، فلو اشترط جواز التبديل كان قرينة على التوسعة في الحبس وتعلقه بماليتها لا بشخصها ،

١١٢

الملّاك على نحو الملك المطلق (١). وأمّا حبس شخص (٢) الوقف فهو لازم لإطلاقه (٣) وتجرّده عن مسوّغات الإبدال ، شرعية كانت كخوف الخراب ، أو بجعل الواقف كالاشتراط في متن العقد ، فتأمّل (٤).

______________________________________________________

كما إذا قال : «حبستها بنفسها أو ببدلها».

فالمتحصل : عدم التنافي ـ في موارد اشتراط التبديل ـ بين مفهوم الوقف وبين الشرط ، هذا تمام ما أفاده المصنف في ردّ تفصيل المحقق الثاني قدس‌سره بين أنحاء الشرط.

ومنه ظهر مختار المصنف في المسألة ، وسيأتي الاستدلال على نفوذ الشرط بالنص الخاص.

(١) لجواز التصرف في الملك المطلق بالبيع والهبة ونحوهما متى شاء المالك ، ثم التصرف في ثمن البيع كذلك. ولكن البطون ممنوعة من هذا النحو من التصرف في العين الموقوفة.

(٢) أي : حبس شخص العين متفرع على إطلاق الحبس وتجرده عما يجوّز البيع ، إمّا بجعل الشارع كالخراب وشبهه ، أو بجعل الواقف كمورد الاشتراط في متن العقد.

ونظير الوقف في اللزوم والجواز عقد البيع ، فقد يكون جائزا فيما لو اشترط فيه الخيار لجهة ، أو حكم الشارع بجواز الفسخ كما لو تبيّن كون المبيع معيبا. وقد يكون لازما كما إذا بقي على إطلاقه ، ولم يحدث بعده أمر مسوّغ للفسخ شرعا ، هذا.

(٣) في قبال التصريح في الوقف بحبس العين أو بدلها عند طروء المسوّغات ، فلا يكون شخص العين محبوسا حينئذ.

(٤) لعلّه إشارة إلى عدم تعدد الوقف بالنسبة إلى العين الموقوفة وبدلها بعد البيع ، بل الوقفية تنشأ بالنسبة إلى نفس العين. وعليه فإن كان حبس شخصها مقتضى إطلاق العقد صحّ اشتراط البيع حتى مع أكل الثمن. وإن كان مقتضى مطلق الوقف لم يصح حتى لو شرط كون الثمن وقفا.

١١٣

ثمّ إنّه روى (١) صحيحا في الكافي ما ذكره أمير المؤمنين عليه‌السلام في كيفية وقف

______________________________________________________

أو إلى : أنّ شرط جواز البيع بدون المسوّغات الشرعية قد ينافي ما أفاده المصنف قدس‌سره في الأمر الرابع مما يعتبر في صحة الشرط ـ وهو عدم مخالفته للكتاب والسنة ـ من أن حكم الموضوع قد يثبت من حيث الذات ومجرّدا عن العناوين الطارئة عليه كالمباحات ، فينفذ الشرط ، لكونه مغيّرا لموضوع الدليل ، كتغيره بعروض عنوان عليه كالمقدمية أو النذر أو إطاعة الوالدين. وقد يثبت الحكم للموضوع على نحو لوازم الماهية بأن كان لدليله عموم أو إطلاق ناظر إلى العناوين الخارجية الطارئة عليه ، كغالب المحرمات والواجبات ، فيكون اشتراط خلافه التزاما بما خالف الكتاب والسنة ، لما تقدم في أوائل المسألة من أن منع البيع وصف لنوع الوقف ، حيث قال قدس‌سره : «وإن كان الإنصاف ما ذكرنا من ظهور سياق الأوصاف في كونها أوصافا للنوع» (١) هذا.

(١) لا بأس بنقل جمل من صدر الرواية عن الكافي ، وهي : أن عبد الرحمن بن الحجاج ، قال : «بعث إليّ أبو الحسن موسى عليه‌السلام بوصية أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وهي : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما أوصى به وقضى به في ماله عبد الله عليّ ابتغاء وجه الله ليولجني به الجنة ويصرفني به عن النار ، ويصرف النار عنّي ، يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه : أنّ ما كان لي من مال بينبع ـ يعرف لي فيها وما حولها ـ صدقة ورقيقها ... إلى أن قال عليه‌السلام : وإنّ الذي كتبت من أموالي هذه صدقة واجبة بتلة ، حيّا أنا أو ميّتا ، ينفق في كلّ نفقة يبتغى بها وجه الله في سبيل الله ووجهه ، وذوي الرّحم من بني هاشم وبني المطّلب ، والقريب والبعيد ، فإنّه يقوم على ذلك الحسن بن عليّ ، يأكل منه بالمعروف ، وينفقه حيث يراه الله عزوجل في حلّ محلّل لا حرج عليه فيه. فإن أراد ...» إلى آخر ما في المتن.

__________________

(١) هدى الطالب ، ج ٦ ، ص ٥٢٢.

١١٤

ماله في عين ينبع (١) ، وفيه (٢) : «فإن أراد ـ يعني الحسن عليه‌السلام ـ أن يبيع نصيبا من (٣) المال ليقضي (٤) [فيقضي] به الدين فليفعل إن شاء ،

______________________________________________________

ومورد الاستدلال بهذه الصحيحة فقرتان أو ثلاث.

(١) قال العلّامة الطريحي قدس‌سره : «وينبع ـ بالفتح فالسكون وضم الموحدة ـ قرية كبيرة بها حصن ، على سبع مراحل من المدينة ، نقل : أنّه لما قسّم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الفي‌ء أصاب علي عليه‌السلام أرضا ، فاحتفر عينا ، فخرج منها ماء ينبع في الماء ، كهيئة عنق البعير ، فسمّاها عين ينبع» (١).

وقال ابن منظور : «وبناحية الحجاز عين ماء يقال لها ينبع ، تسقي نخيلا لآل علي بن أبي طالب» (٢).

وقال الفيروزآبادي : «ينبع ك ـ ينصر ـ حصن له عيون ونخيل وزروع بطريق حاج مصر» (٣).

(٢) أي : وفي ما ذكره أمير المؤمنين عليه‌السلام في كيفية الوقف هو قوله عليه‌السلام : «فإن أراد ... الخ».

(٣) أي : نصيبا من أعيان الوقف ، وهذه الفقرة مما يستدل بها على ما نحن فيه من جواز الاشتراط في ضمن الوقف ، بإعطاء السلطنة للموقوف عليه على البيع. وسيأتي في آخر الكلام المحامل المذكورة في كلمات الفقهاء.

(٤) كذا في نسختنا ، ولكن في الكافي والتهذيب والوسائل : «فيقضي».

ويمكن الاستدلال بهذه الجملة على جواز بيع الوقف لحاجة البطن الموجود ، وصرف ثمنه في رفع تلك الحاجة ، فتأمّل.

__________________

(١) مجمع البحرين ، ج ٤ ، ص ٣٩٤.

(٢) لسان العرب ، ج ٨ ، ص ٣٤٥.

(٣) القاموس المحيط ، ج ٣ ، ص ٨٧.

١١٥

لا حرج عليه (١) فيه. وإن شاء (٢) جعله شروى (٣) [سري] الملك. وإنّ (٤) ولد عليّ ومواليهم وأموالهم إلى الحسن بن علي. وإن كانت (٥) دار الحسن بن علي

______________________________________________________

(١) أي : لا حرج على الإمام المجتبى عليه الصلاة والسلام في بيع نصيب من أعيان الموقوفة لأجل أداء ما عليه من ديون.

(٢) أي : وإن أحبّ الإمام المجتبى عليه‌السلام جعل نصيبا من الوقف ملكا خالصا لنفسه. وهذه فقرة ثانية تدل على جعل السلطنة على إبطال بعض الوقف.

(٣) كذا في نسختنا ، ولكن في الكافي «سري الملك» وفي الوسائل نقلا عن التهذيب «شروى الملك» وكذا في الوافي. ولكن الموجود في التهذيب «شراء الملك».

وكيف كان فمعنى «السري» النفيس (١) والرفيع (٢) ، فالمراد ب «سري الملك» شريف الملك ورفيعه ، وهذا كناية عن جعل الوقف ملكا طلقا ، فإنّ رفعة الملك وشرافته بتمامية سلطنة المالك عليه ، وهو يستلزم بطلان الوقف حينئذ ، وهو أعلى من شرط البيع ، فلاحظ.

ومعنى «شروى الملك» مثله (٣) ، يعني : يجعل الوقف كالملك الطّلق يتصرف فيه بما شاء.

(٤) الجملة مستأنفة أو معطوفة على «فإن أراد» يعني : ورد في هذه الصحيحة : أنّ أمر ولد عليّ عليه‌السلام وأموالهم بيد الحسن عليه‌السلام ، وليس المقصود تعيين الناظر للوقف ، لما تقدم بقوله عليه‌السلام : «وأنه يقوم على ذلك الحسن» فالمراد هنا جعل الولاية بمعنى آخر.

(٥) يعني : وإن كان الإمام المجتبى عليه‌السلام ساكنا في غير دار الصدقة ، ولم يكن محتاجا إلى سكناها ، فإن أراد عليه‌السلام أن يبيع دار الصدقة ويقسّم ثمنها أثلاثا فليفعل.

__________________

(١) مجمع البحرين ، ج ١ ، ص ٢١٦.

(٢) لسان العرب ، ج ١٤ ، ص ٣٧٨.

(٣) مجمع البحرين ، ج ١ ، ص ٢٤٥ ، لسان العرب ، ج ١٤ ، ص ٤٢٨.

١١٦

غير دار الصدقة ، فبدا له أن يبيعها فليبعها إن شاء (١) ، [و] (٢) لا حرج عليه فيه. فإن باع فإنّه يقسّم ثمنها ثلاثة أثلاث ، فيجعل ثلثا في سبيل الله ، ويجعل ثلثا في بني هاشم وبني المطّلب ، وثلثا في آل أبي طالب ، وإنّه (٣) يضعه فيهم حيث يراه الله».

ثم قال : «وإن حدث (٤) في الحسن أوفي الحسين حدث ، فإنّ الآخر منهما ينظر في بني عليّ».

______________________________________________________

وقد يستشهد بهذه الفقرة أيضا على جواز بيع الوقف بالشرط ، بتقريب : أن المراد بدار الصدقة دار موقوفة ، بأن كانت في جملة ما أوقفه أمير المؤمنين عليه‌السلام لسكنى الإمام المجتبى عليه‌السلام ، وجعل سلطنة بيع هذه الدار له عليه‌السلام إن لم يتخذها مسكنا لنفسه.

ويحتمل بعيدا إرادة بيع غير دار الصدقة من الدار المملوكة للإمام المجتبى صلوات الله وسلامه عليه ، ويكون تقسيم ثمنها حينئذ شرطا من الواقف على الموقوف عليه في ضمن عقد الوقف.

(١) فكأنّه عليه‌السلام وقف الدار بهذه الكيفية : «هذه وقف على أبي محمد الحسن عليه‌السلام وإن استغنى عن سكناها جاز له بيعها».

(٢) كذا في النسخ ، وليست «الواو» في الكافي والتهذيب والوسائل.

(٣) يعني : وإنّ الإمام المجتبى عليه‌السلام القائم بالوقف يضع الحصص على حسب ما يراه ، ومقتضاه عدم اعتبار المساواة في تقسيم ثلث بني هاشم ، وثلث آل أبي طالب.

(٤) كذا في نسخ الكتاب ، ولكن في الكافي والتهذيب والوسائل : «وإن حدث بحسن وحسين». وحاصله : أنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام جعل ولاية الوقف للسبطين عليهما‌السلام مقدّما للأكبر منهما ، ثم شرط على سيد الشهداء عليه‌السلام أن ينصب قيّما على الوقف من سائر أولاد أمير المؤمنين عليه‌السلام من كان مرضيا في هداه وإسلامه وأمانته ، وإلّا ففي أولاد السبطين عليهما‌السلام كذلك ، وإلّا ففي رجل من آل أبي طالب وذوي آرائهم ، وإلّا ففي رجل من بني هاشم ، مع الاشتراط على كل واحد من

١١٧

إلى أن قال : «فإنّه يجعله في رجل يرضاه من بني هاشم ، وإنّه يشترط على الذي يجعله إليه أن يترك [هذا] (١) المال (٢) على اصوله ، وينفق الثمرة (٣) حيث أمره به من سبيل الله ووجهه ، وذوي الرّحم من بني هاشم وبني المطّلب والقريب والبعيد ، لا يباع شي‌ء منه ولا يوهب ولا يورث ...» الرواية (٤) (١).

وظاهرها (٥) جواز اشتراط البيع في الوقف لنفس البطن الموجود ،

______________________________________________________

الأولياء العمل بما رسمه عليه‌السلام ، وعدم بيعه ، فيكون جواز البيع مختصّا بالسبطين عليهما‌السلام.

(١) كذا في نسختنا ، وليست كلمة «هذا» في الكافي والتهذيب والوسائل.

(٢) أي : ترك الأعيان الموقوفة ، والمراد بتركها عدم بيعها ، بأن يبقيها على حالها لينتفع البطون بمنافعها ، فيكون شرط البيع مختصّا بالحسنين صلوات الله عليهما.

(٣) كذا في نسختنا وجملة من النسخ ، وهو موافق لما في التهذيب والوسائل ، ولكن في الكافي «وينفق ثمره حيث أمرته به».

(٤) يعني : أن للصحيحة تتمة ، وفي آخرها تاريخ كتابة صورة الوقف ومكانها والشهود عليها ، وهي «هذا ما قضى به علىّ في ماله ، الغد من يوم قدم مسكن ، شهد أبو شمر بن أبرهة ، وصعصعة بن صوحان ، وسعيد بن قيس ، وهياج ابن أبي الهياج. وكتب علىّ بن أبي طالب بيده لعشر خلون من جمادى الاولى سنة سبع وثلاثين».

(٥) تقدم آنفا وجه ظهور فقرات ثلاث من هذه الصحيحة في جواز شرط البيع.

أولاها : قوله عليه‌السلام : «فإن أراد أن يبيع نصيبا من المال فيقضي به الدين ، فليفعل إن شاء».

ثانيتها : قوله عليه‌السلام : «وإن شاء جعله سريّ الملك».

__________________

(١) الكافي ، ج ٧ ، ص ٤٩ ـ ٥١ ، باب صدقات النبي وفاطمة والأئمة عليهم‌السلام ، الحديث : ٧ ؛ التهذيب ، ج ٩ ، ص ١٤٦ ، الحديث ٥٥ من كتاب الوقوف والصدقات ؛ الوسائل ، ج ١٣ ، ص ٣١٣ ، الباب ١٠ من أبواب أحكام الوقوف والصدقات ، الحديث : ٤

١١٨

فضلا (١) عن البيع لجميع البطون ، وصرف ثمنه فيما ينتفعون به. والسند صحيح ، والتأويل مشكل (٢) ،

______________________________________________________

ثالثتها : قوله عليه‌السلام : «وإن كانت دار الحسن بن علي غير دار الصدقة فلبيعها إن شاء». ولكن أمير المؤمنين عليه‌السلام شرط في هذه الفقرة توزيع الثمن على وجه خاص ، ولم يجعله مختصّا بالإمام المجتبى عليه‌السلام.

(١) الوجه في الإتيان ب «فضلا» هو أن البيع لأجل صرف الثمن في منفعة جميع البطون أقرب إلى غرض الواقف من جواز بيعه واختصاص الثمن بالبطن الموجود. وكيفية اجتماع البطون على البيع تكون بقيام وليّ البطون اللاحقة بالبيع بانضمام البطن الموجود.

(٢) يعني : بعد تمامية أصالتي الصدور والظهور يشكل تأويل الصحيحة حتى تكون أجنبية عن المقام ، وهو شرط البيع في الوقف.

وقد قيل في توجيه قوله عليه‌السلام : «فإن أراد أن يبيع نصيبا من المال ، فليبع» امور :

الأوّل : أنّ ما كتبه أمير المؤمنين عليه‌السلام محمول على الوصية وأجنبي عن الوقف ، بشهادة جملتين :

إحداهما : قوله عليه‌السلام : «هذا ما أوصى به وقضى به في ماله عبد الله عليّ ...».

وثانيتهما : قوله في أواخرها : «ولا يحلّ لامرء مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يغيّر شيئا مما أوصيت به في مالي ...» ولا مانع من استثناء بعض المال للوصي. فغرضه عليه‌السلام الإيصاء بالأموال المدرجة في كتابه لمن يقوم بالأمر بعده.

وفيه : أن كلمة «الوصية» وردت في أثناء الكتاب مقترنة بما يدل على الوقف المصطلح ، وهو قوله عليه‌السلام : «وإن الذي كتبت من أموالي هذه صدقة واجبة بتلة ، حيّا أنا أو ميّتا» فإنّ الصدقة الموصوفة بكونها بتلة ـ أي منقطعة عن المتصدق حال حياته وخارجة عن ملكه ـ لا تنطبق إلّا على الوقف ، ضرورة جواز التصرف

١١٩

.................................................................................................

______________________________________________________

والرجوع في الوصية قبل الممات. فحملها على التأكيد في وصية ما كتبه عليه‌السلام ينافي قوله عليه‌السلام : «حيّا أنا أو ميّتا».

وعليه فلا بد من رفع اليد عن معنى «الوصية» في الفقرتين المتقدمتين ، بأن لا يكون المراد بها ما استقر عليه اصطلاح الفقهاء من العهد بشي‌ء بعد الموت ، بل المراد ما بعمّ ذلك وتدبير شئون أمواله ، سواء أكان تصرفه منجّزا أم معلّقا ، فيكتبها بعنوان الإيصاء لمن يقوم بالأمر بعده ، ومعناه جعل كل واحد ـ مما كتبه ـ في موقعه ، وهذا المعنى شائع في الاستعمال.

الثاني : أنه عليه‌السلام وهب الأموال لهما عليهما‌السلام ، وكتب الوقف لنوع المصلحة ، كذا احتمله العلّامة المجلسي قدس‌سره ، ولكنه خلاف الظاهر جدّا ، مع عدم قرينة عليه ، فلا يصار إليه.

الثالث : أنه عليه‌السلام اشترط بيع الحاصل من الوقف وثمرته لأداء الدين ، لا بيع الرقبة ، كما احتمله العلّامة المجلسي قدس‌سره أيضا وغيره (١).

وفيه : أن المناسب لذلك التعبير ب «فإن أراد أن يقضي به الدين فلا حرج عليه» ليكون مناسبا لقوله قبله : «يقوم على ذلك الحسن بن على ، ويأكل منه بالمعروف وينفقه حيث يريد ... في حلّ محلل لا حرج عليه» ولا حاجة إلى التصريح بكلمة البيع مقدمة لقضاء الدين ، إذ لمّا كان المال الموقوف من الضياع والمزارع كان أكله بالمعروف في كل وجه محلل ، وكذا أداء الدين منوطا ببيع بعض الحاصل ، فذكر البيع والعدول عن الضمير إلى الاسم الظاهر ـ وهو نصيب من المال ـ يدلّان على جواز بيع نفس الوقف.

الرابع : أنّ غاية ما يدل عليه هو جواز بيع الوقف عند الحاجة كأداء الدين ،

__________________

(١) ملاذ الأخيار ، ج ١٤ ، ص ٤٣٥. مقابس الأنوار ، كتاب البيع ، ص ٥٦.

١٢٠