آيات الأحكام

محمد بن علي الاسترابادي

آيات الأحكام

المؤلف:

محمد بن علي الاسترابادي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مكتبة المعراجي
الطبعة: ٠
الصفحات: ٣٩٢
  نسخة غير مصححة

العمل الصالح على الايمان في آيات ، واقتران الايمان بالمعاصي في مثل قوله (وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى) و (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ) وظاهر أنّه لا يجوز الخروج عن ظاهر القطعي إلّا بأقوى أو مثله.

على أنّ مثل ذلك في الروايات كثيرة أيضا ، وأيضا فإنّه أوفق للأصل من عدم اعتبار أمر زائد ، وأقرب إلى معناه اللغوي لقلّة التغيّر وإلى الاستصحاب لبقائه في أفراد معناه اللغوي ، ويقال أيضا لو لا ذلك لزم كفر من صدق بقلبه ويمّم بالإقرار فمنعه مانع من خرس أو خوف من مخالف ، وهو خلاف الإجماع.

واستدلّ على اعتبار الإقرار بثبوت الكفر مع المعرفة كما في قوله تعالى (فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ) و (جَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ) وفيه نظر واضح وفي البيضاوي : لعلّه الحق في المتمكن منه ، لأنّه تعالى ذمّ المعاند أكثر من ذمّ الجاهل المقصّر ، وللمانع أن يجعل الذمّ للإنكار لا لعدم الإقرار ، وأما أنّه لا يجوز مع التمكّن منه تركه ، فان سلّم فلا يستلزم اعتباره شطرا ولا شرطا وأما أنّ الإسلام قد اعتبر فيه الإقرار والايمان إمّا مرادف له أو أخصّ ففيه ما فيه ، والمذكور من حجج المعتزلة لا يخلو من ضعف.

إلّا أنه ظاهر أخبار كثيرة (١) عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّة عليهم‌السلام خصوصا الرضا عليه‌السلام حتّى كاد أن يبلغ التواتر ، وقد يفهم تأييده من أخبار كثيرة أيضا حيث يدلّ على خروج المؤمن بالفسق عن الايمان ، ثمّ إذا تاب صار مؤمنا ، وقد حمل الجميع جماعة على الايمان الكامل الكائن للمتّقين المخلصين جمعا بين الأدلّة.

ولعلّ كون الايمان التصديق بطريق الانقياد على وجه يستتبع مقتضاه شرعا من عدم ما يخرجه من الدين أو من اجتناب الكبائر فعلا أو تركا أقرب ، ولا تأويل حينئذ إلّا فيما دلّ على اعتبار الإقرار والأعمال شطرا أو شرطا مطلقا ، وهو لازم ، وإلّا لزم

__________________

(١) ترى الاخبار مبثوثة في المجلد الخامس عشر من كتاب البحار ط كمپانى.

١٠١

الحرج المنفيّ بقوله (ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) فيمن منعه عن الإقرار والأعمال لزوم قبله أو نحوه وأيضا لا بدّ من اعتبار نحو ذلك وإلّا يكون سابّ النبيّ مع التصديق المذكور مؤمنا ، مع أنه خلاف الإجماع ، وكذا غير ذلك ممّا يوجب الارتداد ، ويمكن اجتماعه مع التصديق المذكور ، والقول بكونه مؤمنا فيما بينه وبين الله مع كونه محكوما بالكفر بعيد.

ثمّ أصول الإيمان عند الإماميّة التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد ، وعند الأشعريّة ما عدا العدل والإمامة ، وعند المعتزلة التوحيد والعدل والنبوّة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوعد والوعيد ، وقالوا من لم يقرّ ببعض هذه لم يكن مسلما ، ومن أقرّ وفعل كبيرة لم يكن مؤمنا ولا كافرا بل هو منزلة بين المنزلتين.

والخشوع الخضوع والتذلّل (خاشِعُونَ) أي خاضعون متواضعون متذلّلون لا يرفعون أبصارهم عن مواضع سجودهم ، ولا يلتفتون يمينا ولا شمالا وروي (١) أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله رأى رجلا يعبث بلحيته في صلاته فقال : أما إنّه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه ، وفي هذا دلالة على أنّ الخشوع في الصلاة يكون بالقلب والجوارح : أمّا بالقلب فهو أن يفرّغ قلبه بجميع همّه بها والاعراض عمّا سواها ، فلا يكون فيه غير العبادة والمعبود ، وأما بالجوارح فبغضّ البصر ، والإقبال إليها ، وترك الالتفات والعبث ، قاله في مجمع البيان.

والظاهر أنّ المراد بغضّ البصر خفضه وترك التوجّه وطلب الأبصار به كما روى زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : اخشع بصرك ولا ترفعه إلى السماء (٢) ولذلك

__________________

(١) رواه في جامع أحاديث الشيعة ج ٢ ص ٢٥٣ الرقم ٢٣٥٠ وفي كتب أهل السنة الكشاف ج ٣ ص ١٥٧ وبين مصادره في الشاف الكاف ذيله وأخرجه في فيض القدير ج ٥ ص ٣١٩ الرقم ٧٤٤٧ من الجامع الصغير.

(٢) هذا جزء الحديث رواه في الكافي والفقيه والتهذيب انظر ص ١٨٧ ج ٢ جامع أحاديث الشيعة الرقم ١٧٥٥ و ١٧٥٦ ورواه صاحب المعالم في المنتقى من ص ٤٦٢ الى ص ٤٦٣ مع ذكر مواضع اختلاف ألفاظ الكتب الثلاثة واختلاف نسخها.

١٠٢

قيل : المراد صرف النظر حال القيام إلى موضع سجوده ، وحال الركوع إلى ما بين رجليه ، وحال السجود إلى طرف أنفه ، وحال التشهّد إلى حجره ، وحال القنوت إلى باطن كفّيه.

وقال الشيخ في الجمع بين ما في رواية حمّاد من غمض العين حال الركوع وما في رواية زرارة من النظر إلى ما بين رجليه حينئذ أنّه إذا لم ينظر إلّا إلى ما بين رجليه ، فكأنه غضّ بصره ، فان ظاهره أنّ الغرض من الغمض والنظر الخاصّ غمض البصر بالمعنى المذكور المتحقّق معهما ، فكلّ حينئذ مستحبّ تخييريّ.

نعم قوله «لا يرفعون أبصارهم عن مواضع سجودهم» مقيّد بحال القيام ، وأهمل لظاهر الحال ، وشهرته رواية وفتوى ، وأمّا غمض العين حينئذ فالظاهر عدم استحبابه ، فقد روي عن أبي عبد الله عليه‌السلام أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله نهى أن يغمض الرجل عينيه في الصلاة (١) ويؤيد ذلك إضافه النظر والبصر إلى موضع السجود في الروايات الكثيرة.

أما ما في رواية حمّاد من الغمض في الركوع فالوجه تقديمه لوجوب تقديم الخاصّ على العام ، ولأنها أصحّ مع اختصاص تأييد تلك الرواية بالروايات المشار إليها ظاهرا بحال القيام ، وقيل باستحبابه حينئذ تخييرا وكأنه لاستضعاف الرواية بالقطع ، وحصول غضّ البصر وإلباده كما روى عن قتادة مع الغمض أيضا ، فإنّه الذي ينبغي أن يراد بالنظر إلى موضع السجود وعدم رفع البصر عنه ، مع عدم منافاته للإقبال بالقلب ، بل ربما كان أعون عليه كما نقل عن هذا القائل ، لكنّه موضع تأمّل.

وعن عليّ عليه‌السلام لا تجاوز بطرفك في الصلاة موضع سجودك في الصلاة (٢) ومن ثمّ قال ابن بابويه ينظر الراكع ما بين قدميه إلى موضع سجوده ، وربما احتمل أن يكون عدم الرفع في كلام الطبرسيّ بهذا المعنى ، وإن كان خلاف الظاهر ، وعلى هذا

__________________

(١) الحديث ١ من الباب ٦ من أبواب قواطع الصلاة من الوسائل ج ٤ ص ١٢٥٣ المسلسل ٩٢٤٧ ط الإسلامية.

(٢) ومثله الحديث في الباب ٩ من أبواب القبلة ج ٣ ص ٢٢٧ المسلسل ٥٢٤١ عن ابى جعفر وفيه وليكن حذاء وجهك في موضع سجودك.

١٠٣

لا يبعد الجمع بين الروايات بكون النظر الى موضع السجود قائماً والى ما بين رجليه راكعا آكد استحبابا والله اعلم.

وأما الإقبال بالجوارح ، فظاهر أنّ المراد به حفظها عمّا لا يناسب الصلاة أو ينافي التوجّه إليها بالقلب ، مفسّر بقوله «وترك الالتفات والعبث» فكأنّه أذلّها بعبادته فلم يشتغل بغيرها ، وفي الصحيح (١) عن أبي جعفر عليه‌السلام قال إذا قمت في الصلاة فعليك بالاكباب على صلاتك ، فإنّما يحسب لك منها ما أقبلت عليه ، ولا تعبث فيها بيدك ولا برأسك ولا بلحيتك ، ولا تحدّث نفسك ، ولا تتثاءب ولا تتمطّ ولا تكفّر ، فإنّما يفعل ذلك المجوس ، ولا تلثم ولا تحتقن ، وتفرّج كما يفرّج البعير ، ولا تقع على قدميك ، ولا تفرش ذراعك ، ولا تفرقع أصابعك ، فإنّ ذلك كلّه نقصان من الصلاة ولا تقم إلى الصلاة متكاسلا ولا متناعسا ولا متثاقلا ، فإنّها من خلال النفاق ، فان الله نهى المؤمنين أن يقوموا إلى الصلاة وهم سكارى ، يعني سكر النوم ، وقال للمنافقين (وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى).

هذا وظاهر البعض اعتبار ترك جميع المكروهات ، وفعل جميع المندوبات المتعلّق بالجوارح المبيّنة في الفروع الواردة في الأصول في الخشوع ، حتّى لو انتفى البعض انتفى ، وفيه تأمل لأنه يمكن أن يكون استحباب بعض تلك المستحبّات لكون الخشوع معه أتم ، أو لأمر آخر كما في التكفير مثلا ، ويؤيد ذلك أنّ الخشوع في الأعضاء السكون كما صرّح به جماعة من أهل اللغة وأهل التفسير حتّى في تفسير الآية وعليه ما روي (٢) في هذا الباب عن سيّد العابدين عليه‌السلام أنه إذا قام في الصلاة كان كأنّه

__________________

(١) انظر جامع أحاديث الشيعة ج ٢ ص ٢٥٣ الرقم ٢٣٤٢ والمرات ج ٣ ص ١١٩ واللفظ في نسخ الكافي والمرات المطبوع فعليك بالإقبال ولم ينقل في المنتقى ج ١ ص ٤٦٦ نسخة الإكباب الا ان في الجامع نقل نسخة الإكباب وكذا التعبير في مسالك الافهام ج ١ ص ١٣٥ عبر بالاكباب.

(٢) انظر جامع أحاديث الشيعة ج ٢ ص ٢٥١ الرقم ٢٣٢٧.

١٠٤

ساق شجرة لا يتحرك منه إلّا ما حركت الريح منه ، وربّما كان في الرواية النبويّة أيضا إيماء إليه ، فإنّ ظاهرها اعتبار خشوع القلب والذمّ على عدمه المفهوم من عبث اليد.

وأمّا ما تضمّن من فوت الخشوع المعتبر عند فوت خشوع بعض الجوارح ، فذلك لا ينافي كون الخشوع من الجوارح سكونها ، ولا يوجب كونها على الهيآت المستحبّة المذكورة كما لا يخفى ، وأيضا لما دلّ على أنّ خشية القلب خشوع ، فالظاهر صدق الخاشع باعتبارها على المصلّي فيكون كافيا في المقام ، فلا يعتبر شيء من الهيآت معه ، إلّا بدليل.

وأما فوت خشوع القلب عند عدم خشوع الجوارح ، فقد عرفت أنّه لا ينافي ذلك ، فلا دلالة في الآية ولا في الحديث على اعتبار الهيآت المخصوصة جميعا في الخشوع نعم خشوع الجوارح بمعنى السكون يفهم من الحديث اعتباره ، ولذلك فسّر الطبرسيّ خشوع الجوارح بترك الالتفات وترك العبث ، لكن هل يستفاد حينئذ استحباب تسكين الجوارح جميعا بحيث يثاب عليه بخصوصه؟ أو المطلوب إنّما هو خشوع القلب الذي يلزمه ذلك أو مع ما يتوقّف عليه من ذلك كغضّ البصر مثلا؟

هذا هو الذي يقتضيه ما في الكشاف أنّ الخشوع في الصلاة خشية القلب وإلباد البصر ، وربّما كان ترك العبث من هذا القبيل أيضا ، وأما قوله : ومن الخشوع أن يستعمل الآداب فيتوقّى إلخ أي نوع من الخشوع أو من آثاره كما قد يشعر استشهاده بالرواية النبويّة ، أو باعتبار أنّ ترك العبث وما يخلّ بخشوع القلب معتبر أيضا ولذلك عدّ تروكا من هذا القبيل.

ثمّ ظاهر الآية اعتبار الخشوع من أوّل الصلاة إلى آخرها ، وظاهر إطلاقها شمول الفرائض والنوافل المرتّبة وغيرها ، ولهذا قيل إنّما أضيفت إليهم لأنّ المصلّي هو المنتفع بها وحده ، وهي عدّته وذخرته ، فهي صلاته ، وأما المصلّي له فغنيّ متعال عن الحاجة إليها ، والانتفاع بها.

١٠٥

وإن خصّ بالفرائض كما يشعر به بعض الروايات أمكن اعتبار مزيد الاختصاص وزيادة الانتفاع ، وعلى كلّ حال فإنّما لم يهمل ويطلق ، إيماء إلى ذلك للتحريض والترغيب ، وفي ترتّب الفلاح على الخشوع في الصلاة لا على الصلاة وحدها ولا عليهما جميعا من التنبيه على فضل الخشوع ما لا يخفى.

(وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) :

اللغو ما لا يعنيك من قول أو فعل ، وما توجب المروّة إلغاءه وإطراحه ، يعني أنّ بهم من الجدّ ما شغلهم عن الهزل ، ولمّا وصفهم بالخشوع في الصلاة أتبعه الوصف بالاعراض عن اللغو ليجمع لهم الفعل والترك الشاقين على الأنفس اللّذين هما قاعدتا بناء التكليف ، كذا في الكشاف (١) والظاهر أنّ اللغو لا يختصّ بنحو اللعب والهزل كما قد يتوهّم ، بل يعمّ جميع المعاصي والمكروهات ، أما المباحات كما زعمه شيخنا المحقّق (٢) فموضع نظر ، نعم عن الحسن أنه المعاصي.

ثمّ لا يخفى أنّ الخشوع فيها حقيقة هو جمع الهمّ لها ، والإقبال والتوجّه إليها ، وهو فعل لا ترك ، وان استلزم تروكا ، وأنّ اللغو لو كان منه تركا فالظاهر الممدوح عليه هنا المرغّب فيه تركه ، ولو بفعل ، فلا ينبغي المناقشة بأنّ في كل جمعا بين الفعل والترك كما لا ينبغي بأنّ الإعراض فعل وان استلزم ترك المعرض عنه ، فإنّه قد يراد من الترك ذلك ، أو يراد بالاعراض عدم الالتفات ولو على طريق المبالغة أو المراد تركه متوجّها الى ما يعنيه أو على وجه يبعد منه فعله.

ولعلّ في ذكر الاعراض وتعليق الفلاح به تنبيها على أنّ موجب الفلاح أو علامته حقيقة هو ترك اللّغو أو عدم الالتفات إليه قصدا ، وأنه الكمال لا مجرّد عدم وقوعه منهم فافهم.

قيل : يفهم من الآية وجوب الاعراض عن اللّغو ، لأنّ له دخلا في الايمان أي في كماله ، وقارنه بفعل الزكاة وترك الزناء ، وفيه أنّه إن أراد أنه من علامات كمال

__________________

(١) الكشاف ج ٣ ص ١٧٥.

(٢) زبدة البيان ص ٥٤ ط مرتضوى.

١٠٦

الايمان ، فلا نسلّم أن كلما كان كذلك كان واجبا ، وإن قارن فعل الزكاة ، وإلّا فلا نسلّم أنّ له دخلا في حصول كمال الايمان ، بل هو من متفرعاته.

وأيضا فإنّ ظاهر السياق في الجميع واحد ، فان فهم الوجوب فهم في الخشوع أيضا ، ولم يفهمه هذا القائل ، بل صرّح بدلالتها على الاستحباب ولم يذكر احتمال الوجوب ، مع قوله بدلالتها على الترغيب في الخشوع حتّى كاد أن يكون له دخل عظيم في الايمان أي كماله ، وكونه أقرب إلى فعل الزكاة غير موجب لاختصاصه بذلك كما لا يخفى.

نعم الآية قد دلّت على المدح العظيم ، وثبوت الفلاح للمؤمن الموصوف بهذه الأوصاف أو أحدها ، وهذا لا يستلزم عدم اشتمالها على المندوب أصلا ، ولو قلنا بحصر الفلاح أو المؤمنين فيهم كما لا يخفى.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ في الآية دلالة على كراهة الميل إلى اللغو وحضوره وتسببه أيضا كما أشار إليه القاضي (١) حيث قال : وهو أبلغ من : الّذين لا يلغون ، من وجوه : جعل الجملة اسميّة ، وبناء الحكم على الضمير ، والتعبير عنه بالاسم ، وتقديم الصلة عليه ، وإقامة الاعراض مقام الترك ، ليدلّ على بعدهم عنه رأسا مباشرة وتسبّبا وميلا وحضورا ، فإن أصله أن يكون في عرض غير عرضه.

وكذلك قوله (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ) :

الزكاة اسم (٢) مشترك بين عين هو القدر المخرج من النصاب ، ومعنى هو التزكية وهو المراد ، وما من مصدر إلّا وقد يعبّر عن معناه بالفعل ، ويقال لمحدثه فاعله كما يقال للضارب فاعل الضرب ، ويجوز أن يراد العين على تقدير مضاف هو الأداء ، ولم يمتنع أن يتعلّق بها فاعلون من غير حذف لخروجها من صحّة أن يتناولها

__________________

(١) البيضاوي ج ٣ ص ٢١٥.

(٢) الزكاة قال في مقاييس اللفة ج ٣ ص ١٧ الزاء والكاف والحرف المعتل أصل يدل على نماء وزيادة ويقال الطهارة زكاة المال قال بعضهم سميت بذلك لأنها مما يرجى به زكاة المال وهو زيادته ونماؤه وقال بعضهم سميت زكاة لأنها طهارة.

١٠٧

الفاعل ، بل لأنّ الخلق ليسوا بفاعليها.

ثمّ الزكاة بإطلاقها تشمل الواجب والندب ، فمن لم يجب عليه يدخل فيهم باعتبار فعل مندوبها ، وأما حملها على الواجب كما قيل ، فيخرج هذا فلم أعلم ما يوجبه نعم يحتمله المقام ، ومنهم من قال المراد بها العمل الصالح وأما فهم وجوب الزكاة من هنا فكفهم وجوب الخشوع والاعراض عن اللّغو ، والله أعلم.

(وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ).

(إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ) في موضع الحال أي إلّا والين أو قوّامين عليهنّ ، من قولك فلان كان على فلانة فمات فخلف عليها فلان ، نظيره كان فلان على البصرة أي واليا عليها ، ومنه فلانة تحت فلان ، ومن ثمّ سمّيت المرأة فراشا والمعنى أنّهم لفروجهم حافظون في كافّة الأحوال إلّا حال تزوّجهم أو تسرّيهم ، أو تعلّق بمحذوف يدلّ عليه غير ملومين ، كأنه قيل يلامون إلّا على أزواجهم أي يلامون على كلّ مباشرة إلّا على ما أطلق لهم ، فإنّهم غير ملومين عليه ، أو تجعله صلة لحافظين من قولك احفظ على عنان فرسي ، على تضمينه معنى النفي كما ضمّن قولهم نشدتك بالله إلّا فعلت ؛ الكشاف.

ولا يخفى أنّ استثناء حال تزوّجهم وتسرّيهم مطلقا غير مراد فلا بدّ من جعل ذلك كناية عن بذلها لهنّ ، بل عمّا أطلق لهم من ذلك كما قال في الوجه الثاني أو تقدير ما يخصصه به ، وحينئذ فتقدير ما يكون أقرب من المراد مع احتمال المقام أولى فلا يبعد تقدير «من كل وجه إلّا ما يستحقّونه» أو «ما يحقّ لهم على أزواجهم» ونحو ذلك.

ثمّ اعلم أنه كما يجوز تعلقه بمحذوف يدلّ عليه ما بعده ، كذلك يجوز تعلقه بما يدلّ عليه ما قبله ، من حافظون لفروجهم ، فإنّه يدلّ على أنهم لا يتظاهرون بفروجهم ولا يعرضونها على الغير بالمباشرة والملامسة ، وأن ينظر إليها ، فيجوز أن يتعلّق به باعتبار ذلك ، وحيث يفهم منه جاز أن يقال بتضمينه ، وهذا هو المراد بقوله أو يجعله

١٠٨

صلة لحافظون إلخ.

ثم لا يخفى أنّ ظاهر حفظ الفرج بإطلاقه يعمّ المباشرة وغيرها كما تقدّم فالتخصيص بها كما أورد في الوجه الثاني محلّ نظر أيضا ، نعم روى (١) عن الصادق عليه‌السلام في قوله تعالى (وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) أنّ المراد في غيره بحفظ الفرج الحفظ من الزنا إلّا أنّ فيه تأملا فتدبر.

ثم إنّ القاضي قدّر النفي لا يبذلون ، والمعروف تعديته باللام ، فيقال بذل له ، وصحّة تعلق على به محل نظر ، قال البغوي (٢) في المعالم : على بمعنى من أي من أزواجهم ومجيء على بمعنى من في الكشاف أيضا ولكن إن ثبت فهو خلاف ظاهرها.

وعلى أى تقدير في الآية دلالة على جواز التزويج وتملك الجارية ، وإباحة التسري ، فلا ينبغي اعتقاد أنّه ليس بحسن لكونه غير لائق ، أو أنّ حصول الولد منها عار عليه أو على الولد ، أو أنّ الولد منها لا يجيء قابلاً غالبا ، ولا تركه بهذا الاعتقاد كما يفعله بعض الجهلة ، وهو ظاهر يدلّ عليه أيضا غير هذه من الآيات ، والأخبار ، بل فيها دلالة على استحبابه ومدح الولد وردّا على الجهلة أكّد بقوله (فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) أي غير مستحقّين للؤم ، أو خبر في معنى النهي فيكون لومهم على ذلك حراما البتة.

قيل أي غير ملومين على حفظهم من غيرهنّ وعلى عدم حفظهم منهنّ ، وفيه نظر لأنّ الحفظ وقع متعلّق مدح عظيم هو علامة الفلاح ومع ذلك فهو معروف الحسن بيّن الرجحان ، فلا يليق توجيهه بنفي اللوم أو تأكيده.

إن قيل : المقدمة الاستثنائية أيضا متعلّق المدح لما تقرّر من أنّ الاستثناء من الموجب نفي ومن النفي إيجاب ، فهما في ذلك سواء ، وحينئذ فيستفاد استحباب التزويج

__________________

(١) انظر تفسير نور الثقلين ج ٣ ص ٥٨٨ والبرهان ج ٣ ص ١٣٠ تفسير الآية ٣٢ من سورة النور عن الصادق كل آية في القرآن في ذكر الفروج فهي من الزنا الا هذه الآية فإنها من النظر.

(٢) الخازن ج ٣ ص ٣٠١.

١٠٩

والتسري وكراهة الحفظ منهنّ.

قلنا ليس تعلّق المدح في ظاهر الكلام بالاستثنائيّة كتعلّقه بما قبلها ، فإنّه صريح كالنص ، والاستثناء كثيرا ما يكون لغرض آخر من تشخيص المراد كمتعلّق المدح هنا ، ودفع توهّم غيره ، مثل أن يتوهّم المدح على الحفظ من الأزواج والإماء أيضا ، وتمهيد حكم آخر كما هنا ، ولا في معروف الحسن بيّن الرجحان كما قبله ، وإذ لا بدّ لقوله (فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) من متعلّق ، فليكن الاستثنائيّة ، وبعض محقّقي مشايخنا بناء على ما قدمنا حكم باستحباب التزويج والتسرّي مع تعليق هذا القول بالاستثنائيّة في ظاهر كلامه فليتأمل والتعلّق بالجميع على تقدير كونه بمعنى النهى ، وإن كان ممكنا إلّا أنه بعيد.

ثمّ قد يشعر قوله (فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) بأن يكون تارك الحفظ من غيرهنّ ملوما ولا أقلّ يستشعر به فيراد حكم فيحتاج إلى قوله.

(فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ.)

أي الكاملون في العدوان المتناهون فيه تأكيدا وتوضيحا أو تبيينا ، فيحسن وإن كان المقام مقام الاقتصار والكلام في المفلحين.

ثمّ لا يخفى أنّ ما قدّر أو ضمّن لتصحيح «على» إن قيّد فيه المستثنى بالنسبة إلى الأزواج والإماء بالحلّ ، لم يكن في الآية دلالة على حلّ شيء مما يحلّ منهن ، اللهمّ إلّا المعروف المشهور ، ولا حرمة غيره منهنّ ، بل كانت مجملة ، فلا بدّ من فهم ذلك من غيرها ، وإلّا دلّ على حل كل ما يمكن من المستثنى منه بالنسبة إلى الأزواج والإماء ، إلّا ما خرج بعقلي أو نقلي ، كما يدل على حرمته بالنسبة إلى غيرهنّ كذلك ، حتّى كشف الفرج ، والاستمناء باليد ، وسائر البدن.

في الكشاف (١) فان قلت : هل فيه دليل على تحريم المتعة؟ قلت؟ لا لأنّ المنكوحة نكاح المتعة من جملة الأزواج إذا صحّ النكاح ، وهو واضح ، وانتفاء بعض الأحكام مثل الإرث عند بعض ، والقسمة لا يقتضي خروجها عن الزوجيّة كما في بعض

__________________

(١) الكشاف ج ٣ ص ١٧٧.

١١٠

الدائمات مثل الناشزة والقاتلة.

ثمّ لا يخفي أنّ إذا قد تشعر بوقوع الشرط ، ولعله باعتبار جواز المتعة وصحّتها شرعا في الجملة حتى بعد الآية في عام الفتح عندهم وإن نسخ ، فلا دلالة فيه على جواز المتعة عنده ، ولا على عدم جوازه ، فان جواز المباشرة لكونها من الأزواج بشرط الصحّة لا يستلزم الصحّة ، ولا الجواز مطلقا ، كما في الواهبة نفسها فإنّه لما صحّت الهبة في حقّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كانت زوجة ولما لم تصحّ في حق غيره لم تكن زوجة ، فلا تدلّ الآية على حرمة المباشرة ووجوب الحفظ إلّا بعد ثبوت عدم الصحّة ، ولا على الجواز إلّا بعد ثبوت الصحّة ، وكذلك المجيرة والمعيرة والمبيحة نفسها ، ونحوها ، فان الظاهر أنّها لو صحت صارت هي زوجة ، فإنّما تدلّ الآية على حرمة المباشرة فيهنّ لعدم كونها من الأزواج لعدم الصحّة ، فلا يكون تحليل الأمة كذلك مع الصحّة كما دلّت عليه الأخبار الصحيحة والإجماع على ما نقل ، ففهم دلالة الآية على عدم صحّة هذه الهبة والإجارة والتحليل وغيرها وهم.

إذا تقرر ذلك فهنا أمور :

الف ـ ظاهر الآية حصر سبب الحلّ في الزوجة ، وملك اليمين ، بحيث لا يرتفعان ولا يجتمعان ، فان المستباح بهما خارج عن القسمين ، إذ التفصيل يقطع الاشتراك ، وأيضا فلا ريب في وضوح احتماله للانفصال الحقيقي وذلك يوجب الشك في الإباحة بغيرهما فيرجع إلى أصل المنع ، ولما ثبت عندنا صحّة تحليل الأمة وإفادته الإباحة كما تقدم وجب دخوله في أحد الأمرين.

فقيل انّ التحليل كالعقد المنقطع يفيد الزوجيّة ، واعترض بانتفاء لوازم المتعة من تعيين المدّة والمبلغ والصيغة الخاصّة ، ويجاب بمنع لزومها مطلقا ، بل في قسم خاص منها أو منع انحصار عقد المنقطع منها ، أو منع حصر العقد المفيد للزوجيّة في الدائم ، والمنقطع الذي هو المتعة.

ويجاب أيضا عن الاعتراض بأنّ عقد النكاح لازم ولا شيء من التحليل بلازم فليتأمل.

١١١

وقيل انه تمليك يفيد ملك المنفعة ، فإنّ الملك أعمّ من ملك العين وملك المنفعة وملك المنفعة أعمّ من أن يكون تبعا للأصل أو منفردا قيل : ولذلك قال (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) فإنّه لا يشترط في هذا الملك العقل ، ولو أراد ملك العين لقال من ملكت أيمانهم ، فلا يقال ظاهر الآية ملك العين لا الأعمّ ، ولهذا لا يحلّ بغير التحليل ممّا يفيد ملك المنفعة كالإجارة فإنّ الملك مطلق يعمّ القسمين ، والتخصيص تقييد.

إذ قد عرفت أنّ الآية تدلّ على الإباحة على تقدير الملك مطلقا ، فعدم افادة غير التحليل ملك منفعة البضع كالإجارة وعدم دلالة الآية على الإباحة لذلك لا يقدح في دلالة الآية على الإباحة فيما علم فيه ملك منفعة البضع ، ولعلّ عدم افادة نحو الإجارة ذلك لكونه موضوعا شرعا لغير ذلك أو معروفا شائعا في الغير ، فلا يتبادر فيه ذلك ، مع كونه ممّا يراعى فيه الصراحة للاحتياط فتأمل.

واما نحو القبلة المحضة والمسّ بغير الفرج والنظر فقط ، فان لم يكن متعلق الفرج فلا دلالة في الآية عليه لا حلًّا ولا حرمة ولا محذور فيه ، وانّما يعلم ذلك بغيرها وان كان ممّا يتعلق به أو من أتباعه ، فإذا ثبت الحلّ فيها بالنصوص الصحيحة ، وجب القول بالملك أو العقد بهذا الوجه الخاصّ.

وشيخنا المحقّق بعد القول بأنه يفهم من الآية عدم جواز التحليل مع دلالة الأخبار الصحيحة ، ونقل الإجماع قبل المخالف وبعده على الجواز ، وذكر اختلاف الأصحاب في كونه عقدا أو ملكا ، وتزييف القولين ببعض ما تقدّم ، قال : ولكن لما ثبت التحليل فلا بدّ من التأويل ، وان كان بعيدا ، فيمكن جعله قسما آخر بنفسه ، وتخصيص هذه الاية فتدبر.

ب ـ ظهر ممّا ذكرنا أنّ البضع لا يتبعّض ، فلو ملك بعض أمة لم يحلّ له العقد على باقيها ، وإلّا لزم التبعيض استباحة ، بعض بالملك وبعض بالعقد.

أمّا لو حلل أحد الشريكين مثلا لصاحبه حصّته فذهب جماعة منهم ابن إدريس والشهيد إلى الجواز ، لأنّ الإباحة تمليك منفعة ، فيكون حلّ جميعها بالملك ، ولا

١١٢

يضرّ كون بعضه للملك وبعضه منفردا ، ويؤيد ذلك صحيحة محمّد بن مسلم (١) عن الباقر عليه‌السلام في جارية بين رجلين دبّراها جميعا ثمّ أحلّ أحدهما فرجها لصاحبه ، قال : هو له حلال :

وأما قول الشهيد الثاني أنّ الرواية ضعيفة السند فناظر إلى ما في التهذيب (٢) وإلّا فالصدوق في الفقيه رواه في الصحيح ، ولا يقدح فيها ذلك بل يؤيّدها كما لا يخفى وقيل : بالمنع بناء على تبعيض السبب حيث إنّ بعضها بالملك ، وبعضها بالتحليل ، وهو امّا عقد أو اباحة ، والكلّ مغاير للملك.

ج ـ في صحّة التحليل بلفظ الإباحة قولان : إلحاقها به لمشاركتها له في المعنى ، فيكون كالمرادف الذي يجوز إقامته مقام رديفه ، والأكثر على منعه وقوفا فيما خالف الأصل على موضع اليقين ، وتمسكا بالأصل ، ومراعاة الاحتياط في الفروج المبنيّة عليه ، فيمنع المرادفة أولا ثم الاكتفاء بالمرادفة مطلقا فان كثيرا من أحكام النكاح توقيفيّة ، وفيه شائبة العبادة والاحتياط فيه مهم ، قال الشهيد الثاني : فإن جوّزناه بلفظ الإباحة كفى : أذنت ، وسوّغت ، وملّكت ، ووهبت ، ونحوها فتدبر.

(وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ.) سمّى الشيء المؤتمن عليه والمعاهد عليه أمانة وعهدا ، ومنه قوله تعالى (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها) وقال (وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ) وإنّما تؤدى العيون لا المعاني ، وتخان المؤتمن عليه لا الأمانة في نفسها ، والراعي القائم على الشيء لإصلاح وحفظ كراعي الغنم ، وراعي الرعيّة ، ويقال من راعي هذا الشيء أي متولّيه وصاحبه ، ويحتمل العموم في كلما ائتمنوا عليه وعوهدوا من جهة الله عزوجل ومن جهة الخلق ، والخصوص فيما حملوه من أمانات الناس وعهودهم كذا في الكشاف (٣)

__________________

(١) رواها في الفقيه ٣ / ٢٩٠ ط نجف بإسناده عن الحسن بن محبوب عن على بن رئاب عن محمد بن مسلم ، وطريق الصدوق الى الحسن بن محبوب صحيح كما في الخلاصة.

(٢) رواها الشيخ في التهذيب ج ٢ ص ٣٠٥ ط حجر وفي طريقه محمد بن قيس.

(٣) الكشاف ج ٣ ص ١٧٧.

١١٣

ونحوه في الجوامع ، وقرأ ابن كثير «لأمانتهم» (١) لأمن الإلباس ، أو لأنّها في الأصل مصدر ، وربما احتمل في الآية الحمل على المعاني أي عاملون بمقتضاها فتأمل.

(وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ.)

بأن يقيموها في أوقاتها ولا يضيّعوها ، فذكر الصلاة أولا وآخرا مختلفان ليس بتكرار : وصفوا أوّلا بالخشوع في صلاتهم ، وآخرا بالمحافظة عليها ، وفي الكشاف (٢) وذلك أن لا يسهوا عنها ويؤدّوها في أوقاتها ويقيموا أركانها ويوكلوا نفوسهم بالاهتمام بها ، وبما ينبغي أن تتمّ به أوصافها ، وأيضا فقد وحدت أولا ليفاد الخشوع في جنس الصلاة ، أيّ صلاة كانت وجمعت آخرا ليفاد المحافظة على إعدادها ، في الصلوات الخمس والوتر والسنن المرتّبة مع كلّ صلاة وصلاة الجمعة والعيدين والجنازة والاستسقاء والكسوف والخسوف وصلاة الضحى والتهجّد وصلاة التسبيح وغيرها من النوافل هذا.

واعلم أنّ الصلاة المذكورة كلها مرغّب فيها إلّا صلاة الضحى ، فإنّها بدعة عندنا وقول المجمع إنّما أعاد ذكر الصلاة تنبيها على عظم قدرها وعلوّ رتبتها ، يريد أنه ينبه على ذلك ، إذ حينئذ صفتان من هذه الصفات العظيمة الموجبة لإرث الفردوس والخلود فيها باعتبارها ، فكأنها تقتضي ذلك ، وتوجبه من جهتين.

وفي البيضاوي (٣) وفي تقدير الأوصاف بأمر الصلاة وفتحها به تعظيم لشأنها ، وهذا جهة أخرى فتأمّلها.

ثم إنّ في الصحيح عن الفضيل (٤) قال سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن قوله عزوجل : (وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ) قال هي الفريضة ، قلت (الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ) قال هي النافلة ، ويؤيده ظاهر روايات أخر ، بل ظاهر قوله تعالى (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى) فان ظاهرها في الفرائض وقد دلّت عليه الرواية أيضا

__________________

(١) المجمع ج ٤ ص ٩٨.

(٢) الكشاف ج ٣ ص ١٧٧.

(٣) البيضاوي ج ٣ ص ٢١٦ ط مصطفى محمد.

(٤) انظر نور الثقلين ج ٣ ص ٥٣٠ والبرهان ج ٣ ص ١٠٩.

١١٤

وأيضا فإنه أقرب عرفا من جميع النوافل والفرائض لمزيد اختصاص الفرائض ، وتفارقها وتبادرها عند الإطلاق كثيرا.

وظاهر البغويّ في المعالم أنّ المراد بالخشوع والمحافظة كليهما في الفرائض ، حيث قال : كرّر ذكر الصلاة ليبيّن أنّ المحافظة عليها واجبة كما أنّ الخشوع فيها واجب.

وبالجملة فيهما ترغيب وتحريص على الصلاة كما وكيفا ، جنانا وأركانا ، وشيخنا دام ظله (١) فهم من كلام الكشاف أنّ المحافظة لا بدّ أن يكون جميعها بخلاف الخشوع ، فإنّه يكفي في الواحدة أيّها كانت ، والظاهر أنّه لا يريد ذلك بل إنه لا نظر فيه إلى النوع والشخص ، بل إلى الجنس فقط ، نعم على القول بإرادة الفرائض مطلقا أو اليوميّة يمكن الاكتفاء بها أمّا بغيرها فلا ولا بواحدة نوعا أو شخصا.

(أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ.)

أى من كان بهذه الصفات واجتمعت فيه هذه الخلال ، هم الوارثون يوم القيمة منازل أهل النار من الجنّة ، فقد روي (٢) عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «ما منكم من أحد إلّا وله منزل في الجنّة ، ومنزل في النار ، فان مات ودخل النار ورث أهل الجنّة منزلة» وقيل : معنى الميراث هنا أنّهم يصيرون إلى الجنة بعد الأحوال المتقدّمة ، وينتهي أمرهم إليها كالميراث الذي يصير الوارث إليه ، والفردوس اسم من أسماء الجنّة وقيل اسم لرياض الجنّة : المجمع.

وفي الكشاف : أي أولئك الجامعون بهذه الأوصاف الوارثون الأحقّاء بأن يسموا وراثا من دون من عداهم ، ثمّ ترجم الوارثين بقوله (الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ) فجاء بفخامة

__________________

(١) انظر زبدة البيان ص ٥٤.

(٢) المجمع ج ٤ ص ٩٩ وزبدة البيان ص ٥٤ ومسالك الافهام ج ١ ص ١٤٠ وقريب منه في اللسان كلمة فردس وقريب منه في الدر المنثور ج ٥ ص ٦ عن سعيد بن منصور وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث.

١١٥

وجزالة لإرثهم لا يخفى على الناظر ، ومعنى الإرث ما مرّ في سورة مريم ، أنّث الفردوس علي تأويل الجنّة وهو البستان الواسع الجامع لأنواع الثمر.

وروي (١) أنّ الله عزوجل بنى جنّة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من فضة ، وجعل خلالها المسك الأذفر وفي رواية لبنة من مسك ، وغرس فيها من جيّد الفاكهة وجيّد الريحان ، وقد قال في سورة مريم «نورث» استعارة أي نبقي على الوارث مال الموروث ولأنّ الأتقياء يلقون ربّهم يوم القيمة ، وقد انقضت أعمالهم وثمرتها باقية ، وهي الجنّة ، وإذا أدخلهم الجنّة فقد أورثهم من تقواهم كما يورث الوارث المال من مال الموروث.

وقيل أورثوا من الجنّة المساكن الّتي كانت لأهل النار لو أطاعوا ، هذا.

ثمّ اعلم أنّ ظاهر العطف يقتضي أن يكون «أولئك» إشارة إلى المؤمنين الموصوفين بهذه الصفات ، ولو بعض ببعض ، لكن قد يتوهّم أنّ الظاهر شرعا أنّ الاتصاف بواحد منها غير كاف ، فلا بدّ من الحمل على إرادة الاتّصاف بالجميع ، وفيه نظر ، لأنّ الاتصاف بالجميع ، أيضا غير كاف ، إلّا بشرائط ، فلا مانع من الحمل على الظاهر ، واعتبار ما علم من الشرع اعتباره فليتأمّل.

بنى إسرائيل (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً. وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً.)

معنى إقامة الصلاة تعديل أركانها ، وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها وآدابها ، من أقام العود إذا قوّمه ، أو الدوام عليها والمحافظة ، كما قال عزّ وعلا (الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ). (وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ) من قامت السوق إذا نفقت وأقامها ، قال :

__________________

(١) الكشاف ج ٣ ص ١٧٨ ولم يذكر في الشاف الكاف في ذيله تخريج الحديث ولم أظفر عليه في غيره.

١١٦

أقامت غزالة سوق الضراب

لأهل العراقين حولا قميطا (١)

لأنها إذا حوفظ عليها ، كانت كالشيء النافق الذي يتوجّه إليه الرغبات ويتنافس فيه المحصّلون ، وإذا عطلت وأضيعت كانت كالشيء الكاسد الذي لا يرغب فيه.

أو التجلد والتشمّر لآدابها ، وأن لا يكون في مؤدّيها فتور ولا توان ، من قولهم قام بالأمر وقامت الحرب على ساقها ، أو أداؤها ، فعبّر عن الأداء بالإقامة ، لأنّ القيام بعض أركانها كما عبّر عنه بالقنوت وبالركوع وبالسجود ، وقالوا سبّح إذا صلّى لوجود التسبيح فيها ، قاله في الكشاف ، ويبعد الأوّل لفوتها حينئذ بتفويت بعض آدابها أو سننها ، ولهذا اقتصر الطبرسيّ في الجوامع فيه على تعديل أركانها ولم يرد بالأركان المعروف عندنا كما لا يخفى.

وقال المقداد في الكنز : تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغ في أفعالها ، وكأنه أراد ما لا بدّ منه فيها ، وحينئذ فلا يبعد أن يكون إقامتها بمعنى أدائها أي الإتيان بها بجميع شرائطها وواجباتها على ما اعتبر فيها من أقام العود إذا قوّمه أو قام بالأمر لا لما قاله كما لا يخفى.

وأما الثاني فعنه أنّ المحافظة كما ذكر في قوله (وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ)

__________________

(١) البيت استشهد به في المجمع ج ١ ص ٣٨ والكشاف ج ١ ص ٤٠ وكنز العرفان ج ١ ص ٦٦ والبيت لا يمن بن خريم وترى ترجمته في تعاليقنا على مسالك الافهام ج ٢ ص ١٣١ وترى الشرح الكامل للبيت في شواهد المجمع ج ١ ص ٨٠ الى ٨٣ وغزالة بفتح الغين وتخفيف الزاي المعجمتين اسم أمرية شبيب الخارجي كذا في شواهد المجمع عن الكشف وفيه في تاريخ ابن خلكان شبيب بن يزيد بن نعيم الحروري قتل الحجاج زوجها فحاربته لذلك سنة كاملة وهرب منها الحجاج فعيره عمر ابن حطان السدوسي لعنه الله «أسد على وفي الحروب نعامة».

والضراب مضاربة السيف أى أقامت سوق المضاربة بالسيوف على التخييل والتشبيه أو المبالغة وهذا كقولك أنا ابن الطعن ، والمراد بالعراقين كوفة وبصرة وقيل كوفة والحجاز على التغليب ، والحول القميط كأمير التام ، والشاهد في قوله أقامت ، فإنه أراد لم تعطل ، يقال قامت السوق إذا نفقت وأقامها أي لم يعطلها من البيع والشراء.

١١٧

يتضمّن المداومة ، فلا احتياج إليها ، ولكن كأنه أراد بها التصريح بمغايرته ومقابلته للاوّل ، وربّما يوهم كون عطفها على التفسير ، وأنّ المراد المواظبة ، لهذا قال المقداد وقيل : المواظبة ، وبهذا المعنى يجوز كونه من أقام العود إذا قوّمه كما أنّ بالمعنى الأوّل يجوز أخذه من قامت السوق أيضا.

واللام للتوقيت مثلها في لثلاث خلون ونحوها ، وفي المجمع : قال قوم دلوك الشمس زوالها وهو المرويّ عن أبى جعفر وأبي عبد الله عليهما‌السلام وفي البيضاوي : لزوالها ، ويدلّ عليه قوله عليه‌السلام أتاني جبرئيل لدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر (١) ، وقيل لغروبها.

وفي المعالم بعد نقل القول بكونه غروبها عن قائليه : وقال ابن عباس وابن عمر وجابر : هو زوال الشمس ، وهو قول عطا وقتادة ومجاهد والحسن وأكثر التابعين ، ومعنى اللفظ يجمعهما ، لأن أصل الدلوك الميل ، والشمس تميل إذا زالت أو غربت ، والحمل على الزوال أولى لكثرة القائلين ، ولأنّا إذا حملناه عليه كانت الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلها.

وفي المجمع : وقيل : غسق الليل بدوّ الليل عن ابن عباس ، وقيل : هو انتصاف الليل عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما‌السلام.

هذا وهو الصحيح ، وعليه يحمل القول بأنّه شدّة ظلمته ، وعليه تتمّ دلالة الآية على أوقات الصلوات الخمس كما في رواية عبيد بن زرارة (٢) عن أبي عبد الله عليه‌السلام في قوله (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ) قال : إن الله عزوجل افترض أربع صلوات

__________________

(١) انظر الطبري ج ١٥ ص ١٣٧ وفتح القدير ج ٣ ص ٢٤٥ والكشاف ج ٢ ص ٦٨٦ وفي الشاف الكاف ذيله تخريجه.

(٢) انظر جامع أحاديث الشيعة ج ٢ ص ٤٦ الرقم ٣٤٧ رواه في التهذيب والاستبصار والعياشي وانظر البحار ج ١٨ ص ٤٢ ورواه في منتقى الجمان أيضا ج ١ ص ٣١٤ وانظر مسالك الافهام وتعاليقنا ج ١ ص ١٤٣ وانظر الوسائل أيضا ج ٣ ص ١١٥ المسلسل ٤٧٩٤ ط الإسلامية.

١١٨

أوّل وقتها من زوال الشمس إلى انتصاف اللّيل ، منها صلاتان أوّل وقتهما من عند زوال الشمس إلى غروبها إلّا أنّ هذه قبل هذه ، ومنها صلاتان من غروب الشمس إلى انتصاف الليل إلّا أنّ هذه قبل هذه.

وصحيحة زرارة (١) قال : سألت أبا جعفر عليه‌السلام عمّا فرض الله من الصلاة فقال خمس صلوات في الليل والنهار ، قلت : هل سماهنّ الله وبيّنهنّ في كتابه؟ قال : نعم قال الله تبارك وتعالى لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ) ودلوكها زوالها ، ففي ما بين دلوك الشمس إلى غسق اللّيل أربع صلوات سمّاهنّ وبيّنهنّ وغسق الليل انتصافه ، ثمّ قال (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً) فهذه الخامسة الحديث.

وأمّا لو قلنا أنّ غسق الليل ظلمته عند ارتفاع الشفق ، وهو وقت صلاة العشاء عندهم ، كما في الكشاف والبيضاوي ، أو أوّل ظهور ظلمته كما في المعالم ، ونقله المجمع عن ابن عباس فيبقى وقت العشاء أو المغرب أيضا خارجا كما هو ظاهر إلى فلا تدلّ عليها ، فقول القاضي : والآية جامعة للصلوات الخمس ان فسّر الدلوك بالزوال ولصلوات الليل وحدها ان فسر بالغروب ، محلّ نظر ، وكذلك قول المعالم فتأمل ، ولهذا قيل : المراد بالصلاة صلاة المغرب وقوله (لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ) بيان لمبدء الوقت ومنتهاه ، واستدلّ به على أنّ الوقت يمتدّ الى غروب الشفق ، ونقله القاضي أيضا.

ثم لا يخفى أنّ ظاهر الآية (٢) توسعة أوقات الصلوات الأربع وامتدادها الى

__________________

(١) ما حكاه المصنف شطر من الحديث وهو في جامع أحاديث الشيعة ج ٢ ص ١٣ الرقم ٩٤ رواه عن التهذيب والكافي والفقيه والعلل وتراه في البحار ج ١٨ الباب الثالث من كتاب الصلاة وترى شرح الحديث في المرآت ج ٣ ص ١١٠ وأوضح مواضع اختلاف الألفاظ في المنتقى ج ١ ص ٢٨٩ وص ٢٩٠ وأوضحنا البحث في تعاليقنا على مسالك الافهام ج ١ ص ١٢١ وص ١٢٢ فراجع.

(٢) انظر تعاليقنا على كنز العرفان ج ١ ص ٦٧ الى ص ٧٠.

١١٩

الغسق ، وكون الجميع وقتا في الجملة ، فلا بأس بالاستدلال به على ما هو المشهور ودلّت الروايات أنّ آخر وقت العشاء نصف اللّيل ففيها إيماء إلى كون الظهر هي الصلات الأولى ، لأنّ الانتهاء يستدعي ابتداء هو الدلوك ، وقرآن الفجر صلاته ، والعطف على الصلاة ، وأهل البصرة على أنّ النصب على الإغراء أي عليك بصلات الفجر.

وفي الكشاف سمّيت قرآنا وهي القراءة لأنّها ركن كما سمّيت ركوعا وسجودا وقنوتا ، وهي حجّة على ابن عليّة والأصمّ في زعمهما أنّ القراءة ليست بركن انتهى.

وفيه أنّه إن أراد بقوله كما سمّيت بيان مجرّد أنّ الركنيّة تصلح علاقة ووجها للتجوّز ، فهو بنفسه أوضح من هذا ، ويبقى قوله سمّيت قرآنا لأنها ركن وأنها حجّة عليهما ، دعوى بلا ثبت في المقام ، وهو غير مناسب به.

على أنّ قوله وقنوتا حيث لم يكن القنوت عندهم فرضا بل سنّة في بعض الصلوات أو مستحبّا يدلّ على جواز كون التسمية لغير الركنيّة أيضا ، فلا يتعين كونها للركنية ، فلا يتمّ حينئذ الاحتجاج عليهما ، فايراده في هذا السلك لم يكن مناسبا بل مضرا ، ولذلك لم يورده القاضي ، وإن أراد به بيان أنّ كونها ركنا هو الوجه فقوله قنوتا حينئذ أبعد من المقام وأضرّ بالمرام كما لا يخفى ، اللهم إلّا أن يحمل القنوت على القيام هذا.

على أنّ الدعوى من أصله موضع نظر لأنّ هذا التجوز يكفي فيه كون القراءة جزءا في الجملة وغير ذلك من الملابسات فيحتمل وجوه كثيرة ، كأن يكون لأنّ القراءة مع الجهر بها مستغرقة لجميع ركعاتها دون باقي الصلوات ، أو لوجوبها كذلك لا يجزي عنها غيرها ، بخلاف باقي الصلوات ، أو لأنّ القراءة فيها أهمّ مرغب فيها أكثر منها في غيرها ولذلك كانت أطول الصلوات قراءة أو لأن قراءتها على ما ينبغي فيها من الطول كأنها تغلب باقي أجزائها ، فغلّب في الاسم تنبيها عليه وترغيبا فيه ، فلا تتعيّن الركنيّة لذلك ، على أنّ بعض ما ذكرنا منفردا أو منضمّا ربما كان أظهر في المقام وأنسب من أن يكون لكونها ركنا ، لو كان محقّقا ، فكيف إذا كان محلّ

١٢٠