آيات الأحكام

محمد بن علي الاسترابادي

آيات الأحكام

المؤلف:

محمد بن علي الاسترابادي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مكتبة المعراجي
الطبعة: ٠
الصفحات: ٣٩٢
  نسخة غير مصححة

الآية على الوجه الآخر فيها ، وعلى طلب الترك مطلقا على الأوّل ، مع أنّ سياقها يقتضي الحرمة كظاهر النهى ، وكذا الروايات خصوصا رواية الوشّاء كما لا يخفى.

نعم إن لم نقل بجبر تعاضدها ما في إسنادها لم ينبغ التعدّي بها عن الكراهة إلّا بحجّة اخرى كالنصّ الدالّ على تكليف المكلّف بفعلها ، والإجماع على ما في الذكرى ، وقول ابن الجنيد بالاستحباب لا يعارضها.

وأما الآية ، فإن قلنا بظهورها في المنع من الإشراك مطلقا كما قدّمنا كفى في هذا المعنى ، ولزم حمل الروايات عليها ، وإلّا فينبغي تركها على احتمالها.

وإن قلنا بجبر تعاضدها فلعلّه لا بأس حينئذ بالتعدّي بها إلى الحرمة وحمل الآية بها على هذا المعنى ، وإن لم نقل بظهورها فيه بنفسها.

واعلم أنّ الذي ينبغي أن يحمل عليه صبّ الماء في الروايات الصبّ على موضع الغسل ، فإنّه الذي تشتمل الآية على منعه لكونه إشراكا لا أن يصبّ في اليد ليغسل به ، إذ ليس ذلك جزء للوضوء فلا يصير بذلك شريكا في فعله ، وممّا يؤيد ذلك ما روي في الصحيح عن أبي عبيدة الحذاء (١) قال «وضّأت أبا جعفر عليه‌السلام بجمع ، وقد بال فناولته ماء فاستنجى ثمّ صببت عليه كفا فغسل وجهه وكفا غسل به ذراعه الأيمن وكفا غسل به ذراعه الأيسر ، ثمّ مسح بفضلة النداء رأسه ورجليه». هذا.

وفي الكشاف (٢) عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله من قرأ عند مضجعه (قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) كان له في مضجعه نورا يتلألؤ إلى مكة حشو ذلك النور ملائكة يصلّون عليه حتّى يقوم ، وإن كان مضجعه بمكة كان له نورا يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلّون عليه حتى يستيقظ.

وفي الفقيه (٣) قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : من قرأ هذه الآية عند منامه سطع له نور الى

__________________

(١) الوسائل الباب ١٥ من أبواب الوضوء ج ١ ص ٢٧٥ المسلسل ١٠٢٧.

(٢) الكشاف ج ٢ ص ٧٥١.

(٣) انظر الوسائل ج ٤ ص ٨٧٢ وص ٨٧٣ الباب ٣٥ من أبواب قراءة القرآن وكذا المجمع ج ٣ ص ٤٩٩ ونور الثقلين ج ٣ ص ٣١٣ الى ص ٣١٨.

٣٠١

المسجد الحرام حشو ذلك النور ملائكة يستغفرون له حتّى يصبح ، ونحوه في التهذيب إلّا أن فيه وروي عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله.

وفيهما عن عامر بن عبد الله بن جذاعة عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : ما من عبد يقرأ آخر الكهف حين ينام الّا استيقظ في الساعة الّتي يريد ، وقد ذكر ثقات من الأصحاب أنّهم وجدوها كذلك.

الخامسة عشرة [الكهف : ٢٨] (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ) احبسها وثبّتها.

(مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ.)

طرفي النهار فيستفتحون يومهم بالدعاء : ويختمونه به ، أو في مجامع أوقاتهم أي مداومون على الصلاة والدعاء كأنه لا شغل لهم غيره ، وقيل : المراد صلاة الفجر والعصر.

(يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) أى رضوانه وقيل : تعظيمه والقربة إليه دون الرياء والسمعة.

(وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ) يقال : عداه إذا جاوزه ومنه عدا طوره ، وإنّما عدّى بعن لتضمّن عدا معنى نبا وعلا في قولك نبت عنه عينه وعلت عنه عينه إذا اقتحمته ولم تعلق به ، (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا) في موضع الحال فقد نهى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يزدرى بفقراء المؤمنين وأن تنبو عينه عن رثاثة زيّهم طموحا إلى طراوة زيّ الأغنياء وحسن شارتهم.

في المجمع (١) نزلت في سلمان وأبي ذرّ وعمار وصهيب وخبّاب وغيرهم من فقراء أصحاب النبيّ وذلك أنّ المؤلّفة قلوبهم عيينة بن حصن والأقرع بن حابس وذووهم جاؤا إلى رسول الله فقالوا : ان جلست في صدر المجلس ونحيت عنّا هؤلاء وروائح صنانهم وكانت عليهم جباب الصوف ـ جلسنا نحن إليك وأخذنا عنك ، فلا يمنعنا من الدخول عليك إلّا هؤلاء ، فلمّا نزلت الآية قام النبي صلّى الله عليه يلتمسهم فأصابهم في مؤخّر المسجد يذكرون الله عزوجل فقال : الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن اصبّر نفسي مع رجال من أمّتي : معكم المحيا ومعكم الممات.

__________________

(١) المجمع ج ٣ ص ٤٦٥.

٣٠٢

هذا ولا يخفى ما يستفاد منه من الترغيب والتحريض في مجالسه الصلحاء والعبّاد وإن كانوا فقراء ، وحفّت مجالستهم بمكاره تتأذّى منها النفس وتنفر ، وفضل الدعاء وكأنه هنا يعمّ الأذكار وقراءة القرآن ، والصلاة وفضيلة وقت الغداة والعشيّ ، وهو ان زينة الدنيا ، وضرر التوجّه إليها وإلى أهلها ، واستقباح العدول عن صحبة أهل الطاعة إلى صحبتهم ، ولو لاحتمال مصلحة دينيّة.

(وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا) أي جعلنا قلبه غافلا عنه كقولك أجبنته وأفحمته وأبخلته ، إذا وجدته كذلك أو من أغفل أهله إذا تركها بغير سمة أي لم نسمه بالذكر ولم نجعلهم من الّذين كتبنا في قلوبهم الايمان ، أو نسبنا قلبه إلى الغفلة كما يقال أكفره إذا نسبه إلى الكفر.

قال الكشاف (١) : وقد أبطل الله توهم المجبّرة بقوله (وَاتَّبَعَ هَواهُ) وقرئ «أغفلنا قلبه» بإسناد الفعل إلى القلب على معنى حسبنا قلبه غافلين عمّن ذكرنا ، فلا نعرف من ذكرنا ممن لم يذكرنا ، أو من آمن بذكرنا ممّن لم يؤمن به ، أو عن ذكرنا إيّاه بالمؤاخذة وذلك أيضا من أغفلته إذا وجدته غافلا.

(وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) : متقدّما للحقّ والصواب ، نابذا له وراء ظهره ، من قولهم فرس فرط متقدّم للخيل ، وفيه من التحريض على ذكر الله واتّباع آياته والزّجر عن الغفلة ومتابعة الهوى ما لا يخفى.

وقد يستفاد عدم جواز المماشاة مع الكفّار والمنافقين أو الفسّاق أيضا فيما يرومون من تعظيمهم والمداخلة معهم والمخالطة بهم استجلابا لقلوبهم إلى الحق ، والله أعلم.

السادسة عشرة [آل عمران : ١٩٠] (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ.)

__________________

(١) الكشاف ج ٢ ص ٧١٨ ونقل قراءة أغفلنا قلبه بفتح اللام وضم الباء في شواذ القراءات لابن خالويه ص ٧٩ عن عمرو بن فائد ونقله في روح المعاني ج ١٥ ص ٢٤٤ عن عمرو بن فائد وموسى الأسواري وعمرو بن عبيد.

٣٠٣

أى إنّ في إيجادهما بما فيهما من العجائب والبدائع ، وفي اختلاف الليل والنهار باعتبار الخواصّ والأحوال ، بل اختلاف كلّ بنفسه باعتبار الطول والقصر ، والحرارة والبرودة والشدة والضعف في ذلك ، والتفاوت بين أجزائه وأحوالها ، لأدلّة واضحة على وجود الصانع وكمال علمه وعظيم قدرته وباهر حكمته وغير ذلك من صفاته العلي الثبوتيّة والسلبيّة لذوي البصائر والعقول.

اللب العقل (١) سمّي به لأنه خير ما في الإنسان ، واللبّ من كلّ شيء خيره وخالصة ، وفي ذلك ترغيب في علم الكلام والهيئة ، بل النجوم على بعض الوجوه.

(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ.)

أي مضطجعين ، و «الذين» في محلّ الجرّ بأنه صفة أو عطف بيان لاولي ، وقيل أو تأكيد له ، ويمكن كونه مرفوعا أو منصوبا على المدح ، وهو إشارة إلى أن «اولي الألباب» هم الّذين يذكرون الله دائما وعلى كل حال.

في المجمع : لان أحوال المكلّفين لا تخلو من هذه الثلاثة ، وقد أمروا بذكر الله في جميعها.

وفي الكشاف ذكرا دائبا على أيّ حال كانوا من قيام أو قعود أو اضطجاع لا ـ يخلون بالذكر في غالب أحوالهم.

وعلي التقديرين كانّ فيه إشعارا بأن من لم يكن ذاكرا لله كذلك كأنه خال عن اللبّ والعقل ، فكيف من كان غافلا في غالب الأحوال ، وفي ذلك من الترغيب في ذكر الله على جميع الأحوال ما لا يخفى ، كما في الحديث القدسيّ إنّ ذكري حسن على كلّ حال.

وقيل معناه يصلّون في هذه الأحوال على حسب استطاعتهم فالصحيح يصلّي

__________________

(١) قال في المقاييس ج ٥ ص ١٩٩ اللام والباء أصل صحيح يدل على لزوم وثبات وخلوص وجودة فالأول ألب بالمكان الى ان قال والمعنى الآخر اللب معروف من كل شيء وهو خالصة وما ينتقى منه ولذلك سمى العقل لبا ورجل لبيب اى عاقل وقد لب يلب وخالص كل شيء لبابه انتهى ما أردنا نقله.

٣٠٤

قائماً ، والمريض جالسا وعلى جنبه أي مضطجعا ، في المجمع : رواه علي بن إبراهيم (١) في تفسيره ولا تنافي بين التفسيرين ، لأنه غير ممتنع وصفهم بالذكر في هذه الأحوال وهم في الصلاة وهو قول ابن جريج وقتادة.

وفي الكافي (٢) عن علي عن أبيه عن ابن محبوب عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه‌السلام في قول الله عزوجل (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً). قال : الصحيح يصلي قائماً (وَقُعُوداً) المريض يصلي جالسا (وَعَلى جُنُوبِهِمْ) الذي يكون أضعف من المريض الذي يصلّي جالسا ، وفي ذلك ردّ على أبي حنيفة حيث قال بأنه يستلقي ، وأما الشافعيّ فعلى ما ذهب إليه أصحابنا.

(وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)

عطف على (يَذْكُرُونَ) فيدلّ على أن من كمال العقل وحسن البصيرة التفكّر في خلقهما.

والاستدلال به من جهة اختراع هذه الأجرام العظام ، وإبداع صنعتها وأوضاعها ، وما دبّر فيها مما تكلّ الافهام عن إدراك بعض عجائبه كما يعين عليه علم الهيئة والنجوم ، على عظم شأن الصانع وكبرياء سلطانه ، وجلال صفاته ، وكمال قدرته ، وعظيم حكمته قائلين :

(رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا) إشارة إلى السموات والأرض ، لأنها في معنى المخلوق كأنه قيل : ما خلقت هذا المخلوق العجيب باطلا وفي هذا ضرب من التعظيم ، أو إلى الخلق على أنّ المراد به المخلوق.

(باطِلاً) عبثا بغير حكمة ومصلحة (سُبْحانَكَ) تنزيها لك عن الباطل والعبث وجميع النقائص بل فيه حكم عظيمة ومصالح جليلة منها أن تجعلها مبدءا لوجود الإنسان بل أصناف الحيوان وسببا لمعاشهم ومساكن لهم وأدلّة للمكلفين علي

__________________

(١) المجمع ج ١ ص ٥٥٦.

(٢) الوسائل ج ٤ ص ٦٨٩ المسلسل ٧١١٥ الباب ١ من أبواب القيام.

٣٠٥

حكمتك ووجوب طاعتك واجتناب معصيتك ، تعريضا إياهم للثواب بدلا من العقاب ولذلك وصل به قوله (فَقِنا عَذابَ النَّارِ).

فالفاء للدلالة على أنّ علمهم بما لأجله خلقت السموات والأرض حملهم على الاستعاذة ويشعر بأنّ المكلف بما تقدم له من العلم والايمان بأنه لم يفعل عبثا وما استلزمه حتى أدّاه إلى الاستعاذة ، أهل للطلب والمغفرة والله أعلم.

وفي الآية دلالة على أنّ الكفر والضلال والقبائح ليست خلقا لله تعالى ، لأنها باطلة بلا خلاف ، وقد نفى الله سبحانه ذلك بحكايته عن اولى الألباب الّذين رضي أقوالهم ، فيجب بذلك القطع على أنّ القبائح غير مضافة إليه سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علوا كبيرا.

وفيها إشارة إلى أنّ العلم بوجود فائدة يدلّ على عودها إلى الخلق ، وذلك يدلّ على استحقاق العبادة وحسن التكليف وكونه لازما واستحقاق الثواب على الطاعة والعقاب على العصيان ، وأنّ له المغفرة والعفو على جهة التفضّل ، وأنه لا قبح فيه ، وهو قادر عليه مختار فيه ، وكان ذلك يستلزم كون الحسن والقبح عقليين.

ولا يخفى ما في ذلك أيضا من الدلالة على عظم شأن علم أصول الدين وفضل أهله وشرف التفكّر والتدبّر في الخلق ، والاستدلال والاعتبار به ، حيث جعل كذكر الله من لوازم العقل.

عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله : لا عبادة كالتفكّر (١) وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله أيضا : بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال : أشهد ان لك ربا وخالقا اللهمّ اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له.

__________________

(١) انظر اخبار فضيلة التفكر في الباب ٥ من أبواب جهاد النفس في الوسائل ج ١١ ص ١٥٣ وص ١٥٤ ومستدرك الوسائل ج ٢ ص ٢٨١ وص ٢٨٢ والدر المنثور ج ٢ ص ١١٠ وص ١١١.

٣٠٦

وروى الثعلبيّ (١) بإسناده عن محمّد بن الحنفيّة عن عليّ بن أبي طالب أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كان إذا قام من الليل سوّك ثمّ ينظر إلى السماء ثمّ يقول (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ») إلى قوله (فَقِنا عَذابَ النَّارِ).

(رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) أي فقد أبلغت في إخزائه ، وهو نظير قوله (فَقَدْ فازَ) ومن كلامهم نحو من سبق فلانا فقد سبق ، والجملة استئناف في مقام التعليل للطلب المتقدّم على جهة التأكيد والإلحاح فيه بتهويل المستعاذ منه وإظهار شدّة الخوف والعجز عن احتمال ذلك تعرضا لرحمته الواسعة ، أو على جهة الاستشفاع بسعة رحمته ووفور كرمه لقبول ما تقدّم من معرفة الله تعالى والايمان به وتنزيهه عمّا لا يليق به ، والدعاء له والاستعاذة به ، فلا يبلغ في إخزائه الغاية بل يدركه بالعناية الكاملة الّتي يقبل بها القليل ويعطي الجزيل.

فكأنّ ذلك بالنظر إلى مزيد عنايته باثابة خلقه وتعلّق إرادته بتعريضهم لثوابه بدلا عن عقابه ، يناسب أن لا يكون بالنسبة إلى أهل معرفته والمتعوّذين بجلال رحمته ، بل إنّما يناسب المستغرقين في ظلم نفوسهم بجهل جلاله والتمرّد عن كبرياء سلطانه فلذلك قال (وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ)

في الكشاف اللام إشارة إلى من يدخل النار وإعلام بأن من يدخل النار فلا ناصر له بشفاعة ولا غيرها ، وكأنّ ذلك بالنظر إلى أنّ من لم يخلد فيها كأنّه لم يبلغ في إخزائه الغاية ، وإن كان الخزي حاصلا في الحالين ، وقيل : الخزي إنّما هو بالخلود في النار.

وفي تفسير القاضي (٢) : أراد بهم المدخلين ، ووضع المظهر مقام المضمر للدلالة على أنّ ظلمهم تسبّب لإدخالهم النار ؛ وانقطاع النصرة عنهم في الخلاص ، ولا يلزم من نفي النصرة نفي الشفاعة لأن النصرة دفع بقهر وعلى هذا ينبغي أن يحمل إبلاغ الخزي على المبالغة والشدّة بالنسبة إلى الخزي بغير دخول النار.

__________________

(١) المجمع ج ١ ص ٥٥٤.

(٢) البيضاوي ٢ / ٦١.

٣٠٧

ويمكن أن يكون مراد القاضي بيان مدلول لفظ الناصر فلا مانع من لزوم نفي الشفيع بدليل آخر ، كما يمكن أن يكون مراد الكشاف بيان ما يستفاد ولو بإعانة دليل من خارج ، فتأمل فيه.

وأما ثبوت الشفاعة لأهل الكبائر وخروج آخرين بشفاعة أو بغيرها فالأخبار فيه من طريق الخاصّة والعامة أكثر من أن تحصى ، وها هي الآية الآتية صريحة في العفو عن مرتكب الكبيرة.

(رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ) أوقع الفعل على المسمع وحذف المسموع لدلالة وصفه عليه ، وفي تنكير المنادي وإطلاقه أولا ثمّ تقييده بالايمان ثانيا تفخيما وتعظيما لشأنه وهو الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وقيل القرآن والدعاء والنداء ونحوهما يعدّى بالى واللام ، لتضمّنها معنى الاختصاص والانتهاء.

(أَنْ آمِنُوا) أي آمنوا أو بأن آمنوا. (بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا.)

لا يبعد أن يراد بالسيّئات الصغائر كما في قوله (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ) فيخص الذنوب بالكبائر فيمكن كونه على سبيل التوبة وطلب مغفرة الذنوب بها وأن يلحقهم بذلك بمجتنب الكبائر في تكفير السيّئات وما قيل من أنّ المراد غفران الذنوب بلا توبة وتكفير السيئات إن تبنا ، أو اغفر لنا بالتوبة وكفّر عنا باجتناب الكبائر ، فلا يخفى ما فيه.

(وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ) مخصوصين بصحبتهم معدودين في جملتهم والأبرار جمع برّ أو بارّ كأرباب وأصحاب.

(رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ.)

أي على تصديق رسلك أو محمولا على رسلك أو منزلا عليهم أو على ألسنة رسلك والموعود هو الثواب والإفضال.

وهذا السؤال ليس خوفا من خلف الوعد ، كيف وهو محال عليه؟ بل مخافة

٣٠٨

أن لا يكون من الموعودين بسوء عاقبة أو قصور في الامتثال ، فهو طلب التوفيق في تكميل ما يكونون به من الموعودين وما يحفظ عليهم أسباب إنجاز الوعد أو هو باب من اللجإ والتضرع إلى الله والخضوع والتعبّد له كما كان الأنبياء وأكابر الأولياء يستغفرون ويبكون ويظهر منهم الخوف العظيم من العقاب مع عدم ذنب وتقصير بل يقصدون بذلك التذلّل والتضرّع واللّجإ الذي هو سيماء العبوديّة.

وقيل : إن الكلام وإن خرج مخرج المسئلة ، لكن المراد به الخبر أى توفّنا مع الأبرار لتؤتينا ما وعدتنا به على رسلك ، ولا تخزينا يوم القيمة لأنهم علموا أن ما وعد الله به حق ، ولا بد أن ينجزه ، وقيل الموعود النصر على الأعداء وانما سألوا تعجيله.

(وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ) أي لا تفضحنا فيه بوجه بأن تعصمنا مما يقتضيه وتوفّقنا لما يبعدنا عنه ، أو أن تعفو فلا تفعل.

(إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ) باثابة المؤمن وعدم خزيه وإجابة الداعي ، والجملة استئناف في مقام التعليل لما تقدم ، أي تفعل بنا ذلك لأنك وعدتنا وأنت لا تخلف الميعاد ، وقيل يمكن كونه خبرا بمعنى الدعاء فيكون تأكيدا لما تقدم ، وعن ابن عباس الميعاد البعث بعد الموت.

وفي المجمع : وقد اشتهرت الرواية عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أنه لما نزلت هذه الآيات قال : ويل لمن لاكها بين فكّيه ولم يتأمّل ما فيها ، وورد عن الأئمّة من آل محمّد ـ عليهم‌السلام الأمر بقراءة هذه الآيات الخمس وقت القيام بالليل للصلاة ، وفي الضجعة بعد ركعتي الفجر.

وروى محمّد بن علي بن محبوب عن العبّاس بن المعروف عن عبد الله بن المغيرة عن معاوية بن وهب قال : سمعت أبا عبد الله عليه‌السلام وذكر صلاة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : كان يأتي بطهور فيخمّر عند رأسه ، ويوضع سواكه تحت فراشه ، ثمّ ينام ما شاء الله ، فاذا استيقظ جلس ثمّ قلب بصره في السماء ثم تلا الآيات من آل عمران (إِنَّ فِي خَلْقِ

٣٠٩

السَّماواتِ) الآيات ثمّ يستنّ ويتطهّر ثمّ يقوم إلى المسجد فيركع أربع ركعات على قدر قراءته ركوعه ، وسجوده على قدر ركوعه : يركع حتّى يقال متى يرفع رأسه؟

ويسجد حتّى يقال متى يرفع رأسه؟ ثمّ يعود إلى فراشه فينام ما شاء الله.

ثمّ يستيقظ فيجلس فيتلو الآيات من آل عمران ، ويقلب بصره في السماء ، ثمّ يستنّ ويتطهّر ، ويقوم الى المسجد فيصلّي أربع ركعات كما ركع قبل ذلك ثمّ يعود إلى فراشه فينام ما شاء الله ثم يستيقظ فيجلس فيتلو الآيات من آل عمران ويقلب بصره في السماء ثم يستنّ ويتطهّر ويقوم إلى المسجد فيوتر ويصلي الركعتين ثمّ يخرج إلى الصلاة (١).

واعلم أنّ تكرير «ربّنا» من باب الابتهال والمبالغة فيه والدلالة على استقلال المطالب وعلوّ شأنها ، وإعلام بما يقتضي حسن الإجابة ، وفي الكشاف وروي عن جعفر الصادق عليه‌السلام «من حزبه أمر فقال خمس مرات «ربّنا» أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد» وقرء هذه الآية.

(فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى) الآية.

وعن الحسن حكى الله عنهم أنّهم قالوا خمس مرات «ربّنا» ثمّ أخبر أنه استجاب لهم ، وفي المجمع : هذه تتضمّن الحثّ على مواظبة الأدعية في الآيات المتقدّمة ، والإشارة إلى أنها مما تعبد الله بها لأنها تتضمن الإجابة لمن دعا بها.

(بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) معترضة بيّنت بها شركة النساء مع الرجال فيما وعد الله به عباده العاملين ، فلعلّ المراد وصلة الإسلام. في المجمع : في الدّين والنصرة والموالاة فحكمي في جميعكم واحد انتهى ، وعلى هذا يستفاد أحكام كثيرة فتأمّل.

(فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً) في موضع المصدر المؤكّد بمعنى أثابه أو تثويبا ، لأن قوله (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ

__________________

(١) مجمع البيان ١ / ٥٥٤.

٣١٠

وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ) في معنى لأثيبنّهم.

(مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ.)

أى يختصّ به وبقدرته لا يثيبه غيره ، ولا يقدر عليه ، وفيه من الترغيب العظيم على المهاجرة في سبيل الله واحتمال الأذى والإخراج عن الدّيار والأهل ، والقتل والقتال في طاعة الله ما لا يخفى.

وكذا دلالتها على أنّ الذنوب يكفّرها العمل الصالح كقوله (إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ) ومثلها كثيرة ولا ينافيها (وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ) الآيتان فتأمّل. قيل : وفيها دلالة أيضا على أنّ العمل لا يقع شكرا بل عليه أجر وعوض تأمل فيه.

وفي الآيات تعليم من الله كيف يدعى وكيف يبتهل إليه ، ويتضرّع ، وإعلام بما يوجب حسن الإجابة وحسن الإثابة من احتمال المشاقّ في دين الله ، والصبر على صعوبة تكاليفه ، وقطع لأطماع الكسالى المتمنّين عليه ، وتسجيل على من لا يرى الثواب موصولا إليه بالعمل بالجهل والغباوة.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا) على دينكم واثبتوا عليه (وَصابِرُوا) الكفّار (وَرابِطُوا) هم في سبيل الله عن الحسن وقتادة والضّحاك ، وقيل : فمعناه اصبروا على طاعة الله وعن معاصيه وقاتلوا العدوّ فاصبروا على قتالهم في الحق كما يصبرون على قتالكم في الباطل ، وأعدّوا لهم من الخيل ما يعدّونه لكم كقوله سبحانه (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ) ويقرب منه ما روي عن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام أنّه قال : معناه اصبروا على المصائب ، وصابروا على عدوّكم ، ورابطوا عدوّكم.

وفي الكشاف : اصبروا على الدّين وتكاليفه ، وصابروا الكفّار أي وغالبوهم في الصبر على شدائد الحرب لا تكونوا أقلّ صبرا منهم وثباتا ، والمصابرة باب من الصبر ذكر بعد الصبر على ما يجب الصبر عليه تخصيصا لشدّته وصعوبته ، ورابطوا وأقيموا في الثغور رابطين خيلكم فيها مترصّدين مستعدّين للغزو ، وقال الله تعالى (وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ).

٣١١

وعن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله (١) من رابط يوما وليلة في سبيل الله كان كعدل صيام شهر وقيامه لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلّا لحاجة.

وعلى هذا فيمكن الاستدلال على وجوب المرابطة المصطلحة مع الضرورة واستحبابها بدونها حملا للأمر على الرجحان لعدم صحّة الوجوب والاستحباب مطلقا مع الإجماع على الوجوب مع الضرورة فتأمّل.

وقيل : إنّ معنى رابطوا رابطوا الصلاة وانتظروها واحدة بعد واحدة ، لأن المرابطة لم يكن حينئذ ، روي ذلك عن علىّ عليه‌السلام وعن جابر بن عبد الله وأبي سلمة بن عبد الرحمن وروي عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله (٢) أنّه سئل عن أفضل الأعمال فقال إسباغ الوضوء في

__________________

(١) انظر مضمون الحديث في الدر المنثور ج ٢ ص ١١٣ وص ١١٤ وكنز العمال ج ٤ من ص ١٩٥ الى ص ٢٠١ ومستدرك الوسائل ج ٢ ص ٢٤٦ ولفظ المصنف مروي في مستدرك الوسائل عن غوالي اللئالى والكشاف عند تفسير آخر سورة آل عمران وفي النسائي ج ٦ ص ٣٩ والبيهقي ج ٩ ص ٣٨ ومستدرك الحاكم ج ٢ ص ٨.

(٢) لم أظفر الى الان على الحديث بالوجه الذي نقله المصنف ففي اخبار الشيعة كون الثلاثة من الكفارات وليس فيها ذكر كونها من الرباط إلا في المروي عن دعائم الإسلام وهو في ط مصر ١٣٨٣ ج ١ ص ١٠٠ ونقله في المستدرك ج ١ ص ٥١ وليس في واحد من اخبارهم كونها أفضل الأعمال نعم في دعائم الإسلام كونها مما اختصم فيه الملإ الأعلى انظر في ذلك جامع أحاديث الشيعة ج ١ من ص ٩٢ الى ص ٩٣.

واما اخبار أهل السنة ففيها أيضا كون الثلاثة من الكفارات وفي مجمع الزوائد ج ١ ص ٢٣٧ انها مما اختصم فيه الملاء الأعلى وفي أكثرها كونها من الرباط ليس فيها ذكر كونها من أفضل الأعمال انظر في ذلك شرح النووي على صحيح مسلم ج ٣ ص ١٤١ وسنن البيهقي ج ١ ص ٨٢ وسنن ابن ماجة ص ١٣٨ وسنن الدارمي ج ١ ص ١٧٧ وتفسير الخازن ج ١ ص ٣١٢ وتفسير ابن كثير ج ١ ص ٤٤٤ تفسير الطبري ج ٤ ص ٢٢٢ والدر المنثور ج ٢ ص ١١٤.

ثم اللفظ في أكثر أخبار الشيعة إسباغ الوضوء في السبرات وفي اخبار أهل السنة إسباغ الوضوء في المكاره أو على المكاره إلا في الرقم ٣٤٧٢ من الجامع الصغير ج ٣ ص ٣٠٧ فيض القدير ففيه إسباغ الوضوء في السبرات وكذا في مجمع الزوائد ج ١ ص ٢٣٧ والسبرات جمع سبرة بسكون الموحدة وهي شدة البرد كسجدة وسجدات.

٣١٢

السبرات ، ونقل الاقدام إلى الجماعات ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط.

(وَاتَّقُوا اللهَ) أن تخالفوه فيما يأمركم وينهاكم ، أو عذابه بلزوم أوامره واجتناب نواهيه (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) لكي تظفروا وتفوزوا بنيل المنية. ودرك البغية في المجمع : هذه الآية تتضمّن جماع ما يتناوله التكليف ، لأن قوله (اصْبِرُوا) يتناول لزوم العبادات وتجنّب المحرمات (وَصابِرُوا) يتناول ما يتّصل بالغير كمجاهدة الجنّ والانس وما هو أعظم منها من جهاد النفس (وَرابِطُوا) يدخل فيه الدفاع عن المسلمين والذبّ عن الدّين و (اتَّقُوا اللهَ) يتناول الانتهاء عن جميع النواهي والزواجر ، والايتمار بجميع الأوامر ، ثمّ تبع جميع ذلك الفلاح والنجاح وبالله التوفيق.

السابعة عشرة (أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا) (من الأمم قوم) (إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا.)

فحذف لدلالة الكلام عليه عن أبى مسلم ، روي (١) عن علىّ بن الحسين عليه‌السلام أنّه قال نحن عنينا بها ، وقيل : بل المراد الأنبياء الّذين تقدم ذكرهم ، فيحتمل العطف على من «الأول» والثانية (٢).

ثمّ إن جعلت «الّذين» فيما قبل خبرا لأولئك كان (إِذا تُتْلى) كلاما مستأنفا ، وإن جعلته صفة له كان خبرا ، فكأنه سبحانه بيّن أنهم مع جلالة قدرهم كانوا يسجدون ويبكون عند تلاوة آيات الله عليهم ، وهؤلاء العصاة ساهون لاعبون مع إحاطة السيّئات بهم ، وفيه من الترغيب في السجود والبكاء حينئذ ما لا يخفى ،

__________________

(١) المجمع ج ٣ ص ٥١٩.

(٢) قال المؤلف ره في الهامش : في الكشاف : عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : اتلوا القرآن وابكوا فان لم تبكوا فتباكوا وعن صالح المري قال : قرأت القرآن على رسول الله فقال لي : يا صالح هذه القراءة فأين البكاء؟ أقول : راجع الكشاف ج ٣ ص ٢٥.

٣١٣

خصوصا بالنسبة إلى هذه الآية ، لاشتمالها على هذا الترغيب والتحريص ، فلا يبعد فهم تأكيد استحباب السجدة عندها كما هو المشهور والمأثور وأما للتّالى والسامع مطلقا فإما لعدم الفرق أو المؤثر إذ الغرض التعظيم أو للإجماع أو الاخبار (١) والله اعلم.

(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ) خلفه إذا عقبه ، ثمّ قيل في عقب الخير خلف بالفتح ، وفي عقب السوء ، خلف بالسكون كما قالوا وعد في ضمان الخير ، ووعيد في ضمان الشرّ ، قيل : هم اليهود ومن تبعهم ، وقيل : من هذه الأمة عند قيام الساعة عن مجاهد وقتادة.

(أَضاعُوا الصَّلاةَ) عن ابن عبّاس (٢) هم اليهود تركوا الصلاة المفروضة وشربوا الخمر واستحلّوا نكاح الأخت من الأب ، وقيل : أضاعوا بتأخيرها عن مواقيتها من غير أن يتركوها أصلا عن ابن مسعود وجماعة. في المجمع وهو المرويّ (٣) عن أبى عبد الله عليه‌السلام وفي الكشاف (٤) وينصر الأول قوله (إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ) يعني الكفار فليتأمّل.

(وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ) فيما حرم عليهم. في المجمع : وعن علىّ عليه‌السلام من بنى المشيد ، وركب المنظور ولبس المشهور (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) أي شرّا ، فان كلّ شر عند العرب غىّ ، وكل خير رشاد ، أو مجازاة الغي لقوله (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً) أي

__________________

(١) انظر الوسائل الباب ١ من أبواب المواقيت ج ٣ من ص ٧٨ الى ص ٨٤ والباب ٩ من أبواب المواقيت في تأكد كراهة تأخير العصر ج ٣ من ص ١١١ الى ص ١١٤ ومستدرك الوسائل ج ١ ص ١٨٤ وص ١٨٧ ترى الأحاديث بهذه المضامين كثيرة.

(٢) الكشاف ج ٣ ص ٢٦.

(٣) المجمع ج ٣ ص ٥١٩.

(٤) الكشاف ج ٣ ص ٢٦.

٣١٤

مجازاة أثام أو غيّا عن طريق الجنّة ، وقيل واد في جهنّم تستعيذ منه أوديتها وفيه دلالة على تحريم إضاعة الصلاة واتّباع الشهوات.

(إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً) يدلّ على قبول التوبة مع الايمان والعمل الصالح ، وعلى الخروج من الايمان بما تقدّم من الإضاعة واتّباع الشهوات.

٣١٥

كتاب الزكاة

وفيه مباحث :

الاولى في وجوبها والحث عليها ومحلها وشرائط قبولها

وفيه آيات : الاولى (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) قيل : لما حوّلت القبلة وكثر الخوض في أمرها حتّى كأنه لا يراعى في طاعة الله إلّا التوجّه للصلاة ، نزلت. والخطاب للمسلمين وغيرهم ، أي ليس البرّ كلّه أو البرّ العظيم الذي يحسن أن تذهلوا بشأنه عن غيره أمر القبلة.

وقيل الخطاب لأهل الكتاب فإنّهم أكثروا الخوض على الباطل ، أي ليس البرّ ما عليه النصارى من التوجّه إلى المشرق ، ولا ما عليه اليهود من التوجّه إلى المغرب ، وهو أنسب بالكلام ، وأقوى في المقام مع عموم الخطاب ، والتعريض بفعل الطائفتين.

ولكنّ البرّ (برّ) من آمن على حذف المضاف أو يراد بالبرّ البارّ لأنه مصدر ، أو ذا البرّ لأنه اسم أو كما قالت «فإنما هي إقبال وإدبار» (١) والأنسب على الأوّل وهو أحسن الوجوه لموافقته لقوله (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا) أن يكون التقدير : فعل من آمن كما نفي هناك أن يكون البرّ فعلهم من التولية.

فإذا كان الخطاب لأهل الكتاب أو مطلقا أفاد أن ليس لهم في أعمالهم ما يمكن أن يظنوه من البرّ إلا التولية كما يقتضيه خوضهم ، ولذلك أتى به بعينه ، وهو على تقديره ليس بعظيم بل البرّ أو العظيم منه منحصر في فعل من آمن ، وحينئذ فيتوجه

__________________

(١) انظر تعاليقنا على مسالك الافهام ج ٢ من ص ٣ الى ص ٦ والقصيدة للخنساء ترثى بها صخرا.

٣١٦

أن يراد به ما تضمنه الأوصاف من الايمان وغيره ، فحذفه لدلالة الأوصاف عليه على أبلغ وجه ويمكن أن يراد أعمّ مما تضمّنه الأوصاف وغيره ولو مبالغة.

ويمكن أيضا أن يراد به تولية الوجه شطر المسجد الحرام فلا يبعد أن يكون المراد بالاية ليس البرّ في أمر القبلة ما تفعلونه أنتم يا أهل الكتاب ، بل البرّ فيه فعل من آمن فلا يبعد أن يكون ذكر الأوصاف إشارة إلى أنّ محامد المسلمين ومبرّاتهم كثيرة ليست منحصرة في أمر القبلة مثلهم بحسب ما يشهد به خوضهم ، وترغيبا في الدخول فيما دخلوا ، وتنبيها على أنّ ذلك البرّ مرتبة بعد هذه المبرّات أو أنّ هذه شروط لكون هذا برّا كما قيل فتأمل.

(بِاللهِ) في المجمع (١) أي صدّق بالله ، ويدخل فيه جميع ما لا يتمّ معرفة الله سبحانه إلّا به كمعرفة حدوث العالم وإثبات المحدث وصفاته الواجبة والجائزة ، وما يستحيل عليه ، ومعرفة عدله وحكمته (وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) ويدخل فيه البعث والحساب والثواب والعقاب (وَالْمَلائِكَةِ) بأنهم موجودون وعباد الله المكرمون : إياه يعبدون وبأمره يعملون (وَالْكِتابِ) جنس كتب الله أو القرآن بأنه حقّ منزل من عند الله (وَالنَّبِيِّينَ) بأنهم مبعوثون إلى الناس معصومون وما أتوا به حقّ.

(وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ) الجارّ والمجرور في موضع الحال أي مع حبّ المال كما روي (٢) عنه عليه‌السلام أنه لما سئل أيّ الصدقة أفضل؟ قال : هو أن تعطيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر ، أو الضمير لمن ، والإضافة إلى الفاعل ، ولم يذكر المفعول للظهور ، وهذا والأول في المعنى سواء.

ويمكن كونه إشارة إلى أن ذلك لا على جهة السفاهة ، وعدم معرفته بقدر المال والمصالح المتعلقة به ، فإنه على هذا الوجه لا يكون صفة مدح بل بمقتضى الايمان على

__________________

(١) المجمع ج ١ ص ٣٦٣.

(٢) انظر البخاري بشرح فتح الباري ج ٤ ص ٢٧ باب فضل صدقة الشحيح والنسائي ج ٥ ص ٦٨ والكشاف ج ١ ص ٢١٨ والجامع الصغير بشرح فيض القدير ج ٢ ص ٣٦ الرقم ١٢٥٨ عن أبي هريرة أخرجه عن أحمد والبخاري ومسلم وابى داود والنسائي مع زيادة وتفاوت.

٣١٧

محبة ومعرفة ، أو المفعول ما ذكره بعده وترك مفعول «آتى» للظهور ، فان حبّ هؤلاء انّما يقتضي عطاءهم وسبق الايمان قد يكفي في الإشعار بكون الإيتاء بل الحبّ لله أو في الله.

قيل : هو أحسن ما قيل ، لأن تأثير هذا أبلغ من تأثير حبّ المال فإنّ محبة إذا لم يقصد وجه الله لم يستحقّ شيئا من الثواب وإنما تأثيره في زيادة الثواب ، إذا قصد وجه الله ، وقاصده يستحق الثواب وإن لم يكن ذلك منه على حب المال فتأمل ، أو للايتاء.

(ذَوِي الْقُرْبى) قرابة المعطي كما روي (١) عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه سئل عن أفضل الصدقة فقال جهد المقلّ على ذي الرحم الكاشح ، وعنه عليه‌السلام أيضا صدقتك على المسكين صدقة ، وعلى ذوي رحمك اثنتان صدقة وصلة (٢) وغير ذلك من الروايات في ذلك فإنّها كثيرة.

أو قرابة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في قوله (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) وهو المرويّ عن أبى جعفر وأبى عبد الله عليهما‌السلام (٣) ووجه التقديم على الوجهين

__________________

(١) رواه بلفظ المصنف في المجمع ج ١ ص ٢٦٣ ورواه مع تفاوت في الفقيه ط النجف ج ٢ ص ٣٨ بالرقم ١٦٥ والتهذيب ج ٤ ص ١٠٦ بالرقم ٣٠١ والكافي ج ١ ص ١٦٤ والكشاف ج ١ ص ٢١٩ وفي الكاف الشاف ذيله تخريجه واللسان والنهاية كلمة (ك ش ح) والمستدرك ج ١ ص ٥٣٦ عن الجعفريات وكتاب الغايات وانظر الوسائل وأيضا ج ٦ من ص ٢٨٦ الى ص ٢٨٧ الباب ٢٠ من أبواب الصدقة.

ثم الكشح ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف بكسر الخاء وهو ما بين السرة إلى المتن قال ابن سيدة على ما في اللسان والكاشح العدو الباطن العداوة كأنها يطويها في كشحه أو كأنه يوليك كشحه ويعرض عنك بوجهه وفي المقاييس ج ٥ ص ١٨٤ وقال قوم بل الكاشح الذي يتباعد عنك من قولك كشح القوم عن الماء إذا تفرقوا.

(٢) أخرجه الكشاف كما في المتن وفي الكاف الشاف تخريجه ويستفاد منه ان اللفظ في بعض المصادر الصدقة على المسكين حسنة وأخرجه في الجامع الصغير عن أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم عن سليمان بن عامر بالرقم ٥١٤٥ ج ٤ ص ٢٣٧ فيض القدير بلفظ المصنف الصدقة على المسكين صدقة وهي على ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة الرحم.

(٣) المجمع ج ١ ص ٢٦٣.

٣١٨

الأفضلية.

(وَالْيَتامى) جمع يتيم وهو صغير لا أب له ، قيل العطف على القربى لا ذوي إذ لا يصحّ إيصال المال إلى الصغير ، والوجه أنّ المراد إيتاء اليتامى والإيصال إليهم على وجه شرعيّ وذلك ربما كان بالتسليم إلى الوليّ وربما كان بالتسليم إليهم كإطعامهم ، هذا وقيل المراد المحاويج من الصنفين ولم يقيد لعدم الالتباس ، وفيه نظر خصوصا في ذي القربى.

(وَالْمَساكِينَ) جمع المسكين وأصله الدائم السكون كالمشكير لدائم الشكر ، ويراد به المحتاج لأنه قد أسكنه الخلّة أو لأنه دائم السكون إلى الناس لحاجته.

(وَابْنَ السَّبِيلِ) المسافر المنقطع به سمّى به لملازمته السبيل ، وقيل الضيف لأن السبيل ترعف به.

(وَالسَّائِلِينَ) في تفسير القاضي : الّذين ألجأتهم الحاجة إلى السؤال ، وفي الكشاف : المستطعمين ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله للسائل حقّ وإن جاء على ظهر فرسه ، وقيل المساكين الّذين يسألون وما تقدم الّذين لا يسألون والتخصيص بسائلى الطعام كاشتراط الفقر أو إلجاء الحاجة موضع نظر.

(وَفِي الرِّقابِ) جمع رقبة وهي أصل العنق ويعبّر به عن جميع البدن ، ومنه تحرير رقبة وفكاك الرقاب من النّار ، قيل المراد في معاونة المكاتبين حتّى يفكوا رقابهم ، وقيل ابتياع الرقاب وإعتاقها ، وقيل الأعم منهما وقيل : بشرط تخصيص الثاني بالذين تحت الشدة وقيل في فك الأسارى وقيل : الأعم من الجميع.

(وَأَقامَ الصَّلاةَ) المفروضة أدّاها في ميقاتها بحدودها (وَآتَى الزَّكاةَ) قيل المقصود منه ومن قوله (وَآتَى الْمالَ) الزكاة المفروضة (١) ولكن الغرض من الأوّل بيان مصارفها ، وبالثاني أداؤها والحثّ عليها ، ولكون ذلك خلاف الظاهر قيل الأول

__________________

(١) في هامش الأصل : لما روى : ليس في المال حق سوى الزكاة وفي الحديث نسخت الزكاة كل صدقة. راجع الكشاف ج ١ ص ٢٢ وفي الكاف الشاف ذيله تخريجه.

٣١٩

محمول على وجوب حقوق في مال الإنسان غير الزكاة مما له سبب وجوب كالإنفاق على من يجب نفقته ، ومن يجب سدّ رمقه لخوف تلفه ، وما يلزمه من النذور والكفّارات ، وقيل يدخل فيه أيضا ما يخرجه الإنسان على وجه التّطوّع والقربة إلى الله ، لأنّ ذلك كلّه من البرّ ، وفي الكشاف والقاضي : احتمال أن يكون حثا على نوافل الصدقات (١).

(وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا) كأنه يعم النذر واليمين أيضا بل ما بينهم وبين الخلق من العقود والوعود كما ذكروا قيل : رفعه على المدح خبرا لمبتدء محذوف أي وهم الموفون كما أنّ (وَالصَّابِرِينَ) منصوب على المدح (٢) أي أعنى بهم الصابرين.

وحينئذ فالواو للاستيناف ، فان العطف غير مناسب ، ويحتمل أن يكون والصابرين عطفا على محلّ (مَنْ آمَنَ) باعتبار كونه مضافا اليه ، فحمل على المعنى كالموفون على اللفظ ، أو الموفون على مجموع المضاف والمضاف إليه لاعتبار المضاف فيه إلّا أنه حذف وأعرب بإعرابه ، وكذا في الصابرين إلا أنه لم يعرب باعراب المضاف بل أبقى على إعرابه كما في (وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) على قراءة الجرّ بتقدير عرض الآخرة.

وفي الكشاف : الموفون عطف على من آمن واخرج الصابرين منصوبا على الاختصاص والمدح إظهارا لفضل الصبر المذكور ، على سائر الأعمال ، وقرئ والصابرون والموفين.

(وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ) الفقر والشدة (وَالضَّرَّاءِ) في البدن كالمرض والزمانة (وَحِينَ الْبَأْسِ) وقت القتال وجهاد العدوّ ، ومنه ما روي عن على عليه‌السلام كنا إذا احمرّ

__________________

(١) الكشاف ج ١ ص ٢٢٠ والبيضاوي ج ١ ص ٢١٣ ط مصطفى محمد.

(٢) انظر في ذلك المجمع ج ١ ص ٢٦٢ ففيه في هذا البحث مطالب مفيدة وانظر أيضا الكشاف ج ١ ص ٢٢ والبيضاوي ج ١ ص ٢١٣ وروح المعاني ج ٢ ص ٤١ والبيان الأتم انما هو في المجمع ثم في حواشي الكازروني على البيضاوي في الطبعة المشار إليها أيضا مطالب مفيدة مضافا الى ما في شرح أعراب الكلمة يطول لنا الكلام بنقلها فراجع أصل الكتاب.

٣٢٠