تراثنا ـ العدد [ 49 ]

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

تراثنا ـ العدد [ 49 ]

المؤلف:

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم


الموضوع : مجلّة تراثنا
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ٠
الصفحات: ٢٤٨
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

من الضلال ، لأنّ قوله : ( وَاعْتَصِمُوا ) أي : « امتنِعوا » ، و « الحبل » هو « السبب » ، وهذا ما نصّ عليه المفسّرون واللغويّون .

قال أبو جعفر الطبري : « وأمّا قوله : ( وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّـهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) (١) فإنّه يعني : ومن يتعلّق بأسباب الله ويتمسّك بدينه وطاعته فقد هدي ... وأصل العصم : المنع ، فكلّ مانع شيئاً فهو عاصمه ، والممتنع به معتصم به ، ... ولذلك قيل للحبل : عصام ، وللسبب الذي يتسبّب به الرجل إلىٰ حاجته : عصام ... يقال : منه اعتصمت بحبل فلان ، واعتصمت حبلاً منه واعتصمت به واعتصمته ، وأفصح اللغتين : إدخال الباء كما قال عزّ وجلّ : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا ) وقد جاء اعتصمته كما قال الشاعر ... » (٢) .

وقال بتفسير الآية ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا ) : « يعني بذلك جلّ ثناؤه : وتعلّقوا بأسباب الله جميعاً ، يريد بذلك تعالىٰ ذِكره : وتمسّكوا ... وأمّا الحبل فإنّه السبب الذي يوصل به إلىٰ البغية والحاجة ... » (٣) .

فظهر أنّ « العترة أهل البيت » مثل « القرآن » في أنّهم « حبل » وأنّ من تمسّك بهم فقد اعتصم من الضلال ، ولذا نرىٰ حديث الثقلين في بعض ألفاظه : « ما إن اعتصمتم بهما » وهو ما أخرجه ٱبن أبي شيبة : « إنّي تركت فيكم ما لن تضلّوا بعدي إنْ اعتصمتم به : كتاب الله ، وعترتي » (٤) .

__________________

(١) سورة آل عمران ٣ : ١٠١ .

(٢) تفسير الطبري ٤ / ١٨ ـ ١٩ .

(٣) تفسير الطبري ٤ / ٢١ .

(٤) كذا في نقل بعض المحدّثين عن المصنَّف لابن أبي شيبة ، عن جابر ، عن النبيّ صلیٰ الله عليه وآله وسلم ، لكنّه في المطبوع برقم (١٠١٢٦) محرّف بإسقاط كلمة

٦١
 &

وفي بعضها الآخر : « ما إنْ تمسّكتم » وهذا هو اللفظ المشهور .

وفي بعض ثالث : « إن اتّبعتموهما » (١) .

كما نرىٰ الحديث بلفظ « إنّي تارك فيكم خليفتين » كما هو عند أحمد (٢) ، وبلفظ جمع فيه بين « الثقلين » و « الخليفتين » كما هو عند ٱبن أبي عاصم (٣) .

ومن هنا ، فقد أورد المفسّرون حديث الثقلين بتفسير الآية المباركة ، أعني : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ ) (٤) كما أوردوه بتفسير قوله تعالىٰ : ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) (٥) (٦) .

وقال الشرّاح المحقّقون بشرح حديث الثقلين : « إنّ ذلك يفهم وجود من يكون أهلاً للتمسّك به من أهل البيت والعترة الطاهرة ، في كلّ زمان وجدوا فيه إلىٰ قيام الساعة ، حتّىٰ يتوجّه الحثّ المذكور إلىٰ التمسّك به ، كما إنّ الكتاب العزيز كذلك ، ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض ، فإذا ذهبوا ذهب أهل الأرض » (٧) .

__________________

« وعترتي » وكذلك حُرّف فيه الحديث عن زيد بن أرقم ، الذي أخرجه مسلم وغيره ، وعن عطية ، عن أبي سعيد الخدري ، الذي أخرجه أحمد وغيره ، فراجع (١٠١٢٧) و (١٠١٣٠) في الجزء العاشر من المصنّف ، فحيّا الله الأُمَناء علىٰ الحديث النبويّ !!

(١) المستدرك علىٰ الصحيحين ٣ / ١١٠ .

(٢) مسند أحمد ٥ / ١٨٩ ـ ١٩٠ .

(٣) كتاب السُنّة : ٦٢٨ ـ ٦٣١ .

(٤) جواهر العقدين ٢ / ٩٦ .

(٥) سورة الشورىٰ ٤٢ : ٢٣ .

(٦) الدرّ المنثور ٦ / ٧ ، السراج المنير ٥ / ٥٣٨ ، وغيرهما .

(٧) جواهر العقدين ٢ / ٩٤ ، فيض القدير في شرح الجامع الصغير ٣ / ١٥ ، شرح المواهب اللدنّيّة ٧ / ٨ ، الصواعق المحرقة : ٩٠ ، المرقاة في شرح المشكاة ٥ / ٥٩٤ و ٦٠١ .

٦٢
 &

هذا كلّه بالإضافة إلىٰ ورود الحديث الشريف بلفظ « حبلين » :

قال الطبرسي رحمه الله بتفسير الآية المباركة ، في الأقوال في معنىٰ « حبل الله » : « ثالثها : ما رواه أبان بن تغلب ، عن جعفر بن محمّد عليه السلام ، قال : نحن حبل الله الذي قال : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا ) » .

قال : « والأَوْلىٰ حمله علىٰ الجميع ، والذي يؤيّده ما رواه أبو سعيد الخدري ، عن النبيّ صلّیٰ الله عليه وآله وسلم أنّه قال : أيّها الناس ! إنّي قد تركت فيكم حبلين إن أخذتم بهما لنْ تضلّوا بعدي ، أحدهما أكبر من الآخر : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلىٰ الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ألا وإنّهما لن يفترقا حتّىٰ يردا علَيَّ الحوض » (١) .

وتلخّص : أن الآية المباركة تأمر بالاعتصام ، أي بالتمسّك والتعلّق « بحبل الله » أي : بالسبب الذي يوصل إلىٰ رضاه ، الموجب للنجاة والدخول في الجنّة ، وينجي من غضبه الموجِب للدخول في النار ... وهذا « السبب » هو « الكتاب والعترة الطاهرة » ، و « دين الله » وهو « الإسلام » لا يتحقّق إلّا باتّباعهما ، وذلك « عهد الله » وفي ذلك « أمر الله وطاعته » وبذلك يحصل « الإخلاص » لله عزّ وجلّ ، وتتمُّ « الجماعة » التي يد الله معها ، كما في الحديث .

رجوع المعاني كلّها إلىٰ معنىً واحد :

فالمعاني الستّة التي ذكرها ٱبن الجوزي كلّها ترجع إلىٰ أصل واحد ومعنىً فارد ، ولا نمنع شيئاً من ذلك ، وإنْ لم يكن قائلوها عندنا « أئمة المفسّرين » ... لكنّ من طبيعة حال ٱبن الجوزي أن لا يذكر قول أئمّة أهل البيت الطاهرين ، الّذين هم أدرىٰ بما في البيت ، إلّا أنّ ٱبن الجوزي غير

__________________

(١) مجمع البيان ١ / ٦١٣ .

٦٣
 &

مقبولٍ حتّىٰ عند أبناء طائفته كما تقدّم ، ونكتفي هنا بكلمتين بالمناسبة :

يقول الذهبي بترجمة أبان بن يزيد العطّار : « قد أورده العلّامة أبو الفرج في الضعفاء ، ولم يذكر فيه أقوال من وثّقه ، وهذا من عيوب كتابه ؛ يسرد الجرح ويسكت عن التوثيق » (١) .

ويقول ٱبن حجر العسقلاني ، بترجمة ثمامة بن الأشرس البصري ، بعد قصّةٍ ذكرها : « دلّت هذه القصّة علىٰ أنّ ٱبن الجوزي حاطب ليلٍ لا ينتقد ما يحدّث به » (٢) .

فعلىٰ ضوء هاتين الكلمتين نقول : إنّ ٱبن الجوزي ـ بغضّ النظر عن انحرافه عن أهل البيت ـ ذكر الأقوال في تفسيره ولم يذكر قول الإمام من أهل البيت ، وهذا من عيوب كتابه ، كما إنّه سردها ولم ينتقدها ، فهو أيضاً حاطب ليل .

إلّا أنّا ـ وبالنظر إلىٰ حديث الثقلين المتواتر بين الفريقين ـ أرجعناها إلىٰ حقيقةٍ واحدةٍ ، ولم نطرح شيئاً من هذه الأقوال .

أمّا الثعلبي ... فلم يكن كابن الجوزي ، فقد أورد في تفسيره بعض الأحاديث عن أئمّة أهل البيت بأسانيده المتّصلة بهم ، بتفسير طائفةٍ من الآيات ... ومنها هذه الآية الشريفة .

فقد روىٰ حديث الثقلين عن عبد الملك ، عن عطيّة ، عن أبي سعيد ـ وهو السند الذي اعتمده بعض المفترين ـ حيث قال : « حدّثنا الحسن بن محمّد بن حبيب المفسّر ، قال : وجدت في كتاب جدّي بخطّه : نا أحمد بن الأحجم القاضي المرندي ، نا الفضل بن موسىٰ السيناني ، أنا عبد الملك بن

__________________

(١) ميزان الاعتدال ١ / ١٦ .

(٢) لسان الميزان ٢ / ٨٣ .

٦٤
 &

أبي سليمان ، عن عطيّة العوفي ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : سمعت رسول الله صلّىٰ الله عليه [ وآله ] وسلّم يقول : يا أيّها الناس ! إنّي قد تركت فيكم خليفتين إنْ أخذتم بهما لن تضلّوا بعدي ، أحدهما أكبر من الآخر ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلىٰ الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ألا وإنّهما لن يتفرّقا حتّىٰ يردا علَيَّ الحوض » .

وروىٰ الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام ، حيث قال : « أخبرني عبد الله بن محمّد بن عبد الله ، نا محمّد بن عثمان ، نا محمّد بن الحسين بن صالح ، نا عليّ بن العبّاس المقانعي ، نا جعفر بن محمّد ، قال : نحن حبل الله الذي قال : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ) » (١) .

وقد أورد هذا الحديث عن الثعلبي جماعة من علماء القوم ، مرتضين له ، كالحافظ السمهودي (٢) ، والشيخ محمّد الصبّان (٣) ، والشيخ القندوزي البلخي (٤) ، وغيرهم ، بل أرسله الأوّل منهم في موضعٍ آخر إرسال المسلّم (٥) ... فليس الذي أورده عن الثعلبي هو ٱبن حجر المكّي وحده .

موجز ترجمة الثعلبي :

ثمّ إنّ الثعلبي ـ وهو أبو إسحاق أحمد بن محمّد ، المتوفّىٰ سنة ٤٢٧ ـ إمامٌ كبير من أئمّة التفسير واللغة ، وتفسيره من أشهر التفاسير عندهم :

__________________

(١) الكشف والبيان في تفسير القرآن ـ مخطوط .

(٢) جواهر العقدين ٢ / ٩٦ .

(٣) إسعاف الراغبين : ١٠٩ .

(٤) ينابيع المودة : ١١٩ .

(٥) جواهر العقدين ٢ / ١٢٧ .

٦٥
 &

قال الذهبي : « الثعلبي ، الإمام الحافظ العلّامة ، شيخ التفسير ، أبو إسحاق أحمد بن محمّد بن إبراهيم النيسابوري ، كان أحد أوعية العلم ، له كتاب التفسير الكبير وكتاب العرائس في قصص الأنبياء .

قال السمعاني : يقال له : الثعلبي والثعالبي ، وهو لقب له لا نسب .

حدّث عن ... وكان صادقاً موثّقاً ، بصيراً بالعربية ، طويل الباع في الوعظ .

حدّث عنه : أبو الحسن الواحدي ، وجماعة .

قال عبد الغافر بن إسماعيل : قال الأُستاذ أبو القاسم القشيري : رأيت ربّ العزّة في المنام وهو يخاطبني وأخاطبه ، فكان في أثناء ذلك أن قال الربّ جلّ ٱسمه : أقبل الرجل الصالح ، فالتفتُّ فإذا أحمد الثعلبي مقبل .

توفّي الثعلبي في المحرّم سنة ٤٢٧ » (١) .

فهذا كلّ ما ذكره الذهبي ، وليس فيه إلّا التوثيق والتعظيم والثناء الجميل .

وقال ٱبن خلّكان : « المفسّر المشهور ، كان أوحد زمانه في علم التفسير ، وصنّف التفسير الكبير الذي فاق غيره من التفاسير ... وذكره عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي في كتاب سياق تاريخ نيسابور وأثنىٰ عليه وقال : هو صحيح النقل موثوق به ... » (٢) .

وقال السبكي : « كان أوحد زمانه في علم القرآن ، وله كتاب العرائس في قصص الأنبياء عليهم السلام » (٣) .

__________________

(١) سير أعلام النبلاء ـ ١٧ / ٤٣٧ .

(٢) وفيّات الأعيان ١ / ٦١ .

(٣) طبقات الشافعية ـ للسبكي ـ ٤ / ٥٨ .

٦٦
 &

وقال الأسنوي : « ذكره ٱبن الصلاح والنووي من الفقهاء الشافعية ، وكان إماماً في اللغة والنحو » (١) .

وقال الداوودي : « كان أوحد أهل زمانه في علم القرآن ، حافظاً للّغة ، بارعاً في العربية ، واعظاً ، موثّقاً » (٢) .

وراجع أيضاً : الوافي بالوفيّات ٧ / ٣٠٧ ، مرآة الجنان ٣ / ٤٦ ، بغية الوعاة : ١٥٤ ، المختصر في أخبار البشر ٢ / ١٦٢ ، العبر ٣ / ١٧٢ ، وغيرها ، لتجد كلمات القوم في مدح الرجل وتوثيقه وتعظيمه .

نعم ، تكلّم فيه ٱبن تيميّة ومن علىٰ شاكلته ، لِما أشرنا إليه من النقل والرواية عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام .

وتلخّص : أنّ الثعلبي مفسّر كبير ، فقيه شافعي ، لغوي نحوي ، وموثوقٌ عندهم ومقبولٌ لديهم ، ومن هنا جاز لنا الاعتماد عليه والاحتجاج بنقله ، من باب الإلزام ، وكذلك فَعَلَ السيّد طاب ثراه .

رواية أبي نعيم :

هذا ، وليس الثعلبي ـ من أكابر أهل السُنّة ـ منفرداً برواية تفسير الإمام الصادق عليه السلام ، للآية المباركة ، ... فقد ذكر أبو نعيم الحافظ ما نصّه :

« حدّثنا محمّد بن عمر بن سالم ، قال : حدّثنا أحمد بن زياد بن عجلان ، قال : حدّثنا جعفر بن عليّ بن نجيح ، قال : حدّثنا حسن بن حسين العرني ، قال : حدّثنا أبو حفص الصائغ ، قال : سمعت جعفر بن محمّد

__________________

(١) طبقات الشافعية ـ للأسنوي ـ ١ / ٤٢٩ .

(٢) طبقات المفسّرين ١ / ٦٥ .

٦٧
 &

يقول في قوله عزّ وجلّ : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ) قال : نحن حبل الله » (١) .

موجز ترجمة أبي نعيم :

وأبو نعيم الحافظ ـ وهو أحمد بن عبد الله الأصفهاني ، المتوفّىٰ سنة ٤٣٠ ـ من أئمّة الحفّاظ الأعلام ، قالوا : « كان في وقته مرحولاً إليه ، لم يكن في أُفق من الآفاق أحد أحفظ منه ولا أسند منه » ولذا لقّبوه بـ « تاج المحدّثين » ووثّقوه وأثنوا عليه الثناء الجميل البالغ .

فراجع إنْ شئت : تذكرة الحفّاظ ٣ / ١٠٩٦ ، وفيّات الأعيان ١ / ٧٥ ، الوافي بالوفيّات ٧ / ٨١ ، مرآة الجنان ٣ / ٥٢ ، طبقات الشافعية ـ للسبكي ـ ٣ / ٧ ، النجوم الزاهرة ٥ / ٣٠ ، شذرات الذهب ٣ / ٢٤٥ المختصر في أخبار البشر ٢ / ١٦٢ ، البداية والنهاية ١٢ / ٤٥ ، وغيرها .

رواية الحاكم الحسكاني :

وقال الحاكم الحسكاني : « قوله جلّ ذكره : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا ) :

حدّثني أبو الحسن محمّد بن القاسم الفارسي ، قال : حدّثنا أبو جعفر محمّد بن عليّ ، قال : حدّثنا حمزة بن محمّد العلوي ، قال : أخبرنا عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عليّ بن معبد ، عن الحسين بن خالد ، عن عليّ بن موسىٰ الرضا ، عن أبيه ، عن آبائه ، عن عليّ عليهم السلام ، قال : قال رسول الله صلّیٰ الله عليه وآله وسلّم : من أحبّ أن يركب سفينة النجاة ،

__________________

(١) نفحات الأزهار ٢ / ٢٥٣ عن « ما نزل من القرآن في عليّ » لأبي نعيم ، مخطوط .

٦٨
 &

ويتمسّك بالعُرْوة الوثقىٰ ، ويعتصم بحبل الله المتين ، فليوالِ عليّاً وليأتمّ بالهداة من ولده .

أخبرنا محمّد بن عبد الله الصوفي ، قال : أخبرنا محمّد بن أحمد بن محمّد ، قال : حدّثنا عبد العزيز بن يحيىٰ بن أحمد الجلودي ، قال : حدّثني محمّد بن سهل ، قال : حدّثنا عبد العزيز بن عمرو ، قال : حدّثنا الحسن بن الحسن ، قال : حدّثنا يحيىٰ بن عليّ الربعي ، عن أبان بن تغلب ، عن جعفر ابن محمّد ، قال : نحن حبل الله الذي قال الله : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا ) ...

وأخبرناه عن أبي بكر محمّد بن الحسين بن صالح السبيعي في تفسيره ، قال : حدّثنا عليّ بن العبّاس المقانعي ، قال : حدّثنا جعفر بن محمّد بن حسين ، قال : حدّثنا حسن بن حسين ، قال : حدّثنا يحيىٰ بن عليّ به سواء ...

وبه حدّثنا حسن بن حسين ، قال : حدّثنا أبو حفص الصائغ ، عن جعفر بن محمّد في قوله : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ) قال : نحن حبل الله .

حدّثنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ جملةً ، قال : حدّثني عبد العزيز بن نصر الأُموي ، قال : حدّثنا سليمان بن أحمد الحصّي ، قال : حدّثنا أبو عمارة البغدادي ، قال : حدثّنا عمر بن خليفة أخو هوذة ، قال : حدّثنا عبد الرحمٰن ابن أبي بكر المليكي ، قال : حدّثنا محمّد بن شهاب الزهري ، عن نافع ، عن ٱبن عمر ، قال : قال رسول الله صلّىٰ الله عليه [ وآله ] وسلّم : قال لي جبرئيل : قال الله تعالىٰ : ولاية عليّ بن أبي طالب حِصْني ، فمن دخل

٦٩
 &

حصني أمِنَ من عذابي » (١) .

موجز ترجمة الحاكم الحسكاني :

والحسكاني ـ وهو أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله النيسابوري الحنفي ، المتوفّىٰ بعد سنة ٤٧٠ ـ حافظ متقن ثقة ، وتوجد ترجمته في كثير من المصادر المعتبرة ، مثل : منتخب السياق في تاريخ نيسابور : ٤٦٣ ، تذكرة الحفّاظ ٣ / ١٢٠٠ ، الجواهر المضيّة في طبقات الحنفية ٢ / ٤٩٦ ، سير أعلام النبلاء ١٨ / ٢٦٨ ، وغيرها .

قال في ( السير ) : « الحسكاني الإمام المحدّث البارع القاضي أبو القاسم ... الحنفي ، الحاكم ، ويعرف أيضاً بابن الحذّاء ... حدّث عن ... وصنّف وجمع وعُني بهذا الشأن ، لازمه الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل وأكثر عنه ، وأورده في تاريخه ... » .

وقال في المنتخب من تاريخ نيسابور ـ لعبد الغافر ـ : « الحافظ المتقن ... سمع الكثير عالياً ، وٱنتخب علىٰ الشيوخ ، وجمع الأبواب والكتب والطرق » .

وقال في ( التذكرة ) : « الحافظ ، شيخ متقن ، ذو عناية بعلم الحديث » .

وهكذا في الكتب الأُخرىٰ .

تفسير سعيد بن جبير عن ٱبن عبّاس :

وأيضاً : ليس الإمام الصادق عليه السلام هو وحده الذي فسّر الآية المباركة بما عرفت ، وإنْ كان وحده حُجّةً كافية كما بيّناً ، فقد روي عن

__________________

(١) شواهد التنزيل ١ / ١٦٨ ـ ١٧٠ .

٧٠
 &

سعيد بن جبير عن ٱبن عبّاس أيضاً ...

فقد قال الشيخ القندوزي الحنفي : « أخرج صاحب كتاب المناقب عن سعيد بن جبير ، عن ٱبن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ قال : كنّا عند النبيّ صلّىٰ الله عليه [ وآله ] وسلّم ، إذ جاء أعرابي فقال : يا رسول الله ! سمعتك تقول ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ ) فما حبل الله الذي نعتصم به ؟ فضرب النبيّ صلّىٰ الله عليه [ وآله ] وسلّم في يد عليّ وقال : تمسّكوا بهذا ، هو حبل الله المتين » (١) .

أقول :

ولا يخفىٰ ما في جملة « هو حبل الله المتين » من الدلالة الواضحة علىٰ عصمة أمير المؤمنين عليه السلام ، وعلىٰ أنّه « حبل الله » كما أنّ « القرآن » حبل الله ... ويشهد بذلك الحديث الصحيح : « عليّ مع القرآن ، والقرآن مع عليّ لا يفترقان حتّىٰ يردا عليّ الحوض » (٢) .

ويشهد بصحّة هذه الرواية عدم ذكر قولٍ لسعيد بن جبير ، في تفسير ٱبن الجوزي ، في الأقوال المنقولة عنه ، مع أنّ سعيداً من أئمّة التفسير ، بلا كلام .

أمّا ٱبن عبّاس ، فقد نصَّ ٱبن تيميّة علىٰ كونه أعلم بني هاشم بالقرآن

__________________

(١) ينابيع المودّة : ١١٩ .

(٢) المستدرك علىٰ الصحيحين ٣ / ١٣٤ ح ٤٦٢٨ ؛ وبلفظ : « لن يتفرّقا ( يفترقا ) ، صحّحه الحاكم وأقرّه الذهبي ، جامع الأحاديث ـ للسيوطي ـ ٦ / ١٩٨ ح ١٤٣١٩ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٣٤ ، فيض القدير ٤ / ٤٧٠ ح ٥٥٩٤ ، كنز العمّال ١١ / ٦٠٣ ح ٣٢٩١٢ ، وله مصادر كثيرة .

٧١
 &

بعد أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام (١) .

ولو وجدنا متّسعاً من الوقت لتتبّعنا الكتب لنجد سند هذه الرواية وتصحيحه ، بل للعثور علىٰ رواةٍ آخرين ، لتفسير الآية المباركة بأهل البيت الطاهرين أو سيّدهم أمير المؤمنين ، ولكن لا حاجة ، فبما ذكرناه غنىً وكفاية ، لمن طلب الحقّ والهداية .

تفسير العزّ الرسعني :

وممّا يشهد بصحّة الرواية المذكورة أيضاً : تفسير العزّ الرسعني « الحبل » في الآية المباركة بـ « عليّ وأهل بيته » فقد حُكي عنه أنّه قال في الآية المباركة ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ) : « حبل الله : عليّ وأهل بيته » (٢) .

والعزّ الرسعني ـ وهو عبد الرزّاق بن رزق الله الحنبلي ، المتوفّىٰ سنة ٦٦١ ـ فقيه ، متكلّم ، محدّث ، مفسّر ... له كتاب : رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز في ثمان مجلَّدات .

توجد ترجمته في : تذكرة الحفّاظ ٤ / ١٤٥٢ ، طبقات المفسّرين ـ للسيوطي ـ : ١٩ ، شذرات الذهب ٥ / ٣٠٥ ، وغيرها .

قال الذهبي : « الرسعني ، الإمام المحدّث الرحّال ، الحافظ المفسّر ، عالم الجزيرة ، عزّ الدين أبو محمّد عبد الرزّاق بن رزق الله ... عُني بهذا العلم ، وجمع ، وصنّف تفسيراً حسناً ، رأيته ، يروي فيه بأسانيده ، وصنّف

__________________

(١) منهاج السُنّة : ٤ / ٢٦ الطبعة الحديثة .

(٢) كشف الغمّة في معرفة الأئمّة ١ / ٣١١ .

٧٢
 &

كتاب مقتل الشهيد الحسين عليه السلام ، وكان إماماً متقناً ذا فنونٍ وأدب ... وَلِيَ مشيخة دار الحديث بالموصل ، وكان من أوعية العلم والخير ، توفّي في سنة ٦٦١ » .

« حبل الله » وشعر الشافعي :

ثمّ إنّ إمام الشافعيّة ضمّن هذا الحديث ونحوه في شعرٍ له ، فقال في أبياتٍ :

وأمسكت حبل الله وهو ولاؤهم

كما قد أُمرنا بالتمسّك بالحبل

وقد ذكر هذا الشعر منسوباً إليه في غير واحدٍ من كتب أتباعه الشافعية وغيرهم ، ككتاب رشفة الصادي : ١٥ ، وكتاب ذخيرة المآل في عدّ مناقب الآل ـ للعجيلي ـ المخطوط ، وغيرهما ...

ولا غرو ، فالأشعار المنسوبة إليه في مدح أمير المؤمنين وولاء أهل البيت عليهم السلام كثيرة ومشهورة موجودة في كتب القوم ، حتّىٰ إنّه ـ في شعرٍ له يذكره الفخر الرازي في ( مناقبه ) ـ يصرّح بالتشيّع ، وهو قوله :

أنا الشيعيّ في ديني وأصلي

بمكّة ثمّ داري عسقليّه

بأطيب مولدٍ وأعزّ فخراً

وأحسن مذهب سمّوا البريّه (١)

بل يصرّح في شعرٍ آخرَ بالرفض ، وكان يردّده كثيراً ، فقد رووا عن تلميذه الربيع بن سليمان ، قال : خرجنا مع الشافعي من مكّة نريد منىٰ ، فلم ننزل وادياً ولم نصعد شِعْباً إلّا سمعته قال :

__________________

(١) مناقب الشافعي ـ للفخر الرازي ـ : ٥١ .

٧٣
 &

يا راكباً قفْ بالمحصّب من منىٰ

وٱهتف بقاعد خيفها والناهضِ

سَحَراً إذا سار الحجيج إلىٰ منىٰ

فيضاً كملتطم الفرات الفايضِ

إنْ كان رفضاً حبّ آل محمّد

فليشهد الثقلان أنّي رافضي (١)

أمّا أنّها غير موجودة في ديوانه المطبوع فالسبب معلوم !

أو أنّ الأئمّة الناقلين لأشعاره كذبوا عليه !! فهم المذنبون !!

وأمّا أنّ «الدليل الأظهر علىٰ النحل ، فهو أنّه لا يمكن للشافعي أنْ يقول : ( وأمسكت حبل الله ) فإنّ الفصحاء ، بل البسطاء في علم العربية ، يعرفون أنّ الفعل ( أمسك ) يتعدّىٰ بالباء لا بنفسه ، فهل يجوز هذا الغلط علىٰ مثل الشافعي إمام الفصحاء ، ومن كان كلامه حُجّةً في اللغة ؟! » .

ففيه :

أوّلاً : إنّ الّذين نسبوا إليه هذا الشعر وأمثاله قوم عربٌ فصحاء ، وهم من أتباعه في المذهب ، فلو كان هذا الشعر لا يناسب شأن الشافعي في اللغة لَما نسبوه إليه .

وثانياً : إذا صحّت النسبة ، وكان كلامه حُجّةً في اللغة ، كان دليلاً علىٰ تعدّي « أمسك » بنفسه كتعدّيه بالباء .

وثالثاً : كأنّ هذا الرجل لا يقرأ القرآن ! أليس الله تعالىٰ يقول : ( ... أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ... ) (٢) ؟!

__________________

(١) معجم الأُدباء ٦ / ٣٨٧ ، طبقات الشافعية ـ للسبكي ـ ١ / ١٥٨ ، الوافي بالوفيّات ٢ / ١٧٨ ، النجوم الزاهرة ٢ / ١٧٧ . وفي بعضها بدل « سار » في البيت الثاني « فاض » .

(٢) سورة النحل ١٦ : ٥٩ .

٧٤
 &

و ( أَمَّنْ هَـٰذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ ... ) (١) ؟ !

و ( ... وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ... ) (٢) ؟!

فلماذا كلّ هذا السعي لإنكار فضائل أهل البيت عليهم السلام ومناقبهم ؟!

وإلىٰ متىٰ يريد أهل الضلال البقاء علىٰ ضلالتهم ؟!

للبحث صلة ...

__________________

(١) سورة الملك ٦٧ : ٢١ .

(٢) سورة فاطر ٣٥ : ٤١ .

٧٥
 &

الإبادة لحكم الوضع علىٰ حديث : « ذِكْرُ عَليٍّ عليه‌السلام عبادة »

السيّد حسن الحسيني

آل المجدّد الشيرازي

بسم الله الرحمٰن الرحيم

الحمد لله تعالىٰ وكفىٰ ، وسلام علىٰ عباده الّذين اصطفىٰ ، وصلّىٰ الله علىٰ سيّدنا محمّد وعلىٰ آله وخيرة صحبه .

أمّا بعد :

فهذا جزء أفردته للكلام علىٰ حديث « ذِكر عليٍّ عبادة » وبيان رتبته ، والردّ علىٰ مَن حكم بوضعه وعدم ثبوته ، ووسمته بـ « الإبادة لحكم الوضع علىٰ حديث : ذِكْرُ عليٍّ عبادة » .

والله تعالىٰ أسأل أن يرينا الحقّ حقّاً ويرزقنا اتّباعه ، والباطلَ باطلاً ويرزقنا اجتنابه ، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه ، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .

*      *     *

٧٦
 &

اعلم ـ هداكَ الله وأرشدك ، وأيّدك بتأييده وسدّدك ـ أنّ هذا الحديث رواه الحسن بن صابر الكِسائي الكوفي ، عن وكيع بن الجرّاح ، عن هشام ابن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة .

وقد رُويَ عنه من طريقين :

الأوّل : ما أخرجه الحافظ ٱبن عساكر في تاريخ دمشق (١) قال : أخبرنا أبو الحسن السلمي ، أنبأنا أبو القاسم بن أبي العلاء ، أنبأنا أبو جابر يزيد بن عبد الله ، أنبأنا محمّد بن عمر الجعابي ، أنبأنا عبد الله بن يزيد ـ أبو محمّد ـ أنبأنا الحسن بن صابر الهاشمي ، أنبأنا وكيع ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ذِكر عليٍّ عبادة .

وأخرجه الديلمي في مسند الفردوس من هذا الطريق .

والثاني : ما أخرجه أبو الحسن بن شاذان في المناقب (٢) قال : حدّثني القاضي المعافىٰ بن زكريّا من حفظه ، قال : حدّثني إبراهيم بن الفضل ، قال : حدّثني الفضل بن يوسف ، قال : حدّثني الحسن بن صابر ، قال : حدّثني وكيع ، قال : حدّثني هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ذِكْر عليّ بن أبي طالب عبادة . انتهىٰ .

وقد اختلف الرادّون لهذا الحديث في علّته ، فأعلّه قوم من جهة الإسناد ، وردّه آخرون من جهة المتن ، ومنهم من أبطله من كلتا الجهتين ، فيقع الكلام معهم في مقامين :

__________________

(١) تاريخ دمشق ـ ترجمة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ـ ٢ / ٤٠٨ ح ٩٠٧ .

(٢) المناقب : ١٢٨ ، المنقبة الثامنة والستّون .

٧٧
 &

المقام الأوّل في الكلام علىٰ سنده

فنقول ، وبالله تعالىٰ التوفيق :

قال المناوي في التيسير بشرح الجامع الصغير (١) : إسناده ضعيف ، وكذا قال العزيزي في السراج المنير وكأنّهما قلّدا في ذلك الحافظ جلال الدين السيوطي في الجامع الصغير (٢) حيث رمز لضعف الحديث .

وقال السندروسي في الكشف الإلٰهيّ (٣) : سنده واهٍ ؛ وأخذه الألباني وزاد عليه قوله : جدّاً (٤) .

قلت :

لم يتّهموا من رجال الإسناد ـ في ما وقفت عليه من كلامهم ـ إلّا الحسن بن صابر ، وأعلّوا الحديث به ، وجعلوا الآفة فيه منه ، ومعوَّلهم في ذلك كلام ٱبن حبّان فيه ، فلنذكره ولنبيّن زيفه بحول الله وقوّته .

قال في كتاب المجروحين (٥) : الحسن بن صابر الكسائي من أهل الكوفة ، يروي عن وكيع بن الجرّاح وأهل بلده ، روىٰ عنه العراقيّون ، منكَر

__________________

(١) التيسير بشرح الجامع الصغير ٢ / ٢٠ .

(٢) الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير ٢ / ٦٦٥ ح ٤٣٣٢ .

(٣) الكشف الإٰلهيّ ١ / ٣٥٨ .

(٤) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ٤ / ٢١٦ .

(٥) كتاب المجروحين ١ / ٢٣٩ .

٧٨
 &

الرواية جدّاً عن الأثبات ، ممّن يأتي بالمتون الواهية عن الثقات بأسانيد متّصلة . انتهىٰ .

ثمّ ساق له حديثاً مرفوعاً عن وكيع ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة .

وقال الذهبي بترجمته في ميزان الاعتدال (١) : الحسن بن صابر الكسائي عن وكيع ، قال ٱبن حبان : منكَر الحديث . انتهىٰ .

ولم يتكلَّم فيه أحد من أئمّة الجرح والتعديل سوىٰ ٱبن حبّان ، ولم يُترجَم في غير كتابه ، وأمّا الذهبي فإنّه مقلّد له في ذلك ، فلا اعتداد بكلامه .

ومع ذلك فإنّ جرح ٱبن حبّان للكسائي مردود من وجوه :

الأوّل : أنّ ٱبن حبّان ـ هو نفسه ـ متَّهم مجروح ، بل رُمي بالعظائم ، ومن قلّة حيائه وعدم تعظيمه لحرمة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تكلّمه في عليّ بن موسىٰ الرضا عليه الصلاة والسلام ، وقوله : إنّه يروي عن أبيه العجائب كأنّه كان يَهِم ويخطئ ـ كما حكاه أبو سعد السمعاني في الأنساب ـ (٢) .

وعلىٰ من لا يحترم العترة الطاهرة من الله ما يستحقّه (٣) .

وحكىٰ الذهبي بترجمته في ( الميزان ) و ( التذكرة ) (٤) عن أبي عمرو ابن الصلاح في طبقات الشافعيّة أنّه قال : غلط الغلط الفاحش في تصرّفاته .

قال الذهبي : صدق أبو عمرو ، له أوهام يتبع بعضها بعضاً . انتهىٰ .

قلت :

وسيأتي ـ بعد هذا إن شاء الله ـ ذكر جملة من أوهامه في نقد الرجال .

__________________

(١) ميزان الاعتدال ١ / ٤٩٦ .

(٢) الأنساب ٣ / ٧٤ ـ الرضا ـ ، تهذيب التهذيب ٤ / ٢٤٤ .

(٣) فتح الملك العليّ : ١٣٠ ـ ١٣١ .

(٤) ميزان الاعتدال ٣ / ٥٠٧ ، تذكرة الحفّاظ ٣ / ٩٢١ .

٧٩
 &

ومَن كان هذا حاله كيف يعوِّل اللبيب علىٰ كلامٍ انفرد به ، ولا متابع له عليه إلّا من اغترّ به ؟!

فتنبّه ـ يرحمك الله ـ

الثاني : أنّ الجهابذة النقّاد ، وأئمّة الرجال والإسناد قد تكلَّموا في جرح ٱبن حبّان للرواة ، وبيّنوا غلطه في كثير من أحكامه ، فلنسرد هنا نتفاً من ذلك ، لينجلي لك وَهْيُ كلامه ، وينكشف خطؤه في حكمه وإبرامه ، ولتذعن بصدق ما ادّعيْناه ، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله .

فمنها : قوله في أفلح بن سعيد ـ أبي محمّد المدني ـ : يروي عن الثقات الموضوعات ، لا يحلّ الاحتجاج به ، ولا الرواية عنه بحال . انتهىٰ .

وأفلح هذا احتجّ به مسلم والنسائي ، ووثّقه ٱبن معين وٱبن سعد .

وتنزّل الذهبي في ميزان الاعتدال (١) للردّ عليه ، فقال : ربما قصّب (٢) الثقة حتّىٰ كأنّه لا يدري ما يخرج من رأسه . انتهىٰ .

ومنها : قوله في سويد بن عمرو الكلبي : كان يقلب الأسانيد ، ويضع علىٰ الأسانيد الصحاح المتون الواهية . انتهىٰ .

وردّه الذهبي في ( الميزان ) (٣) فقال : أسرف وٱجترأ .

وقال الحافظ ٱبن حجر في تقريب التهذيب (٤) : أفحش ٱبن حبّان القول فيه ، ولم يأتِ بدليل .

وقد احتجّ به مسلم والترمذي والنسائي وٱبن ماجة ، ووثّقه ٱبن معين

__________________

(١) ميزان الاعتدال ١ / ٢٧٤ ، تهذيب التهذيب ١ / ٢٣٣ .

(٢) أي : عاب وشتم ، انظر : لسان العرب ١١ / ١٧٨ مادّة « قصب » .

(٣) ميزان الاعتدال ٢ / ٥٣ .

(٤) تقريب التهذيب : ٢٦٠ .

٨٠