أنوار التنزيل وأسرار التأويل - ج ٥

عبدالله بن عمر بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل - ج ٥

المؤلف:

عبدالله بن عمر بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٥٧
  نسخة غير مصححة

يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) فإنه المنتفع به والمقصود بذكره. (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً).

(وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً)(٣)

(وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق بالوعد على الاتقاء عما نهى عنه صريحا أو ضمنا من الطلاق في الحيض ، والإضرار بالمعتدة وإخراجها من المسكن ، وتعدي حدود الله وكتمان الشهادة وتوقع جعل على إقامتها بأن يجعل الله له مخرجا مما في شأن الأزواج من المضايق والغموم ، ويرزقه فرجا وخلفا من وجه لم يخطر بباله. أو بالوعد لعامة المتقين بالخلاص عن مضار الدارين والفوز بخيرهما من حيث لا يحتسبون. أو كلام جيء به للاستطراد عند ذكر المؤمنين. وعنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم «إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم». (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ) فما زال يقرؤها ويعيدها». وروي «أن سالم بن عوف بن مالك الأشجعي أسره العدو ، فشكا أبوه إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال له «اتق الله وأكثر قول : لا حول ولا قوة إلا بالله. ففعل فبينما هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل غفل عنها العدو فاستاقها». وفي رواية «رجع ومعه غنيمات ومتاع». (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) كافيه. (إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ) يبلغ ما يريده ولا يفوته مراد ، وقرأ حفص بالإضافة ، وقرئ «بالغ أمره» أي نافذ و «بالغا» على أنه حال والخبر : (قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً) تقديرا أو مقدرا ، أو أجلا لا يتأتى تغييره ، وهو بيان لوجوب التوكل وتقرير لما تقدم من تأقيت الطلاق بزمان العدة والأمر بإحصائها ، وتمهيد لما سيأتي من مقاديرها.

(وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (٤) ذلِكَ أَمْرُ اللهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً)(٥)

(وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ) لكبرهن. (إِنِ ارْتَبْتُمْ) شككتم في عدتهن أي جهلتم. (فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ) روي أنه لما نزل (وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) قيل فما عدة اللّاتي لم يحضن فنزلت : (وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) أي واللائي لم يحضن بعد كذلك. (وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَ) منتهى عدتهن. (أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ) وهو حكم يعم المطلقات والمتوفى عنهم أزواجهن ، والمحافظة على عمومه أولى من محافظة عموم قوله : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً) لأن عموم أولات الأحمال بالذات وعموم أزواجا بالعرض ، والحكم معلل ها هنا بخلافه ثمة ، ولأنه صح أن سبيعة بنت الحرث وضعت بعد وفاة زوجها بليال فذكرت ذلك لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال «قد حللت فتزوجي» ، ولأنه متأخر النزول فتقديمه في العمل تخصيص وتقديم الآخر بناء للعام على الخاص والأول راجح للوفاق عليه. (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ) في أحكامه فيراعي حقوقها. (يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً) يسهل عليه أمره ويوفقه للخير.

(ذلِكَ أَمْرُ اللهِ) إشارة إلى ما ذكر من الأحكام. (أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ) في أحكامه فيراعي حقوقها. (يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ) فإن الحسنات يذهبن السيئات (وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً) بالمضاعفة.

(أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى (٦) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ ما آتاها سَيَجْعَلُ

٢٢١

اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً)(٧)

(أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ) أي مكانا من مكان سكناكم. (مِنْ وُجْدِكُمْ) من وسعكم أي مما تطيقونه ، أو عطف بيان لقوله من (حَيْثُ سَكَنْتُمْ). (وَلا تُضآرُّوهُنَ) في السكنى. (لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَ) فتلجئوهن إلى الخروج. (وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ) فيخرجن من العدة ، وهذا يدل على اختصاص استحقاق النفقة بالحامل من المعتدات والأحاديث تؤيده. (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ) بعد انقطاع علقة النكاح. (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ) على الإرضاع. (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ) وليأمر بعضكم بعضا بجميل في الإرضاع والأجر. (وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ) تضايقتم. (فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى) امرأة أخرى ، وفيه معاتبة للأم على المعاسرة.

(لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللهُ) أي فلينفق كل من الموسر والمعسر ما بلغه وسعه. (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها) فإنه تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها ، وفيه تطييب لقلب المعسر ولذلك وعد له باليسر فقال : (سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً) أي عاجلا أو آجلا.

(وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً (٨) فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً)(٩)

(وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ) أهل قرية. (عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ) أعرضت عنه إعراض العاتي المعاند. (فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً) بالاستقصاء والمناقشة. (وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً) منكرا والمراد حساب الآخرة ، وعذابها والتعبير بلفظ الماضي للتحقيق.

(فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها) عقوبة كفرها ومعاصيها. (وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً) لا ربح فيه أصلا.

(أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (١٠) رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقاً)(١١)

(أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً) تكرير للوعيد وبيان لما يوجب التقوى المأمور بها في قوله : (فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ) ويجوز أن يكون المراد بالحساب استقصاء ذنوبهم وإثباتها في صحف الحفظة ، وبالعذاب ما أصيبوا به عاجلا. (الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً).

(رَسُولاً) يعني بالذكر جبريل عليه‌السلام لكثرة ذكره ، أو لنزوله بالذكر وهو القرآن ، أو لأنه مذكور في السموات أو ذا ذكر أي شرف ، أو محمدا عليه الصلاة والسلام لمواظبته على تلاوة القرآن ، أو تبليغه وعبر عن إرساله بالإنزال ترشيحا ، أو لأنه مسبب عن إنزال الوحي إليه ، وأبدل منه (رَسُولاً) للبيان أو أراد به القرآن ، و (رَسُولاً). منصوب بمقدر مثل أرسل أو ذكرا مصدر ورسولا مفعوله أو بدله على أنه بمعنى الرسالة. (يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ) حال من اسم (اللهِ) أو صفة (رَسُولاً) ، والمراد ب (الَّذِينَ آمَنُوا) في قوله : (لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) الذين آمنوا بعد إنزاله أي ليحصل لهم ما هم عليه الآن من الإيمان والعمل الصالح أو ليخرج من علم أو قدر أنه يؤمن (مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ) من الضلالة إلى الهدى. (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً) وقرأ نافع وابن عامر ندخله بالنون. (قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقاً) فيه تعجيب وتعظيم لما رزقوا من الثواب.

٢٢٢

(اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً)(١٢)

(اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ) مبتدأ وخبر. (وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ) أي وخلق مثلهن في العدد من الأرض ، وقرئ بالرفع على الابتداء والخبر : (يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَ) أي يجري أمر الله وقضاؤه بينهن وينفذ حكمه فيهن. (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) علة ل (خَلَقَ) أو ل (يَتَنَزَّلُ) ، أو مضمر يعمهما فإن كلّا منهما يدل على كمال قدرته وعلمه.

عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «من قرأ سورة الطلاق مات على سنة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم».

٢٢٣

(٦٦) سورة التحريم

مدنية وآيها اثنتا عشرة آية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)(٢)

(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ) روي أنه عليه الصلاة والسلام خلا بمارية في نوبة عائشة رضي الله تعالى عنها أو حفصة ، فاطلعت على ذلك حفصة فعاتبته فيه فحرم مارية فنزلت. وقيل شرب عسلا عند حفصة ، فواطأت عائشة سودة وصفية فقلن له إنا نشتمّ منك ريح المغافير فحرم العسل فنزلت. (تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ) تفسير ل (تُحَرِّمُ) أو حال من فاعله أو استئناف لبيان الداعي إليه. (وَاللهُ غَفُورٌ) لك هذه الزلة فإنه لا يجوز تحريم ما أحله الله. (رَحِيمٌ) رحمك حيث لم يؤاخذك به وعاتبك محاماة على عصمتك.

(قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ) قد شرع لكم تحليلها وهو حل ما عقّدته بالكفارة ، أو الاستثناء فيها بالمشيئة حتى لا تحنث من قولهم : حلل في يمينه إذا استثنى فيها ، واحتج بها من رأى التحريم مطلقا أو تحريم المرأة يمينا ، وهو ضعيف إذ لا يلزم من وجوب كفارة اليمين فيه كونه يمينا مع احتمال أنه عليه الصلاة والسلام أتى بلفظ اليمن كما قيل (وَاللهُ مَوْلاكُمْ) متولي أمركم (وَهُوَ الْعَلِيمُ) بما يصلحكم (الْحَكِيمُ) المتقن في أفعاله وأحكامه.

(وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ)(٤)

(وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ) يعني حفصة (حَدِيثاً) تحريم مارية أو العسل أو أن الخلافة بعده لأبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما (فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ) أي فلما أخبرت حفصة عائشة رضي الله تعالى عنهما بالحديث. (وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ) واطلع النبي عليه الصلاة والسلام على الحديث أي على إفشائه. (عَرَّفَ بَعْضَهُ) عرف الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم حفصة بعض ما فعلت. (وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ) عن إعلام بعض تكرما أو جازاها على بعض بتطليقه إياها وتجاوز عن بعض ، ويؤيده قراءة الكسائي بالتخفيف فإنه لا يحتمل هاهنا غيره لكن المشدد من باب إطلاق اسم المسبب على السبب والمخفف بالعكس ، ويؤيد الأول قوله : (فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) فإنه أوفق للإعلام.

(إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ) خطاب لحفصة وعائشة على الالتفات للمبالغة في المعاتبة. (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) فقد وجد منكما ما يوجب التوبة ، وهو ميل قلوبكما عن الواجب من مخالصة رسول الله عليه الصلاة والسلام بحب ما يحبه وكراهة ما يكرهه. (وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ) وإن تتظاهرا عليه بما يسؤوه ، وقرأ الكوفيون بالتخفيف.

٢٢٤

(فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) فلن يعدم من يظاهره من الله والملائكة وصلحاء المؤمنين ، فإن الله ناصره وجبريل رئيس الكروبيين قرينه ، ومن صلح من المؤمنين أتباعه وأعوانه. (وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ) متظاهرون ، وتخصيص جبريل لتعظيمه ، والمراد بالصالح الجنس ولذلك عمم بالإضافة وبقوله بعد ذلك تعظيم لمظاهرة الملائكة من جملة ما ينصره الله تعالى به.

(عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً)(٥)

(عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَ) على التغليب ، أو تعميم الخطاب ، وليس فيه ما يدل على أنه لم يطلق حفصة وأن في النساء خيرا منهن لأن تعليق طلاق الكل لا ينافي تطليق واحدة والمعلق بما لم يقع لا يجب وقوعه ، وقرأ نافع وأبو عمرو (يُبْدِلَهُ) بالتخفيف. (مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ) مقرات مخلصات أو منقادات مصدقات. (قانِتاتٍ) مصليات أو مواظبات على الطاعات. (تائِباتٍ) عن الذنوب. (عابِداتٍ) متعبدات أو متذللات لأمر الرسول عليه الصلاة والسلام. (سائِحاتٍ) صائمات سمي الصائم سائحا لأنه يسبح بالنهار بلا زاد ، أو مهاجرات. (ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً) وسط العاطف بينهما لتنافيهما ولأنهما في حكم صفة واحدة إذ المعنى مشتملات على الثيبات والأبكار.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(٧)

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ) بترك المعاصي وفعل الطاعات. (وَأَهْلِيكُمْ) بالنصح والتأديب ، وقرئ و «أهلوكم» عطف على واو (قُوا) ، فيكون (أَنْفُسَكُمْ) أنفس القبيلين على تغليب المخاطبين. (ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ) نارا تتقد بهما اتقاد غيرها بالحطب. (عَلَيْها مَلائِكَةٌ) تلي أمرها وهم الزبانية. (غِلاظٌ شِدادٌ) غلاظ الأقوال شداد الأفعال ، أو غلاظ الخلق شداد الخلق أقوياء على الأفعال الشديدة. (لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ) فيما مضى. (وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ) فيما يستقبل ، أو لا يمتنعون عن قبول الأوامر والتزامها ويؤدون ما يؤمرون به.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي يقال لهم ذلك عند دخولهم النار ، والنهي عن الاعتذار لأنه لا عذر لهم أو العذر لا ينفعهم.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (٨)

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً) بالغة في النصح وهو صفة التائب فإنه ينصح نفسه بالتوبة ، وصفت به على الإسناد المجازي مبالغة أو في النصاحة ، وهي الخياطة كأنها تنصح ما خرق الذنب. وقرأ أبو بكر بضم النون وهو مصدر بمعنى النصح كالشكر والشكور ، أو النصاحة كالثبات والثبوت تقديره ذات نصوح أو تنصح نصوحا ، أو توبوا نصوحا لأنفسكم. وسئل علي رضي الله تعالى عنه عن التوبة فقال :

٢٢٥

يجمعها ستة أشياء على الماضي من الذنوب الندامة ، وللفرائض الإعادة ، ورد المظالم ، واستحلال الخصوم ، وأن تعزم على أن لا تعود ، وأن تربي نفسك في طاعة الله كما ربيتها في المعصية. (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) ذكر بصيغة الأطماع جريا على عادة الملوك ، وإشعارا بأنه تفضل والتوبة غير موجبة وأن العبد ينبغي أن يكون بين خوف ورجاء. (يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَ) ظرف ل (يُدْخِلَكُمْ). (وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) عطف على النبي عليه الصلاة والسلام إحمادا لهم وتعريضا لمن ناوأهم ، وقيل مبتدأ خبره : (نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ) أي على الصراط. (يَقُولُونَ) إذا طفئ نور المنافقين. (رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وقيل تتفاوت أنوارهم بحسب أعمالهم فيسألون إتمامه تفضلا.

(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩) ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ)(١٠)

(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ) بالسيف (وَالْمُنافِقِينَ) بالحجة. (وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) واستعمل الخشونة فيما تجاهدهم به إذا بلغ الرفق مداه. (وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) جهنم أو مأواهم.

و (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ) مثّل الله تعالى حالهم في أنهم يعاقبون بكفرهم ولا يحابون بما بينهم وبين النبي عليه الصلاة والسلام والمؤمنين من النسبة بحالهما. (كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ) يريد به تعظيم نوح ولوط عليهما‌السلام. (فَخانَتاهُما) بالنفاق. (فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً) فلم يغن النبيان عنهما بحق الزواج شيئا إغناء ما. (وَقِيلَ) أي لهما عند موتهما أو يوم القيامة. (ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) مع سائر الداخلين من الكفرة الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء عليهم‌السلام.

(وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ)(١٢)

(وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ) شبه حالهم في أن وصلة الكافرين لا تضرهم بحال آسية رضي الله عنها ومنزلتها عند الله مع أنها كانت تحت أعدى أعداء الله. (إِذْ قالَتْ) ظرف للمثل المحذوف. (رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ) قريبا من رحمتك أو في أعلى درجات المقربين. (وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ) من نفسه الخبيثة وعمله السيئ. (وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) من القبط التابعين له في الظلم.

(وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ) عطف على (امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ) تسلية للأرامل. (الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها) من الرجال (فَنَفَخْنا فِيهِ) في فرجها ، وقرئ «فيها» أي في (مَرْيَمَ) أو في الجملة. (مِنْ رُوحِنا) من روح خلقناه بلا توسط أصل. (وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها) بصحفه المنزلة أو بما أوحى إلى أنبيائه. (وَكُتُبِهِ) وما كتب في اللوح المحفوظ ، أو جنس الكتب المنزلة وتدل عليه قراءة البصريين وحفص بالجمع ، وقرئ «بكلمة الله وكتابه» أي بعيسى عليه‌السلام والإنجيل. (وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ) من عداد المواظبين على الطاعة ، والتذكير للتغليب والإشعار بأن طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال الكاملين حتى عدت من جملتهم ، أو من نسلهم فتكون (مِنْ) ابتدائية.

٢٢٦

عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع : آسية بنت مزاحم امرأة فرعون ، ومريم بنت عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد. وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام».

وعنه عليه الصلاة والسلام «من قرأ سورة التحريم آتاه الله توبة نصوحا».

٢٢٧

(٦٧) سورة الملك

مكية ، وتسمى الواقية والمنجية لأنها تقي قارئها وتنجيه من عذاب القبر ، وآيها

ثلاثون آية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)(٢)

(تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) بقبضة قدرته التصرف في الأمور كلها. (وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) على كل ما يشاء قدير.

(الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ) قدرهما أو أوجد الحياة وأزالها حسبما قدره ، وقدم الموت لقوله : (وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ) ولأنه أدعى إلى حسن العمل. (لِيَبْلُوَكُمْ) ليعاملكم معاملة المختبر بالتكليف أيها المكلفون. (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) أصوبه وأخلصه ، وجاء مرفوعا : «أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعته» ، جملة واقعة موقع المفعول ثانيا لفعل البلوى المتضمن معنى العلم ، وليس هذا من باب التعليق لأنه يخل به وقوع الجملة خبرا فلا يعلق الفعل عنها بخلاف ما إذا وقعت موقع المفعولين. (وَهُوَ الْعَزِيزُ) الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل. (الْغَفُورُ) لمن تاب منهم.

(الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ)(٤)

(الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً) مطابقة بعضها فوق بعض مصدر طابقت النعل إذا خصفتها طبقا على طبق وصف به ، أو طوبقت طباقا أو ذات طباق جمع طبق كجبل وجبال ، أو طبقة كرحبة ورحاب. (ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ) وقرأ حمزة والكسائي «من تفوت» ومعناهما واحد كالتعاهد والتعهد ، وهو الاختلاف وعدم التناسب من الفوت كأن كلّا من المتفاوتين فات عنه بعض ما في الآخر ، والجملة صفة ثانية ل (سَبْعَ) وضع فيها خلق الرحمن موضع الضمير للتعظيم ، والإشعار بأنه تعالى يخلق مثل ذلك بقدرته الباهرة رحمة وتفضلا ، وأن في إبداعها نعما جليلة لا تحصى ، والخطاب فيها للرسول أو لكل مخاطب وقوله : (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ) متعلق به على معنى التسبب أي قد نظرت إليها مرارا فانظر إليها مرة أخرى متأملا فيها لتعاين ما أخبرت به من تناسبها واستقامتها واستجماعها ما ينبغي لها ، وال (فُطُورٍ) الشقوق والمراد الخلل من فطره إذا شقه.

(ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ) أي رجعتين أخريين في ارتياد الخلل والمراد بالتثنية التكرير والتكثير كما في لبيك وسعديك ، ولذلك أجاب الأمر بقوله : (يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً) بعيدا عن إصابة المطلوب كأنه طرد عنه طردا بالصغار (وَهُوَ حَسِيرٌ) كليل من طول المعاودة وكثرة المراجعة.

٢٢٨

(وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ)(٥)

(وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا) أقرب السموات إلى الأرض. (بِمَصابِيحَ) بالكواكب المضيئة بالليل إضاءة السرج فيها ، والتنكير للتعظيم ولا يمنع ذلك كون بعض الكواكب مركوزة في سموات فوقها إذ التزيين بإظهارها فيها. (وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ) وجعلنا لها فائدة أخرى وهي رجم أعدائكم ، والرجوم جمع رجم بالفتح وهو مصدر سمي به ما يرجم به بانقضاض الشهب المسببة عنها. وقيل معناه وجعلناها رجوما وظنونا لشياطين الإنس وهم المنجمون. (وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ) في الآخرة بعد الإحراق بالشهب في الدنيا.

(وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ)(٧)

(وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) من الشياطين وغيرهم. (عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) وقرئ بالنصب على أن (لِلَّذِينَ) عطف على (لَهُمْ) و (عَذابُ) على (عَذابَ السَّعِيرِ).

(إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً) صوتا كصوت الحمير. (وَهِيَ تَفُورُ) تغلي بهم غليان المرجل بما فيه.

(تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ)(٩)

(تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ) تتفرق غيظا عليهم ، وهو تمثيل لشدة اشتعالها بهم ، ويجوز أن يراد غيظ الزبانية. (كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ) جماعة من الكفرة. (سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ) يخوفكم هذا العذاب وهو توبيخ وتبكيت.

(قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ) أي فكذبنا الرسل وأفرطنا في التكذيب حتى نفينا الإنزال والإرسال رأسا ، وبالغنا في نسبتهم إلى الضلال ، فالنذير إما بمعنى الجمع لأنه فعيل أو مصدر مقدر بمضاف أي أهل إنذار ، أو منعوت به للمبالغة أو الواحد والخطاب له ولأمثاله على التغليب ، أو إقامة تكذيب الواحد مقام تكذيب الكل ، أو على أن المعنى قالت الأفواج قد جاء إلى كل فوج منا رسول من الله فكذبناهم وضللناهم ، ويجوز أن يكون الخطاب من كلام الزبانية للكفار على إرادة القول فيكون الضلال ما كانوا عليه في الدنيا ، أو عقابه الذي يكونون فيه.

(وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ)(١١)

(وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ) كلام الرسل فنقبله جملة من غير بحث وتفتيش اعتمادا على ما لاح من صدقهم بالمعجزات. (أَوْ نَعْقِلُ) فنتفكر في حكمه ومعانيه تفكر المستبصرين. (ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ) في عدادهم ومن جملتهم.

(فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ) حين لا ينفعهم ، والاعتراف إقرار عن معرفة ، والذنب لم يجمع لأنه في الأصل مصدر ، أو المراد به الكفر. (فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ) فأسحقهم الله سحقا أبعدهم من رحمته ، والتغليب للإيجاز والمبالغة والتعليل وقرأ الكسائي بالتثقيل.

٢٢٩

(إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ)(١٣)

(إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) يخافون عذابه غائبا عنهم لم يعاينوه بعد ، أو غائبين عنه أو عن أعين الناس ، أو بالمخفي منهم وهو قلوبهم. (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) لذنوبهم. (وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) تصغر دونه لذائذ الدنيا.

(وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) بالضمائر قبل أن يعبر عنها سرا أو جهرا.

(أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)(١٥)

(أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ) ألا يعلم السر والجهر من أوجد الأشياء حسبما قدرته حكمته. (وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) المتوصل علمه إلى ما ظهر من خلقه وما بطن ، أو ألا يعلم الله من خلقه ، وهو بهذه المثابة والتقييد بهذه الحال يستدعي أن يكون ل (يَعْلَمُ) مفعول ليفيد ، روي : أن المشركين كانوا يتكلمون فيما بينهم بأشياء ، فيخبر الله بها رسوله فيقولون : أسروا قولكم لئلا يسمع إله محمد فنبه الله على جهلهم.

(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً) لينة يسهل لكم السلوك فيها. (فَامْشُوا فِي مَناكِبِها) في جوانبها أو جبالها ، وهو مثل لفرط التذليل فإن منكب البعير ينبو عن أن يطأه الراكب ولا يتذلل له ، فإذا جعل الأرض في الذل بحيث يمشي في مناكبها لم يبق شيء لم يتذلل. (وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ) والتمسوا من نعم الله. (وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) المرجع فيسألكم عن شكر ما أنعم عليكم.

(أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ)(١٧)

(أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ) يعني الملائكة الموكلين على تدبير هذا العالم ، أو الله تعالى على تأويل (مَنْ فِي السَّماءِ) أمره أو قضاؤه ، أو على زعم العرب فإنهم زعموا أنه تعالى في السماء ، وعن ابن كثير «وأمنتم» بقلب الهمزة الأولى واوا لانضمام ما قبلها ، «وآمنتم» بقلب الثانية ألفا ، وهو قراءة نافع وأبي عمرو ورويس. (أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ) فيغيبكم فيها كما فعل بقارون وهو بدل من بدل الاشتمال. (فَإِذا هِيَ تَمُورُ) تضطرب ، والمور التردد في المجيء والذهاب.

(أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً) أن يمطر عليكم حصباء. (فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ) كيف إنذاري إذا شاهدتم المنذر به ولكن لا ينفعكم العلم حينئذ.

(وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ)(١٩)

(وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ) إنكاري عليهم بإنزال العذاب ، وهو تسلية للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وتهديد لقومه المشركين.

(أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ) باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها ، فإنهن إذا بسطنها صففن قوادمها. (وَيَقْبِضْنَ) ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن وقتا بعد وقت للاستظهار به على التحريك ، ولذلك عدل به إلى صيغة الفعل للتفرقة بين الأصل في الطيران والطارئ عليه. (ما يُمْسِكُهُنَ) في الجو على خلاف

٢٣٠

الطبع. (إِلَّا الرَّحْمنُ) الشامل رحمته كل شيء بأن خلقهن على أشكال وخصائص هيأتهن للجري في الهواء. (إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ) يعلم كيف يخلق الغرائب ويدبر العجائب.

(أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ)(٢١)

(أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ) عديل لقوله (أَوَلَمْ يَرَوْا) على معنى أو لم تنظروا في أمثال هذه الصنائع ، فلم تعلموا قدرتنا على تعذيبهم بنحو خسف وإرسال حاصب ، أم لكم جند ينصركم من دون الله إن أرسل عليكم عذابه فهو كقوله (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا) إلا أنه أخرج مخرج الاستفهام عن تعيين من ينصرهم إشعارا بأنهم اعتقدوا هذا القسم ، ومن مبتدأ و (هذَا) خبره و (الَّذِي) بصلته صفته و (يَنْصُرُكُمْ) وصف ل (جُنْدٌ) محمول على لفظه. (إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ) لا معتمد لهم.

(أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ) أم من يشار إليه ويقال (هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ). (إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ) بإمساك المطر وسائر الأسباب المخلصة والموصلة له إليكم. (بَلْ لَجُّوا) تمادوا. (فِي عُتُوٍّ) عناد. (وَنُفُورٍ) شراد عن الحق لتنفر طباعهم عنه.

(أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)(٢٢)

(أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى) يقال كببته فأكب وهو من الغرائب كقشع الله السحاب فأقشع ، والتحقيق أنهما من باب أنفض بمعنى صار ذا كب وذا قشع ، وليسا مطاوعي كب وقشع بل المطاوع لهما انكب وانقشع ، ومعنى (مُكِبًّا) أنه يعثر كل ساعة ويخر على وجهه لوعورة طريقه واختلاف أجزائه ، ولذلك قابله بقوله : (أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا) قائما سالما من العثار. (عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) مستوي الأجزاء والجهة ، والمراد تمثيل المشرك والموحد بالسالكين والدينين بالمسلكين ، ولعل الاكتفاء بما في الكب من الدلالة على حال المسلك للإشعار بأن ما عليه المشرك لا يستأهل أن يسمى طريقا ، كمشي المتعسف في مكان متعاد غير مستو. وقيل المراد بالمكب الأعمى فإنه يتعسف فينكب وبالسوي البصير ، وقيل من (يَمْشِي مُكِبًّا) هو الذي يحشر على وجهه إلى النار ومن (يَمْشِي سَوِيًّا) الذي يحشر على قدميه إلى الجنة.

(قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)(٢٤)

(قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ) لتسمعوا المواعظ. (وَالْأَبْصارَ) لتنظروا صنائعه. (وَالْأَفْئِدَةَ) لتتفكروا وتعتبروا. (قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ) باستعمالها فيما خلقت لأجلها.

(قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) للجزاء.

(وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ)(٢٧)

(وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ) أي الحشر أو ما وعدوا به من الخسف والحاصب. (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) يعنون النبي عليه الصلاة والسلام والمؤمنين.

(قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ) أي علم وقته. (عِنْدَ اللهِ) لا يطلع عليه غيره. (وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ) والإنذار يكفي

٢٣١

فيه العلم بل الظن بوقوع المحذر منه.

(فَلَمَّا رَأَوْهُ) أي الوعد فإنه بمعنى الموعود. (زُلْفَةً) ذا زلفة أي قرب منهم. (سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) بأن علتها الكآبة وساءتها رؤية العذاب. (وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ) تطلبون وتستعجلون تفتعلون من الدعاء ، أو (تَدَّعُونَ) أن لا بعث فهو من الدعوى.

(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ)(٣٠)

(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ) أماتني. (وَمَنْ مَعِيَ) من المؤمنين. (أَوْ رَحِمَنا) بتأخير آجالنا. (فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) أي لا ينجيهم أحد من العذاب متنا أو بقينا ، وهو جواب لقولهم (نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ).

(قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ) الذي أدعوكم إليه مولي النعم كلها. (آمَنَّا بِهِ) للعلم بذلك (وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا) للوثوق عليه والعلم بأن غيره بالذات لا يضر ولا ينفع ، وتقديم الصلة للتخصيص والإشعار به. (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) منا ومنكم ، وقرأ الكسائي بالياء.

(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً) غائرا في الأرض بحيث لا تناله الدلاء مصدر وصف به. (فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ) جار أو ظاهر سهل المأخذ.٧٨٦

عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «من قرأ سورة الملك فكأنما أحيا ليلة القدر».

٢٣٢

(٦٨) سورة ن

مكية وآيها ثنتان وخمسون آية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)(٤)

(ن) من أسماء الحروف ، وقيل اسم الحوت والمراد به الجنس أو البهموت وهو الذي عليه الأرض ، أو الدواة فإن بعض الحيتان يستخرج منه شيء أشد سوادا من النفس يكتب به ، ويؤيد الأول سكونه وكتبه بصورة الحرف. (وَالْقَلَمِ) وهو الذي خط اللوح ، أو الذي يخط به أقسم به تعالى لكثرة فوائده وأخفى ابن عامر والكسائي ويعقوب النون إجراء للواو المنفصل مجرى المتصل ، فإن النون الساكنة تخفى مع حروف الفم إذا اتصلت بها. وقد روي ذلك عن نافع وعاصم ، وقرئت بالفتح والكسر ك (ص). (وَما يَسْطُرُونَ) وما يكتبون والضمير ل (الْقَلَمِ) بالمعنى الأول على التعظيم ، أو بالمعنى الثاني على إرادة الجنس وإسناد الفعل إلى الأدلة وإجراؤه مجرى أولي العلم لإقامته مقامهم ، أو لأصحابه أو للحفظة و (ما) مصدرية أو موصولة.

(ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) جواب القسم والمعنى ما أنت بمجنون منعما عليك بالنبوة وحصافة الرأي ، والعامل في الحال معنى النفي وقيل (بِمَجْنُونٍ) الباء لا تمنع عمله فيما قبله لأنها مزيدة ، وفيه نظر من حيث المعنى.

(وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً) على الاحتمال والإبلاغ. (غَيْرَ مَمْنُونٍ) مقطوع أو ممنون به عليك من الناس فإنه تعالى يعطيك بلا توسط.

(وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) إذ تتحمل من قومك ما لا يتحمل أمثالك ، وسئلت عائشة رضي الله تعالى عنها عن خلقه صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالت : كان خلقه القرآن ، ألست تقرأ القرآن (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ).

(فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)(٧)

(فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ) أيكم الذي فتن بالجنون والباء مزيدة ، أو بأيكم الجنون على أن المفتون مصدر كالمعقول والمجلود ، أو بأي الفريقين منكم المجنون أبفريق المؤمنين أو بفريق الكافرين ، أي في أيهما يوجد من يستحق هذا الاسم.

(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ) وهم المجانين على الحقيقة. (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) الفائزين بكمال العقل.

(فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) (٩).

٢٣٣

(فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ) تهييج للتصميم على معاصاتهم.

(وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ) تلاينهم بأن تدع نهيهم عن الشرك ، أو توافقهم فيه أحيانا. (فَيُدْهِنُونَ) فيلاينونك بترك الطعن والموافقة ، والفاء للعطف أي ودوا التداهن وتمنوه لكنهم أخروا ادهانهم حتى تدهن ، أو للسببية أي (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ) فهم يدهنون حينئذ ، أو ودوا ادهانك فهم الآن يدهنون طمعا فيه ، وفي بعض المصاحف «فيدهنوا» على أنه جواب التمني.

(وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ)(١٣)

(وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ) كثير الحلف في الحق والباطل. (مَهِينٍ) حقير الرأي من المهانة وهي الحقارة.

(هَمَّازٍ) عياب. (مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ) نقال للحديث على وجه السعاية. (مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ) يمنع الناس عن الخير من الإيمان والإيقان والعمل الصالح. (مُعْتَدٍ) متجاوز في الظلم. (أَثِيمٍ) كثير الآثام.

(عُتُلٍ) جاف غليظ من عتله إذا قاده بعنف وغلظة. (بَعْدَ ذلِكَ) بعد ما عد من مثالبه. (زَنِيمٍ) دعي مأخوذ من زنمتي الشاة وهما المتدليتان من أذنها وحلقها ، قيل هو الوليد بن المغيرة ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة من مولده. وقيل الأخنس بن شريق أصله من ثقيف وعداده في زهرة.

(أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ)(١٦)

(أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) قال ذلك حينئذ لأنه كان متمولا مستظهرا بالبنين من فرط غروره ، لكن العامل مدلول قال لانفسه ، لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله ، ويجوز أن يكون علة ل (لا تُطِعْ) أي لا تطع من هذه مثاله لأن كان ذا مال. وقرأ ابن عامر وحمزة ويعقوب وأبو بكر «أن كان» على الاستفهام ، غير أن ابن عامر جعل الهمزة الثانية بين بين أي «ألأن كان ذا مال» كذب ، أو أتطيعه لأن كان ذا مال. وقرئ «إن كان» بالكسر على أن شرط الغنى في النهي عن الطاعة كالتعليل بالفقر في النهي عن قتل الأولاد ، أو «أن» شرطه للمخاطب أي لا تطعه شارطا يساره لأنه إذا أطاع للغني فكأنه شرطه في الطاعة.

(سَنَسِمُهُ) بالكي. (عَلَى الْخُرْطُومِ) على الأنف وقد أصاب أنف الوليد جراحة يوم بدر فبقي أثره ، وقيل هو عبارة عن أن يذله غاية الإذلال كقولهم : جدع أنفه ، رغم أنفه ، لأن السمة على الوجه سيما على الأنف شين ظاهر ، أو نسود وجهه يوم القيامة.

(إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (١٧) وَلا يَسْتَثْنُونَ)(١٨)

(إِنَّا بَلَوْناهُمْ) بلونا أهل مكة ـ شرفها الله تعالى ـ بالقحط. (كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ) يريد البستان الذي كان دون صنعاء بفرسخين ، وكان لرجل صالح وكان ينادي الفقراء وقت الصرام ويترك لهم ما أخطأه المنجل وألقته الريح ، أو بعد من البساط الذي يبسط تحت النخلة فيجتمع لهم شيء كثير ، فلما مات قال بنوه إن فعلنا ما كان يفعله أبونا ضاق علينا الأمر ، فحلفوا (لَيَصْرِمُنَّها) وقت الصباح خفية عن المساكين كما قال : (إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ) ليقطعنها داخلين في الصباح.

(وَلا يَسْتَثْنُونَ) ولا يقولون إن شاء الله ، وإنما سماه استثناء لما فيه من الإخراج غير أن المخرج به

٢٣٤

خلاف المذكور والمخرج بالاستثناء عينه ، أو لأن معنى لا أخرج إن شاء الله ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد ، أو (وَلا يَسْتَثْنُونَ) حصة المساكين كما كان يخرج أبوهم.

(فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ(٢١) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ)(٢٢)

(فَطافَ عَلَيْها) على الجنة. (طائِفٌ) بلاء طائف. (مِنْ رَبِّكَ) مبتدأ منه. (وَهُمْ نائِمُونَ).

(فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ) كالبستان الذي صرم ثماره بحيث لم يبق فيه شيء. فعيل بمعنى مفعول ، أو كالليل باحتراقها واسودادها ، أو كالنهار بابيضاضها من فرط اليبس سميا بالصريم لأن كلّا منهما ينصرم عن صاحبه أو كالرمل.

(فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ) أن اخرجوا أو بأن اخرجوا إليه غدوة ، وتعدية الفعل بعلى إما لتضمنه معنى الإقبال أو لتشبيه الغدو للصرام بغدو العدو المتضمن لمعنى الاستيلاء. (إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ) قاطعين له.

(فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ)(٢٥)

(فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ) يتشاورون فيما بينهم وخفى وخفت وخفد بمعنى الكتم ، ومنه الخفدود للخفاش.

(أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ أَنْ) مفسرة وقرئ بطرحها على إضمار القول ، والمراد بنهي المسكين عن الدخول المبالغة في النهي عن تمكينه من الدخول كقولهم : لا أرينك ها هنا.

(وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ) وغدوا قادرين على نكد لا غير ، من حاردت السنة إذا لم يكن فيها مطر ، وحاردت الإبل إذا منعت درها. والمعنى أنهم عزموا أن يتنكدوا على المساكين فتنكد عليهم بحيث لا يقدرون إلا على النكد ، أو غدوا حاصلين على النكد والحرمان مكان كونهم قادرين على الانتفاع. وقيل الحرد بمعنى الحرد وقد قرئ به أي لم يقدروا إلا على حنق بعضهم لبعض كقوله : (يَتَلاوَمُونَ) وقيل الحرد القصد والسرعة قال :

أقبل سيل جاء من أمر

الله يحرد حرد الجنّة المغلّة

أي غدوا قاصدين إلى جنتهم بسرعة قادرين عند أنفسهم على صرامها وقيل علم للجنة.

(فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ)(٢٩)

(فَلَمَّا رَأَوْها) أول ما رأوها. (قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ) طريق جنتنا وما هي بها.

(بَلْ نَحْنُ) أي بعد ما تأملوه وعرفوا أنها هي قالوا (بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) حرمنا خيرها لجنايتنا على أنفسنا.

(قالَ أَوْسَطُهُمْ) رأيا ، أو سنا. (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ) لولا تذكرونه وتتوبون إليه من خبث نيتكم ، وقد قاله حينما عزموا على ذلك ويدل على هذا المعنى.

(قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) أي لولا تستثنون فسمي الاستثناء تسبيحا لتشاركهما في التعظيم ، أو لأنه تنزيه على أن يجري في ملكه ما لا يريده.

٢٣٥

(فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ (٣١) عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (٣٢) كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ)(٣٣)

(فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ) يلوم بعضهم بعضا فإن منهم من أشار بذلك ومنهم من استصوبه ، ومنهم من سكت راضيا ، ومنهم من أنكره.

(قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ) متجاوزين حدود الله تعالى.

(عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها) ببركة التوبة والاعتراف بالخطيئة. وقد روي أنهم أبدلوا خيرا منها وقرئ (يُبْدِلَنا) بالتخفيف. (إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ) راجون العفو طالبون الخير و (إِلى) لانتهاء الرغبة ، أو لتضمنها معنى الرجوع.

(كَذلِكَ الْعَذابُ) مثل ذلك العذاب الذي بلونا به أهل مكة وأصحاب الجنة العذاب في الدنيا. (وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ) أعظم منه. (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) لاحترزوا عما يؤديهم إلى العذاب.

(إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)(٣٦)

(إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي في الآخرة ، أو في جوار القدس. (جَنَّاتِ النَّعِيمِ) جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص.

(أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ) إنكار لقول الكفرة ، فإنهم كانوا يقولون : إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم يفضلونا بل نكون أحسن حالا منهم كما نحن عليه في الدنيا.

(ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) التفات فيه تعجب من حكمهم واستبعاد له ، وإشعار بأنه صادر من اختلال فكر واعوجاج رأي.

(أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ)(٣٩)

(أَمْ لَكُمْ كِتابٌ) من السماء. (فِيهِ تَدْرُسُونَ) تقرؤون.

(إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ) إن لكم ما تختارونه وتشتهونه ، وأصله «أن لكم» بالفتح لأنه المدروس فلما جيء باللام كسرت ، ويجوز أن يكون حكاية للمدروس أو استئنافا وتخير الشيء واختاره أخذ خيره.

(أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا) عهود مؤكدة بالأيمان. (بالِغَةٌ) متناهية في التوكيد ، وقرئت بالنصب على الحال والعامل فيها أحد الظرفين. (إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) متعلق بالمقدر في (لَكُمْ) أي ثابتة لكم علينا إلى يوم القيامة لا نخرج عن عهدتها حتى نحكمكم في ذلك اليوم ، أو ب (بالِغَةٌ) أي أيمان تبلغ ذلك اليوم. (إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ) جواب القسم لأن معنى (أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا) أم أقسمنا لكم.

(سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ)(٤١)

(سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ) بذلك الحكم قائم يدعيه ويصححه.

(أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ) يشاركونهم في هذا القول. (فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ) في دعواهم إذ لا أقل من التقليد ، وقد نبه سبحانه وتعالى في هذه الآيات على نفي جميع ما يمكن أن يتشبثوا به من عقل أو نقل يدل عليه الاستحقاق أو وعد أو محض تقليد ، على الترتيب تنبيها على مراتب النظر وتزييفا لما لا سند

٢٣٦

له. وقيل المعنى (أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ) يعني الأصنام يجعلونهم مثل المؤمنين في الآخرة كأنه لما نفى أن تكون التسوية من الله تعالى نفى بهذا أن تكون مما يشاركون الله به.

(يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ)(٤٣)

(يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ) يوم يشتد الأمر ويصعب الخطب وكشف الساق مثل في ذلك ، وأصله تشمير المخدرات عن سوقهن في الهرب. قال حاتم.

أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّها

وإن شمرت عن ساقها الحرب شمّرا

أو يوم يكشف عن أصل الأمر وحقيقته بحيث يصير عيانا مستعار من ساق الشجر وساق الإنسان ، وتنكيره للتهويل أو للتعظيم. وقرئ «تكشف» و «تكشف» بالتاء على بناء الفاعل أو المفعول والفعل للساعة أو الحال. (وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ) توبيخا على تركهم السجود إن كان اليوم يوم القيامة ، أو يدعون إلى الصلوات لأوقاتها إن كان وقت النزع. (فَلا يَسْتَطِيعُونَ) لذهاب وقته أو زوال القدرة عليه.

(خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ) تلحقهم ذلة. (وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ) في الدنيا أو زمان الصحة. (وَهُمْ سالِمُونَ) متمكنون منه مزاحو العلل فيه.

(فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ)(٤٧)

(فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ) كله إليّ فإني أكفيكه. (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ) سندنيهم من العذاب درجة درجة بالإمهال وإدامة الصحة وازدياد النعمة. (مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) أنه استدراج وهو الإنعام عليهم لأنهم حسبوه تفضيلا لهم على المؤمنين.

(وَأُمْلِي لَهُمْ) وأمهلهم. (إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) لا يدفع بشيء ، وإنما سمي إنعامه استدراجا بالكيد لأنه في صورته.

(أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً) على الإرشاد. (فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ) من غرامة. (مُثْقَلُونَ) بحملها فيعرضون عنك.

(أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ) اللوح أو المغيبات. (فَهُمْ يَكْتُبُونَ) منه ما يحكمون به ويستغنون به عن علمك.

(فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ)(٥٠)

(فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) وهو إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم. (وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ) يونس عليه‌السلام. (إِذْ نادى) في بطن الحوت. (وَهُوَ مَكْظُومٌ) مملوء غيظا من الضجرة فتبتلي ببلائه.

(لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ) يعني التوفيق للتوبة وقبولها وحسن تذكير الفعل للفصل ، وقرئ «تداركته» و «تداركه» أي تتداركه على حكاية الحال الماضية بمعنى لولا أن كان يقال فيه تتداركه. (لَنُبِذَ بِالْعَراءِ) بالأرض الخالية عن الأشجار. (وَهُوَ مَذْمُومٌ) مليم مطرود عن الرحمة والكرامة. وهو حال يعتمد عليها الجواب لأنها المنفية دون النبذ.

(فَاجْتَباهُ رَبُّهُ) بأن رد الوحي إليه ، أو استنبأه إن صح أنه لم يكن نبيا قبل هذه الواقعة. (فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) من الكاملين في الصلاح بأن عصمه من أن يفعل ما تركه أولى ، وفيه دليل على خلق الأفعال

٢٣٧

والآية نزلت حين هم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يدعو على ثقيف ، وقيل بأحد حين حل به ما حل فأراد أن يدعو على المنهزمين.

(وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَما هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ)(٥٢)

(وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ إِنْ) هي المخففة واللام دليلها والمعنى : إنهم لشدة عداوتهم ينظرون إليك شزرا بحيث يكادون يزلون قدمك ، أو يهلكونك من قولهم نظر إليّ نظرا يكاد يصرعني ، أي لو أمكنه بنظره الصرع لفعله ، أو أنهم يكادون يصيبونك بالعين. إذ روي أنه كان في بني أسد عيانون ، فأراد بعضهم أن يعين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فنزلت. وفي الحديث «إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر» ولعله يكون من خصائص بعض النفوس. وقرأ نافع (لَيُزْلِقُونَكَ) من زلقته فزلق كحزنته فحزن ، وقرئ «ليزهقونك» أي ليهلكونك. (لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ) أي القرآن أي ينبعث عند سماعه بغضهم وحسدهم. (وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ) حيرة في أمره وتنفيرا عنه.

(وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ) لما جننوه لأجل القرآن بين أنه ذكر عام لا يدركه ولا يتعاطاه إلا من كان أكمل الناس عقلا وأميزهم رأيا.

عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «من قرأ سورة القلم أعطاه الله ثواب الذين حسن الله أخلاقهم».

٢٣٨

(٦٩) سورة الحاقة

مكية ، وآيها اثنتان وخمسون آية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ)(٣)

(الْحَاقَّةُ) أي الساعة أو الحالة التي يحق وقوعها ، أو التي تحق فيها الأمور أي تعرف حقيقتها ، أو تقع فيها حواق الأمور من الحساب والجزاء على الإسناد المجازي ، وهي مبتدأ خبرها :

(مَا الْحَاقَّةُ) وأصله ما هي أي : أي شيء هي على التعظيم لشأنها والتهويل لها ، فوضع الظاهر موضع الضمير لأنه أهول لها.

(وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ) وأي شيء أعلمك ما هي ، أي أنك لا تعلم كنهها فإنها أعظم من أن تبلغها دراية أحد ، و (ما) مبتدأ و (أَدْراكَ) خبره.

(كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ) (٨)

(كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ) بالحالة التي تقرع فيها الناس بالإفزاع والأجرام بالانفطار والانتشار ، وإنما وضعت موضع ضمير (الْحَاقَّةُ) زيادة في وصف شدتها.

(فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ) بالواقعة المجاوزة للحد في الشدة وهي الصيحة ، أو الرجفة لتكذيبهم (بِالْقارِعَةِ) ، أو بسبب طغيانهم بالتكذيب وغيره على أنها مصدر كالعاقبة وهو لا يطابق قوله :

(وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ) أي شديدة الصوت أو البرد من الصر أو الصر. (عاتِيَةٍ) شديدة العصف كأنها عتت على خزانها فلم يستطيعوا ضبطها ، أو على (عادٌ) فلم يقدروا على ردها.

(سَخَّرَها عَلَيْهِمْ) سلطها عليهم بقدرته ، وهو استئناف أو صفة جيء به لنفي ما يتوهم من أنها كانت من اتصالات فلكية ، إذ لو كانت لكان هو المقدر لها والمسبب. (سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً) متتابعات جمع حاسم من حسمت الدابة إذا تابعت بين كيها ، أو نحسات حسمت كل خير واستأصلته ، أو قاطعات قطعت دابرهم ، ويجوز أن يكون مصدرا منتصبا على العلة بمعنى قطعا ، أو المصدر لفعله المقدر حالا أي تحسمهم (حُسُوماً) ويؤيده القراءة بالفتح ، وهي كانت أيام العجوز من صبيحة أربعاء إلى غروب الأربعاء الآخر ، وإنما سميت عجوزا لأنها عجز الشتاء ، أو لأن عجوزا من عاد توارت في سرب فانتزعتها الريح في الثامن فأهلكتها. (فَتَرَى الْقَوْمَ) إن كنت حاضرهم (فِيها) في مهابها أو في الليالي والأيام. (صَرْعى) موتى جمع صريع. (كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ) أصول نخل. (خاوِيَةٍ) متأكلة الأجواف.

(فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ) من بقية أو نفس باقية ، أو بقاء.

٢٣٩

(وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ)(١٢)

(وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ) ومن تقدمه ، وقرأ البصريان والكسائي (وَمَنْ قَبْلَهُ) أي ومن عنده من أتباعه ، ويدل عليه أنه قرئ «ومن معه». (وَالْمُؤْتَفِكاتُ) قرى قوم لوط والمراد أهلها. (بِالْخاطِئَةِ) بالخطإ أو بالفعلة ، أو الأفعال ذات الخطأ.

(فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ) أي فعصت كل أمة رسولها. (فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً) زائدة في الشدة زيادة أعمالهم في القبح.

(إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ) جاوز حده المعتاد ، أو طغى على خزانه وذلك في الطوفان وهو يؤيد من قبله. (حَمَلْناكُمْ) أي آباءكم وأنتم في أصلابهم. (فِي الْجارِيَةِ) في سفينة نوح عليه الصلاة والسلام.

(لِنَجْعَلَها لَكُمْ) لنجعل الفعلة وهي إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين. (تَذْكِرَةً) عبرة ودلالة على قدرة الصانع وحكمته وكمال قهره ورحمته. (وَتَعِيَها) وتحفظها ، وعن ابن كثير (تَعِيَها) بسكون العين تشبيها بكتف ، والوعي أن تحفظ الشيء في نفسك والإيعاء أن تحفظه في غيرك. (أُذُنٌ واعِيَةٌ) من شأنها أن تحفظ ما يجب حفظه بتذكره وإشاعته والتفكر فيه والعمل بموجبه ، والتنكير للدلالة على قلتها وأن من هذا شأنه مع قلته تسبب لإنجاء الجم الغفير وإدامة نسلهم. وقرأ نافع (أُذُنٌ) بالتخفيف.

(فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ)(١٥)

(فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ) لما بالغ في تهويل القيامة وذكر مآل المكذبين بها تفخيما لشأنها وتنبيها على مكانها عاد إلى شرحها ، وإنما حسن إسناد الفعل إلى المصدر لتقيده وحسن تذكيره للفصل ، وقرئ «نفخة» بالنصب على إسناد الفعل إلى الجار والمجرور والمراد بها النفخة الأولى التي عندها خراب العالم.

(وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ) رفعت من أماكنها بمجرد القدرة الكاملة ، أو بتوسط زلزلة أو ريح عاصفة.

(فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً) فضربت الجملتان بعضها ببعض ضربة واحدة فيصير الكل هباء ، أو فبسطتا بسطة واحدة فصارتا أرضا لا عوج فيها ولا أمتا لأن الدك سبب للتسوية ، ولذلك قيل ناقة دكاء للتي لا سنام لها ، وأرض دكاء للمتسعة المستوية.

(فَيَوْمَئِذٍ) فحينئذ. (وَقَعَتِ الْواقِعَةُ) قامت القيامة.

(وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ)(١٧)

(وَانْشَقَّتِ السَّماءُ) لنزول الملائكة. (فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ) ضعيفة مسترخية.

(وَالْمَلَكُ) والجنس المتعارف بالملك. (عَلى أَرْجائِها) جوانبها جمع رجا بالقصر ، ولعله تمثيل لخراب السماء بخراب البنيان وانضواء أهلها إلى أطرافها وحواليها ، وإن كان على ظاهره فلعل هلاك الملائكة أثر ذلك. (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ) فوق الملائكة الذين هم على الأرجاء ، أو فوق الثمانية لأنها في نية التقديم. (يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ) ثمانية أملاك ، لما روي مرفوعا «أنهم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أمدهم الله

٢٤٠