آيات الأحكام

محمد بن علي الاسترابادي

آيات الأحكام

المؤلف:

محمد بن علي الاسترابادي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مكتبة المعراجي
الطبعة: ٠
الصفحات: ٣٩٢
  نسخة غير مصححة

كما احتمله شيخنا مع احتمال الاستحباب مطلقا ، أو مؤكّدا في الصّلاة ، والله أعلم.

ثمّ ذيّل سبحانه الأمر بالصلاة عليه والسلام بالوعيد الشّديد على أذاه صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً).

عن عليّ عليه‌السلام (١) حدّثني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو آخذ بشعره فقال من آذى شعرة منك فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ، ومن آذى الله فعليه لعنة الله ، وينبّه على شدّة قبح ذلك أيضا حرمة الأذى ووضوح قبحه بالنّسبة إلى كلّ مؤمن ومؤمنة بغير ما يوجب استحقاق ذلك ، المدلول عليه بقوله (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً) ولما لم يكن أذى الله ورسوله إلّا بغير حقّ لم يقيّد كما قيّد هنا.

ثمّ قال (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ) بالقبول والإثابة عليها ، أو بالتوفيق للمجيء بها صالحة مرضيّة (وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) وفيه تنبيه بأنّ حفظ اللّسان وسداد القول رأس كلّ خير.

النوع السادس

في المندوبات ـ وفيه آيات

الاولى (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) [الكوثر : ٢] قيل : إنّ أناسا كانوا يصلّون وينحرون لغير الله ، فأمر الله نبيّه أن يصلّي وينحر لله عزوجل ، أي فصلّ لوجه ربّك إذا صلّيت لا لغيره ، وانحر لوجهه وباسمه إذا نحرت مخالفا أعمالهم في العبادة والنحر لغيره كالأوثان ، وقيل : هي صلاة الفجر بجمع والنحر بمنى ، وقيل : صلاة العيد فيكون دليلا على وجوبها ، و

__________________

(١) وانظر أيضا الباب الثاني عشر والمائة من كتاب فضائل الخمسة ج ٢ من ص ٢٢٦ الى ص ٢٢٨ الأحاديث في قول النبي (ص) من أذى عليا فقد آذاني كلها من طرق أهل السنة.

٢٠١

الشّرائط مستفاد من السنّة الشّريفة ، وقد يؤيّده (وَانْحَرْ) على تقدير أنّ المراد به نحر الإبل كما قيل ، ويمكن أن يعمّ الذّبح فيشمل الشّاة وغيرها ، والمراد الهدي الواجب (١) كما في المعالم أو الأضحيّة كما في الكشاف.

وحينئذ فيمكن اختصاص الوجوب به عليه‌السلام للإجماع المنقول على عدم وجوبها على أمّته ، بل الظاهر أنّها سنّة مؤكّدة للأخبار المذكورة في موضعها.

وفي الدروس (٢) : وروى الصّدوق خبرين بوجوبها على الواجد ، وأخذ ابن الجنيد بهما ، وقيل : صلّ صلاة الفرض لربّك ، واستقبل القبلة بنحرك من قول العرب منازلنا تتناحر : أي تتقابل ، كذا في الجمع ونقل شيخنا (٣) هذا القول على أن المراد الصّلاة مطلقا ، وروى الشّيخ في الصّحيح (٤) عن حمّاد عن حريز عن رجل عن أبى جعفر عليه‌السلام قال قلت له فصلّ لربّك وانحر ، قال : النحر الاعتدال في القيام أن يقيم صلبه ونحره ، وكأنّ هذا معنى آخر.

في الكشاف : نحر الدّار الدار كمنع استقبلتها ، والرّجل في الصّلاة انتصب ونهد صدره ، أو وضع يمينه على شماله ، أو انتصب بنحره إزاء القبلة.

__________________

(١) وانظر اللباب للخازن ج ٤ ص ٤١٦ والكشاف ج ٤ ص ٨٠٧ وفيهما ذكر أقوال أخر أيضا.

(٢) وترى الحديثين في الفقيه ط النجف ج ٢ ص ٢٩٢ الرقم ١٤٤٥ و ١٤٤٦ وهو في الوسائل ج ١٠ ص ١٧٣ المسلسل ١٨٩٩٠ و ١٨٩٩١.

(٣) انظر زبدة البيان ط المرتضوي ص ٨٩ ونقل هذا القول أيضا في المجمع انظر ج ٥ ص ٥٥٠ وانشد بيتا واستشهد به على صحة هذا الاستعمال.

(٤) وهو في التهذيب ج ٢ ص ٨٤ الرقم ٣٠٩ وفي الكافي ج ١ ص ٩٣ والمرآت ج ٣ ص ١٣٢ والوسائل الباب ٢ من أبواب القيام ج ٤ ص ٦٩٤ المسلسل ٧١٣٩ والرجل الذي روى عنه حريز مجهول ولذا عده في المرآت من المراسيل فلم أدر كيف جعله المصنف من الصحيح.

٢٠٢

هذا وقد روى العامّة (١) عن عليّ عليه‌السلام أنّ معناه ضع يدك اليمنى على اليسرى حذاء النحر ، وهو غير صحيح عنه ، بل عترته الطّاهرة مجمعون على خلاف ذلك.

وقيل : إنّ معناه ارفع يديك في الصّلاة بالتّكبير إلى محاذاة النّحر أي نحر الصدر وهو أعلاه ، وهو الذي يقتضيه روايات عن أهل البيت عليهم‌السلام كرواية (٢) عمر بن يزيد قال : سمعت أبا عبد الله عليه‌السلام يقول في قوله (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) هو رفع يديك حذاء وجهك.

ورواية عبد الله بن سنان عنه عليه‌السلام مثله ، ورواية جميل : قال قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : فصلّ لربّك وانحر ، فقال بيده هكذا يعني استقبل بيديه حذو وجهه القبلة في افتتاح الصّلاة.

ورواية حمّاد بن عثمان قال : سألت الصادق عليه‌السلام ما النحر؟ فرفع يديه إلى صدره فقال : هكذا ثمّ رفعهما فوق ذلك ، فقال هكذا ، يعني استقبل بيديه القبلة في استفتاح الصّلاة.

ورواية مقاتل بن حيّان عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه‌السلام قال : لمّا نزلت هذه السّورة قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لجبرئيل ما هذه النّحيرة الّتي أمرني ربّي؟ قال : ليست بنحيرة ولكنّه يأمرك إذا عزمت للصّلاة أن ترفع يديك إذا كبّرت ، وإذا ركعت ، وإذا رفعت رأسك من الركوع ، وإذا سجدت ، فإنّه صلاتنا وصلاة

__________________

(١) الدر المنثور ج ٦ ص ٤٠٣ وانظر تعاليقنا على مسالك الافهام ج ١ ص ٢١٤ فقد أوضحنا فيه اضطراب الحديث متنا وسندا حتى من طريق أهل السنة.

(٢) ترى روايات عمر بن يزيد وعبد الله بن سنان وجميل وحماد بن عثمان ومقاتل بن حيان في المجمع ج ٥ ص ٥٥٠ والوسائل الباب ٩ من أبواب التكبير ج ٤ ص ٧٢٧ وص ٧٢٨ من المسلسل ٧٢٦٥ الى ٧٢٦٩ نقلها عن المجمع لكنه لم يرو في الوسائل حديث حماد بن عثمان المروي في المجمع كما حكاه المصنف واخرج حديث على عليه‌السلام المروي هنا أيضا في الدر المنثور ج ٦ ص ٤٠٣ وفتح القدير ج ٥ ص ٤٩٠ وادعى الحاكم في المستدرك ج ٢ ص ٥٣٧ انه من أحسن ما روى في تفسير الآية وتفاوت ألفاظ الحديث في المصادر المذكورة يسير.

٢٠٣

الملائكة في السّموات السّبع ، فان لكلّ شيء زينة وإنّ زينة الصّلاة رفع الأيدي على كلّ تكبيرة.

قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله (١) رفع الأيدي من الاستكانة ، قلت : وما الاستكانة؟ قال : ألا تقرء هذه الآية (فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ) أورد هذا الثعلبيّ والواحديّ في تفسيريهما.

فالظاهر أنّ المراد رفع اليدين بالتكبير فيها حذاء النّحر ، بحيث يقع الأصابع أو بعض الكفّ أيضا حذاء الوجه ، وهو على هيئة النّاظر إلى موضع سجوده ، فيرتفع اختلاف الروايات باعتبار الوجه والصدر.

وقد ينبّه عليه رواية (٢) زرارة عن أحدهما عليهما‌السلام قال : ترفع يديك في افتتاح الصّلاة قبالة وجهك ولا ترفعهما كلّ ذلك ، وصحيحة (٣) معاوية بن عمّار قال : رأيت

__________________

(١) انظر كنز العرفان ج ١ ص ١٤٧.

(٢) الوسائل الباب ١٠ من أبواب تكبيرة الإحرام ج ٤ ص ٧٢٨ المسلسل ٧٢٦٩ عن فروع الكافي وهو في المنتقى ج ١ ص ٤٠٥.

(٣) الوسائل الباب ٩ من أبواب تكبيرة الإحرام ج ٤ ص ٧٢٥ المسلسل ٧٢٥٣ وهو في التهذيب ج ٢ ص ٩٥ الرقم ٢٣٤ وأورده في المنتقى ج ١ ص ٤٠٢ هكذا محمد بن الحسن بإسناده عن الحسين بن سعيد عن حماد بن عيسى عن فضالة عن معاوية بن عمار قال رأيت أبا عبد الله حين افتتح الصلاة يرفع يديه أسفل من وجهه قليلا.

ثم قال في المنتقى قلت هكذا صورة اسناد هذا الحديث في نسخ التهذيب وهو مما وقع فيه الغلط بوضع كلمة عن في موضع واو العطف كما نبهنا عليه إجمالا وتفصيلا فان حماد بن عيسى وفضالة يرويان معا عن معاوية بن عمار والحسين بن سعيد يروى عنهما عنه وذلك شائع معروف وقد راجعت خط الشيخ فوجدت قلمه قد سهى فيه وأظنه مما تداركه بالإصلاح على النحو الذي ذكرناه في فوائد المقدمة وذلك بوصل طرفي العين ليصير واوا وهو مما لا يكاد يتفطن له لبعده عن الصورة المعهودة للواو ، وقد عرض لموضع الإصلاح هنا في خط الشيخ محو قليل قوى بسببه الاشتباه فلذلك توقفنا عن الجزم بالإصلاح كما اتفق لنا في غير هذا الموضع إذ كان هناك سليما من هذا المعارض فحققناه بالتأمل انتهى ما في المنتقى.

٢٠٤

أبا عبد الله عليه‌السلام حين افتتح الصّلاة يرفع يديه أسفل من وجهه قليلا ، وصحيحة صفوان بن مهران (١) قال : رأيت أبا عبد الله عليه‌السلام إذا كبّر في الصّلاة يرفع يديه حتّى يكاد تبلغ أذنيه.

أو أقلّ ذلك بلوغ محاذاة النّحر أو إلى النحر وغايته أن لا يتجاوز أذنيه كما تنبّه عليه حسنة (٢) زرارة عن أبى جعفر عليه‌السلام قال إذا قمت في الصّلاة فكبّرت فارفع يديك ولا تجاوز بكفّيك أذنيك أي حيال خدّيك.

وفي صحاح العامّة (٣) أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله رفع يديه حتّى كانتا بحيال منكبيه ، وحاذى إبهاميه أذنيه ، ثمّ كبّر ، وقال في رواية أخرى : حتّى رأيت إبهاميه قريبا من أذنيه ، فكلّ ذلك لا ينافي كون يديه حيال منكبيه ، وهما مثل النّحر في رواياتنا.

على أنّه لا مانع أن يراد رفع اليدين فوق النحر إذا كان مقتضى الرّوايات ذلك ، والله اعلم.

ثمّ ظاهر الأمر الوجوب كما ذهب إليه المرتضى قدّس الله روحه ، مستدلّا بإجماع الفرقة ، وفعل النبيّ والأئمّة عليهم‌السلام ، ومداومتهم ، وفي بعض الأخبار المعتبرة الأمر به أيضا ، ورواية عبد الله بن سنان المتقدّمة أوردها الشّيخ في التهذيب في سند (٤) صحيح أيضا ، لكنّ المشهور بين الأصحاب الاستحباب ، ويقتضيه الأصل و

__________________

(١) الوسائل الباب المتقدم المسلسل ٧٢٥٢ والتهذيب ج ٢ ص ٩٥ الرقم ٢٣٥ وهو في المنتقى ج ١ ص ٤٠٤.

(٢) الوسائل الباب ١٠ من أبواب تكبيرة الإحرام ج ٤ ص ٧٢٨ المسلسل ٧٢٧٠ عن فروع الكافي ج ١ ص ٨٥ وهو في المنتقى ج ١ ص ٤٠٥.

(٣) انظر نيل الاوطارج ٢ من ص ١٨٢ الى ص ١٩٢ ترى نقل الحديثين كما نقله المصنف في المنتقى وفي شرحه نيل الأوطار بطرق مختلفة وألفاظ متفاوتة عن الكتب الصحاح عندهم كما نقله المصنف.

(٤) قد تقدم عن المجمع حديث عبد الله بن سنان مثل حديث عمر بن يزيد عن ابى عبد الله يقول في قوله تعالى فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ هو رفع يديك حذاء وجهك وقد أورد الحديث في التهذيب ج ٢ ص ٦٦ بالرقم ٢٣٧ والوسائل الباب ٩ من أبواب تكبيرة الإحرام ج ٤ ص ٧٢٥ المسلسل ٧٢٥٥ وفي المنتقى ج ١ ص ٤٠٣.

٢٠٥

الشهرة ، وقد يؤيّده الاحتمالات في هذه الآية ، ونفي الوجوب عن غير الإمام في بعض الروايات الصحيحة مع عدم قائل ظاهرا بهذا الفرق ، إلّا على كونه مؤكّدا في حقّ الامام ، فمقتضى الوجوب ظاهرا يحمل على شدّة الاستحباب.

روى علىّ بن جعفر (١) في الصحيح عن أخيه موسى عليه‌السلام قال : قال : على الامام أن يرفع يده في الصّلاة ، وليس على غيره أن يرفع يده في الصّلاة.

قال الشّيخ رحمه‌الله : المعنى في هذا الخبر أنّ فعل الإمام أكثر فضلا وأشدّ تأكيدا من فعل المأموم وإن كان فعل المأموم أيضا فيه فضل ، وكأنّه يريد المأموم مثلا. وكان الأولى غير الامام ، وأيّد أيضا بعدم نقل حمّاد رفع اليد في بعض تكبيرات الصّلاة كتكبير السّجود ، مع أنّ المقام للتعليم ، وبدلالة رواية مقاتل (٢) على أنّه من زينة الصّلاة وأنّه من التضرع والخضوع فيها ، ومعلوم عدم وجوبهما ، فإنّهما زائدتان على الأصل ، وباحتمال أن يكون مراد السيّد أيضا بالوجوب الاستحباب ، فإنّه قد يطلق ذلك عليه ، ويؤيده أنّه لم ينقل عنه وجوب التّكبير صريحا.

ويبعد وجوب الرّفع مع عدم وجوب التكبير وجعل الرفع شرطا ، ولهذا قال الشهيد كأنّه قائل بوجوب التّكبير أيضا ، إذ لا معنى لوجوب الكيفيّة مع استحباب الأصل فليتأمل.

وأجيب عن حجج السيّد بمنع الإجماع ، وعلى الرّجحان مسلّم والمفاد الاستحباب ، وكذا مفاد فعل النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّة عليهم‌السلام ومداومتهم ، وغايته تأكيد الاستحباب والأمر كثيرا ما يجيء للاستحباب أيضا هذا. ولا يخفى أنّ أكثر هذه الرّوايات في تكبير الافتتاح ، فلو كان قول بالوجوب فيها وحدها لتوجّه ، ومقتضى الاحتياط لا يخفى وأمّا الصّلاة حينئذ فظاهر البعض أنها أعمّ من الفرض والنفل ،

__________________

(١) التهذيب ج ٢ ص ٢٨٧ الرقم ١١٥٣ وهو في الوسائل الباب المتقدم المسلسل ٧٢٥٨ ورواه عن الشيخ في المنتقى ج ١ ص ٤٠٣ ورواه في الوسائل عن قرب الاسناد أيضا الا انه قال في آخره ان يرفع يديه في التكبير.

(٢) قد مر آنفا عن المجمع.

٢٠٦

لكن اختصاص الفرض بمقصود الآية غير بعيد ، سيّما لو حمل على الوجوب ولو في الاستفتاح ثمّ الاحتياط في حقّ الإمام أولى كما لا يخفى.

النحل [٩٨] (فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ.)

لما ذكر العمل الصالح وتوعّد عليه جزيل الثواب ، بقوله (مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) وصل به قوله هذا إيذانا بأنّ الاستعاذة ـ كقراءة القرآن ـ عندها من جملة الأعمال الصّالحة الّتي يجزل الله عليها الثّواب.

والمعنى إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ كقوله (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) وقوله «إذا أكلت فسمّ الله» فعبّر عن إرادة الفعل بلفظ الفعل ، لأنه يوجد عند القصد والإرادة بغير فاصل وعلى حسبه ، فكان منه بسبب قويّ وملابسة ظاهرة مع ظهور المراد وتبادره عرفا وشرعا كما يدلّ عليه إجماعنا ورواياتنا ورواياتهم بل إجماعهم أيضا.

وعن عبد الله بن مسعود (١) قرأت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فقلت أعوذ بالسّميع العليم من الشّيطان الرّجيم ، فقال يا بن أمّ عبد ، قل : أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم ، هكذا أقرأنيه جبرئيل عليه‌السلام عن القلم عن اللوح المحفوظ وعن أبي سعيد الخدريّ أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يقول قبل القراءة أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم (٢) وهو ظاهر لفظ القرآن والمشهور بين الأصحاب ، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ وفي

__________________

(١) الكشاف ج ٢ ص ٦٣٤ قال في الكاف الشاف رواه الثعلبي عن شيخه ابى الفضل محمد بن جعفر الخزاعي بإسناده الى ابن مسعود ورواه الواحدي في الوسيط عن الثعلبي.

(٢) المروي عن ابى سعيد الخدري في تفسير الإمام الرازي ج ١ ص ٦١ عن البيهقي والمنتقى بشرح نيل الأوطار ج ٢ ص ٢٠٣ زيادة السميع العليم نعم في الوسائل الباب ٥٧ من أبواب القراءة في الصلاة ج ٤ ص ٨٠١ المسلسل ٧٥٥٠ عن الشهيد الأول في الذكرى عن ابى سعيد الخدري عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله انه كان يقول قبل القراءة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

٢٠٧

المجمع (١) والاستعاذة استدفاع الأذى بالأعلى على وجه الخضوع والتذلّل ، وتأويله استعذ بالله من وسوسة الشّيطان عند قراءتك لتسلم في التّلاوة من الزّلل ، وفي التأويل من الخطل.

والاستعاذة عند التّلاوة مستحبّة غير واجبة بلا خلاف ، في الصّلاة وخارج الصّلاة فالظّاهر أنّ الحمل على الاستحباب إجماع وهو ظاهر كلام الأصحاب أيضا حتى ظاهر بعضها كون ذلك في صلاته ، فيبعد الوجوب مختصّا به عليه‌السلام أيضا مع قرب الأمر من الاستحباب وكثرته فيه إلّا أنّ الظّاهر حينئذ كان استحبابها في أول قراءة كلّ ركعة كما هو أحد قولي الشّافعيّ للعموم ظاهرا عرفا لا قياسا كما في تفسير البيضاوي.

لكنّ الأخبار من طرقنا وطرقهم ، وما نقل من أوصاف صلاة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّة عليهم‌السلام متّفقة على عدمها إلّا في الرّكعة الأولى في الجملة ، وربّما أيّد ذلك بأنّ الصّلاة كالفعل الواحد ، وتوجيه ذلك أنّ القراءة فيها كالواحدة لارتباط بعضها ببعض ، وقصد الكلّ في ضمن الصّلاة وتخلّل الأذكار ، والأدعية غير قادحة كما في غير الصّلاة في الجملة فتأمّل.

قال في الذّكرى : وللشّيخ أبي عليّ ابن الشّيخ أبي جعفر الطّوسي قول بوجوب الاستعاذة للأمر به ، وهو غريب ، لأنّ الأمر هنا للندب بالاتّفاق ، وقد نقل فيه والده في الخلاف الإجماع منّا ، وقد روى الكلينيّ (٢) بإسناده إلى فرات بن أحنف

__________________

(١) انظر المجمع ج ٣ ص ٣٨٥.

(٢) الوسائل الباب ١١ من أبواب القراءة ج ٤ ص ٧٤٦ المسلسل ٧٣٤٥ عن فروع الكافي وهو في الفروع ج ١ ص ٨٦ وفي المرآت ج ٣ ص ١٢٤ وفي الوافي الجزء الخامس ص ٩٩ واللفظ في الكل أول كل كتاب نزل من السماء مكان مفتاح ، فكلمة مفتاح في نسختنا سهو.

وقال المجلسي قدس‌سره في المرآت ينافيه بعض الروايات الدالة على انه لم يعطها الله غير نبينا وسليمان.

٢٠٨

عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : مفتاح كلّ كتاب نزل من السّماء (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) فإذا قرأت (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) فلا تبال أن لا تستعيذ ، فإذا قرأت (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) سترتك فيما بين السّماء والأرض انتهى.

وقيل المنقول عنه وجوبها في الرّكعة الأولى قبل الحمد فقط ، فكأنّه نظر إلى أنّ ظاهره الوجوب مطلقا ، ولم يقل به أحد ، ويبعد وجوب الاستعاذة بمجرّد إرادة القراءة المندوبة ، إذ له أن يرجع عنها فكيف الاستعاذة ، ولهذا لا يجب الغسل والوضوء لما يتوقف عليهما إلّا أن يكون واجبا ، فيخصّ بأوّل الرّكعة الاولى وهو بعيد جدّا ، لأنّ إرادة الرّكعة الاولى من الفريضة بعيد لا يفهم ، ولا قرينة أصلا فلا يمكن إرادة الله تعالى ذلك ، مع أنّه لم يذهب إليه سواه أحد ولا يوافقه ما نقل في وصف صلاة النبيّ والأئمّة عليهم‌السلام حتّى حمّاد لم يذكر الاستعاذة في صفة صلاة الصّادق عليه‌السلام فالحمل على الاستحباب وإن كان مجازا متعيّن لما تقدّم.

المزمّل [١ ـ ٢] (يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً.)

المزّمّل المتزمّل ، وهو الذي تزمّل في ثيابه أي تلفّف بها ، أدغم التّاء في الزاء لقرب المخرج كما هو المشهور ، وقرئ على الأصل ، والمزمّل بتخفيف الزاي وفتح الميم وكسرها (١) على أنّه اسم فاعل أو مفعول من زمّله غيره ، أو زمّل نفسه.

فقيل : وكان (٢) رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله نائما باللّيل متزمّلا في قطيفة فنبّه ونودي بما تهجن إليه الحالة الّتي كان عليها من استعداده للاشتغال في النّوم كما يفعل من

__________________

(١) نقل هذه الثلاثة في روح المعاني ج ٢٩ ص ١٠٠ والكشاف ج ٣ ص ٦٣٤ ونقل ابن خالويه المتزمل على الأصل والمزمل بكسر الميم في شواذ القرآن ص ١٦٤.

(٢) هذا النظر ذكره في الكشاف ج ٤ ص ٦٣٤ وتحامل عليه المفسرون لاجترائه على هذه النسبة إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله مع ان خطاب الله تعالى إياه بهذا اللفظ انما كان للتأنيس والملاطفة على عادة العرب كما خاطب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله عليا عليه‌السلام بقوله قم يا أبا تراب.

٢٠٩

لا يهمّه أمر ولا يعنيه شأن ، فأمر بان يختار على الهجوع التّهجّد وعلى التزمّل التشمّر للعبادة والمجاهدة في الله ، لا جرم أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قد تشمّر لذلك وطائفة من أصحابه حقّ التشمّر ، وأقبلوا على إحياء لياليهم ، ورفضوا الرّقاد والدّعة وجاهدوا فيه حتّى انتفخت أقدامهم واصفرّت ألوانهم ، وترامي أمرهم إلى حدّ رحمهم ربّهم ، فخفّف عنهم بما يأتي في آخر السّورة.

وقيل : كان (١) متزمّلا في مرط لعائشة يصلّي ، فهو على هذا ليس بتهجين ، بل هو ثناء وتحسين لحاله الّتي كان عليها.

وقيل : دخل على خديجة وقد جئت فرقا أوّل ما أتاه جبرئيل ، وبوادره ترعد فقال : زمّلوني ، فبينا هو على ذلك إذ ناداه جبرئيل فقال : يا أيّها المزمّل.

وعن عكرمة أنّ المعنى : يا أيّها الذي زمّل أمرا عظيما أي حمّله ، والزمل الحمل ، وازدمله احتمله ، وقرئ «قم اللّيل» بضمّ الميم وفتحها فقيل : الغرض بهذه الحركة التبلّغ بها هربا من التقاء السّاكنين ، فبأيّ الحركات تحرّك فقد وقع الغرض (٢).

(نِصْفَهُ) لا يبعد أن يكون بدلا من اللّيل المستثنى منه (قَلِيلاً) أي ما بقي بعد الاستثناء ، ورجوع ضمير «منه» و «عليه» إلى قيام ذلك أو إلى (نِصْفَهُ) بتقدير واضح ، والمعنى أيضا كذلك ، لا يقال فحينئذ يلغو الاستثناء ، فإنّه ينبغي حينئذ أن يقال : قم نصف اللّيل أو قم اللّيل نصفه ، إذ يمكن أن يكون إشارة إلى نوع توسعة وأنّ النّصف تقريب كما هو أوفق بما تقدّم من قوله سبحانه (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ) نصبا وجرّا.

على أنّه لا يبعد أن يكون المراد التوسعة والتخيير بين النصف والأقلّ والأكثر

__________________

(١) هذا أيضا نقله في الكشاف واعترض عليه الأكثرون أن السورة من أوائل ما نزلت بمكة فلا يستقيم ذلك!!

(٢) الكشاف ج ٤ ص ٦٣٦.

٢١٠

مطلقا ، أو إشارة إلى أنّ النّصف الذي هو وقت القيام ، أكثر بركة وأقوى شرفا حتّى كأنّه أكثر بحيث إذا قام فيه قام اللّيل إلّا قليلا ، أو أنّه إذا قام نصف اللّيل كأنّه قام اللّيل كلّه إلّا قليلا.

أو الاستثناء إشارة إلى وقت النّوم والاستراحة من النّصف الآخر دون ما صرف منه في صلاة المغرب والعشاء وتوابعهما ، فكأنّه مستثنى عقلا ، أو أنّ ما يقع فيه القيام من حيث القيام فيه كأنّه أكثر.

على أنّه لو كانت القلّة بالنّسبة إلى أعداد اللّيل كما قيل ويأتي ، لم يلزم هنا لغو أصلا.

هذا كله إذا رجع ضمير (نِصْفَهُ) إلى اللّيل المطلق ، أما إذا رجع إلى الباقي بعد الاستثناء أعني المبدل ، كان المأمور بقيامه أقلّ من النصف ، والنقصان والزيادة منه وعليه ، والتخيير قريب على الأول ، وربّما كان القليل المستثنى عبارة عما يصرف في العشائين ونحو ذلك من أول الليل والله أعلم.

أو يكون بدلا عن قليلا وضمير منه وعليه لليل المستثنى منه النّصف ، أو لقيامه ، والحاصل قم نصف اللّيل أو أقلّ أو أكثر ، والاستثناء لا يلغو لما تقدّم.

(أَوِ انْقُصْ. أَوْ زِدْ) عطف على (قُمِ) على التقديرين فليتأمّل ، وعلى الأخير يمكن أن يرجع ضمير منه وعليه إلى نصفه أو قليلا ، والمعنى حينئذ قم اللّيل إلّا نصفه أو أنقص منه ، أو أزيد ، ف (أَوِ انْقُصْ مِنْهُ) إشارة إلى قيام أكثر من النّصف ، و (أَوْ زِدْ) إلى قيام أقلّ من النّصف ، ولا يبعد أن يكون ما نقل في مجمع البيان (١) والجمع عن الصادق عليه‌السلام القليل النّصف أو انقص من القليل قليلا أو زد على القليل قليلا ، إشارة إلى ذلك ، ويمكن كونه إشارة إلى كل واحد من الأوّلين لكن على خلاف الظّاهر.

ويمكن كونه إشارة إلى ما ذكره الكشاف بقوله «ويجوز إذا أبدلت نصفه من قليلا ، وفسّرته به ، أن تجعل قليلا الثّاني بمعنى نصف النّصف ، وهو الرّبع ، كأنّه

__________________

(١) المجمع ج ٥ ص ٣٧٧.

٢١١

قيل أو انقص منه قليلا نصفه ، ويجعل المزيد على هذا القليل اعنى الربع نصف الربع كأنّه قيل أو زد عليه قليلا نصفه ، قال : ويجوز ان تجعل الزّيادة لكونها مطلقة تتمّة الثلث ، فيكون تخييرا بين النصف والثلث والرّبع».

ولا يخفى أنّ الأظهر أن تكون الزّيادة على النّصف المأمور بقيامه كالنّقصان كما هو ظاهر قوله : فيكون تخييرا. فلو جعل تتمّة الثلثين أو ما بين النصف إلى الثلثين لكان أظهر وانسب بقوله (أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ) كما لا يخفى ولو جعل فيما قبله أيضا كذلك (١) لكان كذلك وكون الثلثين أقلّ من ثلاثة أرباع كما يقتضيه جعله القليل نصف المزيد عليه والمنقوص منه لا يمنع ذلك مع عدم لزومه كما لا يخفى.

ويمكن اعتبار الزّيادة والنقيصة بالنّسبة إلى القليل والنصف البدل عنه على هذا النّسق ، فيكون التّخيير بين النّصف والثلاثة الأرباع والرّبع ، ويأتي احتمال الثّلث في الرّبع كما تقدم ، ويمكن اعتبار الزّيادة بالنّسبة إلى الباقي بعد النقصان و

إلى النقصان ، وهذا أولى بكلام الكشّاف ، لو لا قوله فيكون تخييرا إلخ كما لا يخفى ، بل أوفق بالرّواية أيضا فتأمل.

وفي تفسير القاضي (وَنِصْفَهُ) بدل من اللّيل ، والاستثناء من النّصف ، والضّمير في «منه» «وعليه» للأقلّ من النّصف كالثلث ، فيكون التّخيير بينه وبين الأقلّ منه كالرّبع ، والأكثر منه كالنّصف أو للنصف والتّخيير بين أن يقوم أقلّ منه على البتّ وأن يختار أحد الأمرين من الأقلّ والأكثر ، أو الاستثناء من أعداد الليل ، فإنّه عامّ والتّخيير بين قيام النّصف والنّاقص عنه والزّائد عليه.

هذا والأوّلان في الكشاف أيضا ، وكون الاستثناء من نصفه مع اتّصاله باللّيل وتقدّمه على نصفه ، وكون نصفه بدلا من اللّيل وحده مع توسّط الاستثناء خلاف الظّاهر ، بعيد جدّا عن فصاحة كلام الله سبحانه.

ويلزم على الثّاني كون أو انقص منه لغوا ، لأنّه بعينه معنى قم نصف اللّيل إلّا قليلا ، والعذر بأنّ الترديد بين الشيء على البتّ وبينه وبين غيره على التخيير

__________________

(١) وهو قوله : ويجوز إذا أبدلت إلخ.

٢١٢

كما قالوا ، أو بأنّ (انْقُصْ) لمناسبة (أَوْ زِدْ) كما في مجمع البيان بعيد غير لائق أيضا قيل خصوصا الثّاني ، فإنّ مرجعه إلى التخيير بينهما فليتأمل.

ولا يخفى أنّ القليل في الاستثناء وغيره ليس له حدّ معين ، فكأنّه لا يحصل من استثناء القليل ثمّ اعتبار نقصان قليل من ذلك ، معنى مشخّص محدود ، فيبعد الترديد على هذا الوجه كما في الأوّل ، ولهذا قيل : عليه يلزم كون الاستثناء لغوا ، وقيل على الثّالث : إرادة القليل من اللّيالي ـ وهي ليالي القدر والمرض ـ من الاستثناء بعيد لعدم ظهور كون اللّيل للاستغراق وعدم الاحتياج إلى الاستثناء ، وللاحتياج إلى التكلّف في الاستثناء والبدل ، وفي أو انقص أو زد فليتأمل فيه.

والأمر بالقيام باللّيل للصّلاة أو القيام باللّيل كناية عن الصلاة باللّيل كما في مجمع البيان قال : المراد بقم الليل صلاة الليل بإجماع المفسّرين إلّا أبا مسلم ، فإنّه قال : المراد قراءة القرآن في الليل.

في الكشاف : فان قلت : أكان القيام فرضا أم نفلا؟ قلت : عن عائشة أنّ الله جعله تطوّعا بعد أن كان فريضة ، وقيل : كان فرضا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ثمّ نسخ بهنّ ، إلّا ما تطوّعوا به. وعن الحسن كان قيام ثلث الليل فريضة وكانوا على ذلك سنة ، وقيل : كان واجبا وإنّما وقع التّخيير في المقدار ثمّ نسخ بعد عشر سنين ، وعن الكلبيّ كان الرّجل يقوم حتّى يصبح مخافة أن لا يحفظ ما بين النّصف والثّلث والثّلاثين.

ومنهم من قال كان نفلا بدليل التّخيير في المقدار ، ولقوله تعالى (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ) انتهى وتقدّم عن المعالم أنّه كان واجبا على النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله والأمة ثمّ نسخ الوجوب في حقّ الأمّة دونه صلى‌الله‌عليه‌وآله فبقي مستحبّا عليهم واجبا عليه عليه‌السلام.

وعن قتادة نسخ الوجوب في حقّه أيضا وقد سبق عن الراونديّ عن ابن عبّاس وأبي عبد الله عليه‌السلام أنّها فرضت على النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ولم تفرض على غيره ، فلا يبعد أن تكون هذه الآية إشارة إلى وجوب صلاة الليل عليه صلى‌الله‌عليه‌وآله كقوله (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً) أي زيادة «لك» على باقي الفرائض ، مخصوصة بك دون أمّتك على ما

٢١٣

قيل ، ويكون المراد بالتّرخيص المفهوم من آخر السّورة التّخفيف في الوقت لا إسقاط الصّلاة بالكلّية.

ويمكن كونه إشارة إلى النّسخ عنه ومساواته للغير في الاستحباب مع التخفيف في الوقت عن الجميع ، مع احتمال النّسخ عن الجميع ، أو الأمّة وحدها ، لكن مع بعد لقوله (وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) خصوصا على ما روي أنّ المراد بالطّائفة عليّ وأبو ذرّ مع ما تقدّم عن ابن عبّاس وأبي عبد الله عليه‌السلام وموافقته للأصل ، وعدم ثبوت الوجوب على غيره صلى‌الله‌عليه‌وآله فتأمّل.

وترتيل القرآن قراءته على ترسّل وتؤدة ، بتبيين الحروف ، وإشباع الحركات حتّى يجيء المتلوّ منه شبيها بالثغر المرتّل وهو المفلّج ، وأن لا يهذّه هذّا حتّى يشبه المتلوّ في تتابعه الثغر الألصّ.

عن أمير المؤمنين عليه‌السلام : بيّنه تبيانا ولا تهذّه هذّ الشّعر ، ولا تنثره نثر الرّمل ، ولكن أفزع به القلوب القاسية ، ولا يكوننّ همّ أحدكم آخر السّورة وعن ابن عبّاس لأن أقرء البقرة أرتّلها أحبّ إليّ من أن أقرء القرآن كلّه.

وعن الصّادق عليه‌السلام في التّرتيل هو أن تتمكّث فيه ، وتحسّن به صوتك ، وقال : إذا مررت بآية فيها ذكر الجنّة فاسأل الله الجنّة ، وإذا مررت بآية فيها ذكر النّار فتعوّذ بالله من النّار (١).

وفي المعالم عن أبي ذرّ قال : قام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى أصبح بآية ، والآية (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

عن عائشة أنّها سئلت عن قراءة النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فقالت لا كسردكم هذا ، لو أراد السّامع أن يعدّ حروفه لعدّها.

و (تَرْتِيلاً) تأكيد في إيجاب الأمر به ، وأنّه ممّا لا بدّ للقارئ منه ، بل للمصلّي بل في صلاة اللّيل ، على أنّ المراد بقم اللّيل الأمر بصلاة اللّيل ، وبرتّل ترتيل القراءة فيها ، أو في اللّيل على أنّ المراد زائدا عن الصّلاة ، أو على قول أبي مسلم أنّ القيام للقراءة في اللّيل ، أو مطلقا ، وفيهما بعد ، والأخير أبعد لقوله فيما بعد (إِنَّ ناشِئَةَ)

__________________

(١) مجمع البيان ١ : ٣٧٨.

٢١٤

الآية روي عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : يقال لصاحب القرآن : اقرء وارق ، ورتّل كما كنت ترتّل في الدّنيا ، فان منزلتك عند آخر آية تقرأها (١).

(إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً.)

هذه الآية اعتراض ، ويعني بالقول الثّقيل القرآن ، وما فيه من الأوامر والنواهي الّتي هي تكاليف شاقّة ثقيلة على المكلّفين ، خاصّة على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لانّه متحمّلها بنفسه ، ومحمّلها لأمّته ، فهي أثقل عليه وأبهظ له فيحتاج في ضبط ذلك وتأديته إلى قيام الليل.

وأراد بهذا الاعتراض أنّ ما كلّفه من قيام اللّيل من جملة التّكاليف الثقيلة الصّعبة الّتي ورد بها القرآن ، لانّ اللّيل وقت السّبات والرّاحة ، فلا بدّ لمن أحياه من مضادّة لطبعه ومجاهدة لنفسه ، وقيل نزوله أو تلقّيه.

عن ابن عبّاس : كان إذا نزل عليه الوحي ثقل عليه وتربّد له جلده ، وعن عائشة رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فينفصم عنه وانّ جبينه ليرفض عرقا (٢) وعن الحسن : ثقيل في الميزان ، وقيل ثقيل على المنافقين ، وقيل كلام له وزن ورجحان ، فيحتاج الى مزيد تدبّر وتأمّل ووقت لائق بذلك ، فلا بدّ من قيام الليل.

(إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً.)

ناشئة اللّيل : النفس النّاشئة باللّيل الّتي تنشأ من مضجعها إلى العبادة ، أي تنهض وترتفع ، من نشأت السحابة : إذا ارتفعت ، ونشأ من مكانه إذا نهض.

أو قيام اللّيل ، على أنّ الناشئة مصدر من نشأ إذا قام ونهض ، ويدلّ عليه ما صحّ عن أبي عبد الله عليه‌السلام هي قيام الرّجل عن فراشه لا يريد به إلّا الله ، وما روي عن عبيد بن عمير قلت لعائشة : رجل قام من أوّل اللّيل أتقولين له قام ناشئة من اللّيل

__________________

(١) المجمع ج ٥ ص ٣٧٧.

(٢) الكشاف ج ٤ ص ٦٣٨.

٢١٥

قالت : لا ، إنّما النّاشئة القيام بعد النّوم ، أو العبادة الّتي تنشأ باللّيل أي تحدث وترتفع.

وقيل هي ساعات اللّيل كلّها ، لأنّها تحدث واحدة بعد اخرى ، وقيل السّاعات الأول منها ، من نشأت إذا ابتدأت عن عكرمة ، وعن الحسن كلّ صلاة بعد العشاء فهي ناشئة في اللّيل ، هي خاصة دون ناشئة النهار.

وعن عليّ بن الحسين عليه‌السلام أنّه كان يصلّي بين المغرب والعشاء ويقول أما سمعتم قول الله تعالى (إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ) هذه ناشئة اللّيل ، ولم يثبت ، ولو ثبت فلعلّه ليس معناه اختصاص النّاشئة بالسّاعات الأول ، بل هي مطلق السّاعات أو القيام في مطلقها كما هو قول الأكثر.

لكن في المعالم بعد أن قدّم عن ابن عباس أنّ اللّيل كلّه ناشئة : وقال ابن عباس كانت صلاتهم أوّل اللّيل هي أشدّ وطأ يقول هو أجدر أن تحصوا ما فرض الله عليكم من القيام ، وذلك انّ الإنسان إذا نام لم يعرف متى يستيقظ ، ورواه عنه أبو داود في صحيحه ، وقوله عليه‌السلام ناظر الى ذلك فليتأمّل فيه.

(أَشَدُّ وَطْئاً) اي مواطاة يواطئ قلبها لسانها إن أردت النفس ، أو يواطئ فيها قلب القائم لسانه إن أردت القيام أو العبادة أو السّاعات ، أو أشدّ موافقة لما يراد من العبادة والخشوع والإخلاص ، ويؤيّده ما تقدّم عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، وعن الحسن أشدّ موافقة بين السرّ والعلانية ، لانقطاع رؤية الخلائق ، وقرئ «أشدّ وطأ» بالفتح والسكون (١) والمعنى أشدّ ثبات قدم وأبعد من الزّلل ، أو أثقل ، وأغلظ على المصلّي من صلاة النّهار ، من قوله عليه‌السلام «اشدد وطأتك على مضر».

(وَأَقْوَمُ قِيلاً) وأسدّ مقالا وأثبت قراءة لهدوّ الأصوات ، وعن أنس أنّه قرأ وأصوب قيلا ، وقال إنّهما واحد.

(إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً.)

__________________

(١) المجمع ج ٥ ص ٣٧٥.

٢١٦

سبحا : تصرّفا وتقلّبا في مهمّاتك وشواغلك ، فلا تفرغ كما ينبغي لعبادتك ومناجاة ربّك الّتي تقتضي فراغ البال إلّا باللّيل ، فاجعله لذلك لتفوز بخير الدّنيا والآخرة ، وقيل : فراغا وسعة لنومك وتصرّفك في حوائجك ، وهو مرويّ عنهم عليهم‌السلام وقيل إن فاتك من اللّيل شيء فلك في النّهار فراغ تقدر على تداركه فيه ، وأما القراءة بالخاء (١) فاستعارة من سبخ الصّوف وهو نفشه ونشر أجزائه لانتشار الهمّ ، وتفرّق القلب بالشّواغل.

(وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ) ودم على ذكره في ليلك ونهارك ، وأحرص عليه ، وذكر الله يتناول كلّ ما كان من ذكر طيّب : تسبيح وتهليل وتكبير وتمجيد وتوحيد وصلاة وتلاوة قرآن ودراسة علم وغير ذلك ممّا كان رسول الله استغرق به ساعات ليله ونهاره كذا في الكشاف ، وقريب منه في تفسير القاضي والجوامع ، وقد استدلّ به على وجوب البسملة.

وقيل : المراد به الدّعاء بذكر أسمائه الحسنى كما في قوله (وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها) ويستدلّ بذلك على جواز الدّعاء في جميع الحالات ، وفي الصلاة للدّين والدّنيا ، ولإخوانه المؤمنين ، ولشخص بعينه ، قال في الكنز : وليس بعيدا من الصواب لعموم قوله (وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ) الآية وكلّ ذلك موضع تأمّل كما لا يخفى.

(وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً) وانقطع إليه ، وقال تبتيلا لأنّ معنى تبتّل بتّل نفسه ، فجيء به على معناه مراعاة لحقّ الفواصل ، روى محمّد بن مسلم وحمران بن أعين عن الصّادق (٢) عليه‌السلام أنّ التبتّل هنا رفع اليدين في الصّلاة ، وفي رواية أبي بصير قال : هو رفع يديك إلى الله وتضرّعك إليه ، ويمكن أن يكون ذلك علامة للانقطاع إليه

__________________

(١) نقل هذه القراءة في روح المعاني ج ٢٩ ص ١٠٦ عن ابن يعمر وعكرمة وابن ابى عبلة ونقلها ابن خالويه في شواذ القرآن ص ١٦٤ عن يحيى بن يعمر.

(٢) المجمع ج ٥ ص ٣٧٨.

٢١٧

الذي هو معنى التبتيل ، ودليلا عليه فيستحبّ فتأمّل.

ثمّ يمكن حينئذ أن يكون المراد بالذكر الذّكر في قيام اللّيل فتفكر.

(إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ.)

قد تقدّم في بحث القراءة ما يتعلّق بذلك ، وأنّه ناسخ لما دلّ عليه أوّل السّورة من تحديد الوقت أو وجوب القيام وصلاة اللّيل عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله فقط ، لعدم الوجوب على غيره ، أو عنهم جميعا للوجوب عليهم أيضا أو عنهم فقط لبقاء ذلك عليه ، وأنّ المراد بالقراءة صلاة اللّيل قال في المجمع : هو قول أكثر المفسّرين كما أنّ المراد بقم اللّيل صلاة اللّيل بإجماع المفسّرين إلّا أبا مسلم ، فإنّه قال المراد قراءة القرآن في الليل.

ولا يخفى ما في هذا التّخفيف من التّرغيب والتّحريص على فعل ما تيسّر ، حتّى لو لا الإجماع أمكن القول بالوجوب بذلك كما قيل ، حملا على القراءة في الفريضة ، فلا ينبغي ترك صلاة اللّيل بالكلّية ، ولا النقصان من ثلاثة عشر ركعة المشهورة مع التيسّر ، ويفهم عدم سقوطها سفرا ولا مرضا ، وقد يفهم من الأخبار أيضا بل الإجماع أيضا.

وكذا قراءة القرآن على ما قيل ، فإنّ قراءة القرآن مع ما تقدم فيها فضل عظيم ، خصوصا في اللّيل ، ويدلّ عليها أخبار العامّة والخاصّة ، وقيل واجبة كفاية للحفظ في الصدر لبقاء الأحكام والمعجزة وأدلّة أصول الدّين ، فلا يبعد حمل الآية عليه ، وفيه نظر كما قيل ، للزوم كون القيود لغوا فتأمّل ، وقد قدّمنا أنّ القائلين بأنّ المراد قراءة القرآن فيهم من حدّه بخمسين آية ، ومن حدّه بمائة ، ومن حدّه بمائتين ، والذي ينبغي أن يكون المراد حينئذ ما يصدق عليه ما تيسّر ، وكلّما زاد كان أحسن ، وما ورد من المقدار محمول على تأكيد فضله.

٢١٨

روي عن الصّادق (١) عليه‌السلام أنّه قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : من قرأ عشر آيات في ليل لم يكتب من الغافلين ، ومن قرأ خمسين آية كتب من الذّاكرين ، ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين ، ومن قرأ مائتي آية كتب من الخاشعين ، ومن قرأ ثلاثمائة آية كتب من الفائزين ، ومن قرأ خمسمائة آية كتب من المجتهدين ، ومن قرأ ألف آية كتب له قنطار من برّ ، والقنطار خمسة عشر مثقالا من الذّهب ، والمثقال أربعة وعشرون قيراطا أصغرها مثل جبل أحد ، وأكبرها ما بين السماء والأرض.

وقال الصادق (٢) عليه‌السلام من قرأ في المصحف متّع ببصره ، وخفّف عن والديه ، ولو كانا كافرين.

ثمّ ينبغي القراءة من المصحف وإن كان حافظا :

عنه عليه‌السلام يرفعه إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : ليس شيء أشدّ على الشّيطان من القراءة في المصحف نظرا ، وعنه عليه‌السلام أنّه قال لاسحاق بن عمّار (٣) : اقرأه وانظر في المصحف فهو أفضل ، أما علمت أنّ النظر في المصحف عبادة ، وعنه عليه‌السلام (٤) يقدّم لقارئ القرآن بكلّ حرف يقرأ في الصّلاة قائماً مائة حسنة ، وقاعدا خمسون حسنة ، ومتطهّرا في غير الصّلاة خمس وعشرون حسنة ، وغير متطهّر عشر حسنات. أما إنّي لا أقول المرحرف ، بل له بالألف عشر ، وباللام عشر ، وبالميم عشر ، وبالرّاء عشر ، وفيه دلالة على أنّ الصّلاة قائماً أفضل حتّى الوتيرة ، فلا تغفل ، والروايات في فضل قراءة القرآن وشرائطها كثيرة مذكورة في موضعها ، وينبغي أن يكون على الترتيل كما تقدّم.

__________________

(١) هكذا في نسختنا المخطوط وكذا في نسخ مسالك الافهام وقد أوضحنا في تعاليقنا على مسالك الافهام ج ١ ص ٢٢٦ أن الصحيح عن ابى جعفر وترى الحديث في الوسائل الباب ١٧ من أبواب قراءة القرآن ج ٤ ص ٨٥١ المسلسل ٧٧٣٤ والبحار ج ١٩ ص ٥٠.

(٢) الوسائل الباب ١٩ من أبواب قراءة القرآن ج ٤ ص ٨٥٣ المسلسل ٧٧٣٧ و ٧٧٨٣.

(٣) الوسائل المسلسل ٧٧٣٩.

(٤) البحار ج ١٩ ص ٥١.

٢١٩

قوله (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ) ظاهر أنّ فضل الله أعمّ من المال والعلم والثّواب وغيرها فيدخل فيه السّفر للتجارة وتحصيل المال ، ولتحصيل العلم والحجّ والزيارات ، وصلة الرّحم ونحوها ، وقد ورد من طرق العامّة والخاصّة روايات في الحثّ على التّجارة مذكورة في موضعها.

نقل عن ابن مسعود (١) أيّما رجل جلب شيئا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرا محتسبا فباعه بسعر يومه ، كان عند الله بمنزلة الشّهداء ثمّ قرأ (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ) الآية.

(وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) المفروضة ، وقيل هو النّاسخ لهذا الترخيص النّاسخ للأوّل وفيه نظر. (وَآتُوا الزَّكاةَ) الواجبة ، وقيل زكاة الفطر لأنّه لم تكن زكاة بمكّة ، وإنّما وجبت بعد ذلك ، ومن فسّرها بالزّكاة الواجبة جعل آخر السّورة مدنيّا.

(وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً) على وجه حسن معروف خال عن الأذى والمنّة والرّياء مثلا ، ويجوز أن يراد به سائر الصدقات ، وأن يراد أداء الزّكوة على أحسن وجه من أطيب المال وأعوده على الفقراء ، ومراعاة النيّة ، وابتغاء وجه الله ، والصّرف إلى المستحقّ ، وأن يراد كلّ شيء يفعل من الخير ممّا يتعلّق بالنّفس والمال ، وروى سماعة عنه عليه‌السلام أنّ المراد به غير الزّكوة.

(وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْراً) ما موصولة تضمّن معنى الشّرط مبتدأ مع صلته ، و «تجدوه» خبره بمنزلة الجزاء ، والهاء مفعوله الأوّل ، و «عند» ظرفه «وخيرا» مفعوله الثّاني و «هو» فصل وجاز وإن لم يقع بين معرفتين ، لأنّ «أفعل من» أشبه المعرفة في امتناعه من حرف التعريف ، فالمعنى خيرا ممّا تؤخّرونه إلى وقت الوصيّة كما روي أنّ عنبسة العابد (٢) قال : قلت

__________________

(١) الكشاف ج ٤ ص ٦٤٣ وفي الكاف الشاف ذيله تخريجه ومثله في المجمع ج ٥ ص ٢٨٢ والدر المنثور ج ٦ ص ٢٨٠.

(٢) الكافي باب النوادر من الوصايا ج ٢ ص ٢٥٢ والتهذيب ج ٩ ص ٢٣٧ الرقم ٩٢٤ في الزيادات من أحكام الوصايا وهو في الوسائل الباب ٩٨ من أبواب أحكام الوصايا ج ١٣ ص ٤٨٣ المسلسل ٢٤٨٩٥.

٢٢٠