آيات الأحكام

محمد بن علي الاسترابادي

آيات الأحكام

المؤلف:

محمد بن علي الاسترابادي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مكتبة المعراجي
الطبعة: ٠
الصفحات: ٣٩٢
  نسخة غير مصححة

الحقيقة وجب الحمل على المجاز ، لكن لا يجوز التخصيص إلّا بمخصّص خصوصا في التحريم ، لمزيد مخالفته للأصل ، على أنه لو تساوى الجميع فلا ريب أن الكراهة تثبت على كل من المعنيين الأخيرين ، فيكون أقوى وأرجح.

وقد يقال التحريم وإن كان خلاف الأصل ، إلّا أنه أقرب المجازات إلى النفي لدلالته على الانتفاء شرعا حتما ، وفيه نوع تأمّل فليتدبّر.

وفي الكشاف (١) : «ومن الناس من حمله على القراءة أيضا ، ولا يخفى بعده ، ولهذا لم يذهب إليه أحد من الفقهاء ، وفي بعض التفاسير عن محمّد بن الفضل : لا يقرء القرآن إلّا موحّد ، وعن حسين بن الفضل لا يعلم تفسيره وتأويله إلّا المطهّرون من الكفر والنفاق ، وعن أبي العباس بن عطا لا يعرف حقائق القرآن إلّا المطهّرون بأنوار العصمة عن أقذار المعصية ، وعن جنيد المطهّرون أسرارهم عمّا سوى الله ، وقيل المراد المطهّرون من الحدث الأكبر نحو الجنابة والحيض والاستحاضة والنفاس ، وأما المس فقيل اختص بالملاقاة بباطن الكف وقيل بل هو اسم للملاقاة مطلقا ، وهو الأقرب من حيث اللّغة.

التوبة : (فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) المرويّ عندنا عن الباقر والصادق عليهما‌السلام (٢) وهو الأشهر عند العامة (٣) أيضا انها نزلت في أهل قباء ، فروي لجمعهم في الاستنجاء من الغائط بين الأحجار والماء ، وروي لاستنجائهم بالماء ، والجمع ممكن ، وفيها دلالة على استحباب الجمع في الاستنجاء من الغائط وأولوية الماء من مجرد الأحجار ، فإنه أتمّ ، وربما دل على استحباب المبالغة في الاجتناب من النجاسات ، ولا يبعد فهم استحباب النورة وأمثالها ، واستحباب الكون على الطهارة.

__________________

(١) الكشاف ج ٤ ص ٤٦٩.

(٢) انظر البرهان ج ٢ ص ١٦١ وص ١٦٢ ونور الثقلين ج ٢ ص ٢٦٧ و ٢٦٨.

(٣) انظر الدر المنثور ج ٣ ص ٢٧٨ وص ٢٧٩ والطبري ج ١١ من ص ٢٦ الى ص ٣١ وابن كثير ج ٢ ص ٣٨٩ و ٣٩٠.

٦١

وتأييد لدلائل الأغسال المستحبّة ، واستحباب المبالغة في الاجتناب عن المحرمات والمكروهات ، والاجتناب عن محالّ الشبهات ، وكلّ ما فيه نوع خسّة ودناءة ، والحرص على الطاعات والحسنات ، فإنهنّ يذهبن السيئات ، فإنّ الطهارة إن كانت لها شرعا حقيقة فهي رافع الحدث ، أو المبيح للصلاة ، وهنا ليست مستعملة فيه اتّفاقا فلم يبق إلّا معناها اللغوي العرفيّ أي النزاهة والنظافة ، وهو يعمّ الكل ، كما لا يخفى.

ويؤيّد هذا العموم قوله تعالى (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) قال القاضي أي المتنزهين عن الفواحش والأقذار والإتيان في غير المأتي ، وحينئذ يكون لكلّ من الأقوال الباقية وجه.

قال في الكشاف (١) وقيل : هو عامّ في التطهّر من النجاسات كلّها ، وقيل كانوا لا ينامون اللّيل على الجنابة ، ويتبعون الماء على أثر البول ، وعن الحسن هو التطهر من الذنوب بالتوبة ، وقيل يحبّون أن يتطهّروا بالحمّى المكفّرة لذنوبهم ، فحمّوا عن آخرهم ، ومحبّتهم للتطهّر حرصهم عليه حرص المحبّ للشيء المشتهى له ، ومحبة الله إيّاهم أنّه يرضى عنهم ويحسن إليهم كما يقول المحبّ لمحبوبه هذا.

[وقيل : يفهم من الآية أن من فعل حسنا مع عدم أخذه بدليل شرعي كان ممدوحا مثابا حيث وقع هذا الثناء العظيم من الله سبحانه لهم ، مع عدم علمهم كما يفهم من شأن النزول ، وفيه منع ظاهر ، على أن كفاية الماء وحده والأحجار كذلك على بعض الوجوه كما هو المقرر ، كاف في افادة أولوية الجمع ، والماء عند العقل ، لظهوره أن المقصود هو النظافة كما لا يخفى].

الفرقان (وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً) قيل أى مطهّرا ؛ عنه (٢) عليه‌السلام طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبعا إحداهن بالتراب أى مطهره وعنه (٣) عليه‌السلام

__________________

(١) الكشاف ج ٢ ص ٣١١.

(٢) الجامع الصغير بالرقم ٥٣٨٠ ج ٤ ص ٢٧٢ فيض القدير عن أبي هريرة وفي بعض الروايات أولاهن مكان إحديهن وفي الفيض وقيل طهور بالضم بمعنى الفعل والمشهور بفتح الطاء بمعنى المطهر.

(٣) مر مصادر الحديث ص ٣٢ من هذا الجلد.

٦٢

جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وعنه عليه‌السلام أيضا وترابها طهورا ، ولو أراد الطاهر لم يكن فيه مزيّة ، وعنه عليه‌السلام (١) وقد سئل عن الوضوء بماء البحر : هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته ولو لم يرد مطهرا لم يصلح جوابا.

وقال اليزيدي (٢) الطهور بالفتح من الأسماء المتعدية ، وهو المطهر غيره ، وأيضا

__________________

(١) رواه ابن تيمية في المنتقى ج ١ ص ٢٤ نيل الأوطار عن أبي هريرة وفيه رواه الخمسة (أي أحمد وأصحاب السنن) وفي النيل أخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما وابن الجارود في المنتقى والحاكم في المستدرك والدارقطني والبيهقي في سننهما وابن أبي شيبة وحكى الترمذي عن البخاري تصحيحه وفي النيل أيضا انه صححه ابن المنذر وابن مندة والبغوي وقال هذا الحديث متفق على صحته.

وقال ابن الأثير في شرح المسند هذا حديث صحيح مشهور أخرجه الأئمة في كتبهم واحتجوا به ورجاله ثقات وقال ابن الملقن في البدر المنير هذا الحديث صحيح جليل مروي من طرق الذي حضرنا منها تسع ثم ذكرها جميعا وأطال الكلام عليها انتهى ما أردنا نقله من النيل.

وروى الحديث في المعتبر ص ٧ ونقله عنه في الوسائل الباب ٢ من أبواب الماء المطلق ورواه في كنز العرفان ج ١ ص ٣٨ ورواه في المستدرك ج ١ ص ٢٥ عن دعائم الإسلام وغوالي اللئالى وروى حديثي المعتبر ودعائم الإسلام في جامع أحاديث الشيعة ج ١ ص ٣ وروى حديث المعتبر في الوسائل الباب ٢ من أبواب الماء المطلق ج ١ ص ١٠٢ المسلسل ٣٣٥ ط الإسلامية.

(٢) المشهور في كتب اللغة والتفاسير نسبة كون الطهور بمعنى الطاهر في نفسه المطهر لغيره انما هو الى ثعلب كما سينقله المصنف نفسه أيضا عن الكشاف عن أحمد بن يحيى وهو ثعلب ثم ينقلون عن الأزهري وكان بعد ثعلب توفي ٣٧٠ وقيل تتلمذ على ثعلب وعلى اى فالمنقول منه انه قال الطهور في اللغة هو الطاهر المطهر.

قال فعول في كلام العرب لمعان منها فعول لما يفعل به مثل الطهور لما يتطهر به والوضوء لما يتوضأ به والفطور لما يفطر عليه والغسول لما يغتسل به ويغسل به الشيء واما كون الطهور بالفتح من الأسماء المتعدية وهو المطهر لغيره فقد نقله المصنف هنا عن اليزيدي وسبقه في ذلك الفاضل المقداد في كنز العرفان ج ١ ص ٣٧ ط المرتضوي وادعاه شيخ الطائفة وبراعته في اللغة والأدب مما لا ينكره أحد من الفريقين.

قال في التهذيب ج ١ ص ٢١٤ : وليس لأحد ان يقول ان الطهور لا يفيد في لغة العرب كونه مطهرا لان هذا خلاف على أهل اللغة لأنهم لا يفرقون بين قول القائل هذا ماء طهور وهذا ماء مطهر انتهى.

٦٣

يقال ماء طهور ولا يقال ثوب طهور ولا شيء يختص به الماء يقتضي ذلك الّا التطهير ، وأيضا فعولا للمبالغة ، ولا يتحقق إلّا مع إفادة التطهير.

وفي الكشّاف (١) طهورا بليغا في طهارته. وعن أحمد بن يحيى (٢) : هو ما كان طاهرا في نفسه مطهرا لغيره ، فان كان ما قاله شرحا لبلاغته في الطهارة ، كان سديدا و

__________________

ثم اليزيدي عند أهل الأدب انما يطلق على يحيى بن المبارك المتوفى ٢٠٢ المعروف نفسه وبنوه الخمسة بالأدب والنحو ترى ترجمته مع مصادر الترجمة في الإعلام ج ٩ ص ٢٠٥.

وفي حاشية نسختنا «كأنه محمد بن يزيد المبرد منه مد ظله» وأظنه سهوا منه قدس‌سره لكون ابى المبرد يزيد فتوهم انه اليزيدي عند أهل الأدب والا فهو معروف بلقبه المعروف المبرد بكسر الراء لقب به لما سأله شيخه أبو عثمان المازني عن عويصة فأجابه بأحسن جواب برد به غليله فقال قم فأنت المبرد فحرّفه الكوفيون ففتحوا الراء تهكما به وعلى اى فانظر البحث في الطهور وما قيل فيه في اللسان والتاج والمصباح المنير والتفاسير تفسير الآية ٤٨ من سورة الفرقان والحدائق ج ١ ص ١٧٤ الى ١٧٧.

(١) الكشاف ج ٣ ص ٢٨٤.

(٢) هو أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار الشيباني مولاهم امام الكوفيين في عصره لغة ونحوا وثعلب لقب له وقد ظن انه تغلب بالتاء القوقانية والغين المعجمة وهو اشتباه ولد ثعلب سنة مائتين وتوفي سنة احدى وتسعين ومائتين وكان راى أحد عشر خليفة أولهم المأمون وأخرهم المكتفى بن المعتضد له كتب كثيرة وقالوا في رثائه.

مات ابن يحيى فماتت دولة الأدب

ومات أحمد انحى العجم والعرب

فان تولى أبو العباس مفتقدا

فلم يمت ذكره في الناس والكتب

انظر ترجمة الرجل في الإعلام ج ١ ص ٢٥٢ وبغية الوعاة ج ١ ص ٣٩٦ الرقم ٧٨٧ وتاريخ بغداد ج ٥ ص ٢٠٤ وأنبأه الرواة ج ١ ص ١٣٨ الرقم ٨٦ ونزهة الألباء ص ١٧٣ ط بغداد وتاريخ ابن كثير ج ١١ ص ٩٨ ووفيات الأعيان ج ١ ص ٣٠ ومعجم الأدباء ج ٥ من ص ١٠٢ الى ص ١٤٦ وتذكرة الحفاظ ج ٢ ص ٢١٤ وطبقات القراء ج ١ ص ١٤٨ الرقم ٦٩٢ والفهرست ص ١١٦ وآداب اللغة ج ٢ ص ١٨١ وتهذيب الأسماء واللغات للنووي ج ٢ ص ٢٧٥ الرقم ٤٥٧ والنجوم الزاهرة ج ٣ ص ١٣٣ وريحانة الأدب ج ١ ص ٢٣٩ الرقم ٥٩٤ ورغبة الأمل ج ١ ص ٤ وروضات الجنات ص ٥٦.

٦٤

يعضده قوله تعالى (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) وإلّا فليس فعول من التفعيل في شيء.

والطهور في العربيّة على وجهين صفة واسم غير صفة ، فالصفة ماء طهور كقولك طاهر ، والاسم كقولك لما يتطهّر به طهور ، كالوضوء والوقود لما يتوضأ به وتوقد به النار ، وقولهم تطهّرت طهورا حسنا كقولك وضوء حسنا ذكره سيبويه ومنه قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : لا صلاة إلّا بطهور ، أي بطهارة انتهى.

واعترضه النيشابوريّ بأنه حيث سلم أنّ الطهور في العربيّة على الوجهين اندفع النزاع ، لأنّ كون الماء ممّا يتطهر به هو كونه مطهرا لغيره ، فكأنه سبحانه قال وأنزلنا من السماء ما هو آلة للطهارة ، ويلزم أن يكون طاهرا في نفسه ، قال ومما يؤيد هذا التفسير أنه تعالى ذكره في معرض الانعام ، فوجب حمله على الوصف الأكمل ، وظاهر أنّ المطهر أكمل من الطاهر ، ونظيره قوله (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) انتهى ، ولا يخفى ان تسليمه ذلك على وجه لا يصح كون ذلك مرادا هنا إذ قد صرّح بكونه حينئذ اسما غير صفة أي لا يوصف به ، وذلك لأنّ أسماء الآلة كأسماء الزمان والمكان لا يوصف بها من المشتقّات كما هو المصرّح به في النحو ، فكيف يستلزم ذلك التسليم اندفاع النزاع ، على أنّ نزاعه هو في كون التطهير من مفهومه الموضوع له كما هو صريح قوله «فان كان ما قاله شرحا لبلاغته في الطهارة كان سديدا» وحينئذ لو صحّ التوصيف به وكان هو مرادا كان النزاع باقيا لتغاير مفهومي المطهّر وآلة الطهارة ، وإن تلازما هنا ، ولذلك لم يلزم مثل هذا التلازم في في نظيرهما كليا ، ولا صحّت نسبة الفعل إلى الآلة كذلك حقيقة ، بل ولا مجازا تدبر.

وأيضا إذ قد تبين أنّ المطهريّة لازم على التقديرين ، من غير أن يكون من المفهوم الموضوع له ، فلا يلزم كون الوصف بالآليّة أكمل ، بل الظاهر حينئذ أنّ البالغ في شدّة الطهارة إلى هذا الحدّ أبلغ من آلة الطهارة ، كيف لا؟ وطهارته في نفسه حينئذ من مفهومه الموضوع له ، بخلافه على ذلك ، بل قد ينظر في استلزامه عقلا أو شرعا ،

٦٥

وهذا أيضا أنسب ببقيّة الآية خصوصا على إرادة ماء المطر : كما هو الظاهر ، وصرّح به عامة المفسّرين فليتدبّر.

وفي معالم البغويّ : وذهب بعضهم إلى أنّ الطهور ما يتكرر منه التطهير ، كالصبور لمن يتكرّر منه الصبر ، والشكور لمن يتكرّر منه الشكر ، وهو قول مالك حتّى جوّزوا الوضوء بما توضّي به مرة ، وذهب أصحاب الرأي إلى أنّ الطهور هو الطاهر حتّى جوّزوا إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة ، مثل الخلّ وماء الورد والمرق.

وقال النيشابوري : هذا القول علم بين الفقهاء في الاستدلال على طهارة الماء في نفسه ، وعلى مطهريّته لغيره ، ولا يخفى أنّ الاستدلال بهذا على طهوريّة الماء مطلقا مشكل لما عرفت من ظهوره في ماء المطر ، وهو أنظف المياه وأطهره ، فوصفه بذلك خصوصا للفائدة المذكورة في بقيّة الآية لا يستلزم اتصاف غيره من المياه بذلك ، إلّا باعتبار الإجماع على طهوريّة مطلق الماء من غير فرق أو النصّ كقوله عليه‌السلام «خلق الماء طهورا (١)» والدليل حينئذ ذلك لا ما في الآية.

__________________

(١) الحديث رواه في المعتبر عن الجمهور بلفظ خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء الا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه ورواه في السرائر بعنوان المتفق على روايته وفي المدارك ص ٥ كونه من الاخبار المستفيضة ورواه في الوسائل بلفظ خلق الله الماء طهورا إلخ عن المعتبر وابن إدريس ورواه في المستدرك وغوالي اللئالي عن الفاضل المقداد بلفظ خلق الله الماء إلخ ولفظ الفاضل في كنز العرفان ج ١ ص ٣٩ الماء طهور لا ينجسه الا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه ورواه بدون الاستثناء بلفظ خلق مع رمز خ على كلمة الله.

ولم أظفر في الجوامع الحديثية لأهل السنة على الحديث بهذا اللفظ نعم أرسلوه في كتبهم في الفقه والتفسير وغيرهما كالرازي ج ٢٤ ص ٩٥ والمناوى في فيض القدير ص ٣١٢ ج ١ شرح الرقم ٥١٢ وجواهر الاخبار ذيل البحر الزخار ج ١ ص ٢٨ ومختصر المزني واحياء العلوم للغزالي ج ١ ص ١١٥.

واما أخبارهم المسندة فليس فيها لفظ خلق أو خلق الله الا ان فيها الماء طهور ان الماء طهور وأمثاله وكفى هذه الألفاظ أيضا فيما أراد المصنف إثباته من عدم اختصاص الحكم بالمياه المنزلة من السماء بالإجماع والاخبار لا بالاية فلا حاجة لنا بشرح اختلاف ألفاظ الأحاديث في ذلك الباب.

٦٦

نعم يمكن أن يستدلّ به على مزيّة قوّة التطهير لماء المطر أما الاستدلال بها على اختصاص الطهوريّة بالماء كما هو ظاهر جماعة من الشافعيّة ، فلا ، إلّا أن يقال : حيث ثبت في الشريعة أن الماء مطلقا طهور ، علم أنّ المراد هنا وصفه بالطهوريّة بحسب حقيقته ونوعه ، فينتفى عن غيره بالمفهوم ، فليتدبر.

ثمّ هذا عامّ يأتي على المعاني المعتبرة كلّها ، سواء البليغ في الطهارة ، والطاهر في نفسه المطهّر لغيره ، وغيره ، فلا ينفع في الفرار عن ذلك الحمل على البليغ في الطهارة كما ذهب إليه الحنفيّة ، وكأنّهم غفلوا عن مقتضى المبالغة فحملوه على الطاهر في الجملة [مع أنّ الماء يصحّ به إزالة النجاسة لوصفه بالطهورية قطعا] فلا يأتي حينئذ الاختصاص بالمفهوم ، للإجماع على طهارة غير الماء أيضا فليتأمل.

ثمّ لا يخفى مع ذلك أنّ الطهارة حكم شرعي لا بد فيه من دليل شرعي ليحكم بها بعد ثبوت النجاسة شرعا ، وذلك واضح ، مع استعمال الماء على وجهه للإجماع وغيره أما في غير الماء فلا ، وما يستدلّ به من الأمر المطلق بالغسل والتطهير المطلق من غير تقييد بالماء ففيه أنّ الظاهر من التطهير والغسل عرفا وشرعا إنّما هو بالماء فينصرف إليه.

على أنّه قد ورد التقييد في بعض الأخبار بالماء ، فينبغي حمل المطلق على المقيّد وإن لم يثبت عرف في ذلك ، فيعلم الشرع به ، على أنّ ذلك خلاف الاحتياط وكاد أن يكون خلاف الإجماع في ذلك الزمان على ما قيل فليتأمل.

ثم الأظهر أنّ المفسّرين لمّا وجدوا المقام مناسبا للبحث عن معنى الطهور وكون الماء طهورا بحثوا عنه ، وأوردوا مذاهب الفقهاء على حسب ما ناسب ذلك من غير أن يكون مدار مذهب كلّ في هذه المسائل على المراد بما في الآية ، هذا ، ولا يخفى أنّ الظاهر على الأقوال كلّها أنّه يصحّ استعماله للطهارة ، وأنه يفيدها ، فهو طاهر مطهّر يصح الطهارة به عن الحدث الأصغر والأكبر ، وإزالة الخبث به عن كلّ شيء إلّا ما أخرجه الدليل ، وأنّ الظاهر بقاء الطهارة والطهورية مع بقاء الاسم ، وإن استعمل أو تغيّر من نفسه ، أو بالامتزاج ، أو المجاورة ، حتّى يثبت المزيل ، والله أعلم.

٦٧

الأنفال (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ)(١).

كأنّ المراد بتطهير الله إيّاهم توفيقهم للطهارة ، وقيل : الحكم به بعد استعمال الماء على الوجه المعتبر ، و (لِيُطَهِّرَكُمْ) إما إشارة إلى إزالة الخبث (وَيُذْهِبَ) إمّا إلى إزالة الحدث ، أو إلى نوع منه ، أو منهما ، والأوّل إلى الكلّ ، غير ذلك أو مع ذلك فيكون الثاني تصريحا بما علم ضمنا أو الأمر على عكس الأوّل (٢) أو الأوّل إشارة إلى الكلّ كملا ، والثاني إلى رفع الوسوسة ، وعلى كلّ حال دلالتها على أنّ الماء طاهر مطهّر يتطهّر به من الأحداث والأخباث ظاهرة. [خصوصا على مقتضى سبب النزول كما يأتي.

أما الاستدلال على نفى إفادة غير الماء الطهارة لا من الحدث ولا من الخبث بدلالتها على الامتنان بإنزال الماء لتطهيرهم ، فلا يكون غير الماء مفيدا ذلك ، وإلا لكان ذكر الأعمّ أولى.

ففيه أن ذكر الماء ربّما كان تنصيصا للواقع ، مع كون الماء أقوى في هذا المعنى وأظهروا عمّ نفعا وأكثر. بل لم يكن يستجمع تلك الفوائد المقصودة المهمة إلّا الماء ، بل إنّما كان مطلوبهم خصوص الماء كما لا يخفى. وأيضا لو سلّم المفهوم حينئذ فغاية ما يلزم منه أن لا يكون غير الماء مطهرا مطلقا فتدبر].

وفي الكشّاف : رجز الشيطان وسوسته إليهم (٣) وتخويفه إيّاهم من العطش ، وقيل الجنابة لأنّها من تخييله ، وقرئ «رجس الشيطان» وذلك أنّ إبليس تمثّل

__________________

(١) الأنفال : ١١.

(٢) يعنى أن يذهب إشارة إلى إزالة الخبث وليطهر إشارة إلى إزالة الحدث.

(٣) انظر الكشاف ج ٢ ص ٢٠٣ وفي فقه اللسان لكرامت حسين من ص ٢٨٥ الى ص ٢٩١ ج ١ ما حاصله ان الوجس مصدر يحكى الصوت الخفي مثل الرجس والرجس القذر من ذلك الصوت الخفي الحادث للمستقذر وقد يعبر به عن الحرام والفعل القبيح والعذاب واللعنة والكفر والنجس مصدر فرعى مشتق من رجس صار أصلا في النجاسة بعد كونه حاكيا لصوت يسمع عند الاستقذار والرجز مصدر فرعى من رجس بمعنى الصوت الخفي من المستقذر ثم أطلق على القبيح شركا كان أو عبادة الأوثان ورجز الشيطان وساوسه.

٦٨

لهم ، وكان المشركون قد سبقوهم إلى الماء ، ونزل المؤمنون في كثيب أعفر تسوخ فيه الاقدام على غير ماء ، وناموا ، فاحتلم أكثرهم ، فقال أنتم يا أصحاب محمّد تزعمون أنكم على الحق وإنّكم تصلّون على غير وضوء وعلى الجنابة ، وقد عطشتم ، ولو كنتم على الحقّ ما غلبكم هؤلاء على الماء وما ينتظرون بكم إلّا أن يجهدكم العطش ، فاذا قطع العطش أعناقكم مشوا إليكم فقتلوا من أحبّوا وساقوا بقيّتكم إلى مكّة ، فحزنوا حزنا شديدا ، وأشفقوا.

فأنزل الله المطر فمطروا ليلا حتّى جرى الوادي ، واتخذ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأصحابه الحياض على عدوة الوادي وسقوا الركاب واغتسلوا وتوضّؤا ، وتلبّد الرمل الذي كان بينهم وبين العدوّ حتّى ثبتت عليه الاقدام ، وزالت وسوسة الشيطان ، وطابت النفوس.

وعلى القيل وقد ذهب إليه كثير فمع دلالته على رفع حدث الجنابة بخصوصه يدلّ أيضا على كون الاحتلام من الشيطان ويحتمل أن يراد به المنيّ لأنّ الظاهر من الرجز النجاسة العينيّة ويؤيّده قراءة رجس الشيطان.

البقرة (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ.)

المحيض جاء مصدرا كالمجيء والمبيت ، واسم زمان واسم مكان ، فالأوّل إمّا اسم مكان موافقا للثاني كما يأتي أو مصدر أريد به دم الحيض ، أو معناه المصدريّ لقوله (قُلْ هُوَ أَذىً) أى مستقذر يؤذي من يقربه نفرة منه وكراهة ، وفي الإتيان باسم الظاهر أوّلا ثمّ بضميره ثمّ بالأخبار عنه بالأذى ، تنبيه على غلظة نجاسته ، وتوضيح للحكم ، وللتفريع في قوله (فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ).

اعلم أنّه قد أجمع العلماء على جواز الاستمتاع بالحائض بما فوق السرّة وتحت الركبة ، وجواز مضاجعتها وملامستها ، وهذا يقتضي أن يكون المحيض الثاني اسم

٦٩

مكان ، وإلّا لاشتمل إطلاق الاعتزال على خلاف ما أجمع عليه كما لا يخفى.

ويؤيّده ما روي (١) أنّ أهل الجاهليّة كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يجالسوها على فرش ولم يساكنوها في بيت ، كفعل اليهود والمجوس ، فلما نزلت ، أخذ المسلمون بظاهر اعتزالهنّ فأخرجوهنّ من بيوتهم ، فقال ناس من الأعراب : يا رسول الله البرد شديد ، والثياب قليلة ، فان آثرناهنّ بالثياب هلك سائر أهل البيت ، وإن استأثرنا بها هلكت الحيّض! فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهنّ إذا حضن ، ولم يأمركم بإخراجهنّ من البيوت كفعل الأعاجم.

وقيل : إنّ النصارى كانوا يجامعونهنّ ولا يبالون بالحيض ، واليهود كانوا يعتزلونهنّ في كلّ شيء ، فأمر الله في الاقتصاد بين الشيئين ، وما رواه مسلم (٢) من أن اليهود كانوا يعتزلون النساء في زمان الحيض ، فسأل أصحاب النبيّ عن ذلك فنزلت ، فقال اصنعوا كلّ شيء إلّا النكاح.

ويؤيّد ذلك أيضا قوله (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ) من وجوه كما يأتي وقوله (فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ) فان إتيانهنّ جماعهنّ ، فيكون المراد النهى عن مجامعتهنّ في القبل ، وهو مذهب الأكثر منّا ومن العامة ، إلّا أن بعضا ـ مع حملهم المحيض على المصدر بتقدير أو اسم زمان ـ قالوا بذلك للروايات وبقيّة الآية وغيرها ، وأبو حنيفة وأبو يوسف أوجبا اعتزال ما اشتمل عليه الإزار ، وهو قول للمرتضى منّا (٣) ويؤيّد

__________________

(١) رواه في كنز العرفان ج ١ ص ٤٣ وفي المستدرك ج ١ ص ٧٧ عن غوالي اللئالى وجامع أحاديث الشيعة ج ١ ص ١٩٠ وأخرجه في الكشاف ج ١ ص ٢٦٥ والامام الرازي ج ٦ ص ٦٦ مع زيادة.

(٢) انظر صحيح مسلم بشرح النووي ج ٣ ص ٢١١ ورواه في الدر المنثور ج ١ ص ٢٥٨ عن أحمد وعبد بن حميد والدارمي ومسلم وابى داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابى يعلى وابن المنذر وابن ابى حاتم والنحاس في ناسخه وابن حبان والبيهقي في سننه ورواه في المنتقى بشرح نيل الأوطار ج ١ ص ٢٩٩ عن الجماعة إلا البخاري وفيه وفي لفظ الا الجماع والحديث طويل أخذ المصنف موضع الحاجة.

(٣) نقله عنه في المختلف ج ١ ص ٣٥ عن شرح الرسالة له.

٧٠

ما قدّمناه الأصل ، والاستصحاب ، والشهرة ، وروايات أخر من طرقنا ، وسهولة الجمع حينئذ بينها وبين ما يخالفها من بعض الروايات الدالّة على اجتناب ما اشتمل عليه الإزار ، بالحمل على الكراهة أو شدّتها ، كما هو المشهور (١) عندنا.

وفي الكشاف (٢) أنّ محمّد بن الحسن لم يوجب إلّا اعتزال الفرج ، وروى حديث عائشة أنّ عبد الله بن عمر (٣) سألها هل يباشر الرجل امرأته وهي حائض؟ فقالت : تشدّ إزارها على سفلتها ثمّ ليباشرها إن شاء ، وما روى زيد بن أسلم أنّ رجلا سأل النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ما يحلّ لي من امرأتي وهي حائض؟ قال : لتشدّ عليها إزارها ثمّ شأنك بأعلاها.

ثمّ قال محمّد : وهذا قول أبي حنيفة ، وقد جاء ما هو أرخص من هذا عن عائشة (٤) أنّها قالت يجتنب موضع شعار الدم ، وله ما سوى ذلك انتهى.

وعلى خلاف المشهور لا يمكن مثل هذا ، بل لا بدّ من طرح الروايات ، وظواهر الكتاب ، مع ضعف رواياتهم وقلّتها ، على أنها لا تدلّ أيضا على أنّ ذلك هو المراد بالآية ، بخلاف رواياتنا فينبغي حمل رواياتهم على السنّة كما لا يخفى ، وأيضا على قولهم مع قطع النظر عن ظهور الآية فيما قلنا ، وعدم صلوح رواياتهم مؤوّلا لظاهر القرآن ، يلزم الإجمال في القرآن ، مع كونه تبيان كلّ شيء ، وهو خلاف الأصل على كلّ حال ، وأيضا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة إذ مع رجحان رواياتنا دلالة

__________________

(١) انظر تعاليقنا على مسالك الافهام ج ١ ص ٩٤ وقد احتملنا هناك كون النهي للإرشاد إلى محافظة اتقاء موضع الدم ويؤيد ذلك ما في بعض ألفاظ الحديث عن عائشة وأيكم يملك إربه والارب بكسر الهمزة وسكون الراء العضو وبفتحهما بمعنى الحاجة وروى الحديث بالوجهين انظر فتح الباري ج ١ ص ٤١٩ وتفسير الخازن ج ١ ص ١٤٩.

(٢) الكشاف ج ١ ص ٢٦٥.

(٣) ترى الحديثين في الموطأ بشرح الزرقاني ج ١ ص ١١٥ وص ١١٦ وتنوير الحوالك ج ١ ص ٥٩ والدر المنثور ج ١ ص ٢٦٠ والدارمي ج ١ ص ٢٤٢.

(٤) انظر الدارمي ج ١ ص ٢٤٣ والدر المنثور ج ١ ص ٢٥٩ والمغني لابن قدامة ج ١ ص ٣٣٤.

٧١

وصحّة وكثرة ـ إن لم يترجّح ما قلنا ـ فلا أقلّ أن يتساويا فيتعارضان فيتساقطان فافهم.

وقوله (لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) بالتخفيف أي حتّى ينقطع حيضهنّ تأكيد للاعتزال ، وبيان لغاية وقته وتأييد للمشهور كما قلنا من وجوه :

منها أنّ الظاهر من مقاربتهنّ عرفا مجامعتهنّ ، فلا يوافق المعنى الثاني ، فلو أريد كان خلاف الظاهر ، مع ما تقدم.

ومنها أنّ الحكم بالاعتزال على الثاني لا يشمل ما بعد زمان الحيض بوجه ، فكان منتهاه معلوما فيلغو قوله (حَتَّى يَطْهُرْنَ) وعلى ما قلناه ليس كذلك ولو سلم أنّ في التعبير بالمحيض نوع إشعار إلى المدّة لكن ليس بصريح الكلام كما في قولهم.

ومنها أنّ هذا مع إفادته التأكيد يفيد نوع توضيح للمدّعى على قولنا لا على ما قالوا ، وذلك لاحتمال الخلاف لفظا فافهم.

وقرئ «يطهّرن» بالتشديد أي يغتسلن ، والجمع بحمل هذا النهي على الكراهة كما هو المشهور عندنا وجه واضح ، لقرب النهي من الكراهة ويدلّ عليه بعض رواياتنا ، وفيه الجمع بين الروايات أيضا وحينئذ فيحتمل أن يراد التحريم قبل الانقطاع بقرينة ما تقدم ، والكراهة بعده حتّى يغتسلن ، وأن يراد المرجوحيّة المطلقة أو غير الواصل إلى حدّ التحريم أي الكراهة باعتبار الانتهاء إلى الاغتسال نظرا إلى أنّ المجامعة جائزة في الجملة ولو بعد الانقطاع ، ويكفي ذلك ، فلا يجب قصد خصوص التحريم بوجه فافهم.

وحينئذ ينبغي حمل (فَأْتُوهُنَّ) على الإباحة بمعنى رفع التحريم والكراهة ، بقرينة ما تقدم ، أو الإباحة بالمعنى الخاصّ.

ومن أصحابنا (١) من قال بالجمع بحمل تطهّر على طهر كتكبّر في صفاته تعالى بمعنى كبر ، وتطعّمت الطعام بمعنى طعمته ، وقد يجمع بحمل قراءة التخفيف على قراءة التشديد ، إما بترك مفهوم الغاية بقرينة قوله (فَإِذا تَطَهَّرْنَ) وهو ظاهر

__________________

(١) انظر تعاليقنا على كنز العرفان ج ١ ص ٤٣ و ٤٤.

٧٢

الكشاف ، حيث قال : التطهّر الاغتسال ، والطهر انقطاع دم الحيض ، وكلتا القراءتين ممّا يجب العمل به ، ثمّ قال : وذهب الشافعي إلى أنّه لا يقربها حتّى تطهر وتتطهر فيجمع بين الأمرين ، وهو قول واضح ، ويعضده قوله (فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ) انتهى ولا يخفى ما فيه.

أو بحمل يطهرن مخفّفا على معنى ينظفن بالاغتسال بعد الانقطاع بقرينة القراءة الأخرى ، وقوله (فَإِذا تَطَهَّرْنَ). أو على معنى نفس الاغتسال بعد الانقطاع ، وهو ظاهر القاضي. وفي مجمع البيان : ومنهم من قال إذا توضّأت أو غسلت فرجها حلّ وطؤها ، عن عطاء وطاوس ، وهو مذهبنا انتهى.

ولا نعرف كون الوضوء غاية التحريم مذهبا لأحد من أصحابنا سواه في هذا الكتاب أمّا غسل الفرج فالمعروف المشهور أنّه غاية لشدّة الكراهة أو أصلها عند الشبق ، وهو مقتضى الجمع بين الروايات عندنا ، ولا نعرف كونه غاية للحرمة قولا لأحد منّا إلّا هذا ، وما قاله في المعتبر إنّ من الأصحاب من أورد ذلك بلفظ الوجوب فلا يبعد أن يكون أراد هذا ، والله أعلم.

ثمّ الظاهر أنّ ذلك بحمل قراءة التشديد على ما يعمّ الاغتسال والوضوء وغسل الفرج ، وحينئذ فاما أن تحمل القراءة الأخرى على نحو ذلك أو على ظاهرها باعتبار أنّ المجامعة قد حلّت وصار المحلّ صالحا ، وإن توقّف على شرط فتأمّل وتنبّه ره لما هو أحسن الوجوه لو لا بعض الروايات ، والشهرة ، حتّى كاد أن يكون إجماعا عندنا.

وكلام ابن بابويه ليس صريحا في الخلاف ذهابا إلى ما قاله الشافعيّ ، ولا يبعد كونه مراد الكشّاف ، ووجها للجمع على قول الشافعيّ أما ما ذهب إليه أبو حنيفة كما في الكشّاف من أنّ له أن يقربها في أكثر الحيض بعد انقطاع الدم ، وإن لم تغتسل وفي أقلّ الحيض لا يقربها حتّى تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة كامل ، فهو أبعد الوجوه ، لا شاهد له في العقل والنقل ما يعتدّ به.

ثمّ قوله (فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ) أي جامعوهنّ ، وفيه من تأييد كون الاعتزال

٧٣

عن المجامعة لا غير ، ما لا يخفى ، فالأمر للإباحة بمعنى رفع التحريم على قول الشافعي وابن بابويه إن صحّ عنه ذلك ، وكذا على قول من لا يستفيد الكراهة من الكتاب من أصحابنا ، لكن ظاهرا وعلى المشهور عندنا بمعنى رفع المرجوحيّة المطلقة الشاملة للتحريم والكراهة مطلقا ، أو رفع خصوص الكراهة والتحريم مطلقا ، أو على قراءة التشديد فقط ، وعلى التخفيف رفع التحريم وفيه تأمل أو بمعنى الإباحة بالمعنى الأخصّ مطلقا على المذاهب فتأمل.

قيل : الأمر ليس هنا للوجوب مطلقا بل قد يكون له كما لو كان قد اعتزلها أربعة أشهر آخرها أوّل زمان الانقطاع والغسل ، وكذا لو وافق انقضاء مدّة التربّص في الإيلاء والظهار ، وقد يكون للندب كما في اقتضاء الحال ذلك ، فهو إذن لمطلق الرجحان ، وفيه نظر من وجوه لا يخفى.

(مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ) أي من قبل الطهر لا من قبل الحيض ، عن السدّي والضحّاك ، وقيل : من قبل النكاح دون الفجور عن ابن الحنفية وقال الزّجاج ، معناه من الجهات الّتي يحلّ منها ، ولا تقربوهنّ من حيث لا يجوز من كونهنّ صائمات أو محرمات أو معتكفات ، وقال الفرّاء ولو أراد الفرج لقال «في حيث» فلما قال (مِنْ حَيْثُ) علمنا أنه أراد من الجهة الّتي أمركم الله منها كذا في مجمع البيان.

وفي الكشاف والقاضي من المأتي الذي أمركم الله به وحلّله لكم ، وهو القبل ، وقيل من حيث أمركم الله بتجنّبه ، وهو محلّ الحيض أعنى القبل ، وما في مجمع البيان أوضح وأنسب كما لا يخفى.

(إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) ممّا وقع منهم من المناهي نهى تحريم أو تنزيه سيّما عمّا نهاه هنا بقرينة المقام ، ولا يوجب التخصيص ، فكذا (وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) أي المتنزّهين عمّا اجتنابه نزاهة ونظافة ، فيدخل فيه كلّ مكروه وحرام ، وترك كلّ مستحبّ وواجب ، خصوصا ما تقدّم في المقام ، وهنا أقوال أخر عامّتها تخصيص وتقييد.

٧٤

التوبة (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا.)

النجس : القذر ، قيل في الأصل مصدر ، ولذلك لا يثنّى ولا يجمع ، ولا يؤنّث وفيه نظر ، وإذا استعمل مع الرجس كسر أوّله ، يقال رجس نجس ـ بكسر أوّلهما وسكون الجيم ـ وهو تخفيف ، نحو كبد في كبد قاله الفراء وقرئ به شاذا قال في الكشاف (١) على تقدير حذف الموصوف كأنّه قيل : إنّما المشركون جنس رجس أو ضرب نجس ، وأكثر ما جاء تابعا لرجس.

لا يخفى أنّ هذا وما تقدّم يقتضي أن يقدّر له الموصوف رجس فكأنّه قيل إنّما المشركون رجس نجس ، فيكون أبلغ وأفيد وأظهر ، وظاهر «إنّما» الحصر ، فكأنّه قيل : ليس المشركون إلّا نجسا ، والغرض المبالغة في نجاستهم ، أو الحصر إضافيّ بالنسبة إلى الطهارة ، والأوّل أبلغ ، وإن كان كلاهما غير خارج عن مقتضى اللفظ والمقام.

وقال فخر الدين الرازي (٢) : حصر الله تعالى في هذه الآية الشريفة النجاسة في المشركين ، أي لا نجس غيرهم ، وعكس بعض الناس ذلك ، وقال لا نجس إلّا المسلم حيث ذهب إلى أنّ الماء الذي استعمله المسلم في رفع الحدث مثل الوضوء والغسل نجس ، بخلاف الماء الذي استعمله المشرك ، فإنّه طاهر لعدم إزالة حدثه ، وأراد به أبا حنيفة فإنّه الذي ذهب الى ذلك كما هو المشهور ، وفيه تعريض عظيم عليه ، حيث قال : إنّه عكس قول الله سبحانه.

لكن لا يخفى أنّ كلامه هو ، أظهر في عكس قوله تعالى ، لأنه سبحانه حصر المشركين في النجاسة ، وقد جعله هو حصر النجاسة في المشركين ، فهو أولى بهذا التشنيع ، وإن توجّه نحوه على ابى حنيفة على أبلغ وجه ، خصوصا على القول بأنّ الحصر إضافيّ ، فإنّ مفاده أنّ المشرك بصفة الشرك ليس له من صفتي الطهارة و

__________________

(١) انظر الكشاف ج ٢ ص ٢٦١.

(٢) انظر تفسيره ج ١٦ ص ٢٥ وما نقله المصنف مضمون كلامه وليس عين لفظه.

٧٥

النجاسة إلّا النجاسة ، وقد عكس هو ذلك ويقول : ليس له منهما إلّا صفة الطهارة. حيث يقول بطهارته وطهارة ما استعمله مع قوله بنجاسة ما استعمله المسلم في وضوء أو غسل ، ولعلّ هذا أوضح.

وكلام الفخر هذا يدلّ على أنّ مذهبه نجاسة المشركين نجاسة عينيّة كما هو الظاهر المتبادر لغة وعرفا فهو صريح القرآن ، مع ما في قوله (فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ) من تأييد ذلك. وكذا قراءة نجس التابع غالبا لرجس ، كما تقدّم ، حتّى صار بمنزلة النصّ ، خصوصا عند عدم دليل على خلافه ، فيجب الحمل عليه ، وهو المرويّ (١) عن أهل البيت عليهم‌السلام ومذهب شيعتهم الإماميّة ، ويروى (٢) عن الزيديّة أيضا.

وفي الكشاف : معناه ذو نجس ، لأنّ معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس ، ولأنهم لا يتطهّرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات ، فهي ملابسة لهم ، أو جعلوا كأنّهم النجاسة بعينها مبالغة في وصفهم بها ، وعن ابن عباس أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير ، وعن الحسن من صافح مشركا توضّأ أي غسل يده ، وأهل المذاهب على خلاف هذين القولين ، أي قول ابن عباس والحسن ، وإن كان مفادهما واحدا.

ولا يخفى أنّه لا يجوز العدول عن صريح القرآن إلّا بما هو مثله أو أقوى منه عقلا ونقلا ، وظاهره (٣) أن لا دليل عليه إلّا اتّفاق أهل المذاهب الأربعة على خلاف صريح القرآن ، وإلّا كان ينبغي أن يشير إليه.

أما قوله لأنّ إلخ يريد به بيان وجه التجوّز وعلاقة المجاز ، فكأنه لما رأى كلام أهل المذاهب لا يقبل التأويل ، ولا يجوز الحكم ببطلانه عنده ، فاحتيج إلى إبطال صريح القرآن ، فلما أبطله بتأويله بما لا يخالف مذهب الأئمّة أراد بيان صحّة

__________________

(١) انظر جامع أحاديث الشيعة الباب ١٣ من أبواب النجاسات ج ١ ص ٤٢ وص ٤٣.

(٢) انظر البحر الزخارج ١ ص ١٢ وانظر أيضا تعاليقنا على مسالك الافهام ج ١ ص ١٠١

(٣) اى الكشاف.

٧٦

هذا التجوّز حذرا من إبطاله بالكليّة وتصحيحا لما ذهب إليه من التجوّز بعد إبطال الحقيقة ، فقال لأنّ إلخ.

وفي البيضاوي (١) : أو لأنّهم لا يتطهّرون ولا يجتنبون عن النجاسات ، فهم ملابسون لها غالبا ، وفيه دليل على أنّ ما الغالب نجاسته نجس ، انتهى.

اعلم أنّ ظاهر القاضي حيث لم يفسّر «نجس» بذي نجس ، وقال فلا يقربوا المسجد الحرام لنجاستهم ، أنّ لفظة نجس عنده باق على حقيقته ، وأنّ المشركين نجس حقيقة لكن توهّم هذه الوجوه دلائل للنجاسة ، وعللا لها ويدلّ على الأمرين قوله «وفيه دليل» إلخ ، وأنت خبير بأنّ نجاستهم تخالف قول أئمّتهم الأربعة وأنّ هذه وجوه التجوّز وطاهر أنّها لا تصلح عللا للحكم ، ولا دلائل له ، فايرادها في مقام التعليل للحكم خطأ.

ثمّ ظاهر أنّ تسميتهم بالنجاسة مبالغة للغلبة ، لا يوجب كونهم نجسا حقيقة فضلا عن نجاسة غيرهم لغلبتها فيهم ، بل لا يلزم صحّة الإطلاق على غيرهم مجازا ، لعدم اطّراد المجاز.

نعم إذا قيل بالنجاسة حقيقة ولم يعلم لها مقتض إلّا الغلبة ، بل علم أن لا مقتضى غيرها وقيل بصحّة القياس ، أمكن الاستدلال به على نجاسة الغير إذا وجد فيه تلك الغلبة أو أقوى منها ، إذ ربّما يكون مرتبة خاصة منها علّة دون ما دونها ، وأين ذلك عمّا قال.

وأيضا يلزم أن يكون المسلم الغالب نجاسة بدنه نجسا ، فيجب اجتنابه مطلقا ويصحّ تنجيسه حقيقة ، وليس كذلك وإلّا لزم أن يكون المسلم أنجس من المشرك وأسوأ حالا ، لأنه يطهر بالإسلام ، وليس الإسلام يطهّره ، لأنه نجس مع كونه مسلما وتحصيل الحاصل محال ، وإيجاب الكفر لتجديد الإسلام أقبح شيء ، خصوصا إذا كان عن فطرة فتأمّل ، فلعلّه توهّم النجس أعمّ من المتنجّس ، ومع فساد ذلك يأتي

__________________

(١) انظر البيضاوي ج ٢ ص ٢٨١ ، ط مصطفى محمد.

٧٧

فيه بعض ما تقدّم فتفكّر.

ثمّ الظاهر من المشرك من أثبت لله شريكا ، فهو غير الموحّد ، فلا يدخل الموحّد الكتابيّ ، ويحتمل كون الجميع مشركين لقوله تعالى (وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ) إلى قوله (سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) كما قاله كثير من الأصحاب ، وصاحب الكشّاف أيضا في غير هذا الموضع فتأمل ، فيكون الجميع نجسا فينجس ما يباشرونه من المائعات الّتي تنجس بملاقاة النجاسة وغيرها مع الرطوبة.

فقوله «طعامهم حلّ لكم» (١) يراد به الحبوب كما هو المشهور ، ووردت به الرواية أو يراد به أنّ طعامهم من حيث أنّه طعامهم غير حرام ، بل انّما يحرم منه ما تنجّس بالملاقاة للنجاسة ، فإن قبل الطهارة حلّ أيضا أو عندها فافهم.

ولا يجوز لهم دخول المسجد الحرام كما هو صريح قوله (فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ) إن كان تعلّق النهي بالقرب للمبالغة والتأكيد ، وإلّا فيحرم دخولهم الحرم أيضا ، وهو أقرب من قول عطاء أنّ المراد بالمسجد الحرام الحرم ، وإن أيّده بقوله تعالى (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ).

وصاحب اللّباب خلط بينهما (٢) وأبعد شيء قول أبي حنيفة أنّ النهى عن الحجّ والعمرة لا عن الدخول مطلقا ، لقول عليّ عليه‌السلام حين نادى ببراءة «ألا لا يحجّ بعد عامنا هذا مشرك» حتّى أنّه جوز للمشركين دخول المسجد الحرام لغير الحجّ والعمرة ، وغير خفيّ على ذي مسكة أنّ الخبر غير مناف لتحريم دخولهم المسجد الحرام الذي هو صريح الآية ، فلا يجوز العدول عنه.

ولو قلنا إنّ ظاهر الحال يقتضي أن يكون ذلك من مقتضى الآية ، فإنّه لا يستلزم ما قاله ، بل لعلّه لقطع تعلّقهم من دخول المسجد أو الحرم أيضا ، لاستلزام الحجّ والعمرة دخول المسجد والحرم ، أو لأنّ الحاجّ والمعتمر يقربان من دخول

__________________

(١) يعني في قوله تعالى «وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ».

(٢) انظر تفسير الخازن ج ٢ ص ٢١٢.

٧٨

المسجد والحرم ، لاقتضاء حالهما ذلك فافهم.

وهنا أحكام أخر منها أنّ الكافر مكلّف بالفروع ، ومنها عدم جواز إدخال مطلق النجاسة المسجد الحرام للتفريع كما ذهب إليه العلّامة في المساجد مطلقا ، ويؤيّده وجوب تعظيم شعائر الله وما روى عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله جنّبوا مساجدكم النجاسة (١).

وما يقال من أنّ الآية ليست صريحة لاختصاص الحكم بنجاسة الشرك ولم يثبت وجوب تعظيم الشعائر إلى هذه المرتبة ، والرواية لا يعرف سندها فضلا عن صحّتها.

ففيه أنّ الظاهر أنّ وصف النجاسة هو علّة حرمة القرب من المسجد ، ويؤيّده أصل قلّة الحذف في الكلام ، وأنّ تعليق الحكم بالوصف المناسب يدلّ على علّيته ، والظاهر عدم انضمام علّة العلّة في التفريع على العلّة والتعليل بها على أنّ الأصل عدم مدخليّة غير ما علم من التعليق.

وأما الخبر فمشهور جدا معمول عليه عند الخاصّة والعامّة مع روايات أخر يعضدها.

وأكثر الأصحاب على اختصاص الحرمة بالمتعدّي حملا لما تقدّم على ذلك لبعض الروايات ، وأنّ ذلك يتحقّق به تعظيم الشعائر وتجنيب المسجد النجاسة فتأمّل فيه.

ومنها عدم تمكين المسلمين لهم من ذلك ، بمعنى منعهم ، حتّى قيل : هو المراد بالنهي ، ويقتضي ذلك تصدير الآية بيا أيّها الّذين آمنوا ، وبيان كون المشركين نجسا لهم ، وقوله تعالى بعد ذلك (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً).

ومنها إزالة النجاسة عنه مطلقا كما ينبّه عليه ما تقدّم في الحكمين المتقدّمين.

ومنها منع الكلب والخنزير من دخول المسجد الحرام كذلك ووجوب الإخراج وكذلك المرتدّ وغيره من الكافر الموحّد على القول بنجاستهم.

__________________

(١) راجع البحث في الحديث تعاليقنا على مسالك الافهام ج ١ ص ١٠٣ وعلى اى فالحديث وان كان مرسلا لكنه منجبر بعمل الأصحاب حيث انهم استندوا في الحكم الى الحديث.

٧٩

ومنها تعميم الحكم لباقي المساجد كما ذهب إليه مالك ، وهو غير صريح الآية فيحتاج إلى دليل ، وذهب الشافعيّ إلى الاختصاص بالمسجد الحرام ، وأجاز دخولهم في غيره ، ثمّ قوله (بَعْدَ عامِهِمْ هذا) في الكشّاف بعد حجّ عامهم هذا ، ولا يخفى عدم الاحتياج إلى هذا التقدير مع كونه خلاف الأصل ، وذلك العام قيل سنة حجّة الوداع والأصحّ أنّه سنة تسع من الهجرة ، حين بعث النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أبا بكر ببراءة ثمّ أمر الله بعزله وألّا يؤدّيها عنه إلّا هو أو رجل منه ، فبعث عليّا عليه‌السلام.

المائدة (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ).

في المجمع : الخمر عصير العنب المشتدّ ، وهو العصير الذي يسكر كثيره ، وعن ابن عباس أنّ المراد جميع الأشربة الّتي تسكر ، وهذا هو الذي تقتضيه روايات أهل البيت عليهم‌السلام ، والميسر القمار ، والأنصاب أحجار أصنام كانوا ينصبونها للعبادة ويذبحون عندها ، والأزلام هي القداح الّتي كانوا يستقسمون بها ، والرّجس بالكسر القذر والمأثم ، وكلّ ما استقذر من العمل ، والعمل المؤدّي إلى العذاب ، قاله في القاموس.

والظاهر أنّه حقيقة في الأوّل دون البواقي وإفراده هنا لأنه جنس ، أو لأنه خبر للخمر ، وخبر البواقي محذوف من جنسه ، لدلالته عليه ، أو خبر للمضاف المحذوف أي تعاطى الخمر إلخ ، واحتمل كونه خبرا عن كلّ واحد من عمل الشيطان لأنه نشأ من تسويله وتزيينه ، وهو صفة أو خبر آخر.

(فَاجْتَنِبُوهُ) أي ما ذكر ، أو تعاطيها ، أو الرجس ، أو عمل الشيطان ، أو كلّ واحد (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) سبب الاجتناب.

وفي الآية في تحريم الخمر والميسر وجوه من المبالغة من مخاطبتهم أولا ب (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) والإتيان بانّما الدالّ على حصر الأوصاف بل الحقيقة أيضا ، والمقارنة للانصاب المشعر بالكفر المحض ، والأزلام الّتي هي من شعار الكفّار ، والتقديم عليهما وتسميتها رجسا ، وجعلها من عمل الشيطان المؤذن بأنّها شرّ محض.

٨٠