آيات الأحكام

محمد بن علي الاسترابادي

آيات الأحكام

المؤلف:

محمد بن علي الاسترابادي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مكتبة المعراجي
الطبعة: ٠
الصفحات: ٣٩٢
  نسخة غير مصححة

البأس اتّقينا برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فلم يكن أحد منّا أقرب إلى العدو ، يريد إذا اشتدّ الحرب.

(أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا) في الدّين أو واتّباع الحقّ وطلب البرّ أو أعم (وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) عن الكذب وغيره من المعاصي ، أو عن الكفر وسائر المعاصي أو والرذائل كما في تفسير القاضي ، أو عن نار جهنّم وسائر العقوبات ، فربّما كان فيه بل في أولئك الّذين صدقوا أيضا دلالة على وجوب ما تقدّم اللهم إلّا أن يحمل الحصر على المبالغة ، أو على أنه بالإضافة إلى أهل الكتاب.

ولعل هذه الدلالة هي مستند المجمع ، وفي هذه الآية دلالة على وجوب إعطاء مال الزكاة المفروضة بلا خلاف فتأمل.

أمّا الحثّ والترغيب وكثرة الفوائد فيها فلا خفاء فيه حتى قيل الآية جامعة للكمالات الإنسانية بأسرها دالّة عليها صريحا أو ضمنا فإنّها بكثرتها وتشعّبها منحصرة في ثلاثة أشياء : صحّة الاعتقاد وحسن المعاشرة وتهذيب النفس ، وقد أشير إلى الأوّل بقوله (مَنْ آمَنَ) إلى (وَالنَّبِيِّينَ) وإلى الثاني بقوله و (آتَى الْمالَ) إلى (وَفِي الرِّقابِ) وإلى الثالث بقوله (وَأَقامَ الصَّلاةَ) إلى آخرها ؛ ولذلك وصف المستجمع لها بالصدق نظرا إلى إيمانه واعتقاده ، وبالتقوى باعتبار معاشرته للخلق ومعاملته مع الحقّ ، وإليه أشار عليه‌السلام بقوله من عمل بهذه الآية فقد استكمل الايمان (١).

واستدل أصحابنا بهذه الآية على أنّ المعنىّ بها أمير المؤمنين عليه‌السلام لأنّه لا خلاف بين الأمّة أنّه كان جامعا لهذه الخصال ، فهو مراد بها قطعا ، ولا قطع على كون غيره جامعا ولهذا قال الزّجاج والفراء انها مخصوصة بالأنبياء المعصومين ، لأن هذه الأشياء لا يؤديها بكلّيتها على حق الواجب فيها إلّا الأنبياء كذا في المجمع (٢) فلعلّ المراد أنه عليه‌السلام هو المعنيّ بها من امة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قطعا فافهم.

__________________

(١) أخرجه البيضاوي ج ١ ص ٢١٣ ط مصطفى محمد.

(٢) انظر المجمع ج ١ ص ٢٦٤.

٣٢١

الثانية حم السجدة [٧] (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ) المفروضة ، وفيه دلالة على أن الكفّار مخاطبون بالفروع ، وأن الزكاة واجبة عليهم وإن لم تصحّ منهم حال الكفر ، وسقط عنهم بالإسلام للإجماع والأخبار (١) فإنّ الظاهر كما هو المشهور أنّ تعليق الحكم بالوصف يشعر بالعلية ، فيستفاد أن لعدم إتيانها تأثيرا في ثبوت الويل لهم.

وقيل معناه لا يطهرون أنفسهم من الشرك بقول «لا إله إلا الله» فإنها زكاة الأنفس وطهارتها من نجاسة الشرك عن عطا عن ابن عباس ، وقال الفراء الزكاة هنا أنّ قريشا كانت تطعم الحاجّ وتسقيهم ، فحرّموا ذلك على من آمن بمحمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله وقيل معناه لا يقرّون بالزكاة ولا يرون إيتائها عن الحسن وقتادة.

(وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ) حال مشعرة بأنّ امتناعهم عن الزكاة لاستغراقهم في طلب الدنيا وإنكارهم للآخرة ، وكأنّ من قال بدلالة الآية على كفر مستحلّها قال من ههنا ، باعتبار القول الأخير بل على الأول أيضا ، لأنّ من المعلوم أن تركهم لها كان على جهة الاستحلال كما هو شأن المشرك.

ويفهم من الجملة الحالية أيضا مع العلّية لكن فيه أن غاية ما يلزم أن يكون علة ترك المشركين بها الكفر أما مطلقا فلا ، وربّما أيّده الحصر في الحالية وكذا كونها مقيدة فليتأمل.

نعم في الروايات ما يدلّ على أن مانع الزكاة غير مؤمن ولا مسلم ، فليتدبر.

الثالثة في التوبة [٣٦] (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ) الكنز في الأصل مصدر بمعنى جمع الشيء بعضه إلى بعض ثمّ قيل لذلك الشيء ، ويقال للمال المدفون كثيرا ، والمراد هنا الأوّل.

(الذَّهَبَ) سمّي به لأنه يذهب ولا يبقى (وَالْفِضَّةَ) فضّة لأنّها تنفض وتتفرّق ، فلا يبقى وحسبك بالاسمين دلالة على فنائهما.

__________________

(١) انظر تعاليقنا على مسالك الافهام ج ٢ من ص ١٤ الى ص ١٦ في حديث «الإسلام يجب ما قبله».

٣٢٢

(وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ) توحيد الضمير مؤنثا إما لأنّ كل واحد منهما جملة واحدة ، وعدة كثيرة ، فالمجموع كذلك ، أو لأنها للكنوز والأموال المدلولة أو للفضّة اقتصارا بها لقربها ، وفهم حكم الذهب بالطريق الأولى أو هو كقوله «فانّى وقيّار بها لغريب» (١) أي وقيار كذلك.

وقيل إنّ الذهب جمع واحده ذهبة (٢) فهو مؤنث ، وإن كان الجمع الذي ليس بينه وبين واحدة إلّا الهاء يذكر ويؤنث ، فلما اجتمعا في التأنيث وجعلا كالشيء الواحد ردّ الضمير إليهما بلفظ التأنيث ، وقد يكتفي بتأنيث الفضة أيضا إذا جمعا فتأمل.

(فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) أي فيقال فيهم ذلك وفي الكشاف : يجوز أن يكون الذين يكنزون إشارة إلى الكثير من الأحبار والرهبان ، للدلالة على خصلتين مذمومتين فيهم أخذ البراطيل وكنز الأموال والضّنّ بها عن الإنفاق في سبيل الخير ويجوز أن يراد المسلمون الكانزون غير المنفقين ، ويقرن بينهم وبين المرتشين من

__________________

(١) البيت لضابئ بن الحرث البرجمي قاله حين حبسه عثمان لما هجا بنى نهشل وصدره «ومن يك أمسى بالمدينة رحله» أنشده في الكشاف عند تفسير الآية ج ٢ ص ٢٦٨ وج ١ ص ٦٢٩ عند تفسير الآية ٣٦ من سورة المائدة والسر في توحيد الضمير في ليفتدوا به. وقيار اسم فرسه وقيل جمله وقيل غلامه.

والبيت من شواهد سيبويه ج ١ ص ٣٨ وأنشده ابن الأنباري ص ٩٤ الشاهد بالرقم ٤٦ في المسئلة ١٣ من مسائل الخلاف والاشمونى بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ج ١ ص ٥٠١ الشاهد بالرقم ٢٧٤ والكامل للمبرد ط مصطفى البابى الحلبي ص ٢٧٦.

وكلام أهل الأدب في إفراد كلمة لغريب طويل من شاء فليراجع المصادر التي سردناها وكذا المغني في العطف على المحل من الباب الرابع وفيما إذا دار الأمر بين كون المحذوف أولا أو ثانيا من الباب الخامس.

(٢) وهذا القسم من الكلمة مما تضمن معنى الجمع دالا على الجنس وله مفرد مميز عنه بالتاء أو ياء النسبة كتفاح وسفرجل وبطيخ وتمر وحنظل ومفردها تفاحة وسفرجلة وبطيخة وتمره وحنظلة ومثل عرب وترك وروم ويهود ومفردها عربي وتركي ورومي ويهودي يسمى في اصطلاح أهل الأدب باسم الجنس الجمعى وبذلك يظهر معنى قول السيوطي في شرح الألفية : ثم الكلم على الصحيح اسم جنس جمعى.

٣٢٣

اليهود والنصارى تغليظا ، ودلالة على أنّ من يأخذ منهم السحت ومن لا يعطى منكم طيب ماله سواء في استحقاق البشارة بالعذاب الأليم.

وهذا يقتضي تعلّق البشارة بالأحبار والرهبان و «الّذين» جميعا ، وكأنه على نصب «الّذين» عطفا على اسم إنّ ، والظاهر رفعه على الاستيناف ، وان يعمّ المسلمين وغيرهم على كلّ حال ، ورجوع البشارة إلى الّذين لا غير ، لأنّ أنّ باعتبار «كثيرا» قد وجد الخبر وتمّ ، فان جاز مع ذلك فعلى بعد وتكلّف.

(يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ) في القاموس حمى الشمس والنار حميا وحميا اشتدّ حرّهما ، وأحماها الله ، وكأنّه قد ضمّن معنى الإيقاد أي يوم يشدّ في حرّ النار وتوقد عليها ، ولو قال يوم تحمى أي الكنوز مثلا من حمى الميسم وأحميته لم يعط هذا المعنى وإنّما ذكّر الفعل مع أنّ الأحماء للنار لأنّه أسند إلى الجار والمجرور ويوم ظرف لعذاب أو صفة له ، قيل أو لأليم ظرفا أو صفة أو لهما ويمكن كونه ظرفا لبشّره على بعد (فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ) وجّه تخصيص تلك الأعضاء بوجوه وقيل معناه يكوون على جميع البدن ، لأنّ الجبهة كناية عن الأعضاء المقاديم ، والجنوب عن الايمان والشمائل والظهور عن المآخير.

(هذا ما كَنَزْتُمْ) على إرادة القول ، وهذا إشارة إلى ما يكوى به.

(لِأَنْفُسِكُمْ) أي كنزتموه لتنتفع به نفوسكم وتلتذّ ، وها هي تتضرّر به وتتعذّب.

(فَذُوقُوا) وبال (ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) أو وبال كونكم كانزين أو هذا إشارة إلى الكيّ والعذاب ، وجعل ما كنزوا مبالغة في سببيّته له ، حتّى كأنّه هو فافهم.

وقرئ «يكنزون» بضمّ النّون (١) والآية ظاهرة في تحريم الكنز وعدم الإنفاق ، وقيل نسخت بالزكاة ، وفيه أنّه لا منافاة على أنّ الأصل عدم النسخ فيحتاج الى دليل وقيل ثابتة ، وإنّما عني بترك الإنفاق في سبيل الله منع الزكاة.

__________________

(١) نقله الالوسى ج ١٠ ص ٧٩ فهو من باب ضرب وقعد ونقله ابن خالويه في شواذ القرآن ص ٥٢ عن يحيى بن يعمر وابى السمال.

٣٢٤

عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله (١) ما ادّى زكوته فليس بكنز وإن كان باطنا ، وما بلغ أن يزكّى فلم يزكّ فهو كنز ، وإن كان ظاهرا. وعنه عليه‌السلام (٢) ما من عبد له مال لا يؤدى زكوته إلّا جمع يوم القيمة صفائح يحمى عليها في نار جهنّم فتكوى بها جبينه وجبناه وظهره ، حتّى يقضي الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ممّا تعدّون ثمّ يرى سبيله إمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النّار. أورده مسلم في الصحيح.

فتكون الآية حينئذ إشارة إجمالا إلى وجوب الزكاة في الذهب والفضة ، والبيان موكولا إلى السنّة المطهّرة فبدلائل اختصاص وجوبها بما تجب فيه تخصّ عمومات في الآية.

وروى محمّد بن يعقوب (٣) عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن محمّد بن سنان عن معاذ بن كثير قال : سمعت أبا عبد الله عليه‌السلام يقول موسّع على شيعتنا أن ينفقوا مما في أيديهم بالمعروف ، فاذا قام قائمنا حرم على كلّ ذي كنز كنزه حتّى يأتيه فيستعين به على عدوّه ، وهو قول الله عزوجل في كتابه (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ).

وربما كان في زمن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله كذلك مع الاحتياج أو الضرورة إليه : عنه عليه‌السلام من ترك صفراء أو بيضاء كوى بها (٤) وأنه توفّى رجل فوجد في مئزره دينار ، فقال كيّة وتوفّى آخر فوجد في مئزره ديناران فقال كيّتان (٥) ، فإما كان

__________________

(١) الكشاف ج ٢ ص ٢٦٦ وفي الكاف الشاف تخريجه وتراه في الجامع الصغير ج ٥ ص ٢٩ فيض القدير الرقم ٦٣٤١ بلفظ كل مال ادى زكوته عن البيهقي ومثله في أمالي الشيخ نقله في الوسائل ج ٦ ص ١٦ الباب ٣ من أبواب ما تجب فيه الزكاة المسلسل ١١٤٤٧.

(٢) انظر صحيح مسلم بشرح النووي ج ٧ ص ٦٧ واللفظ فيه ما من صاحب كنز لا يؤدى زكوته الى أخر ما نقله المصنف وللحديث تتمة نقل المصنف مورد الحاجة.

(٣) انظر نور الثقلين ج ٢ ص ٢١٣ الرقم ١٢٩.

(٤) الكشاف ج ٢ ص ٢٦٧ وفي الكافي الشاف تخريجه وانظر في تفسير الآية تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي مد ظله من ص ٢٦٠ الى ص ٢٧٧ ج ١٠ ففيها مباحث مفيدة جدا.

(٥) الكشاف ج ٢ ص ٢٦٧ وفي الكاف الشاف ذيله تخريجه.

٣٢٥

هذا قبل فرض الزكاة كما في الكشاف أو كانت الدنانير مما لم يزكّ ، وقد وجبت فيه أو وجب الإنفاق بها أو منها فلم ينفق. والله أعلم.

الرابعة والخامسة في البراءة [٥٣ و ٥٤] (قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً.)

نصب على الحال أي طائعين أو مكرهين (لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ) قيل : الأمر في معنى الخبر أي لن تتقبل منكم أنفقتم طوعا أو كرها وفائدته المبالغة في تساوي الانفاقين في عدم القبول كأنهم أمروا بأن يمتحنوا ينفقوا وينظروا هل تتقبل منهم.

(إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ) تعليل لردّ إنفاقهم على طريق الاستيناف وما بعده بيان وتقرير له.

(وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ) بالتاء والياء (مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ) أي ما منعهم من ذلك شيء إلّا كفرهم ، وقرئ «يقبل» على أن الفعل لله وكذلك في منعهم ، وأنّهم كفروا في موضع نصب كما أنه على الأول في موضع رفع وقيل على الأوّل يجوز ان يكون التقدير وما منعهم الله منه الا لأنّهم كفروا.

(وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى) متثاقلون (وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ)

إن قلت كيف ذلك وقد جعلهم الله طائعين في قوله طوعا والكره ضدّ الطوع؟ قلت : لم يجعلهم طائعين في الواقع بل على سبيل الفرض ، كأنّ المنافقين كانوا يدّعون الطوع في ذلك ويظهرون توقع القبول ، فنفى القبول أولا ولو كانوا طائعين ، ثم ردّ عليهم في دعوى الطوع.

وفي الكشاف (١) : قلت : المراد بطوعهم أنهم يبذلونه من غير إلزام من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أو من رؤسائهم وما طوعهم ذلك إلّا عن كراهة واضطرار لا عن رغبة واختيار.

واعلم أنّ الظاهر من الفسق ما هو أعمّ من الكفر ولا ينافي ذلك تعليل عدم قبول إنفاقهم به لجواز التعليل بما يعمهم وغيرهم كأن يعلل عدم قبول شهادتهم به من غير فرق فإنه قد لا يقبل إنفاق غير الكافر أيضا كشهادته مع الفسق ، ولا ينافيه ما بعده

__________________

(١) الكشاف ج ٢ ص ٢٨٠.

٣٢٦

أما أولا فلان ذلك تعليل للإنفاق المفروض لهم طوعا أو كرها فالمعلول هنا أعمّ ، وأما ثانيا فلان ما بعده حصر للمانع في أمور منها كفر ومنها غير كفر فلا يبعد أن يكون غير الكفر أيضا مانعا كالكفر.

بل يقال لو لا أنّ غير الكفر مانع أيضا لم يصح استثناؤه كالكفر ، فإنه لا ريب في كون الكفر بنفسه مانعا وعلة لعدم القبول كما هو مقتضاه على تقدير كون الفسق عبارة عن الكفر ، فعلى التقديرين يلزم كون غير الكفر أيضا مانعا من القبول.

اللهم إلا أن يعطف لا يأتون على ما منعهم أو يجعل استينافا أو يكون المراد استثناء المجموع لأنه أقوى من الكفر وحده ، وإيراد غير الكفر معه على طريق التأييد والتقوية ، ولا ينافي ذلك كون الكفر كافيا في المنع وعلّة تامة في الجملة.

لكنه موضع تأمل إذ الظاهر أنّ عدم الإتيان بالصلاة إلا كسلانا وعدم الإنفاق إلا كارها مانعان حتّى صرح بعض من حمل الفسق على الكفر بفهم منع الكسل والكره عن ذلك فليتأمل.

وبالجملة فما قيل من ان المراد بالفسق هنا الكفر فيه نظر ، وكذا في تأييد ما بعده إيّاه ، وتفسير المجمع الفسق بالتّمرد عن طاعة الله وتفسير الكشاف بالتمرد والعتوّ ، إن أرادا ما يكون كفرا فتفسير بالأخص وإلّا فلا سند فيه لذلك ، بل للأعم هذا.

وفي الآية دلالة على أن الكفار مخاطبون بالفروع ، في المجمع لأنه سبحانه ذمّهم على ترك الصلاة والزكاة ولو لا وجوبهما عليهم لم يذمّوا على تركهما (١) وهذا يشعر منه بحمله الإنفاق على إيتاء الزكاة لكن يستقيم على الأعم الظاهر أيضا ، وذمّوا على الكسل والكره أيضا فإنّ الذمّ هنا على عدم الخلو من أحد الأمرين فهما قبيحان مذمومان كما لا يخفى.

ثمّ الظاهر أن الوقف إنفاق فيستفاد عدم قبوله من الكافر أو الفاسق لكن الظاهر

__________________

(١) المجمع ج ٣ ص ٣٨.

٣٢٧

أنّ المراد بعدم القبول عدم حصول الثواب والتقرب إلى الله ، فلا تنافي ما يظهر من كلام الأصحاب من صحّة وقفهما ولزوم حكمه ، نعم ظاهر الأصحاب ترتب الثواب على وقف الفاسق ونحوه فليتأمل.

وقد يستفاد عدم قبول كل ما يتقرب به إلى الله وتقع عبادة سواء الإنفاق وغيره لعدم قائل بالفرق كما صرح به جماعة وأما عدم الصحة فهو الظاهر في كلّ ما يستلزم صحته حصول الثواب كالعبادات المحضة نحو الصلاة والصيام ، فلا تبرئ بها الذمة أيضا وأما غيره فلا ، فلا يقدح في ذلك أخذ حاكم الشرع الزكاة منهم قهرا مع الامتناع وحصول براءة الذمة من المال حينئذ كما هو ظاهر الأصحاب ، فإنّ الظاهر أنّ هنا أمرين حق ماليّ كالدين وتأدية شرعية ، فلم يتوقف الأول على الثاني ، مراعاة لجانب ذي الحق كما هو مقتضى الأصل ، وأما جبر تارك الصلاة عليها مع العلم بفسقه مثلا فلعلّه حفظا لأحكام الشرع من الخلل ، وسدا لباب الجرأة على الخلاف ، فلا يقدح بطلانها فافهم.

وقد تقدم القول بإشعار الآية بأن إتيان الصلاة كسلانا يقتضي عدم قبولها وكذا الإنفاق كرها ، وقد أشرنا إلى أنّ الاشعار ينبغي أن يكون بعدم الإتيان إلا كذلك ، ولا إشكال في ذلك على ما فصلنا ، وإن كان خلاف ظاهر جمع من الأصحاب ، خصوصا في الصلاة.

نعم لا يبعد فهم وجوب إتيان الصلاة غير كاسل فقد روى في الصحيح (١) عن أبي جعفر عليه‌السلام ولا تقم إلى الصلاة متكاسلا ولا متناعسا ولا متثاقلا ، فإنها من خلال النفاق ، فان الله نهى المؤمنين أن يقوموا إلى الصلاة وهم سكارى : يعنى سكر النوم ، وقال للمنافقين (وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ

__________________

(١) انظر نور الثقلين ج ١ ص ٤٠٠ وكذا العياشي ج ١ ص ٢٤٢ الرقم ١٣٤ عن زرارة عن ابى جعفر وفي الكافي الباب الأول من باب الخشوع في الصلاة بوجه ابسط وهو في مرآت العقول ج ٣ ص ١١٩ وفي الوسائل الباب ١ من أبواب أفعال الصلاة ج ٤ ص ٦٧٧ المسلسل ٧٠٨٣ وما نقل المصنف شطر من الحديث وبهذا المضمون أحاديث أخر أيضا.

٣٢٨

اللهَ إِلَّا قَلِيلاً).

وكذا وجوب كون الإنفاق على طيبة النفس والرضا لا كارها ، وعلى كون الكره مانعا من القبول فما يأخذه الحاكم قهر الايثاب عليه نعم يمكن براءة الذمة كما تقدم.

السادسة في المعارج (وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)(١) معلوم أي مقرر عندهم معلوم لهم ، وقيل أى مقدر شرعا فحمل على الزكوات والصدقات الموظّفة ، والسائل المستعطى ، وأما المحروم (٢) فقد روى عن ابى جعفر وابى عبد الله عليهما‌السلام انه المحارف الذي ليس بعقله بأس ولم يبسط له في الرزق ، وكأنه المعنىّ بما نقل عن ابن عباس ومجاهد أنه المحارف وقيل المتعفّف لأنّه يظنّ غنيّا فيحرم الصدقة ، وقيل من لا سهم له في الغنيمة ، وفي المجمع : والأصل (٣) أن المحروم الممنوع الرزق بترك السؤال ، أو ذهاب المال أو خراب الضيعة أو سقوط السهم من الغنيمة ، لأن الإنسان يصير فقيرا بهذه الوجوه ، وأورده في التبيان (٤) قولا.

ثمّ فيهما أنّ المراد حقّ ما يلزمهم لزوم الديون من الزكاة وغير ذلك ، أو ما ألزموه أنفسهم من مكارم الأخلاق ، والذي في رواياتنا هو هذا الأخير لكن في بعضهم أن هذا الإلزام واجب وانه على قدر السعة.

ففي الموثق (٥) عن ابى عبد الله عليه‌السلام في حديث طويل : ولكن الله عزوجل فرض في أموال الأغنياء حقوقا غير الزكاة فقال عزوجل (فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ) فالحق

__________________

(١) الآية ٢٤ و ٢٥ من سورة المعارج واما الآية ١٩ من سورة الذاريات فاللفظ فيها وفي أموالهم حق للسائل والمحروم وسيشير المصنف قدس‌سره بتفاوت الآيتين في اللفظ وان كان المقصود فيهما على ما ذكره المفسرون واحدا.

(٢) الوسائل ج ٦ ص ٣٠ المسلسل ١١٤٩٦ الباب ٧ من أبواب ما تجب فيه الزكاة.

(٣) انظر المجمع ج ٥ ص ١٥٥.

(٤) التبيان ج ٢ ص ٦١٨ و ٧١٥ ط إيران.

(٥) الوسائل ج ٦ ص ٢٧ الباب ٧ من أبواب ما تجب فيه الزكاة المسلسل ١١٤٩٠ والحديث طويل نقل المصنف بعضه مما كان يحتاج إليه في المقام ومثله مع ادنى تغيير في المجمع ج ٥ ص ٣٥٦.

٣٢٩

المعلوم غير الزكاة وهو شيء يفرضه الرجل على نفسه في ماله يجب عليهم أن يفرضه على قدر طاقته وسعة ماله فيؤدي الذي فرض على نفسه إن شاء في كلّ جمعة وإن شاء في كل شهر.

وفي الصحيح (١) عن ابى بصير عن أبى عبد الله عليه‌السلام وانّ عليكم في أموالكم غير الزكاة فقلت أصلحك الله وعلينا في أموالنا غير الزكاة فقال سبحان الله اما تسمع الله عزوجل يقول في كتابه (وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) قال قلت : ما ذا الحقّ المعلوم الذي علينا؟ قال هو الشيء يعلمه الرجل في ماله يعطيه في اليوم أو في الجمعة أو في الشهر قل أو كثر ، غير أنه يدوم عليه.

وفي الموثق (٢) أيضا عن إسماعيل بن جابر عن أبى عبد الله عليه‌السلام في قول الله عزوجل (وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) أهو سوى الزكاة فقال هو الرجل يؤتيه الله الثروة من المال فيخرج منه الالف والألفين والثلاثة آلاف والأقل والأكثر ، فيصل به رحمه ويحمل الكلّ عن قومه.

وفي طريق (٣) آخر عن ابي جعفر عليه‌السلام أن رجلا جاء إلى أبي على بن الحسين عليه‌السلام فقال له : أخبرني عن قول الله عزوجل (وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) ما هذا الحق المعلوم؟ فقال له علىّ بن الحسين عليه‌السلام الحق المعلوم الشيء يخرجه من ماله ليس من الزكاة ولا من الصدقة المفروضتين فقال فما هو فقال هو الشيء يخرجه الرجل من ماله إن شاء أكثر وإن شاء أقل على قدر ما يملك ، فقال له الرجل فما يصنع به قال يصل به رحما ويقوى به ضعيفا ويحمل به كلّا أو يصل به أخا

__________________

(١) الوسائل ج ٦ ص ٢٨ المسلسل ١١٤٩١ والحديث طويل أخذ المصنف مورد الحاجة ويظهر من تعبير المصنف عن الحديث بالصحيح اعتماده بابى بصير وان كنا في حقه من المتوقفين كما أشرنا في تعاليقنا على مسالك الافهام.

(٢) الوسائل ج ٦ ص ٢٩ المسلسل ١١٤٩٣.

(٣) الوسائل ج ٦ ص ٢٩ المسلسل ١١٤٩٤ ـ الباب ٧ من أبواب من تجب عليه الزكاة.

٣٣٠

له في الله أو لنائبة تنوبه ، فقال الرجل الله يعلم حيث يجعل رسالته.

والالتزام إما أن يراد به بالوجه الشرعي كالنذر ونحوه فيجب على تقدير وجوبه ويستحب على الاستحباب أو مجرّد أن يقرر ذلك على نفسه عازما عليه بحيث لا يتخلف كما هو الأظهر ، وحينئذ فربما استحب النذر كما إذا كان معينا على ذلك كأن يخاف من نفسه التخلف بدون النذر ويأمن معه ، وربما وجب مع ظن التخلف بدونه وظنّ عدمه معه على تقدير وجوب الالتزام فليتأمل فيه.

وفي سورة الذاريات في أحوال المتقين بيانا لكونهم محسنين (وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) وصرّح جماعة من المفسرين باتحاد المقصود من الآيتين وربما أيّد ذلك استحباب الالتزام ويمكن أن يستفاد من سياق كل منهما الدوام كما تقدّم في الروايتين الأوّلتين ، فكأنّ حقهم ثابت فيها لا يزول ، فلا يبعد استحباب الوصية أو وجوبها ، ومن عموم الأموال يستفاد إعارة الكتب والمواعين ونحوها.

وبالجملة يستفاد إعانتهم بكلّ ما في يدك من الأموال مع احتمال الوجوب فلا تغفل.

الثاني

في قبض الزكاة وإعطائها المستحق

وفيه آيات :

الاولى والثانية في التوبة [١٠٤] (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.)

اختلف فيمن نزلت الآية وما قبلها فيه ففي المجمع قال أبو حمزة الثماليّ بلغنا أنهم ثلاثة نفر من الأنصار : أبو لبابة بن عبد المنذر ، وثعلبة بن وديعة وأوس بن حذام تخلّفوا عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مخرجه إلى تبوك ، فلما بلغهم ما أنزل الله فيمن تخلف عن نبيّه أيقنوا بالهلاك ، فأوثقوا أنفسهم بسواري المسجد.

٣٣١

فلم يزالوا كذلك حتّى قدم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فسأل عنهم ، فذكر له أنهم أقسموا أن لا يحلّوا أنفسهم حتّى يكون رسول الله يحلّهم ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأنا اقسم لا أكون أوّل من حلّهم إلا أن أومر فيهم بأمر.

فلما نزل (عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) عمد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إليهم فحلّهم فانطلقوا فجاؤا بأموالهم إلى رسول الله فقالوا هذه أموالنا التي خلّفتنا عنك ، فخذها وتصدّق بها عنّا ، قال صلى‌الله‌عليه‌وآله ما أمرت فيها بأمر فنزلت (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً) الآيات.

وقيل : إنهم كانوا عشرة رهط منهم أبو لبابة عن علي بن طلحة عن ابن عباس ، وقيل : كانوا سبعة عن قتادة ، وقيل كانوا خمسة ، وروى عن أبى جعفر الباقر عليه‌السلام أنّها نزلت في أبي لبابة ولم يذكر معه غيره وسبب نزولها فيه ما جرى منه في بني قريظة حين قال إن نزلتم على حكمه فهو الذّبح ، وبه قال مجاهد وقيل نزلت فيه خاصة حين تأخّر عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في غزوة تبوك فربط نفسه بسارية على ما تقدّم ذكره عن الزهري.

قال ثمّ قال أبو لبابة يا رسول الله إنّ من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذّنب وأن أنخلع من مالي كله ، فقال يجزيك يا أبا لبابة الثلث ، وفي جميع الأقوال أخذ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ثلث أموالهم وترك الثلثين ، لأنّ الله تعالى قال (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ) ولم يقل خذ أموالهم انتهى (١).

وفي المعالم أيضا ذكر الإنفاق على أخذ الثلث (٢) وزاد في الأقوال عن سعيد بن جبير وزيد بن أسلم أنّهم كانوا ثمانية ، وقال قال الحسن وقتادة هؤلاء سوى الثلاثة الّذين خلّفوا.

وفي الكشاف : وقيل كانوا عشرة فسبعة منهم أوثقوا أنفسهم (٣).

__________________

(١) المجمع ج ٣ ص ٦٧.

(٢) وكذا في اللباب ج ٢ ص ٢٥٩.

(٣) الكشاف ج ٢ ص ٣٠٦.

٣٣٢

إذا عرفت ذلك فهنا أمور :

ألف ـ قيل : من للتبعيض أي بعض أموالهم فيكون «صدقة» تميزا لا مفعولا ، وهو خلاف الظاهر ، فالظاهر أنها للابتداء وتفيد التبعيض هنا ، وربما كان المراد بالتبعيض ذلك ، فليتأمل.

ب ـ قيل : أمر بأخذ الصدقة من أموال هؤلاء التائبين تشديدا للتكليف ، وليست بالصدقة المفروضة ، بل هي على سبيل الكفارة للذنوب التي أصابوها عن الحسن ، وغيره.

ويؤيده نزول الآية في هؤلاء وعموم أموالهم وشمولها للزكاة وغيرها والاتّفاق على أخذ الثلث وأنّ الحمل على الزكاة المفروضة حمل على الخصوص ، فلا يجوز بغير دليل والأصل عدمه.

وقيل أراد بها الزكاة المفروضة عن الجبائي وأكثر أهل التفسير كذا في المجمع قال : وهو الظاهر ، لأنّ حمله على الخصوص بغير دليل لا وجه له ، وفيه نظر واضح.

وفي الكنز (١) بعد ذكر سبب النزول : فنزلت فأخذ منهم الزكاة المقرّرة شرعا ، وعلى ذلك إجماع الأمة. ودعوى إجماع الأمة ، فيه ما لا يخفى بالنظر إلى قدّمنا أما إجماع الأصحاب فغير بعيد ، كما يظهر من استدلالاتهم.

وأيضا فإنهم قد رووا في الصحيح عن أبى عبد الله عليه‌السلام قال أنزلت آية الزكاة (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها) فأمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مناديه فنادى في النّاس ، إنّ الله تعالى قد فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة الحديث رواه في الصحيح محمّد بن يعقوب في الكافي والصدوق في الفقيه (٢).

__________________

(١) انظر كنز العرفان ج ١ ص ٢٢٧ والتعليق في الصحيفة المذكورة.

(٢) انظر الوسائل ج ٦ ص ٣ الباب ١ من أبواب وجوب الزكاة المسلسل ١١٣٩٠ وانظر الكافي ج ١ ص ١٣٩ باب فرض الزكاة الحديث ٢ والفقيه ط النجف ج ٢ ص ٨ الرقم ٢٦ وأورد صاحب المعالم في المنتقى حديث الكافي ج ٢ ص ٧٥ وحديث الفقيه ص ٧٨ وبين موارد المخالفة في الألفاظ فراجع ولا تغفل.

٣٣٣

ووجه الجمع أنّ الآية وإن نزلت بسبب أبي لبابة أو وغيره من مخصوصين ، إلّا أنّها عامة ، وامّا أخذ الثلث منهم فلعله كان على سبيل الكفّارة وجهة الاستحباب لمبالغتهم في ذلك ، حيث قد دلّت الآية على كون الصدقة مطهّرة لما في الرواية المتقدمة أنه عليه‌السلام بعد نداء مناديه بذلك تركهم إلى تمام السنة ، ثمّ نبّههم وبعث العمّال.

أو الزائد على قدر الواجب كان كذلك أو الجميع واجبة لأنّ الآية في ذلك مجملة فلعله قد جاءه البيان بأن المطهّر لهم الثلث في ذلك الوقت ، ثمّ لهم ولغيرهم القدر المعلوم.

على أنه لم يصح عندنا أخذ الثلث ولا كونه بمقتضى الآية ، وإن كان مشهورا بين جمع من الجمهور.

ج ـ التاء في (تُطَهِّرُهُمْ) للتأنيث ، فيقدر بها وأما في (تُزَكِّيهِمْ) فليس إلّا للخطاب لوجوبها ، والتزكية مبالغة في التطهير وزيادة فيه ، أو بمعنى الإنماء والبركة في المال ، ومن الأول قيل أي تطهّرهم من الذنوب أو من حبّ المال المؤدّي إلى مثل ما تقدم منهم ، وتنمي في حسناتهم وترفعهم إلى منازل المخلصين فتأمل.

وعلى كل حال صفتان لصدقة ، ويجوز أن يكون على الاستيناف ، والأول أولى وأنسب بأخذ الثلث ، وربما نبّه على أن المأمور به ما يكون عن طيبة نفس بنيّة خالصة كما قيل في ترجيح الصّفة على الجزم ، جوابا للأمر وقد قرئ به «تطهّرهم» وحده ، قاله في الكشاف وقيل بل قرأ سلمة بن محارب بالجزم (١) فيهما ، فلعلّ مراد الكشاف أن أحدا من السبعة لم يقرأ «وتزكّهم» بالجزم والله اعلم.

د ـ فيها إشعار بأنّ الصدقة نافعة في تطهير الذنوب وتزكية النفس خصوصا

__________________

(١) وفي روح المعاني ج ١١ ص ١٣ مسلمة بن محارب مكان سلمة والصحيح مسلمة انظر غاية النهاية ج ٢ ص ٢٩٨ الرقم ٣٦٠٧ مسلمة بن محارب بن دثار السدوسي الكوفي وفي شواذ القران لابن خالويه ص ٥٥ نقل قراءة تطهرهم بالتخفيف عن الحسن.

٣٣٤

على بعض الوجوه ، ودلالة على وجوب أخذ الزكاة ولا يشترط مجيء أهلها بها إليه ولا يجب عليهم ذلك أيضا نعم لا يبعد وجوب الدفع إليه أو نائبه إذا طلب ، وكان باقيا.

ه ـ (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) أي ادع لهم أو ترحّم عليهم بالدّعاء لهم بقبول صدقاتهم ونحوه ، مثل آجرك الله فيما أعطيت ، وبارك لك فيما أبقيت أو أعم.

عبد الله بن أبي أوفى قال (١) كان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إذا أتاه قوم بصدقتهم قال اللهم صلّ على آل فلان ، فأتاه أبى بصدقته فقال اللهمّ صلّ على آل أبي أوفى ، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وفي ذلك من الدلالة على جواز الصلاة على خصوص غير النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أصالة خصوصا عند أخذ الصدقة ورجحانها ما لا يخفى.

واختلف في هذا الأمر هل للوجوب لظهور مطلقة فيه على أنه قد عطف هنا على خذ الكائن للوجوب وعلّل مؤكدا بانّ عموما عند كلّ أخذ صدقة كما هو ظاهر السياق ، والمقصود اطمينان نفوسهم وطيب خواطرهم حثّا وترغيبا ويؤيده الرواية المتقدّمة ، أو في الجملة فإنّ الأمر لا يقتضي التكرار ، أو للاستحباب للأصل من عدم الوجوب ، وقيل يتعين لفظ الصلاة كما في قوله (صَلُّوا عَلَيْهِ) والأولى جواز غيرها ، لأنه معناها والأصل هنا عدم النقل.

__________________

(١) انظر سنن ابى داود ج ٢ ص ١٤٢ الرقم ١٥٩٠ وابن ماجة ص ٥٧٢ الرقم ١٧٩٦ والنسائي ج ٥ ص ٣١ وصحيح مسلم بشرح النووي ج ٧ ص ١٨٤ والبخاري بشرح فتح الباري ج ٤ ص ١٠٤ وأخرجه في الدر المنثور ج ٣ ص ٢٧٥ عن ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابى داود والنسائي وابن ماجة وابن ابى المنذر وابن مردويه.

ولفظ الحديث هكذا عن عبد الله بن أبي أو في كان النبي (ص) إذا أتاه قوم بصدقتهم قال اللهم صل على آل فلان وفي لفظ على فلان فأتاه ابى بصدقته فقال اللهم صلى على آل أبي أوفى.

واسم أبي أوفى علقمة بن الحارث الأسلمي شهد هو وابنه بيعة الرضوان تحت الشجرة وعمر عبد الله الى ان كان آخر من مات من الصحابة وذلك سنة سبع وثمانين.

٣٣٥

ثمّ على الوجوب هل يجب على الإمام أو الساعي والفقيه النائب؟ قيل به لأنّ النّائب كالمنوب وقائم مقامه وقيل لا لاختصاص الأمر به عليه‌السلام كما قد يشعر به التعليل ولا نزاع في الرجحان واما المستحق فيستحبّ له بغير خلاف ، والله أعلم.

و ـ (سَكَنٌ لَهُمْ) تسكن إليه نفوسهم وتطمئن بها قلوبهم ، وقيل رحمة لهم عن ابن عباس وقيل طمأنينة لهم بأنّ الله قد قبل منهم عن قتادة والكلبي ، وقيل تثبيت لهم عن ابى عبيدة (وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) دعاءك لهم ويعلم ما يكون منهم ، أو يسمع اعترافهم ودعاءهم ويعلم ندامتهم وإخلاصهم.

ز ـ (أَلَمْ يَعْلَمُوا) بالياء والتّاء ، والضمير إمّا للمتوب عليهم ، والمراد أن يمكّن في قلوبهم قبول توبتهم ، والاعتداد بصدقاتهم ، و «هو» للتخصيص والتأكيد ، وأنّ الله من شأنه قبول توبة التّائبين ، وقيل : معنى التخصيص في هو أنّ ذلك ليس إلى رسول الله إنّما الله هو الذي يقبل التوبة ويردّها ، فاقصدوه بها ، ووجّهوها إليه. في المجمع :

والسبب فيه أنّه لمّا سألوا النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يأخذ من أموالهم ما يكون كفارة لذنوبهم امتنع من ذلك وانتظر الاذن من الله فيه ، فبيّن الله أنه ليس قبول التوبة إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأنّ ذلك إلى الله عزّ اسمه ، هذا.

والظاهر إرادة الحصر في قبول الصدقات أيضا كما لا يخفى أو لغير التّائبين ترغيبا لهم في التوبة وإيتاء الصدقات ، فقد روي أنّه لمّا تيب عليهم قال الّذين لم يتوبوا هؤلاء أي الّذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم؟ فنزلت ، وأخذ الصدقات مجاز عن قبوله لها ، عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل (١) ، والمراد أنّه ينزّل هذا التنزيل وذلك يرجع إلى تضمّن الجزاء ، ولهذا قال الكشّاف : والمعنى أنه يتقبّلها ويضاعف عليها.

__________________

(١) انظر المجمع ج ٣ ص ٦٨ والفقيه ج ٢ ص ٣٧ الرقم ١٥٦ والكافي ج ١ ص ١٦٢ والتهذيب ج ٤ ص ١١٢ الرقم ٢٣١ وغيرهما من الاخبار وانظر أيضا الباب ١٨ ص ٢٨٣ والباب ٢٩ ص ٣٠٢ من ج ٦ من أبواب الصدقة من الوسائل.

٣٣٦

ح ـ في المجمع أنّ ذلك استفهام يراد به التنبيه على ما يجب أن يعلم ، فالمخاطب إذا رجع إلى نفسه وفكّر فيما نبّه عليه ، علم وجوبه ، وإنّما وجب أن يعلم أنّ الله يقبل التوبة ، لأنّه إذا علم ذلك كان داعيا له إلى فعل التوبة والتمسّك بها والمسارعة إليها ، وما هذه صورته يجب العلم به ليحصل به الفوز بالثواب ، والخلاص من العقاب انتهى.

وأما ما يفيد العلم بذلك فما نبّه عليه بقوله (وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) شأنه قبول توبة التائبين والتفضّل عليهم ، فهو كثير القبول لتوبتهم واسع الرحمة بهم كما يقتضيه كماله وغناه وعموم قدرته وسبوغ كرمه ، مع إحاطة علمه بجميع المعلومات.

ط ـ وفيها الدلالة على قبول التوبة فيجب من الذنب في كلّ حال ، ويستحبّ من المكروهات ـ وعلى قبول الصدقات واستحبابها بين يدي التوبة ، وكذا قبول سائر العبادات لأنّ ما ينبه على أنّ الله يقبل التوبة ويأخذ الصدقات ينبّه على هذا أيضا ، ويؤيّده قوله (وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) والله أعلم.

الثالثة والرابعة في البقرة [٢٦٧ ـ ٢٦٨] (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) في المجمع (١) روي عن أبى عبد الله عليه‌السلام أنّها نزلت في أقوام لهم أموال من ربا الجاهليّة ، وكانوا يتصدّقون منها فنهاهم الله عن ذلك وأمر بالصدقة من الطيب الحلال ، وقيل : إنّها نزلت في قوم كانوا يأتون بالحشف فيدخلونه في تمر الصدقة عن علىّ عليه‌السلام والبراء بن عازب والحسن وقتادة.

وينبغي أن يحمل ذلك على نحو ما رواه محمّد بن يعقوب (٢) في الكافي عن أبي ـ

__________________

(١) المجمع ج ١ ص ٣٨٠.

(٢) الكافي باب النوادر من كتاب الزكاة الحديث ١٠ ج ١ ص ١٧٥ وهو في المرآت ج ٣ ص ٢٠٨ وانظر البرهان ج ١ ص ٢٥٤ وص ٢٥٥ وانظر أيضا الوسائل الباب ٤٦ من أبواب الصدقة ج ٦ من ص ٣٢٥ الى ص ٣٢٨ وما رواه المصنف انما هو بالمسلسل ١٢٥١١

٣٣٧

عبد الله عليه‌السلام من أنّ قوله (أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ) في قوم كانوا قد كسبوا مكاسب سوء في الجاهلية ، فلما أسلموا أرادوا أن يخرجوها من أموالهم ليتصدّقوا بها ، فأبى الله تبارك وتعالى إلّا أن يخرجوا من طيّب ما كسبوا.

وقوله (وَلا تَيَمَّمُوا) في قوم كانوا يأتون بالرديء عن الجيّد في الزّكوة. وهذا يؤيّد ما قيل : إنّ هذا أمر بالإنفاق في الزكاة المفروضة وقيل هو في المتطوّع بها.

وقيل : أراد الإنفاق في سبل الخير وأعمال البر على العموم فيدخل فيه الفرائض والنوافل قال الطبرسيّ وهو الأوضح لكن حمل الأمر حينئذ على ظاهره من وجوب الإنفاق مشكل اللهمّ إلّا أن يحمل على كون الإنفاق من الطيّب بمعنى الحلال كما دلّت عليه الرواية لا بمعنى الجيّد كما قيل وأيّد بقوله (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) ولا يستقيم قوله (وَلا تَيَمَّمُوا) على هذا النسق إلّا أن يراد بالخبيث الحرام كما قيل لكنّه خلاف الظاهر والمرويّ.

والحمل على الكراهة خلاف الظاهر أيضا على أنّه لا يستقيم حينئذ في الواجب سواء حمل على الرديّ أو الحرام ، وعلى المرجوحيّة المطلقة خلاف الظاهر أيضا على أنّ الإجمال اللازم مخلّ بتمام الفائدة وكذا حمل الأمر على الرجحان المطلق ، فتأمل.

ولو حمل الخبيث على ما يعمّ الحرام (١) والرديّ باعتبار أنّ الحرام ردىّ

__________________

وانظر أيضا مستدرك الوسائل ج ١ ص ٥٤٥ ونور الثقلين ج ١ ص ٢٣٧ وص ٢٣٨ والعياشي ج ١ ص ١٤٨ الى ١٥٠.

(١) قلت قد أسلفنا في ص ٥٢ من هذا الجزء جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد فنحن في سعة من الاشكال وبه ينحل اشكال تفسير الإمام في الحديث ٩ من نوادر الزكاة من الكافي كما سيشير المصنف اليه الخبيث بالرديء من التمر وفي الحديث المار آنفا الحديث ١٠ من نوادر الزكاة من الكافي بمكاسب السوء.

بل لو تصفحت كتب أهل السنة أيضا ترى المعنيين في أحاديثهم انظر الدر المنثور ج ١ من ص ٣٤٥ الى ص ٣٤٨ وابن كثير ج ١ ص ٣٢٠ وص ٣٢١ والطبري ج ٣ ص ٨٠ الى ص ٨٦ والقرطبي ج ٣ من ص ٣٢٠ الى ص ٣٢٨ فترى أحاديث في صدقة التمر الردى

٣٣٨

أيضا لم يكن بعيدا حمل الطيب على ما يقابله في ذلك ، كما هو الأولى أوّلا لكنّي لا أعرف به قولا ، وكونه طاهرا حقيقة في ذلك قد ينظر فيه ، وعلى كلّ حال فهو أيضا بالفرض أنسب ، وعليه أوضح فليتأمّل ، وقد يحمل على تقدير الوجوب على ما يعمّ الخمس للإطلاق.

فإن قيل : إنّ الحلال المختلط بالحرام ولا يتميز ولا يعرف قدره ولا مالكه ، يجب فيه الخمس عندكم ، وهو يتضمّن الإنفاق من الحرام أو هو هو ، وهو مناف لمنطوق الآية.

أمكن أن يقال : إنّ ذلك إنفاق عن مالكه بإذن الشارع حيث تعذر الإيصال والاذن ، فهذا إنفاق منه لحلال ماله ، نعم هو حرام علينا باعتبار التصرّف وإعطائه مثلا خمسا أو صدقة عن أموالنا بغير وجه شرعيّ ، حتّى لو كان ذو اليد غاصبا فتاب ورجع عن ذلك ولم يعرف المالك ولا القدر وتعذّر ذلك ، كان عين هذا المال كالأمانة الشرعيّة عنده ، وإن كانت ذمّته مشغولة بها لغصبها أولا ، ولو قلنا بجواز ذلك عن نفسه بدليل ، فبضمانه في ماله فهو بذلك من حلال ماله كما لا يخفى ، على أنّ الغاية خروج ذلك بدليل فتأمّل.

قيل : وفي إيراد ما كسبتم دلالة على أنّ ثواب الصدقة من الحلال المكتسب أعظم منه من الحلال غير المكتسب وإنّما كان كذلك لأنه يكون أشقّ عليه خصوصا ما كسبه بالجارحة ، وبمناسبة الكسب بهذا المعنى قد يستدلّ بها على وجوب زكاة مال التجارة وهو غير واضح ، على أنّ الأصل وخبر أبى ذرّ ينفيانه.

وفي الصحيح (١) عن أبى جعفر عليه‌السلام قال «إنّ أبا ذر وعثمان تنازعا على عهد رسول الله

__________________

وأحاديث في الإنفاق من كسب الحرام حتى ان في الدر المنثور ج ١ ص ٣٤٧ في تفسير الآية ان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قال من حج بمال حرام فقال لبيك اللهم لبيك قال الله له : لا لبيك ولا سعديك حجك مردود عليك. ومع ما أسلفنا من جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد ينحل جميع الإشكالات فراجع ص ٥٢ من هذا الجزء.

(١) الوسائل الباب ١٤ من أبواب ما تجب فيه الزكاة ح ٦ ص ٤٨ المسلسل ١١٥٥٨.

٣٣٩

قال عثمان : كلّ مال من ذهب أو فضّة يدار ويعمل به ويتّجر ففيه الزكاة ، إذا حال عليه الحول ، فقال أبو ذر أمّا ما يتّجر به أو دير وعمل به ليس فيه زكاة ، إنّما الزكاة فيه إذا كان ركازا أو كنزا موضوعا ، فاذا حال عليه الحول ففيه الزّكوة ، فاختصما في ذلك إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : القول ما قاله أبو ذرّ.» نعم الآية تناسب بهذا الاعتبار وجوب الخمس الكائن في المكتسب من الأرباح وأما زكاة مال التجارة فلا ، ولعلّ المراد بالكسب هنا ما هو أعمّ من ذلك.

و (ما كَسَبْتُمْ) إشارة إلى غير المخرج من الأرض ممّا يتعلّق به الزّكوة كالنقدين والمواشي من الغنم والبقر والإبل ، قيل لأنها إنّما يحصل بالكسب والعمل تأمّل ، أو ممّا يتعلّق به هي أو الخمس ، فيعمّ الأجناس المذكورة وغيرها فإنّه يجب في جميع المكسوبات.

ولا يبعد هذا التعميم بل أعمّ منه على الأوّل أيضا فإنه لا يبعد أن يراد بالطيبات حلائل ذلك وجياده ممّا يتعلق به الحقّ من جملة المكسوبات إشارة إلى أنّ «كسبتم» يتعلّق بالحلال والحرام أو بالجيّد والرديّ أو جميعا.

و «من» يفيد كون الإنفاق ببعض الطيّبات ابتدائيّة كانت أو تبعيضيّة (وَمِمَّا أَخْرَجْنا) قيل : أي من طيّبات ما أخرجنا فحذف المضاف بقرينة ما سبق ، ويمكن أن يستفاد هذا بغير حذف من نسبة الإخراج إلى جناب الحقّ سبحانه والإضافة إليهم باللّام الدالّ على الملك واختصاص الانتفاع المتضمّن للحلّ كما يقتضيه ظاهر الامتنان منه تعالى ، أو بأن يكون (وَلا تَيَمَّمُوا) متعلّقا به فلا تكرار ولا تأكيد فافهم.

وقيل : ما أخرجنا لكم من الحبّ والثمر والمعادن وغيرها وقيل : من الغلّات والثمار ممّا يجب فيه الزّكوة ، والأوّل أولى بالإطلاق ، وبشمول الخمس ، فعلى الاختصاص بالزّكاة وجوبها في الجميع إلّا ما أخرجه دليل ، وعلى هذا يمكن أن يقال بإشعار (أَخْرَجْنا لَكُمْ) باشتراط الحبّ والثمر في الملك فافهم.

وأما على تقدير شمول الخمس ، فجعل ذلك إشارة إلى وجوب الزّكوة في الغلّات وبعض الثمار أو جميع ما يخرج من الأرض ووجوب الخمس فيه أيضا حتّى المعادن والكنوز إلّا ما أخرج بالدليل ، فخلاف الظاهر إذ الظاهر من شمول الإنفاق الخمس

٣٤٠