أنوار التنزيل وأسرار التأويل - ج ٥

عبدالله بن عمر بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل - ج ٥

المؤلف:

عبدالله بن عمر بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٥٧
  نسخة غير مصححة

(إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ) تعليل للوعيد أو بيان للعناد ، والمعنى فكر فيما يخيل طعنا في القرآن وقدر في نفسه ما يقول فيه.

(فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ) تعجب من تقديره استهزاء به ، أو لأنه أصاب أقصى ما يمكن أن يقال عليه من قولهم : قتله الله ما أشجعه ، أي بلغ في الشجاعة مبلغا يحق أن يحسد ويدعو عليه حاسده بذلك. روي أنه مر بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو يقرأ (حم) «السجدة» ، فأتى قومه وقال لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس والجن ، إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق ، وإنه ليعلو ولا يعلى. فقالت قريش صبأ الوليد فقال ابن أخيه أبو جهل : أنا أكفيكموه ، فقعد إليه حزينا وكلمه بما أحماه فناداهم فقال : تزعمون أن محمدا مجنون فهل رأيتموه يخنق ، وتقولون إنه كاهن فهل رأيتموه يتكهن ، وتزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعرا ، فقالوا لا فقال : ما هو إلا ساحر أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه ، ففرحوا بقوله وتفرقوا عنه متعجبين منه.

(ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ) تكرير للمبالغة وثم للدلالة على أن الثانية أبلغ من الأولى وفيما بعد على أصلها.

(ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ)(٢٥)

(ثُمَّ نَظَرَ) أي في أمر القرآن مرة بعد أخرى.

(ثُمَّ عَبَسَ) قطب وجهه لما لم يجد فيه مطعنا ولم يدر ما يقول ، أو نظر إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقطب في وجهه. (وَبَسَرَ) اتباع لعبس.

(ثُمَّ أَدْبَرَ) عن الحق أو الرسول عليه الصلاة والسلام. (وَاسْتَكْبَرَ) عن اتباعه.

(فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ) يروى ويتعلم ، والفاء للدلالة على أنه لما خطرت هذه الكلمة بباله تفوه بها من غير تلبث وتفكر.

(إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) كالتأكيد للجملة الأولى ولذلك لم يعطف عليها.

(سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ)(٣٠)

(سَأُصْلِيهِ سَقَرَ) بدل من (سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً) :

(وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ) تفخيم لشأنها تعالى وقوله : (لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ) بيان لذلك أو حال من سقر ، والعامل فيها معنى التعظيم والمعنى لا تبقي على شيء يلقى فيها ولا تدعه حتى تهلكه.

(لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ) أي مسودة لأعالي الجلد ، أو لائحة للناس وقرئت بالنصب على الاختصاص.

(عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ) ملكا أو صنفا من الملائكة يلون أمرها ، والمخصص لهذا العدد أن اختلال النفوس البشرية في النظر والعمل بسبب القوى الحيوانية الاثنتي عشرة والطبيعة السبع ، أو أن لجهنم سبع دركات ست منها لأصناف الكفار وكل صنف يعذب بترك الاعتقاد والإقرار ، والعمل أنواعا من العذاب تناسبها على كل نوع ملك أو صنف يتولاه وواحدة لعصاة الأمة يعذبون فيها بترك العمل نوعا يناسبه ويتولاه ملك ، أو صنف أو أن الساعات أربع وعشرون خمسة منها مصروفة في الصلاة فيبقى تسعة عشر قد تصرف فيما يؤاخذ به بأنواع من العذاب يتولاها الزبانية ، وقرئ «تسعة عشر» بسكون العين كراهة توالي حركات فيما هو كاسم واحد و «تسعة أعشر» جمع عشير كيمين وأيمن ، أي تسعة كل عشير جمع يعني نقيبهم أو جمع عشر فتكون

٢٦١

تسعين.

(وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَما هِيَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ)(٣١)

(وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً) ليخالفوا جنس المعذبين فلا يرقون لهم ولا يستروحون إليهم ، ولأنهم أقوى الخلق بأسا وأشدهم غضبا لله. روي أن أبا جهل لما سمع عليها تسع عشر قال لقريش : أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم فنزلت. (وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) وما جعلنا عددهم إلا العدد الذي اقتضى فتنتهم وهو التسعة عشر ، فعبر بالأثر عن المؤثر تنبيها على أنه لا ينفك منه وافتتانهم به استقلالهم واستهزاؤهم به واستبعادهم أن يتولى هذا العدد القليل تعذيب أكثر الثقلين ، ولعل المراد الجعل بالقول ليحسن تعليله بقوله : (لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) أي ليكتسبوا اليقين بنبوة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وصدق القرآن لما رأوا ذلك موافقا لما في كتابهم. (وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً) بالإيمان به وبتصديق أهل الكتاب له. (وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ) أي في ذلك وهو تأكيد للاستيقان وزيادة الإيمان ونفي لما يعرض للمتيقن حيثما عراه شبهة. (وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) شك أو نفاق ، فيكون إخبارا بمكة عما سيكون في المدينة بعد الهجرة. (وَالْكافِرُونَ) الجازمون في التكذيب. (ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً) أي شيء أراد بهذا العدد المستغرب استغراب المثل ، وقيل لما استبعدوه حسبوا أنه مثل مضروب. (كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) مثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى يضل الكافرين ويهدي المؤمنين. (وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ) جموع خلقه على ما هم عليه. (إِلَّا هُوَ) إذ لا سبيل لأحد إلى حصر الممكنات والاطلاع على حقائقها وصفاتها وما يوجب اختصاص كل منها بما يخصه من كم وكيف واعتبار ونسبة. (وَما هِيَ) وما سقر أو عدة الخزنة أو السورة. (إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ) إلا تذكرة لهم.

(كَلاَّ وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ)(٣٥)

(كَلَّا) ردع لمن أنكرها ، أو إنكار لأن يتذكروا بها. (وَالْقَمَرِ).

واللّيل إذا دبر أي أدبر كقبل بمعنى أقبل ، وقرأ نافع وحمزة ويعقوب وحفص إذا أدبر على المضي.

(وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ) أضاء.

(إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ) أي لإحدى البلايا الكبر أي البلايا الكبر كثيرة و (سَقَرَ) واحدة منها ، وإنما جمع كبرى على «كبر» إلحاقا لها بفعله تنزيلا للألف منزلة التاء كما ألحقت قاصعاء بقاصعة فجمعت على قواصع ، والجملة جواب القسم أو تعليل ل (كَلَّا) ، والقسم معترض للتأكيد.

(نَذِيراً لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ)(٣٧)

(نَذِيراً لِلْبَشَرِ) تمييز أي (لَإِحْدَى الْكُبَرِ) إنذارا أو حال عما دلت عليه الجملة أي كبرت منذرة ، وقرئ بالرفع خبرا ثانيا أو خبرا لمحذوف.

(لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ) بدل من (لِلْبَشَرِ) أي نذيرا للمتمكنين من السبق إلى الخير والتخلف عنه ، أو (لِمَنْ شاءَ) خبر ل (أَنْ يَتَقَدَّمَ) فيكون في معنى قوله : (فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ

٢٦٢

فَلْيَكْفُرْ).

(كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلاَّ أَصْحابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ)(٤٢)

(كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) مرهونة عند الله مصدر كالشكيمة أطلقت للمفعول كالرهن ولو كانت صفة لقيل رهين.

(إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ) فإنهم فكوا رقابهم بما أحسنوا من أعمالهم ، وقيل هم الملائكة أو الأطفال.

(فِي جَنَّاتٍ) لا يكتنه وصفها وهي حال من (أَصْحابَ الْيَمِينِ) ، أو ضميرهم في قوله : (يَتَساءَلُونَ).

(عَنِ الْمُجْرِمِينَ) أي يسأل بعضهم بعضا أو يسألون غيرهم عن حالهم كقولك : تداعيناه أي دعوناه وقوله :

(ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) بجوابه حكاية لما جرى بين المسؤولين والمجرمين أجابوا بها.

(قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ)(٤٧)

(فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ)(٤٨)

(قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) الصلاة الواجبة.

(وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ) أي ما يجب إعطاؤه ، وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالفروع.

(وَكُنَّا نَخُوضُ) نشرع في الباطل. (مَعَ الْخائِضِينَ) مع الشارعين فيه.

(وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) أخره لتعظيمه أي وكنا بعد ذلك كله مكذبين بالقيامة.

(حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ) الموت ومقدماته.

(فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ) لو شفعوا لهم جميعا.

(فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً)(٥٢)

(فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ) أي معرضين عن التذكرة يعني القرآن ، أو ما يعمه و (مُعْرِضِينَ) حال.

(كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ) شبههم في إعراضهم ونفارهم عن استماع الذكر بحمر نافرة.

(فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ) أي أسد فعولة من القسر وهو القهر.

(بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً) قراطيس تنشر وتقرأ وذلك أنهم قالوا للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : لن نتبعك حتى تأتي كلامنا بكتاب من السماء فيه من الله إلى فلان اتبع محمدا.

(كَلاَّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَما يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ)(٥٦)

(كَلَّا) ردع لهم عن اقتراحهم الآيات. (بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ) فلذلك أعرضوا عن التذكرة لا لامتناع إيتاء الصحف.

٢٦٣

(كَلَّا) ردع عن إعراضهم. (إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ) وأي تذكرة.

(فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ) فمن شاء أن يذكره.

(وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) ذكرهم أو مشيئتهم كقوله : (وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) وهو تصريح بأن فعل العبد بمشيئة الله تعالى ، وقرأ نافع تذكرون بالتاء وقرئ بهما مشددا. (هُوَ أَهْلُ التَّقْوى) حقيق بأن يتقى عقابه. (وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) حقيق بأن يغفر لعباده سيما المتقين منهم.

وعن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «من قرأ سورة المدثر أعطاه الله عشر حسنات بعدد من صدق بمحمد عليه الصلاة والسلام وكذب به بمكة شرفها الله تعالى».

٢٦٤

(٧٥) سورة القيامة

مكية وآيها أربعون آية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ)(٣)

(لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ) إدخال (لا) النافية على فعل القسم للتأكيد شائع في كلامهم قال امرؤ القيس :

لا وأبيك ابنة العامريّ

لا يدّعي القوم أنّي أفر

وقد مر الكلام فيه في قوله : (فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ) وقرأ قنبل لأقسم بغير ألف بعد اللام وكذا روي عن البزي.

(وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) بالنفس المتقية التي تلوم النفوس المقصرة في التقوى يوم القيامة على تقصيرها ، أو التي تلوم نفسها أبدا وإن اجتهدت في الطاعة أو النفس المطمئنة اللائمة للنفس الأمارة أو بالجنس. لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : «ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وتلوم نفسها يوم القيامة ، إن عملت خيرا قالت كيف لم أزدد وإن عملت شرا قالت يا ليتني كنت قصرت». أو نفس آدم فإنها لم تزل تتلوم على ما خرجت به من الجنة ، وضمها إلى يوم القيامة لأن المقصود من إقامتها مجازاتها.

(أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ) يعني الجنس وإسناد الفعل إليه لأن فيهم من يحسب ، أو الذي نزل فيه وهو عدي بن أبي ربيعة سأل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن أمر القيامة ، فأخبره به فقال : لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك. أو يجمع الله هذه العظام. ألن نجمع عظامه بعد تفرقها ، وقرئ «أن لن يجمع» على البناء للمفعول.

(بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٤) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (٥) يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ)(٦)

(بَلى) نجمعها. (قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ) بجمع سلامياته وضم بعضها إلى بعض كما كانت مع صغرها ولطافتها فكيف بكبار العظام ، أو (عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ) الذي هو أطرافه فكيف بغيرها ، وهو حال من فاعل الفعل المقدر بعد (بَلى) ، وقرئ بالرفع أي نحن قادرون.

(بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ) عطف على (أَيَحْسَبُ) فيجوز أن يكون استفهاما وأن يكون إيجابا لجواز أن يكون الإضراب عن المستفهم وعن الاستفهام. (لِيَفْجُرَ أَمامَهُ) ليدوم على فجوره فيما يستقبله من الزمان.

(يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ) متى يكون يوم القيامة استبعادا له أو استهزاء.

(فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ)(١٠)

(فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ) تحير فزعا من برق الرجل إذا نظر إلى البرق فدهش بصره ، وقرأ نافع بالفتح وهو لغة ، أو من البريق بمعنى لمع من شدة شخوصه ، وقرئ «بلق» من بلق الباب إذا انفتح.

(وَخَسَفَ الْقَمَرُ) ذهب ضوؤه وقرئ على البناء للمفعول.

٢٦٥

(وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) في ذهاب الضوء أو الطلوع من المغرب ، ولا ينافيه الخسوف فإنه مستعار للمحاق ، ولمن حمل ذلك على أمارات الموت أن يفسر الخسوف بذهاب ضوء البصر والجمع باستتباع الروح الحاسة في الذهاب ، أو بوصوله إلى من كان يقتبس منه نور العقل من سكان القدس ، وتذكير الفعل لتقدمه وتغليب المعطوف.

(يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ) أي القرار يقوله قول الآيس من وجدانه المتمني ، وقرئ بالكسر وهو المكان.

(كَلاَّ لا وَزَرَ (١١) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ)(١٣)

(كَلَّا) ردع عن طلب المفر. (لا وَزَرَ) لا ملجأ مستعار من الجبل واشتقاقه من الوزر وهو الثقل.

(إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ) إليه وحده استقرار العباد ، أو إلى حكمه استقرار أمرهم ، أو إلى مشيئته موضع قرارهم يدخل من يشاء الجنة ومن يشاء النار.

(يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ) بما قدم من عمل عمله وبما أخر منه لم يعمله ، أو بما قدم من عمل عمله وبما أخر من سنة حسنة أو سيئة عمل بها بعده ، أو بما قدم من مال تصدق به وبما أخر فخلفه ، أو بأول عمله وآخره.

(بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ (١٥) لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ) (١٩)

(بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) حجة بينة على أعمالها لأنه شاهد بها ، وصفها بالبصارة على المجاز ، أو عين بصيرة فلا يحتاج إلى الإنباء.

(وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ) ولو جاء بكل ما يمكن أن يعتذر به جمع معذار وهو العذر ، أو جمع معذرة على غير قياس كالمناكير في المنكر فإن قياسه معاذر وذلك أولى وفيه نظر.

(لا تُحَرِّكْ) يا محمد ، (بِهِ) بالقرآن. (لِسانَكَ) قبل أن يتم وحيه. (لِتَعْجَلَ بِهِ) لتأخذه على عجلة مخافة أن ينفلت منك.

(إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ) في صدرك. (وَقُرْآنَهُ) وإثبات قراءته في لسانك وهو تعليل للنهي.

(فَإِذا قَرَأْناهُ) بلسان جبريل عليك. (فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) قراءته وتكرر فيه حتى يرسخ في ذهنك.

(ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ) بيان ما أشكل عليك من معانيه ، وهو دليل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب ، وهو اعتراض بما يؤكد التوبيخ على حب العجلة لأن العجلة إذا كانت مذمومة فيما هو أهم الأمور وأصل الدين فكيف بها في غيره ، أو بذكر ما اتفق في أثناء نزول هذه الآيات. وقيل الخطاب مع الإنسان المذكور والمعنى أنه يؤتى كتابه فيتلجلج لسانه من سرعة قراءته خوفا ، فيقال له لا تحرك به لسانك لتعجل به فإن علينا بمقتضى الوعد جمع ما فيه من أعمالك وقراءته ، فإذا قرأناه فاتبع قراءته بالإقرار أو التأمل فيه ، ثم إن علينا بيان أمره بالجزاء عليه.

(كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ)(٢٣)

(كَلَّا) ردع للرسول عن عادة العجلة أو للإنسان عن الاغترار بالعاجل. (بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ).

(وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ) تعميم للخطاب إشعارا بأن بني آدم مطبوعون على الاستعجال وإن كان الخطاب

٢٦٦

للإنسان ، والمراد به الجنس فجمع الضمير للمعنى ويؤيده قراءة ابن كثير وابن عامر والبصريين بالياء فيهما.

(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ) بهية متهللة.

(إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) تراه مستغرقة في مطالعة جماله بحيث تغفل عما سواه ولذلك قدم المفعول ، وليس هذا في كل الأحوال حتى ينافيه نظرها إلى غيره ، وقيل منتظرة إنعامه ورد بأن الانتظار لا يسند إلى الوجه وتفسيره بالجملة خلاف الظاهر ، وأن المستعمل بمعناه لا يتعدى بإلى وقول الشاعر :

وإذا نظرت إليك من ملك

والبحر دونك زدتني نعما

بمعنى السؤال فإن الانتظار لا يستعقب العطاء.

(وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ)(٢٥)

(وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ) شديدة العبوس والباسل أبلغ من الباسر لكنه غلب في الشجاع إذا اشتد كلوحه.

(تَظُنُ) تتوقع أربابها. (أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ) داهية تكسر الفقار.

(كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ)(٢٧)

(كَلَّا) ردع عن إيثار الدنيا على الآخرة (إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ) إذا بلغت النفس أعالي الصدر وإضمارها من غير ذكر لدلالة الكلام عليها.

(وَقِيلَ مَنْ راقٍ) وقال حاضر وصاحبها من يرقيه مما به من الرقية ، أو قال ملائكة الموت أيكم يرقى بروحه ملائكة الرحمة ، أو ملائكة العذاب من الرقي.

(وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ)(٣٠)

(وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ) وظن المحتضر أن الذي نزل به فراق الدنيا ومحابها.

(وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ) والتوت ساقه بساقه فلا يقدر على تحريكهما ، أو شدة فراق الدنيا بشدة خوف الآخرة.

(إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ) سوقه إلى الله تعالى وحكمه.

(فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى)(٣٣)

(فَلا صَدَّقَ) ما يجب تصديقه ، أو فلا صدق ماله أي فلا زكاه. (وَلا صَلَّى) ما فرض عليه والضمير فيهما للإنسان المذكور في (أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ).

(وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) عن الطاعة.

(ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى) يتبختر افتخارا بذلك من المط ، فإن المتبختر يمد خطاه فيكون أصله يتمطط ، أو من المطا وهو الظهر فإنه يلويه.

(أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى)(٣٥)

(أَوْلى لَكَ فَأَوْلى) ويل لك من الولي ، وأصله أولاك الله ما تكرهه واللام مزيدة كما في (رَدِفَ لَكُمْ) أو (أَوْلى لَكَ) الهلاك. وقيل أفعل من الويل بعد القلب أدنى من أدون ، أو فعلى من آل يؤول بمعنى عقباك النار.

٢٦٧

(ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى) أي يتكرر ذلك عليه مرة بعد أخرى.

(أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩) أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى)(٤٠)

(أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً) مهملا لا يكلف ولا يجازى ، وهو يتضمن تكرير إنكاره للحشر والدلالة عليه من حيث إن الحكمة تقتضي الأمر بالمحاسن والنهي عن القبائح ، والتكليف لا يتحقق إلا بالمجازاة وهي قد لا تكون في الدنيا فتكون في الآخرة.

(أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى) فقدره فعدله.

(فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ) الصنفين (الذَّكَرَ وَالْأُنْثى) وهو استدلال آخر بالإبداء على الإعادة على ما مر تقريره مرارا ولذلك رتب عليه قوله :

(أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى).

عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «أنه كان إذا قرأها قال سبحانك بلى» وعنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم «من قرأ سورة القيامة شهدت له أنا وجبريل يوم القيامة أنه كان مؤمنا به».

٢٦٨

(٧٦) سورة الإنسان

مكية وآيها إحدى وثلاثون آية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً) (٢)

(هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ) استفهام تقرير وتقريب ولذلك فسر بقد وأصله أهل كقوله : أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم. (حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) طائفة محدودة من الزمان الممتد الغير المحدود. (لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً) بل كان شيئا منسيا غير مذكور بالإنسانية كالعنصر والنطفة ، والجملة حال من (الْإِنْسانِ) أو وصف ل (حِينٌ) بحذف الراجع والمراد بالإنسان الجنس لقوله :

(إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ) أو آدم بين أولا خلقه ثم ذكر خلقه بنيه. (أَمْشاجٍ) أخلاط جمع مشج أو مشج أو مشيج من مشجت الشيء إذا خلطته ، وجمع النطفة به لأن المراد بها مجموع مني الرجل والمرأة وكل منهما مختلف الأجزاء في الرقة والقوام والخواص ، ولذلك يصير كل جزء منهما مادة عضو. وقيل مفرد كأعشار وأكباش. وقيل ألوان فإن ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اختلطا اخضرا ، أو أطوار فإن النطفة تصير علقة ثم مضغة إلى تمام الخلقة. (نَبْتَلِيهِ) في موضع الحال أي مبتلين له بمعنى مريدين اختباره أو ناقلين له من حال إلى حال فاستعير له الابتلاء. (فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً) ليتمكن من مشاهدة الدلائل واستماع الآيات ، فهو كالمسبب عن الابتلاء ولذلك عطف بالفاء على الفعل المقيد به ورتب عليه قوله :

(إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (٣) إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً)(٤)

(إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ) أي بنصب الدلائل وإنزال الآيات. (إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) حالان من الهاء، و (إِمَّا) للتفصيل أو التقسيم أي (هَدَيْناهُ) في حاليه جميعا أو مقسوما إليهما بعضهم (شاكِراً) بالاهتداء والأخذ فيه ، وبعضهم كفور بالإعراض عنه ، أو من (السَّبِيلَ) ووصفه بالشكر والكفر مجاز. وقرئ «أما» بالفتح على حذف الجواب ولعله لم يقل كافرا ليطابق قسيمه محافظة على الفواصل ، وإشعارا بأن الإنسان لا يخلو عن كفران غالبا وإنما المؤاخذ به التوغل فيه.

(إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ) بها يقادون. (وَأَغْلالاً) بها يقيدون. (وَسَعِيراً) بها يحرقون ، وتقديم وعيدهم وقد تأخر ذكرهم لأن الإنذار أهم وأنفع ، وتصدير الكلام وختمه بذكر المؤمنين أحسن ، وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر «سلاسلا» للمناسبة.

(إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً (٥) عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً)(٦)

٢٦٩

(إِنَّ الْأَبْرارَ) جمع بر كأرباب أو بار كأشهاد. (يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ) من خمر وهي في الأصل القدح تكون فيه. (كانَ مِزاجُها) ما يمزج بها. (كافُوراً) لبرده وعذوبته وطيب عرفه وقيل اسم ماء في الجنة يشبه الكافور في رائحته وبياضه. وقيل يخلق فيها كيفيات الكافور فتكون كالممزوجة به.

(عَيْناً) بدل من (كافُوراً) إن جعل اسم ماء أو من محل (مِنْ كَأْسٍ) على تقدير مضاف ، أي ماء عين أو خمرها أو نصب على الاختصاص أو بفعل يفسره ما بعدها. (يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ) أي ملتذا بها أو ممزوجا بها ، وقيل الباء مزيدة أو بمعنى من لأن الشرب مبتدأ منها كما هو. (يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً) يجرونها حيث شاؤوا إجراء سهلا.

(يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً)(٨)

(يُوفُونَ بِالنَّذْرِ) استئناف ببيان ما رزقوه لأجله كأنه سئل عنه فأجيب بذلك ، وهو أبلغ في وصفهم بالتوفر على أداء الواجبات لأن من وفى بما أوجبه على نفسه لله تعالى كان أوفى بما أوجبه الله تعالى عليه. (وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ) شدائده. (مُسْتَطِيراً) فاشيا منتشرا غاية الانتشار من استطار الحريق والفجر ، وهو أبلغ من طار ، وفيه إشعار بحسن عقيدتهم واجتنابهم عن المعاصي.

(وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ) حب الله تعالى أو الطعام أو الإطعام. (مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) يعني أسراء الكفار فإنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يؤتى بالأسير فيدفعه إلى بعض المسلمين فيقول «أحسن إليه» ، أو الأسير المؤمن ويدخل فيه المملوك والمسجون ، وفي الحديث «غريمك أسيرك فأحسن إلى أسيرك».

(إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً (٩) إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً)(١٠)

(إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ) على إرادة القول بلسان الحال أو المقال إزاحة لتوهم المن وتوقع المكافأة المنقصة للأجر. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها : أنها كانت تبعث بالصدقة إلى أهل بيت ثم تسأل المبعوث ما قالوا ، فإن ذكر دعاء دعت لهم بمثله ليبقى ثواب الصدقة لها خالصا عند الله. (لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً) أي شكرا.

(إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا) فلذلك نحسن إليكم أو لا نطلب المكافأة منكم. (يَوْماً) عذاب يوم. (عَبُوساً) تعبس فيه الوجوه أو يشبه الأسد العبوس في ضراوته. (قَمْطَرِيراً) شديد العبوس كالذي يجمع ما بين عينيه من اقمطرت الناقة إذا رفعت ذنبها وجمعت قريطها أو مشتق من القطر والميم مزيدة.

(فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (١١) وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً)(١٢)

(فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ) بسبب خوفهم وتحفظهم عنه. (وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً) بدل عبوس الفجار وحزنهم.

(وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا) بصبرهم على أداء الواجبات واجتناب المحرمات وإيثار الأموال. (جَنَّةً) بستانا يأكلون منه. (وَحَرِيراً) يلبسونه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أن الحسن والحسين رضي الله عنهما مرضا فعادهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في ناس فقالوا : يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك ، فنذر علي وفاطمة رضي الله تعالى عنهما وفضة جارية لهما صوم ثلاث إن برئا ، فشفيا وما معهم شيء ، فاستقرض علي من شمعون الخيبري ثلاثة أصوع من شعير فطحنت فاطمة صاعا واختبزت خمسة أقراص فوضعوها بين أيديهم ليفطروا ، فوقف عليهم مسكين فآثروه وباتوا ولم يذوقوا إلا الماء وأصبحوا صياما ، فلما أمسوا ووضعوا الطعام وقف عليهم يتيم فآثروه ، ثم وقف عليهم في الثالثة أسير ففعلوا مثل ذلك ، فنزل جبريل عليه‌السلام بهذه السورة

٢٧٠

وقال خذها يا محمد هناك الله في أهل بيتك.

(مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً (١٣) وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً)(١٤)

(مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ) حال من هم في (جَزاهُمْ) أو صفة ل (جَنَّةً). (لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً) يحتملهما وأن يكون حالا من المستكن في (مُتَّكِئِينَ) ، والمعنى أنه يمر عليهم فيها هواء معتدل لا حار محم ولا بارد مؤذ ، وقيل الزمهرير القمر في لغة طيئ قال راجزهم :

وليلة ظلامها قد اعتكر

قطعتها والزّمهرير ما زهر

والمعنى أن هواءها مضيء بذاته لا يحتاج إلى شمس وقمر.

(وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها) حال أو صفة أخرى معطوفة على ما قبلها ، أو عطف على (جَنَّةً) أي وجنة أخرى دانية على أنهم وعدوا جنتين كقوله : (وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ) وقرئت بالرفع على أنها خبر (ظِلالُها) والجملة حال أو صفة. (وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً) معطوف على ما قبله أو حال من دانية ، وتذليل القطوف أن تجعل سهلة التناول لا تمتنع على قطافها كيف شاؤوا.

(وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (١٥) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً (١٧) عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً)(١٨)

(وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ) وأباريق بلا عروة. (كانَتْ قَوارِيرَا).

(قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ) أي تكونت جامعة بين صفاء الزجاجة وشفيفها وبياض الفضة ولينها ، وقد نون (قَوارِيرَ) من نون «سلاسلا» وابن كثير الأولى لأنها رأس الآية ، وقرئ «قوارير من فضة» على هي «قوارير». (قَدَّرُوها تَقْدِيراً) أي قدروها في أنفسهم فجاءت مقاديرها وأشكالها كما تمنوه ، أو قدروها بأعمالهم الصالحة فجاءت على حسبها ، أو قدر الطائفون بها المدلول عليهم بقوله يطاف شرابها على قدر اشتهائهم ، وقرئ «قدروها» أي جعلوا قادرين لها كما شاؤوا من قدر منقولا من قدرت الشيء.

(وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً) ما يشبه الزنجبيل في الطعم وكانت العرب يستلذون الشراب الممزوج به (عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً) لسلاسة انحدارها في الحلق وسهولة مساغها ، يقال شراب سلسل وسلسال وسلسبيل ، ولذلك حكم بزيادة الباء والمراد به أن ينفي عنها لذع الزنجبيل ويصفها بنقيضه ، وقيل أصله سل سبيلا فسميت به كتأبط شرا لأنه لا يشرب منها إلا من سأل إليها سبيلا بالعمل الصالح.

(وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً (١٩) وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً)(٢٠)

(وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ) دائمون. (إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً) من صفاء ألوانهم وانبثاثهم في مجالسهم وانعكاس شعاع بعضهم إلى بعض.

(وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَ) ليس له مفعول ملفوظ ولا مقدر لأنه عام معناه إن بصرك أينما وقع. (رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً) واسعا ، وفي الحديث «أدنى أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه» هذا وللعارف أكبر من ذلك وهو أن تنتقش نفسه بجلايا الملك وخفايا الملكوت ، فيستضيء بأنوار قدس الجبروت.

٢٧١

(عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً (٢١) إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً)(٢٢)

(عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ) يعلوهم ثياب الحرير الخضر ما رق منها وما غلظ ، ونصبه على الحال من هم في عليهم أو (حَسِبْتَهُمْ) ، أو (مُلْكاً) على تقدير مضاف أي وأهل ملك كبير عاليهم ، وقرأ نافع (عالِيَهُمْ) وحمزة بالرفع على أنه خبر (ثِيابُ). وقرأ ابن كثير وأبو بكر (خُضْرٌ) بالجر حملا على (سُندُسٍ) بالمعنى فإنه اسم جنس ، (وَإِسْتَبْرَقٌ) بالرفع عطفا على (ثِيابُ) ، وقرأهما حفص وحمزة والكسائي بالرفع ، وقرئ (وَإِسْتَبْرَقٌ) بوصل الهمزة والفتح على أنه استفعل من البريق جعل علما لهذا النوع من الثياب. (وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ) عطف على (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ) ولا يخالفه قوله (أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ) لإمكان الجمع والمعاقبة والتبعيض ، فإن حلي أهل الجنة تختلف باختلاف أعمالهم ، فلعله تعالى يفيض عليهم جزاء لما عملوه بأيديهم حليا وأنوارا تتفاوت تفاوت الذهب والفضة ، أو حال من الضمير في (عالِيَهُمْ) بإضمار قد ، وعلى هذا يجوز أن يكون هذا للخدم وذلك للمخدومين. (وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً) يريد به نوعا آخر يفوق على النوعين المتقدمين ولذلك أسند سقيه إلى الله عزوجل ، ووصفه بالطهورية فإنه يطهر شاربه عن الميل إلى اللذات الحسية والركون إلى ما سوى الحق ، فيتجرد لمطالعة جماله ملتذا بلقائه باقيا ببقائه ، وهي منتهى درجات الصديقين ولذلك ختم بها ثواب الأبرار.

(إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً) على إضمار القول والإشارة إلى ما عد من ثوابهم. (وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً) مجازى عليه غير مضيع.

(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً)(٢٤)

(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً) مفرقا منجما لحكمة اقتضته ، وتكرير الضمير مع أن مزيد لاختصاص التنزيل به.

(فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) بتأخير نصرك على كفار مكة وغيرهم. (وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً) أي كل واحد من مرتكب الإثم الداعي لك إليه ومن الغالي في الكفر الداعي لك إليه ، وأو للدلالة على أنهما سيان في استحقاق العصيان والاستقلال به والتقسيم باعتبار ما يدعونه إليه ، فإن ترتب النهي على الوصفين مشعر بأنه لهما وذلك يستدعي أن تكون المطاوعة في الإثم والكفر. فإن مطاوعتهما فيما ليس بإثم ولا كفر غير محظور.

(وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً)(٢٦)

(وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) وداوم على ذكره أو دم على صلاة الفجر والظهر والعصر فإن الأصيل يتناول وقتيهما.

(وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ) وبعض الليل فصل له تعالى ، ولعل المراد به صلاة المغرب والعشاء وتقديم الظرف لما في صلاة الليل من مزيد الكلفة والخلوص. (وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً) وتهجد له طائفة طويلة من الليل.

(إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (٢٧) نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً)(٢٨)

٢٧٢

(إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ) أمامهم أو خلف ظهورهم. (يَوْماً ثَقِيلاً) شديدا مستعار من الثقل الباهظ للحامل ، وهو كالتعليل لما أمر به ونهى عنه.

(نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ) وأحكمنا ربط مفاصلهم بالأعصاب. (وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً) وإذا شئنا أهلكناهم و (بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً) في الخلقة ، وشدة الأسر يعني النشأة الثانية ولذلك جيء ب (إِذا) أو بدلنا غيرهم ممن يطيع (وَإِذا) لتحقق القدرة وقوة الداعية.

(إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (٢٩) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً)(٣١)

(إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ) الإشارة إلى السورة أو الآيات القريبة ، (فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً) تقرب إليه بالطاعة.

(وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) وما تشاؤون ذلك إلا وقت أن يشاء الله مشيئتكم ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر يشاؤن بالياء. (إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً) بما يستأهل كل أحد. (حَكِيماً) لا يشاء إلا ما تقتضيه حكمته.

(يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ) بالهداية والتوفيق للطاعة. (وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) نصب (الظَّالِمِينَ) بفعل يفسره (أَعَدَّ لَهُمْ) مثل أوعد وكافأ ليطابق الجملة المعطوف عليها ، وقرئ بالرفع على الابتداء.

عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «من قرأ سورة هل أتى كان جزاؤه على الله جنة وحريرا».

٢٧٣

(٧٧) سورة المرسلات

مكية وآيها خمسون آية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (٢) وَالنَّاشِراتِ نَشْراً (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً (٤) فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً)(٥)

(وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً وَالنَّاشِراتِ نَشْراً فَالْفارِقاتِ فَرْقاً فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً) أقسام بطوائف من الملائكة أرسلهن الله تعالى بأوامره متتابعة. فعصفن عصف الرياح في امتثال أمره ، ونشرن الشرائع في الأرض ، أو نشرن النفوس الموتى بالجهل بما أوحين من العلم ، ففرقن بين الحق والباطل ، فألقين إلى الأنبياء ذكرا عذرا للمحقين ونذرا للمبطلين ، أو بآيات القرآن المرسلة بكل عرف إلى محمد عليه الصلاة والسلام ، فعصفن سائر الكتب والأديان بالنسخ ونشرن آثار الهدى والحكم في الشرق والغرب ، وفرقن بين الحق والباطل فألقين ذكر الحق فيما بين العالمين. أو بالنفوس الكاملة المرسلة إلى الأبدان لاستكمالها فعصفن ما سوى الحق ونشرن أثر ذلك في جميع الأعضاء ، ففرقن بين الحق بذاته والباطل في نفسه فيرون كل شيء هالكا إلا وجهه ، فألقين ذكرا بحيث لا يكون في القلوب والألسنة إلا ذكر الله تعالى. أو برياح عذاب أرسلن فعصفن ، ورياح رحمة نشرن السحاب في الجو ، ففرقن فألقين ذكرا أي تسببن له ، فإن العاقل إذا شاهد هبوبها وآثارها ذكر الله تعالى وتذكر كمال قدرته ، و (عُرْفاً) إما نقيض النكر وانتصابه على العلة أي أرسلن للإحسان والمعروف ، أو بمعنى المتتابعة من عرف الفرس وانتصابه على الحال.

(عُذْراً أَوْ نُذْراً (٦) إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ)(١٠)

(عُذْراً أَوْ نُذْراً) مصدران لعذر إذا محا الإساءة وأنذر إذا خوف ، أو جمعان لعذير بمعنى المعذرة ونذير بمعنى الإنذار ، أو بمعنى العاذر والمنذر ، ونصبهما على الأولين بالعلية أي (عُذْراً) للمحقين (أَوْ نُذْراً) للمبطلين ، أو البدل من (ذِكْراً) على أن المراد به الوحي أو ما يعم التوحيد والشرك والإيمان والكفر وعلى الثالث بالحالية ، وقرأهما أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص بالتخفيف.

(إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ) جواب القسم ومعناه أن الذي توعدونه من مجيء القيامة كائن لا محالة.

(فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ) محقت أو أذهب نورها.

(وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ) صدعت.

(وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ) كالحب ينسف بالمنسف.

٢٧٤

(وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ(١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ)(١٥)

(وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ) عين لها وقتها الذي يحضرون فيه للشهادة على الأمم بحصوله ، فإنه لا يتعين لهم قبله ، أو بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره ، وقرأ أبو عمرو «وقتت» على الأصل.

(لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ) أي يقال لأي يوم أخرت ، وضرب الأجل للجمع وهو تعظيم لليوم وتعجيب من هوله ، ويجوز أن يكون ثاني مفعولي (أُقِّتَتْ) على أنه بمعنى أعلمت.

(لِيَوْمِ الْفَصْلِ) بيان ليوم التأجيل.

(وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ) ومن أين تعلم كنهه ولم تر مثله.

(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) أي بذلك ، و (وَيْلٌ) في الأصل مصدر منصوب بإضمار فعله عدل به إلى الرفع للدلالة على ثبات الهلك للمدعو عليه ، و (يَوْمَئِذٍ) ظرفه أو صفته.

(أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ)(١٩)

(أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ) كقوم نوح وعاد وثمود ، وقرئ «نهلك» من هلكه بمعنى أهلكه.

(ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ) أي (ثُمَ) نحن (نُتْبِعُهُمُ) نظراءهم ككفار مكة ، وقرئ بالجزم عطفا على (نُهْلِكِ) فيكون (الْآخِرِينَ) المتأخرين من المهلكين كقوم لوط وشعيب وموسى عليهم‌السلام.

(كَذلِكَ) مثل ذلك الفعل. (نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ) بكل من أجرم.

(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) بآيات الله وأنبيائه فليس تكريرا ، وكذا إن أطلق التكذيب أو علق في الموضعين بواحد ، لأن ال (وَيْلٌ) الأول لعذاب الآخرة وهذا للإهلاك في الدنيا ، مع أن التكرير للتوكيد حسن شائع في كلام العرب.

(أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ)(٢٤)

(أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ) نطفة مذرة ذليلة.

(فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ) هو الرحم.

(إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ) إلى مقدار معلوم من الوقت قدره الله تعالى للولادة.

(فَقَدَرْنا) على ذلك ، أو فقدرناه ويدل عليه قراءة نافع والكسائي بالتشديد. (فَنِعْمَ الْقادِرُونَ) نحن. (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) بقدرتنا على ذلك أو على الإعادة.

(أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ)(٢٨)

٢٧٥

(أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً) كافتة اسم لما يكفت أي يضم ويجمع كالضمام والجماع اسم لما يضم ويجمع ، أو مصدر نعت به أو جمع كافت كصائم وصيام ، أو كفت وهو الوعاء أجرى على الأرض باعتبار أقطارها.

(أَحْياءً وَأَمْواتاً) منتصبان على المفعولية وتنكيرهما للتفخيم ، أو لأن أحياء الإنس وأمواتهم بعض الأحياء والأموات ، أو الحالية من مفعوله المحذوف للعلم به وهو الإنس ، أو بنجعل على المفعولية و (كِفاتاً) حال أو الحالية فيكون المعنى بالأحياء ما ينبت وبالأموات ما لا ينبت.

(وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ) جبالا ثوابت طوالا والتنكير للتفخيم ، أو الإشعار بأن فيها ما لم يعرف ولم ير (وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً) بخلق الأنهار والمنابع فيها.

(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) بأمثال هذه النعم.

(انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللهَبِ) (٣١)

(انْطَلِقُوا) أي يقال لهم انطلقوا. (إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) من العذاب.

(انْطَلِقُوا) خصوصا وعن يعقوب (انْطَلِقُوا) على الأخبار عن امتثالهم للأمر اضطرارا. (إِلى ظِلٍ) يعني ظل دخان جهنم كقوله تعالى : (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ). (ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ) يتشعب لعظمه كما ترى الدخان العظيم يتفرق تفرق الذوائب ، وخصوصية الثلاث إما لأن حجاب النفس عن أنوار القدس الحس والخيال والوهم ، أو لأن المؤدي إلى هذا العذاب هو القوة الواهمة الحالية في الدماغ والغضبية التي في يمين القلب والشهوية التي في يساره ، ولذلك قيل شعبة تقف فوق الكافر وشعبة عن يمينه وشعبة عن يساره.

(لا ظَلِيلٍ) تهكم بهم ورد لما أوهم لفظ الظل. (وَلا يُغْنِي مِنَ اللهَبِ) وغير مغن عنهم من حر اللهب شيئا.

(إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ)(٣٣)

(إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ) أي كل شرارة (كَالْقَصْرِ) في عظمها ، ويؤيده أنه قرئ «بشرار» ، وقيل هو جمع قصرة وهي الشجرة الغليظة ، وقرئ «كالقصر» بمعنى القصور كرهن ورهن و «كالقصر» جمع قصرة كحاجة وحوج ، و «كالقصر» جمع قصرة وهي أصل العنق والهاء للشعب.

كأنّه جمالات جمع جمال أو جمالة جمع جمل. (صُفْرٌ) فإن الشرار بما فيه من النارية يكون أصفر ، وقيل سود لأن سواد الإبل يضرب إلى الصفرة ، والأول تشبيه في العظم وهذا في اللون والكثرة والتتابع والاختلاط وسرعة الحركة ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص (جِمالَتٌ) وعن يعقوب جمالات بالضم جمع جمالة ، وقد قرئ بها وهي الحبل الغليظ من حبال السفينة شبهه بها في امتداده والتفافه.

(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ)(٣٧)

(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ) أي بما يستحق فإن النطق بما لا ينفع كلا نطق ، أو بشيء من فرط الدهشة والحيرة وهذا في بعض المواقف ، وقرئ بنصب ال (يَوْمُ) أي هذا الذي ذكر واقع يومئذ.

٢٧٦

(وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) عطف (فَيَعْتَذِرُونَ) على (يُؤْذَنُ) ليدل على نفي الإذن والاعتذار عقيبه مطلقا ، ولو جعله جوابا لدل على أن عدم اعتذارهم لعدم الإذن فأوهم ذلك أن لهم عذرا لكن لا يؤذن لهم فيه.

(هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ)(٤٠)

(هذا يَوْمُ الْفَصْلِ) بين المحق والمبطل. (جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ) تقرير وبيان للفصل.

(فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ) تقريع لهم على كيدهم للمؤمنين في الدنيا وإظهار لعجزهم.

(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) إذ لا حيلة لهم في التخلص من العذاب.

(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(٤٣) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ)(٤٥)

(إِنَّ الْمُتَّقِينَ) عن الشرك لأنهم في مقابلة المكذبين. (فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ).

(وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ) مستقرون في أنواع الترفه.

(كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي مقولا لهم ذلك.

(إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) في العقيدة.

(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) يمحض لهم العذاب المخلد ولخصومهم الثواب المؤبد.

(كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ)(٤٧)

(كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ) حال من المكذبين أي الويل ثابت لهم في حال ما يقال لهم ذلك ، تذكيرا لهم بحالهم في الدنيا وبما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع القليل على النعيم المقيم.

(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) حيث عرضوا أنفسهم للعذاب الدائم بالتمتع القليل.

(وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ)(٥٠)

(وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا) أطيعوا واخضعوا أو صلوا أو اركعوا في الصلاة. إذ وي : أنه نزل حين أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثقيفا بالصلاة فقالوا : لا نجبي أي لا نركع فإنها مسبة. وقيل هو يوم القيامة حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون. (لا يَرْكَعُونَ) لا يمتثلون واستدل به على أن الأمر للوجوب وأن الكفار مخاطبون بالفروع.

(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ) بعد القرآن (يُؤْمِنُونَ) إذا لم يؤمنوا به وهو معجز في ذاته مشتمل على الحجج الواضحة والمعاني الشريفة.

عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «من قرأ سورة والمرسلات كتب له أنه ليس من المشركين».

٢٧٧

(٧٨) سورة النبأ

مكية ، وآيها إحدى وأربعون آية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ)(٣)

(عَمَّ يَتَساءَلُونَ) أصله عما فحذف الألف لما مر ، ومعنى هذا الاستفهام تفخيم شأن ما يتساءلون عنه كأنه لفخامته خفي جنسه فيسأل عنه ، والضمير لأهل مكة كانوا يتساءلون عن البعث فيما بينهم ، أو يسألون الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين عنه استهزاء كقولهم : يتداعونهم ويتراءونهم أي يدعونهم ويرونهم ، أو للناس.

(عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ) بيان لشأن المفخم أو صلة (يَتَساءَلُونَ) و (عَمَ) متعلق بمضمر مفسر به ، ويدل عليه قراءة يعقوب : «عمه».

(الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ) بجزم النفي والشك فيه ، أو بالإقرار والإنكار.

(كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ)(٥)

(كَلَّا سَيَعْلَمُونَ) ردع عن التساؤل ووعيد عليه.

(ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ) تكرير للمبالغة و (ثُمَ) للإشعار بأن الوعيد الثاني أشد ، وقيل الأول عند النزع والثاني في القيامة ، أو الأول للبعث والثاني للجزاء. وعن ابن عامر «ستعلمون» بالتاء على تقدير قل لهم ستعلمون.

(أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً)(٨)

(أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَالْجِبالَ أَوْتاداً) تذكير ببعض ما عاينوا من عجائب صنعه الدالة على كمال قدرته ليستدلوا بذلك على صحة البعث كما مر تقريره مرارا ، وقرئ «مهدا» أي أنها لهم كالمهد للصبي مصدر سمي به ما يمهد لينوم عليه.

(وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً) ذكرا وأنثى.

(وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (١٢) وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً)(١٣)

(وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً) قطعا عن الإحساس والحركة استراحة للقوى الحيوانية وإزاحة لكلالها ، أو موتا لأنه أحد التوفيين ومنه المسبوت للميت ، وأصله القطع أيضا.

(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً) غطاء يستتر بظلمته من أراد الاختفاء.

(وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً) وقت معاش تتقلبون فيه لتحصيل ما تعيشون به ، أو حياة تنبعثون فيها عن

٢٧٨

نومكم.

(وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً) سبع سموات أقوياء محكمات لا يؤثر فيها مرور الدهور.

(وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً) متلألئا وقادا من وهجت النار إذا أضاءت ، أو بالغا في الحرارة من الوهج وهو الحر والمراد الشمس.

(وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً)(١٦)

(وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ) السحائب إذا أعصرت أي شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر كقولك : أحصد الزرع إذا حان له أن يحصد ، ومنه أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض ، أو من الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب ، أو الرياح ذوات الأعاصير ، وإنما جعلت مبدأ للإنزال لأنها تنشئ السحاب وتدرأ خلافه ، ويؤيده أنه قرئ «بالمعصرات». (ماءً ثَجَّاجاً) منصبا بكثرة يقال ثجه وثج بنفسه. وفي الحديث «أفضل الحج العج والثج» أي رفع الصوت بالتلبية وصب دماء الهدي ، وقرئ «ثجاجا» و «مثاجج» الماء مصابه.

(لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً) ما يقتات به وما يعتلف من التبن والحشيش.

(وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً) ملتفة بعضها ببعض جمع لف كجذع. قال :

جنّة لف وعيش مغدق

وندامى كلّهم بيض زهر

أو لفيف كشريف أو لف جمع لفاء كخضراء وخضر وأخضار أو متلفة بحذف الزوائد.

(إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً)(١٨)

(إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ) في علم الله تعالى أو في حكمه. (مِيقاتاً) حدا تؤقت به الدنيا وتنتهي عنده ، أو حدا للخلائق ينتهون إليه.

(يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) بدل أو بيان ليوم الفصل. (فَتَأْتُونَ أَفْواجاً) جماعات من القبور إلى المحشر. روي «أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم سئل عنه فقال : يحشر عشرة أصناف من أمتي بعضهم على صورة القردة ، وبعضهم على صورة الخنازير ، وبعضهم منكسون يسحبون على وجوههم ، وبعضهم عمي وبعضهم صم بكم ، وبعضهم يمضغون ألسنتهم فهي مدلاة على صدورهم فيسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع ، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم ، وبعضهم مصلوبون على جذوع من نار ، وبعضهم أشد نتنا من الجيف ، وبعضهم ملبسون جبابا سابغة من قطران لازقة بجلودهم» ثم فسرهم بالقتات وأهل السحت وأكلة الربا والجائرين في الحكم والمعجبين بأعمالهم ، والعلماء الذين خالف قولهم عملهم ، والمؤذين جيرانهم والساعين بالناس إلى السلطان ، والتابعين للشهوات المانعين حق الله ، والمتكبرين الخيلاء.

(وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً)(٢٠)

(وَفُتِحَتِ السَّماءُ) وشققت وقرأ الكوفيون بالتخفيف. (فَكانَتْ أَبْواباً) فصارت من كثرة الشقوق كأن الكل أبواب أو فصارت ذات أبواب.

(وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ) أي في الهواء كالهباء. (فَكانَتْ سَراباً) مثل سراب إذ ترى على صورة الجبال ولم تبق على حقيقتها لتفتت أجزائها وانبثاثها.

(إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآباً (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً)(٢٣).

٢٧٩

(إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً) موضع رصد يرصد فيه خزنة النار الكفار ، أو خزنة الجنة المؤمنين ليحرسوهم من فيحها في مجازهم عليها ، كالمضمار فإنه الموضع الذي تضمر فيه الخيل ، أو مجدة في ترصد الكفرة لئلا يشذ منها واحد كالمطعان ، وقرئ (إِنَ) بالفتح على التعليل لقيام الساعة.

(لِلطَّاغِينَ مَآباً) مرجعا ومأوى.

(لابِثِينَ فِيها) وقرأ حمزة وروح «لبثين» وهو أبلغ. (أَحْقاباً) دهورا متتابعة ، وليس فيها ما يدل على خروجهم منها إذ لو صح أن الحقب ثمانون سنة أو سبعون ألف سنة ، فليس فيه ما يقتضي تناهي تلك الأحقاب لجواز أن يكون المراد أحقابا مترادفة كلما مضى حقب تبعه آخر ، وإن كان فمن قبيل المفهوم فلا يعارض المنطوق الدال على خلود الكفار ، ولو جعل قوله :

(لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (٢٤) إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً (٢٥) جَزاءً وِفاقاً)(٢٦)

(لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً) حالا من المستكن في (لابِثِينَ) أو نصب (أَحْقاباً) ب (لا يَذُوقُونَ) احتمل أن يلبثوا فيها أحقابا غير ذائقين إلا حميما وغساقا ، ثم يبدلون جنسا آخر من العذاب ، ويجوز أن يكون جمع حقب من حقب الرجل إذا أخطأه الرزق ، وحقب العام إذا قل مطره وخيره فيكون حالا بمعنى لابثين فيها حقبين ، وقوله (لا يَذُوقُونَ) تفسير له والمراد بالبرد ما يروحهم وينفس عنهم حر النار ، أو النوم وبالغساق ما يغسق أي يسيل من صديدهم ، وقيل الزمهرير وهو مستثنى من البرد إلا أنه أخر ليتوافق رؤوس الآي ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالتشديد.

(جَزاءً وِفاقاً) أي جوزوا بذلك جزاء ذا وفاق لأعمالهم ، أو موافقا لها أو وافقها وفاقا ، وقرئ «وفاقا» فعال من وفقه كذا.

(إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً)(٢٨)

(إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً) بيان لما وافقه هذا الجزاء.

(وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً) تكذيبا وفعال بمعنى تفعيل مطرد شائع في كلام الفصحاء. وقرئ بالتخفيف وهو بمعنى الكذب كقوله :

فصدقتها وكذبتها

والمرء ينفعه كذّابه

وإنما أقيم مقام التكذيب للدلالة على أنهم كذبوا في تكذيبهم ، أو المكاذبة فإنهم كانوا عند المسلمين كاذبين وكان المسلمون كاذبين عندهم فكأن بينهم مكاذبة ، أو كانوا مبالغين في الكذب مبالغة المغالبين فيه ، وعلى المعنيين يجوز أن يكون حالا بمعنى كاذبين أو مكاذبين ، ويؤيده أنه قرئ «كذابا» وهو جمع كاذب ، ويجوز أن يكون للمبالغة فيكون صفة للمصدر أي تكذيبا مفرطا كذبه.

(وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذاباً) (٣٠)

(وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ) وقرئ بالرفع على الابتداء. (كِتاباً) مصدر لأحصيناه فإن الإحصاء والكتبة يتشاركان في معنى الضبط أو لفعله المقدر أو حال بمعنى مكتوبا في اللوح ، أو صحف الحفظة والجملة اعتراض وقوله :

(فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً) مسبب عن كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات ومجيئه على طريقة الالتفات للمبالغة. وفي الحديث «هذه الآية أشد ما في القرآن على أهل النار».

٢٨٠