أنوار التنزيل وأسرار التأويل - ج ٥

عبدالله بن عمر بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل - ج ٥

المؤلف:

عبدالله بن عمر بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٥٧
  نسخة غير مصححة

(إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (٣١) حَدائِقَ وَأَعْناباً (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْراباً (٣٣) وَكَأْساً دِهاقاً (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً)(٣٥)

(إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً) فوزا أو موضع فوز.

(حَدائِقَ وَأَعْناباً) بساتين فيها أنواع الأشجار المثمرة بدل من (مَفازاً) بدل الاشتمال أو البعض.

(وَكَواعِبَ) نساء فلكت ثديهن (أَتْراباً) لدات. (وَكَأْساً دِهاقاً) ملآنا وأدهق الحوض ملأه.

(لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً) وقرأ الكسائي بالتخفيف أي كذبا أو مكاذبة ، إذ لا يكذب بعضهم بعضا.

(جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً (٣٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً)(٣٧)

(جَزاءً مِنْ رَبِّكَ). بمقتضى وعده. (عَطاءً) تفضلا منه إذ لا يجب عليه شيء ، وهو بدل من (جَزاءً) ، وقيل منتصب به نصب المفعول به. (حِساباً) كافيا من أحسبه الشيء إذا كفاه حتى قال حسبي ، أو على حسب أعمالهم وقرئ «حسابا» أي محسبا كالدرّاك بمعنى المدرك.

(رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا) بدل من ربك وقد رفعه الحجازيان وأبو عمرو على الابتداء. (الرَّحْمنِ) بالجر صفة له وكذا في قراءة ابن عامر وعاصم ويعقوب وبالرفع في قراءة أبي عمرو ، وفي قراءة حمزة والكسائي بجر الأول ورفع الثاني على أنه خبر محذوف ، أو مبتدأ خبره : (لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً) والواو لأهل السموات والأرض أي لا يملكون خطابه ، والاعتراض عليه في ثواب أو عقاب لأنهم مملوكون له على الإطلاق فلا يستحقون عليه اعتراضا وذلك لا ينافي الشفاعة بإذنه.

(يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً (٣٨) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً)(٣٩)

(يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً) تقرير وتوكيد لقوله (لا يَمْلِكُونَ) ، فإن هؤلاء الذين هم أفضل الخلائق وأقربهم من الله إذا لم يقدروا أن يتكلموا بما يكون صوابا كالشفاعة لمن ارتضى إلا بإذنه ، فكيف يملكه غيرهم و (يَوْمَ) ظرف ل (لا يَمْلِكُونَ) ، أو ل (يَتَكَلَّمُونَ) و (الرُّوحُ) ملك موكل على الأرواح أو جنسها ، أو جبريل أو خلق أعظم من الملائكة.

(ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُ) الكائن لا محالة. (فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ) إلى ثوابه. (مَآباً) بالإيمان والطاعة.

(إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً) (٤٠)

(إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً) يعني عذاب الآخرة ، وقربه لتحققه فإن كل ما هو آت قريب ولأن مبدأه الموت. (يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ) يرى ما قدمه من خير أو شر ، و (الْمَرْءُ) عام. وقيل هو الكافر لقوله : (إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ) فيكون الكافر ظاهرا وضع موضع الضمير لزيادة الذم ، و (ما) موصولة منصوبة بينظر أو استفهامية منصوبة ب (قَدَّمَتْ) ، أي ينظر أي شيء قدمت يداه. (وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً) في الدنيا فلم أخلق ولم أكلف ، أو في هذا اليوم فلم أبعث ، وقيل يحشر سائر الحيوانات للاقتصاص ثم ترد ترابا فيود الكافر حالها.

عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «من قرأ سورة عم سقاه الله برد الشراب يوم القيامة».

٢٨١

(٧٩) سورة النازعات

مكية وآيها خمس أو ست وأربعون آية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً (١) وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً (٢) وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً (٣) فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً)(٤) فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً)(٥)

(وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً) هذه صفات ملائكة الموت فإنهم ينزعون أرواح الكفار من أبدانهم غرقا أي إغراقا في النزع ، فإنهم ينزعونها من أقاصي الأبدان ، أو نفوسا غرقة في الأجساد وينشطون أي يخرجون أرواح المؤمنين برفق من نشط الدلو من البئر إذا أخرجها ، ويسبحون في إخراجها سبح الغواص الذي يخرج الشيء من أعماق البحر ، فيسبقون بأرواح الكفار إلى النار وبأرواح المؤمنين إلى الجنة ، فيدبرون أمر عقابها وثوابها بأن يهيئوها لإدراك ما أعد لها من الآلام واللذات ، أو الأوليان لهم والباقيات لطوائف من الملائكة يسبحون في مضيها أي يسرعون فيه فيسبقون إلى ما أمروا به فيدبرون أمره ، أو صفات النجوم فإنها تنزع من المشرق إلى المغرب غرقا في النزع بأن تقطع الفلك حتى تنحط في أقصى الغرب ، وتنشط من برج إلى برج أي تخرج من نشط الثور إذا خرج من بلد إلى بلد ، ويسبحن في الفلك فيسبق بعضها في السير لكونه أسرع حركة فيدبر أمرا أنيط بها ، كاختلاف الفصول وتقدير الأزمنة وظهور مواقيت العبادات ، ولما كانت حركاتها من المشرق إلى المغرب قسرية وحركاتها من برج إلى برج ملائمة سمى الأولى نزعا والثانية نشطا ، أو صفات النفوس الفاضلة حال المفارقة فإنها تنزع عن الأبدان غرقا أي نزعا شديدا من إغراق النازع في القوس ، وتنشط إلى عالم الملكوت وتسبح فيها فتسبق إلى حظائر القدس فتصير لشرفها وقوتها من المدبرات ، أو حال سلوكها فإنها تنزع عن الشهوات فتنشط إلى عالم القدس ، فتسبح في مراتب الارتقاء فتسبق إلى الكمالات حتى تصير من المكملات ، أو صفات أنفس الغزاة ، أو أيديهم تنزع القسي بإغراق السهام وينشطون بالسهم للرمي ويسبحون في البر والبحر فيسبقون إلى حرب العدو فيدبرون أمرها ، أو صفات خيلهم فإنها تنزع في أعنتها نزعا تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها وتخرج من دار الإسلام إلى دار الكفر ، وتسبح في حربها فتسبق إلى العدو فتدبر أمر الظفر.

أقسم الله تعالى بها على قيام الساعة وإنما حذف لدلالة ما بعده عليه.

(يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨) أَبْصارُها خاشِعَةٌ)(٩)

(يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ) وهو منصوب به والمراد ب (الرَّاجِفَةُ) الأجرام الساكنة التي تشتد حركتها حينئذ كالأرض والجبال لقوله : (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ) أو الواقعة التي ترجف الأجرام عندها وهي النفخة الأولى.

(تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ) التابعة وهي السماء والكواكب تنشق وتنتشر ، أو النفخة الثانية. والجملة في موقع الحال.

٢٨٢

(قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ) شديدة الاضطراب من الوجيف وهي صفة القلوب والخبر :

(أَبْصارُها خاشِعَةٌ) أي أبصار أصحابها ذليلة من الخوف ولذلك أضافها إلى القلوب.

(يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً (١١) قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ)(١٢)

(يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ) في الحالة الأولى يعنون الحياة بعد الموت من قولهم رجع فلان في حافرته أي طريقه التي جاء فيها ، فحفرها أي أثر فيها بمشيه على النسبة كقوله : (فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ) أو تشبيه القابل بالفاعل وقرئ «في الحفرة» بمعنى المحفورة يقال حفرت أسنانه فحفرت حفرا وهي حفرة.

(أَإِذا كُنَّا) وقرأ نافع وابن عامر والكسائي (إِذا كُنَّا) على الخبر. عظاما ناخرة بالية وقرأ الحجازيان والشامي وحفص وروح (نَخِرَةً) وهي أبلغ.

(قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ) ذات خسران أو خاسر أصحابها ، والمعنى أنها إن صحت فنحن إذا خاسرون لتكذيبنا بها وهو استهزاء منهم.

(فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (١٣) فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ)(١٤)

(فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ) متعلق بمحذوف أي لا يستصعبوها فما هي إلا صيحة واحدة يعني النفخة الثانية.

(فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ) فإذا هم أحياء على وجه الأرض بعد ما كانوا أمواتا في بطنها ، والساهرة الأرض البيضاء المستوية سميت بذلك لأن السراب يجري فيها من قولهم : عين ساهرة للتي يجري ماؤها وفي ضدها نائمة ، أو لأن سالكها يسهر خوفا وقيل اسم لجهنم.

(هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى(١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى)(١٩)

(هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى) أليس قد أتاك حديثه فيسليك على تكذيب قومك وتهددهم عليه بأن يصيبهم مثل ما أصاب من هو أعظم منهم.

(إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً) قد مر بيانه في سورة «طه».

(اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى) على إرادة القول ، وقرئ «أن أذهب» لما في النداء من معنى القول.

(فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى) هل لك ميل إلى أن تتطهر من الكفر والطغيان ، وقرأ الحجازيان ويعقوب (تَزَكَّى) بالتشديد.

(وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ) وأرشدك إلى معرفته. (فَتَخْشى) بأداء الواجبات وترك المحرمات ، إذ الخشية إنما تكون بعد المعرفة وهذا كالتفصيل لقوله : (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً).

(فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى)(٢٢)

(فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى) أي فذهب وبلغ فأراه المعجزة الكبرى وهي قلب العصا حية فإنه كان المقدم والأصل ، أو مجموع معجزاته فإنها باعتبار دلالتها كالآية الواحدة.

(فَكَذَّبَ وَعَصى) فكذب موسى وعصى الله عزوجل بعد ظهور الآية وتحقق الأمر.

٢٨٣

(ثُمَّ أَدْبَرَ) عن الطاعة. (يَسْعى) ساعيا في إبطال أمره أو أدبر بعد ما رأى الثعبان مرعوبا مسرعا في مشيه.

(فَحَشَرَ فَنادى (٢٣) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى)(٢٦)

(فَحَشَرَ) فجمع السحرة أو جنوده. (فَنادى) في المجمع بنفسه أو بمناد.

(فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى) أعلى كل من يلي أمركم.

(فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى) أخذا منكلا لمن رآه ، أو سمعه في الآخرة بالإحراق وفي الدنيا بالإغراق ، أو على كلمته (الْآخِرَةِ) وهي هذه وكلمته الأولى وهو قوله : (ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي) أو للتنكيل فيهما ، أو لهما ، ويجوز أن يكون مصدرا مؤكدا مقدرا بفعله.

(إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى) لمن كان من شأنه الخشية.

(أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها)(٢٩)

(أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً) أصعب خلقا. (أَمِ السَّماءُ) ثم بين كيف خلقها فقال : (بَناها) ثم بين البناء فقال :

(رَفَعَ سَمْكَها) أي جعل مقدار ارتفاعها من الأرض أو ثخنها الذاهب في العلو رفيعا. (فَسَوَّاها) فعدلها أو فجعلها مستوية ، أو فتممها بما يتم به كمالها من الكواكب والتداوير وغيرها من قولهم : سوى فلان أمره إذا أصلحه.

(وَأَغْطَشَ لَيْلَها) أظلمه منقول من غطش الليل إذا أظلم ، وإنما أضافه إليها لأنه يحدث بحركتها. (وَأَخْرَجَ ضُحاها) وأبرز ضوء شمسها. كقوله تعالى : (وَالشَّمْسِ وَضُحاها) يريد النهار.

(وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) وَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ)(٣٣)

(وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها) بسطها ومهدها للسكنى.

(أَخْرَجَ مِنْها ماءَها) بتفجير العيون. (مَرْعاها) ورعيها وهو في الأصل لموضع الرعي ، وتجريد الجملة عن العاطف لأنها حال بإضمار قد أو بيان للدحو.

(وَالْجِبالَ أَرْساها) أثبتها وقرئ «والأرض» و «الجبال» بالرفع على الابتداء ، وهو مرجوح لأن العطف على فعلية.

(مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ) تمتيعا لكم ولمواشيكم.

(فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى)(٣٩)

(فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ) الداهية التي تطم أي تعلو على سائر الدواهي. (الْكُبْرى) التي هي أكبر الطامات وهي القيامة ، أو النفخة الثانية أو الساعة التي يساق فيها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار.

(يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى) بأن يراه مدونا في صحيفته وكان قد نسيه من فرط الغفلة أو طول المدة ،

٢٨٤

وهو بدل من «إذا جاءت» و (ما) موصولة أو مصدرية (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ) وأظهرت. (لِمَنْ يَرى) لكل راء بحيث لا تخفى على أحد ، وقرئ «وبرزت» و «لمن رأى» و «لمن ترى» على أن فيه ضمير الجحيم كقوله تعالى : (إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ). أو أنه خطاب للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أي لمن تراه من الكفار ، وجواب (فَإِذا جاءَتِ) محذوف دل عليه (يَوْمَ يَتَذَكَّرُ) أو ما بعده من التفصيل.

(فَأَمَّا مَنْ طَغى) حتى كفر.

(وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا) فانهمك فيها ولم يستعد للآخرة بالعبادة وتهذيب النفس.

(فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى) هي مأواه واللام فيه سادة مسد الإضافة للعلم بأن صاحب المأوى هو الطاغي ، وهي فصل أو مبتدأ.

(وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى)(٤١)

(وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ) مقامه بين يدي ربه لعلمه بالمبدأ والمعاد.

(وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى) لعلمه بأنه مرد.

(فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى) ليس له سواها مأوى.

(يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها)(٤٤)

(يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها) متى إرساؤها أي إقامتها وإثباتها ، أو منتهاها ومستقرها من مرسى السفينة وهو حيث تنتهي إليه وتستقر فيه.

(فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها) في أي شيء أنت من أن تذكر وقتها لهم أي ما أنت من ذكرها لهم ، وتبيين وقتها في شيء فإن ذكرها لا يزيدهم إلا غيا. ووقتها مما استأثره الله تعالى بعلمه. وقيل (فِيمَ) إنكار لسؤالهم و (أَنْتَ مِنْ ذِكْراها) مستأنف ، ومعناه أنت ذكر من ذكرها أي علامة من أشراطها ، فإن إرساله خاتما للأنبياء أمارة من أماراتها ، وقيل إنه متصل بسؤالهم والجواب.

(إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها) أي منتهى علمها.

(إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها)(٤٦)

(إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها) إنما بعثت لإنذار من يخاف هولها ، وهو لا يناسب تعيين الوقت وتخصيص من يخشى لأنه المنتفع به ، وعن أبي عمرو ومنذر بالتنوين والإعمال على الأصل لأنه بمعنى الحال.

(كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا) في الدنيا أو في القبور. (إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها) أي عشية يوم أو ضحاه كقوله (إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ) ولذلك أضاف الضحى إلى ال (عَشِيَّةً) لأنهما من يوم واحد.

عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «من قرأ سورة النازعات كان ممن حبسه الله في القيامة حتى يدخل الجنة قدر صلاة المكتوبة».

٢٨٥

(٨٠) سورة عبس

مكية وآيها ثنتان وأربعون آية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى)(٤)

(عَبَسَ وَتَوَلَّى). (أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى) روي : أن ابن أم مكتوم أتى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعنده صناديد قريش يدعوهم إلى الإسلام ، فقال : يا رسول الله علمني مما علمك الله ، وكرر ذلك ولم يعلم تشاغله بالقوم ، فكره رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قطعه لكلامه وعبس وأعرض عنه فنزلت ، فكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يكرمه ويقول إذا رآه : مرحبا بمن عاتبني فيه ربي ، واستخلفه على المدينة مرتين. وقرئ «عبّس» بالتشديد للمبالغة و (أَنْ جاءَهُ) علة ل (تَوَلَّى) ، أو (عَبَسَ) على اختلاف المذهبين ، وقرئ «ءاأن» بهمزتين وبألف بينهما بمعنى ألئن جاءه الأعمى فعل ذلك ، وذكر الأعمى للإشعار بعذره في الإقدام على قطع كلام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالقوم والدلالة على أنه أحق بالرأفة والرفق ، أو لزيادة الإنكار كأنه قال : تولى لكونه أعمى كالالتفات في قوله :

(وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) أي : وأي شيء يجعلك داريا بحاله لعله يتطهر من الآثام بما يتلقف منك.

وفيه إيماء بأن إعراضه كان لتزكية غيره.

(أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى) أو يتعظ فتنفعه موعظتك ، وقيل الضمير في (لَعَلَّهُ) للكافر أي أنك طمعت في تزكيه بالإسلام وتذكره بالموعظة ولذلك أعرضت عن غيره ، فما يدريك أن ما طمعت فيه كائن ، وقرأ عاصم فتنفعه بالنصب جوابا للعل.

(أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى)(٧)

(أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) تتعرض له بالإقبال عليه وأصله تتصدى ، وقرأ ابن كثير ونافع (تَصَدَّى) بالإدغام وقرئ. (تَصَدَّى) أي تعرض وتدعى إلى التصدي.

(وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى) وليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالإسلام حتى يبعثك الحرص على إسلامه إلى الإعراض عمن أسلم (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ).

(وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى)(١٠)

(وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى) يسرع طالبا للخير.

(وَهُوَ يَخْشى) الله أو أذية الكفار في إتيانك ، أو كبوة الطريق لأنه أعمى لا قائد له.

(فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) تتشاغل ، يقال لها عنه والتهى و (تَلَهَّى) ، ولعل ذكر التصدي والتلهي للإشعار بأن العتاب على اهتمام قلبه بالغني وتلهيه عن الفقير ، ومثله لا ينبغي له ذلك.

(كَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥)

٢٨٦

كِرامٍ بَرَرَةٍ)(١٦)

(كَلَّا) ردع عن المعاتب عليه أو عن معاودة مثله. (إِنَّها تَذْكِرَةٌ).

(فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ) حفظه أو اتعظ به والضميران للقرآن ، أو العتاب المذكور وتأنيث الأول لتأنيث خبره.

(فِي صُحُفٍ) مثبتة فيها صفة لتذكرة ، أو خبر ثان أو خبر لمحذوف. (مُكَرَّمَةٍ) عند الله.

(مَرْفُوعَةٍ) القدر. (مُطَهَّرَةٍ) منزهة عن أيدي الشياطين :

(بِأَيْدِي سَفَرَةٍ) كتبة من الملائكة أو الأنبياء ينتسخون الكتب من اللوح أو الوحي ، أو سفراء يسفرون بالوحي بين الله تعالى ورسله ، أو الأمة جمع سافر من السفر ، أو السفارة والتركيب للكشف يقال سفرت المرأة إذا كشفت وجهها.

(كِرامٍ) أعزاء على الله أو متعطفين على المؤمنين يكلمونهم ويستغفرون لهم. (بَرَرَةٍ) أتقياء.

(قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ)(١٩)

(قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ) دعاه عليه بأشنع الدعوات وتعجب من إفراطه في الكفران ، وهو مع قصره يدل على سخط عظيم وذم بليغ.

(مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) بيان لما أنعم عليه خصوصا من مبدأ حدوثه ، والاستفهام للتحقير ولذلك أجاب عنه بقوله :

(مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) فهيأه لما يصلح له من الأعضاء والأشكال ، أو (فَقَدَّرَهُ) أطوارا إلى أن تم خلقته.

(ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ)(٢٢)

(ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) ثم سهل مخرجه من بطن أمه بأن فتح فوهة الرحم وألهمه أن ينتكس ، أو ذلل له سبيل الخير والشر ونصب السبيل بفعل يفسره الظاهر للمبالغة في التيسير ، وتعريفه باللام دون الإضافة للإشعار بأنه سبيل عام ، وفيه على المعنى الأخير إيماء بأن الدنيا طريق والمقصد غيرها ولذلك عقبه بقوله :

(ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ) وعد الإماتة والإقبار في النعم لأن الإماتة وصلة في الجملة إلى الحياة الأبدية واللذات الخالصة والأمر بالقبر تكرمة وصيانة عن السباع ، وفي (إِذا شاءَ) إشعار بأن وقت النشور غير متعين في نفسه ، وإنما هو موكول إلى مشيئته تعالى.

(كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا)(٢٥)

(كَلَّا) ردع للإنسان بما هو عليه. (لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ) لم يقض بعد من لدن آدم إلى هذه الغاية ما أمره الله بأسره ، إذ لا يخلو أحد من تقصير ما.

(فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ) إتباع للنعم الذاتية بالنعم الخارجية.

(أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا) استئناف مبين لكيفية إحداث الطعام ، وقرأ الكوفيون بالفتح على البدل منه بدل الاشتمال.

(ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَباً وَقَضْباً)(٢٨).

٢٨٧

(ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا) أي بالنبات أو بالكراب ، وأسند الشق إلى نفسه إسناد الفعل إلى السبب.

(فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا) كالحنطة والشعير.

(وَعِنَباً وَقَضْباً) يعني الرطبة سميت بمصدر قضبه إذا قطعه لأنها تقضب مرة بعد أخرى.

(وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْباً (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ)(٣٢)

(وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدائِقَ غُلْباً) عظاما وصف به الحدائق لتكاثفها وكثرة أشجارها ، أو لأنها ذات أشجار غلاظ مستعار من وصف الرقاب.

(وَفاكِهَةً وَأَبًّا) ومرعى من أب إذا أم لأنه يؤم وينتجع ، أو من أب لكذا إذا تهيأ له لأنه متهيئ للرعي ، أو فاكهة يابسة تؤوب للشتاء.

(مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ) فإن الأنواع المذكورة بعضها طعام وبعضها علف.

(فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ)(٣٧)

(فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ) أي النفخة وصفت بها مجازا لأن الناس يصخون لها.

(يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) لاشتغاله بشأنه وعلمه بأنهم لا ينفعونه ، أو للحذر من مطالبتهم بما قصر في حقهم وتأخير الأحب فالأحب للمبالغة كأنه قيل : يفر من أخيه بل من أبويه بل من صاحبته وبنيه.

(لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) يكفيه في الاهتمام به ، وقرئ «يعنيه» أي يهمه.

(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ(٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ)(٤٢)

(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ) مضيئة من إسفار الصبح.

(ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) لما ترى من النعيم.

(وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ) غبار وكدورة.

(تَرْهَقُها قَتَرَةٌ) يغشاها سواد وظلمة.

(أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) الذين جمعوا إلى الكفر الفجور ، فلذلك يجمع إلى سواد وجوههم الغبرة.

قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «من قرأ سورة عبس جاء يوم القيامة ووجهه ضاحك مستبشر».

٢٨٨

(٨١) سورة التكوير

مكية وآيها تسع وعشرون آية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ)(٣)

(إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) لفت من كورت العمامة إذا لففتها بمعنى رفعت لأن الثوب إذا أريد رفعه لف ، أو لف ضوؤها فذهب انبساطه في الآفاق وزال أثره ، أو ألقيت عن فلكها من طعنه فكوره إذا ألقاه مجتمعا والتركيب للإدارة والجمع وارتفاع الشمس بفعل يفسره ما بعدها أولى لأن إذا الشرطية تطلب الفعل.

(وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ) انقضت قال : أبصر خربان فضاء فانكدر. أو أظلمت من كدرت الماء فانكدر.

(وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ) عن وجه الأرض أو في الجو.

(وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ)(٧)

(وَإِذَا الْعِشارُ) النوق اللواتي أتى على حملهن عشرة أشهر جمع عشراء. (عُطِّلَتْ) تركت مهملة ، أو السحائب عطلت عن المطر ، وقرئ بالتخفيف.

(وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) جمعت من كل جانب أو بعثت للقصاص ثم ردت ترابا ، أو أميتت من قولهم إذا أجحفت السنة بالناس حشرتهم ، وقرئ بالتشديد.

(وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ) أحميت أو ملئت بتفجير بعضها إلى بعض حتى تعود بحرا واحدا ، من سجر التنور إذا ملأه بالحطب ليحميه ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وروح بالتخفيف.

(وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ) قرنت بالأبدان أو كل منها بشكلها ، أو بكتابها وعملها أو نفوس المؤمنين بالحور ونفوس الكافرين بالشياطين.

(وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ)(١٠)

(وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ) المدفونة حية وكانت العرب تئد البنات مخافة الإملاق ، أو لحوق العار بهم من أجلهن.

(سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) تبكيتا لوائدها كتبكيت النصارى بقوله تعالى لعيسى عليه الصلاة والسلام (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ) وقرئ «سألت» أي خاصمت عن نفسها وسألت ، وإنما قيل (قُتِلَتْ) على الإخبار عنها وقرئ «قتلت» على الحكاية.

(وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ) يعني صحف الأعمال فإنها تطوى عند الموت وتنشر وقت الحساب. وقيل (نُشِرَتْ) فرقت بين أصحابها. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي بالتشديد للمبالغة في النشر ، أو

٢٨٩

لكثرة الصحف أو شدة التطاير.

(وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ)(١٤)

(وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ) قلعت وأزيلت كما يكشط الإهاب عن الذبيحة ، وقرئ «قشطت» واعتقاب القاف والكاف كثير.

(وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ) أوقدت إيقادا شديدا وقرأ نافع وابن عامر وحفص ورويس بالتشديد.

(وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ) قربت من المؤمنين. (عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ) جواب (إِذَا) وإنما صح والمذكور في سياقها اثنتا عشرة خصلة ست منها في مبادئ قيام الساعة قبل فناء الدنيا وست بعده ، لأن المراد زمان متسع شامل لها ولمجازاة النفوس على أعمالها ، و (نَفْسٌ) في معنى العموم كقولهم تمرة خير من جرادة.

(فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ)(١٨)

(فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ) بالكواكب الرواجع من خنس إذا تأخر ، وهي ما سوى النيرين من الكواكب السيارات ولذلك وصفها بقوله :

(الْجَوارِ الْكُنَّسِ) أي السيارات التي تختفي تحت ضوء الشمس من كنس الوحش إذا دخل كناسه ، وهو بيته المتخذ من أغصان الشجر.

(وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ) أقبل ظلامه أو أدبر وهو من الأضداد يقال عسعس الليل وسعسع إذا أدبر.

(وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ) أي أضاء غبرته عند إقبال روح ونسيم.

(إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ)(٢٢)

(إِنَّهُ) أي القرآن. (لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) يعني جبريل فإنه قاله عن الله تعالى.

(ذِي قُوَّةٍ) كقوله شديد القوى. (عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ) عند الله ذي مكانة.

(مُطاعٍ) في ملائكته. (ثَمَّ أَمِينٍ) على الوحي ، وثم يحتمل اتصاله بما قبله وما بعده ، وقرئ «ثم» تعظيما للأمانة وتفضيلا لها على سائر الصفات.

(وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ) كما تبهته الكفرة واستدل بذلك على فضل جبريل على محمد عليه الصلاة والسلام حيث عد فضائل جبريل واقتصر على نفي الجنون عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهو ضعيف إذ المقصود منه نفي قولهم (إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ) لا تعداد فضلهما والموازنة بينهما.

(وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ)(٢٥)

(وَلَقَدْ رَآهُ) ولقد رأى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم جبريل عليه الصلاة والسلام. (بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ) بمطلع الشمس الأعلى.

(وَما هُوَ) وما محمد عليه الصلاة والسلام. (عَلَى الْغَيْبِ) على ما يخبره من الموحى إليه وغيره من الغيوب. بظنين بمتهم من الظنة ، وهي التهمة ، وقرأ نافع وعاصم وحمزة وابن عامر (بِضَنِينٍ) بالضاد من

٢٩٠

الضن وهو البخل أي لا يبخل بالتبليغ والتعليم ، والضاد من أصل حافة اللسان وما يليها من الأضراس من يمين اللسان أو يساره ، والظاء من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا.

(وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ) بقول بعض المسترقة للسمع ، وهو نفي لقولهم إنه لكهانة وسحر.

(فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ)(٢٩)

(فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) استضلال لهم فيما يسلكونه في أمر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم والقرآن ، كقولك لتارك الجادة : أين تذهب.

(إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ) تذكير لمن يعلم.

(لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) بتحري الحق وملازمة الصواب وإبداله من العالمين لأنهم المنتفعون بالتذكير.

(وَما تَشاؤُنَ) الاستقامة يا من يشاؤها. (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) إلا وقت أن يشاء الله مشيئتكم فله الفضل والحق عليكم باستقامتكم. (رَبُّ الْعالَمِينَ) مالك الخلق كله.

قال عليه الصلاة والسلام «من قرأ سورة التكوير أعاذه الله أن يفضحه حين تنتشر صحيفته».

٢٩١

(٨٢) سورة الانفطار

مكية وآيها تسع عشرة آية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ)(٤)

(إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ) انشقت.

(وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ) تساقطت متفرقة.

(وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ) فتح بعضها إلى بعض فصار الكل بحرا واحدا.

(وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ) قلب ترابها وأخرج موتاها. وقيل إنه مركب من بعث وراء الإثارة كبسمل ونظيره بحثر لفظا ومعنى.

(عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ)(٦)

(عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ) من عمل أو صدقة. (وَأَخَّرَتْ) من سيئة أو تركة ، ويجوز أن يراد بالتأخير التضييع وهو جواب (إِذَا).

(يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) أي شيء خدعك وجرأك على عصيانه ، وذكر (الْكَرِيمِ) للمبالغة في المنع عن الاغترار فإن محض الكرم لا يقتضي إهمال الظالم وتسوية الموالي والمعادي والمطيع والعاصي ، فكيف إذا انضم إليه صفة القهر والانتقام والإشعار بما به يغره الشيطان ، فإنه يقول له افعل ما شئت فربك كريم لا يعذب أحدا ولا يعاجل بالعقوبة ، والدلالة على أن كثرة كرمه تستدعي الجد في طاعته لا الانهماك في عصيانه اغترارا بكرمه.

(الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ)(٨)

(الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ) صفة ثانية مقررة للربوبية مبينة للكرم منبهة على أن من قدر على ذلك أولا قدر عليه ثانيا ، والتسوية جعل الأعضاء سليمة مسواة معدة لمنافعها ، والتعديل جعل البنية معتدلة متناسبة الأعضاء ، أو معدلة بما تسعدها من القوى. وقرأ الكوفيون (فَعَدَلَكَ) بالتخفيف أي عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت ، أو فصرفك عن خلقه غيرك وميزك بخلقة فارقت خلقة سائر الحيوان.

(فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ) أي ركبك في أي صورة شاءها ، و (ما) مزيدة وقيل شرطية ، و (رَكَّبَكَ) جوابها والظرف صلة (فَعَدَلَكَ) ، وإنما لم يعطف الجملة على ما قبلها لأنها بيان لعدلك.

(كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ)(١٢)

(كَلَّا) ردع عن الاغترار بكرم الله وقوله : (بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ) إضراب إلى بيان ما هو السبب الأصلي في اغترارهم ، والمراد (بِالدِّينِ) الجزاء أو الإسلام.

٢٩٢

(وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ) تحقيق لما يكذبون به ورد لما يتوقعون من التسامح والإهمال ، وتعظيم الكتبة بكونهم كراما عند الله لتعظيم الجزاء.

(إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ)(١٦)

(إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) بيان لما يكتبون لأجله.

(يَصْلَوْنَها) يقاسون حرها. (يَوْمَ الدِّينِ).

(وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ). لخلودهم فيها. وقيل معناه وما يغيبون عنها قبل ذلك إذ كانوا يجدون سمومها في القبور.

(وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ)(١٩)

(وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ) تعجيب وتفخيم لشأن ال (يَوْمُ) ، أي كنه أمره بحيث لا تدركه دراية دار.

(يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) تقرير لشدة هوله وفخامة أمره إجمالا ، ورفع ابن كثير والبصريان (يَوْمَ) على البدل من (يَوْمُ الدِّينِ) ، أو الخبر المحذوف.

عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «من قرأ سورة إذا السماء انفطرت كتب الله له بعدد كل قطرة من السماء حسنة ، وبعدد كل قبر حسنة». والله أعلم.

٢٩٣

(٨٣) سورة المطففين

مختلف فيها وآيها ست وثلاثون آية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ)(٣)

(وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) التطفيف البخس في الكيل والوزن لأن ما يبخس طفيف أي حقير. روي أن أهل المدينة كانوا أخبث الناس كيلا فنزلت فأحسنوه ، وفي الحديث «خمس بخمس : ما نقض العهد قوم إلا سلط الله عليهم عدوهم ، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر ، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت ، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين ، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر».

(الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ) أي إذا اكتالوا من الناس حقوقهم يأخذونها وافية ، وإنما أبدل (عَلَى) بمن للدلالة على أن اكتيالهم لما لهم على الناس ، أو اكتيال يتحامل فيه عليهم.

(وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ) أي إذا كالوا الناس أو وزنوا لهم. (يُخْسِرُونَ) فحذف الجار وأوصل الفعل كقوله : ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا. بمعنى جنيت لك ، أو كالوا مكيلهم فحذف المضاف وأقيم المضاف مقامه ، ولا يحسن جعل المنفصل تأكيدا للمتصل فإنه يخرج الكلام عن مقابلة ما قبله إذ المقصود بيان اختلاف حالهم في الأخذ والدفع ، لا في المباشرة وعدمها ويستدعي إثبات الألف بعد الواو كما هو خط المصحف في نظائره.

(أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ)(٦)

(أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ) فإن من ظن ذلك لم يتجاسر على أمثال هذه القبائح ، فكيف بمن تيقنه وفيه انكار وتعجيب من حالهم.

(لِيَوْمٍ عَظِيمٍ) عظمه لعظم ما يكون فيه (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ) نصب بمبعوثون أو بدل من الجار والمجرور ويؤيده القراءة بالجر (لِرَبِّ الْعالَمِينَ) لحكمه.

وفي هذا الإنكار والتعجيب وذكر الظن ووصف اليوم بالعظم ، وقيام الناس فيه لله ، والتعبير عنه برب العالمين مبالغات في المنع عن التطفيف وتعظيم إثمه.

(كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (٨) كِتابٌ مَرْقُومٌ)(٩)

(كَلَّا) ردع عن التطفيف والغفلة عن البعث والحساب. (إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ) ما يكتب من أعمالهم أو كتابة أعمالهم. (لَفِي سِجِّينٍ) كتاب جامع لأعمال الفجرة من الثقلين كما قال :

(وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ كِتابٌ مَرْقُومٌ) أي مسطور بين الكتابة أو معلم بعلم من رآه أنه لا خير فيه ،

٢٩٤

فعيل من السجن لقب به الكتاب لأنه سبب الحبس ، أو لأنه مطروح كما قيل : تحت الأرضين في مكان وحش ، وقيل هو اسم مكان والتقدير ما كتاب السجين ، أو محل كتاب مرقوم فحذف المضاف.

(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ(١٢) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ)(١٣)

(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) بالحق أو بذلك.

(الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) صفة مخصصة أو موضحة أو ذامة.

(وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ) متجاوز عن النظر غال في التقليد حتى استقصر قدرة الله تعالى وعلمه فاستحال منه الإعادة. (أَثِيمٍ) منهمك في الشهوات المخدجة بحيث أشغلته عما وراءها وحملته على الإنكار لما عداها.

(إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) من فرط جهله وإعراضه عن الحق فلا تنفعه شواهد النقل كما لم تنفعه دلائل العقل.

(كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ)(١٧)

(كَلَّا) ردع عن هذا القول. (بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) رد لما قالوه وبيان لما أدى بهم إلى هذا القول ، بأن غلب عليهم حب المعاصي بالانهماك فيها حتى صار ذلك صدأ على قلوبهم فعمى عليهم معرفة الحق والباطل ،. فإن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكات كما قال عليه الصلاة والسلام «إن العبد كلما أذنب ذنبا حصل في قلبه نكتة سوداء حتى يسود قلبه» والرين الصدأ ، وقرأ حفص (بَلْ رانَ) بإظهار اللام.

(كَلَّا) ردع عن الكسب الرائن. (إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) فلا يرونه بخلاف المؤمنين ومن أنكر الرؤية جعله تمثيلا لإهانتهم بإهانة من يمنع عن الدخول على الملوك ، أو قدر مضافا مثل رحمة ربهم ، أو قرب ربهم.

(ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ) ليدخلون النار ويصلون بها.

(ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) تقوله لهم الزبانية.

(كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (١٩) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ)(٢٣)

(كَلَّا) تكرير ليعقب بوعد الأبرار كما عقب الأول بوعيد الفجار إشعارا بأن التطفيف فجور والإيفاء بر ، أو ردع عن التكذيب. (إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ).

(وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ) الكلام فيه ما مر في نظيره.

(يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ) يحضرونه فيحفظونه ، أو يشهدون على ما فيه يوم القيامة.

(إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرائِكِ) على الأسرّة في الحجال. (يَنْظُرُونَ) إلى ما يسرهم من النعم والمتفرجات.

(تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ

٢٩٥

الْمُتَنافِسُونَ (٢٦) وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ)(٢٨)

(تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ) بهجة التنعم وبريقه ، وقرأ يعقوب (تَعْرِفُ) على البناء للمفعول و (نَضْرَةَ) بالرفع.

(يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ) شراب خالص. (مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ) أي مختوم أوانيه بالمسك مكان الطين ، ولعله تمثيل لنفاسته ، أو الذي له ختام أي مقطع هو رائحة المسك ، وقرأ الكسائي «خاتمه» بفتح التاء أي ما يختم به ويقطع. (وَفِي ذلِكَ) يعني الرحيق أو النعيم. (فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ) فليرتغب المرتغبون.

(وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ) علم لعين بعينها سميت تسنيما لارتفاع مكانها أو رفعة شرابها.

(عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) فإنهم يشربونها صرفا لأنهم لم يشتغلوا بغير الله ، وتمزج لسائر أهل الجنة وانتصاب (عَيْناً) على المدح أو الحال (مِنْ تَسْنِيمٍ) والكلام في الباء كما في (يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ).

(إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ)(٣٣)

(إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا) يعني رؤساء قريش. (كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ) كانوا يستهزئون بفقراء المؤمنين.

(وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ) يغمز بعضهم بعضا ويشيرون بأعينهم.

(وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا) فاكهين متلذذين بالسخرية منهم ، وقرأ حفص (فَكِهِينَ).

(وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ) وإذا رأوا المؤمنين نسبوهم إلى الضلال.

(وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ) على المؤمنين. (حافِظِينَ) يحفظون عليهم أعمالهم ويشهدون برشدهم وضلالهم.

(فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ)(٣٦)

(فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ) حين يرونهم أذلاء مغلوبين في النار. وقيل يفتح لهم باب إلى الجنة فيقال لهم اخرجوا إليها ، فإذا وصلوا أغلق دونهم فيضحك المؤمنون منهم.

(عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ) حال من (يَضْحَكُونَ).

(هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ) أي هل أثيبوا. (ما كانُوا يَفْعَلُونَ) وقرأ حمزة والكسائي بإدغام اللام في الثاء.

عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «من قرأ سورة المطففين سقاه الله من الرحيق المختوم يوم القيامة».

٢٩٦

(٨٤) سورة الانشقاق

مكية وآيها خمس وعشرون آية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ)(٤) (وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ)(٥)

(إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ) بالغمام كقوله تعالى : (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ) وعن علي رضي الله تعالى عنه : تنشق من المجرة.

(وَأَذِنَتْ لِرَبِّها) واستمعت له أي انقادت لتأثير قدرته حين أراد انشقاقها انقياد المطواع الذي يأذن للآمر ويذعن له. (وَحُقَّتْ) وجعلت حقيقة بالاستماع والانقياد يقال : حق بكذا فهو محقوق وحقيق.

(وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ) بسطت بأن تزال جبالها وآكامها.

(وَأَلْقَتْ ما فِيها) ما في جوفها من الكنوز والأموات (وَتَخَلَّتْ) وتكلفت في الخلو أقصى جهدها حتى لم يبق شيء في باطنها.

(وَأَذِنَتْ لِرَبِّها) في الإلقاء والتخلي. (وَحُقَّتْ) للإذن وتكرير (إِذَا) لاستقلال كل من الجملتين بنوع من القدرة ، وجوابه محذوف للتهويل بالإبهام أو الاكتفاء بما مر في سورتي «التكوير» و «الانفطار» أو لدلالة قوله.

(يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً)(٩)

(يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) عليه وتقديره لاقى الإنسان كدحه أي جهدا يؤثر فيه من كدحه إذا خدشه ، أو (فَمُلاقِيهِ) و (يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ) اعتراض ، والكدح إليه السعي إلى لقاء جزائه.

(فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً) سهلا لا يناقش فيه.

(وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً) إلى عشيرته المؤمنين ، أو فريق المؤمنين ، أو (أَهْلِهِ) في الجنة من الحور.

(وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (١١) وَيَصْلى سَعِيراً)(١٢)

(وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ) أي يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره. قيل تغل يمناه إلى عنقه وتجعل يسراه وراء ظهره.

٢٩٧

(فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً) يتمنى الثبور ويقول يا ثبوراه وهو الهلاك.

(وَيَصْلى سَعِيراً) وقرأ الحجازيان والشامي (وَيَصْلى) لقوله : (وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ) وقرئ «ويصلى» لقوله : ونصليه جهنم.

(إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً)(١٥)

(إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ) أي في الدنيا. (مَسْرُوراً) بطرا بالمال والجاه فارغا عن الآخرة.

(إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ) لن يرجع إلى الله تعالى.

(بَلى) إيجاب لما بعد (لَنْ). (إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً) عالما بأعماله فلا يهمله بل يرجعه ويجازيه.

(فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ)(١٩)

(فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ) الحمرة التي ترى في أفق المغرب بعد الغروب. وعن أبي حنيفة رحمه‌الله تعالى : أنه البياض الذي يليها ، سمي به لرقته من الشفقة.

(وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ) وما جمعه وستره من الدواب وغيرها يقال : وسقه فاتسق واستوسق ، قال : مستوسقات لو يجدن سائقا. أو طرده إلى أماكنه من الوسيقة.

(وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ) اجتمع وتم بدرا.

(لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) حالا بعد حال مطابقة لأختها في الشدة ، وهو لما طابق غيره فقيل للحال المطابقة ، أو مراتب من الشدة بعد المراتب هي الموت ومواطن القيامة وأهوالها ، أو هي وما قبلها من الدواهي على أنه جمع طبقة. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي (لَتَرْكَبُنَ) بالفتح على خطاب الإنسان باعتبار اللفظ ، أو الرسول عليه الصلاة والسلام على معنى (لَتَرْكَبُنَ) حالا شريفة ومرتبة عالية بعد حال ومرتبة ، أو (طَبَقاً) من أطباق السماء بعد طبق ليلة المعراج وبالكسر على خطاب النفس ، وبالياء على الغيبة و (عَنْ طَبَقٍ) صفة ل (طَبَقاً) أو حال من الضمير بمعنى مجاوز ال (طَبَقٍ) أو مجاوزين له.

(فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ)(٢١)

(فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) بيوم القيامة.

(وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ) لا يخضعون أو (لا يَسْجُدُونَ) لتلاوته. لما روي : أنه عليه الصلاة والسلام قرأ (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) فسجد بمن معه من المؤمنين ، وقريش تصفق فوق رؤوسهم فنزلت. واحتج به أبو حنيفة على وجوب السجود فإنه ذم لمن سمعه ولم يسجد. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه سجد فيها وقال : والله ما سجدت فيها إلا بعد أن رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يسجد فيها.

(بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ)(٢٥)

(بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ) أي بالقرآن.

٢٩٨

(وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ) بما يضمرون في صدورهم من الكفر والعداوة.

(فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) استهزاء بهم.

(إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) استثناء منقطع أو متصل ، والمراد من تاب وآمن منهم. (لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) مقطوع أو (مَمْنُونٍ) به عليهم.

وعن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «من قرأ سورة الانشقاق أعاذه الله أن يعطيه كتابه وراء ظهره».

٢٩٩

(٨٥) سورة البروج

مكية وآيها ثنتان وعشرون آية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ)(٣)

(وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ) يعني البروج الاثني عشر شبهت بالقصور لأنها تنزلها السيارات وتكون فيها الثوابت ، أو منازل القمر أو عظام الكواكب سميت بروجا لظهورها ، أو أبواب السماء فإن النوازل تخرج منها وأصل التركيب للظهور.

(وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ) يوم القيامة.

(وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) ومن يشهد في ذلك اليوم من الخلائق وما أحضر فيه من العجائب ، وتنكيرهما للإبهام في الوصف أي (وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) لا يكتنه وصفهما ، أو المبالغة في الكثرة كأنه قيل : ما أفرطت كثرته من شاهد ومشهود ، أو النبي عليه الصلاة والسلام وأمته ، أو أمته وسائر الأمم ، أو كل نبي وأمته ، أو الخالق والخلق ، أو عكسه فإن الخالق مطلع على خلقه وهو شاهد على وجوده ، أو الملك الحفيظ والمكلف أو يوم النحر ، أو عرفة والحجيج ، أو يوم الجمعة والجمع فإنه يشهد له أو كل يوم وأهله.

(قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ)(٤)

(قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ) قيل إنه جواب القسم على تقدير لقد (قُتِلَ) ، والأظهر أنه دليل جواب محذوف كأنه قيل إنهم ملعونون يعني كفار مكة كما لعن أصحاب الأخدود ، فإن السورة وردت لتثبيت المؤمنين على أذاهم وتذكيرهم بما جرى على من قبلهم ، والأخدود الخد وهو الشق في الأرض ونحوهما بناء ومعنى الحق والأحقوق. روي مرفوعا : أن ملكا كان له ساحر فلما كبر ضم إليه غلاما ليعلمه ، وكان في طريقه راهب فمال قلبه إليه ، فرأى في طريقه ذات يوم حية قد حبست الناس فأخذ حجرا وقال : اللهم إن كان الراهب أحب إليه من الساحر فاقتلها فقتلها ، وكان الغلام بعد يبرئ الأكمه والأبرص ويشفي من الأدواء ، وعمي جليس الملك فأبرأه ، فسأله الملك عمن أبرأه فقال ربي فغضب فعذبه فدل على الغلام فعذبه ، فدل على الراهب فقده بالمنشار ، وأرسل الغلام إلى جبل ليطرح من ذروته ، فدعا فرجف بالقوم فهلكوا ونجا ، وأجلسه في سفينة ليغرق فدعا فانكفأت السفينة بمن معه فغرقوا ونجا ، فقال للملك لست بقاتلي حتى تجمع الناس وتصلبني وتأخذ سهما من كنانتي وتقول : بسم الله رب هذا الغلام ، ثم ترميني به فرماه فوقع في صدغه فمات ، فآمن الناس برب الغلام ، فأمر بأخاديد وأوقدت فيها النيران ، فمن لم يرجع منهم طرحه فيها حتى جاءت امرأة معها صبي فتقاعست فقال الصبي : يا أماه اصبري فإنك على الحق فاقتحمت. وعن علي رضي الله تعالى عنه : كان بعض ملوك المجوس خطب الناس وقال : إن الله أحل نكاح الأخوات فلم يقبلوه ، فأمر بأخاديد النار فطرح فيها من أبى ، وقيل لما تنصر نجران غزاهم ذو نواس اليهودي من حمير فأحرق في الأخاديد من لم يرتد.

٣٠٠