أنوار التنزيل وأسرار التأويل - ج ٥

عبدالله بن عمر بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل - ج ٥

المؤلف:

عبدالله بن عمر بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٥٧
  نسخة غير مصححة

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ)(١٢)

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) يريد الذين بينهم وبينهم أخوة الكفر أو الصداقة والموالاة. (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ) من دياركم. (لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ) في قتالكم أو خذلانكم. (أَحَداً أَبَداً) أي من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمؤمنين. (وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ) لنعاوننكم. (وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) لعلمه بأنهم لا يفعلون ذلك كما قال :

(لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ) وكان كذلك فإن ابن أبي وأصحابه راسلوا بني النضير بذلك ثم أخلفوهم ، وفيه دليل على صحة النبوة وإعجاز القرآن. (وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ) على الفرض والتقدير. (لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ) انهزاما. (ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ) بعد بل يخذلهم الله ولا ينفعهم نصرة المنافقين ، أو نفاقهم إذ ضمير الفعلين يحتمل أن يكون لليهود وأن يكون للمنافقين.

(لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣) لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ)(١٤)

(لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً) أي أشد مرهوبية مصدر للفعل المبني للمفعول. (فِي صُدُورِهِمْ) فإنهم كانوا يضمرون مخافتهم من المؤمنين. (مِنَ اللهِ) على ما يظهرونه نفاقا فإن استبطان رهبتكم سبب لإظهار رهبة الله. (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) لا يعلمون عظمة الله حتى يخشوه حق خشيته ويعلموا أنه الحقيق بأن يخشى.

(لا يُقاتِلُونَكُمْ) اليهود والمنافقون. (جَمِيعاً) مجتمعين متفقين. (إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ) بالدروب والخنادق. (أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ) لفرط رهبتهم ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «جدار» وأمال أبو عمرو فتحة الدال. (بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ) أي وليس ذلك لضعفهم وجبنهم فإنه يشتد بأسهم إذا حارب بعضهم بعضا ، بل لقذف الله الرعب في قلوبهم ولأن الشجاع يجبن والعزيز يذل إذا حارب الله ورسوله. (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً) مجتمعين متفقين. (وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) متفرقة لافتراق عقائدهم واختلاف مقاصدهم. (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) ما فيه صلاحهم وإن تشتت القلوب يوهن قواهم.

(كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ)(١٧)

(كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي مثل اليهود كمثل أهل بدر ، أو بني قينقاع إن صح أنهم أخرجوا قبل النضير ، أو المهلكين من الأمم الماضية. (قَرِيباً) في زمان قريب وانتصابه بمثل إذ التقدير كوجود مثل. (ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ) سوء عاقبة كفرهم في الدنيا. (وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) في الآخرة.

(كَمَثَلِ الشَّيْطانِ) أي مثل المنافقين في إغراء اليهود على القتال كمثل الشيطان. (إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ) أغراه على الكفر إغراء الآمر المأمور. (فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ) تبرأ عنه

٢٠١

مخافة أن يشاركه في العذاب ولم ينفعه ذلك كما قال.

(فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ) والمراد من الإنسان الجنس. وقيل أبو جهل قال له إبليس يوم بدر (لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ) الآية. وقيل راهب حمله على الفجور والارتداد وقرئ «عاقبتهما» و «خالدان» على أنه خبر إن و (فِي النَّارِ) لغو.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩) لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ)(٢٠)

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ) ليوم القيامة سماه به لدنوه أو لأن الدنيا كيوم والآخرة كغده ، وتنكيره للتعظيم وأما تنكير النفس فلاستقلال الأنفس النواظر فيما قدمن للآخرة كأنه قال :

فلتنظر نفس واحدة في ذلك. (وَاتَّقُوا اللهَ) تكرير للتأكيد ، أو الأول في أداء الواجبات لأنه مقرون بالعمل والثاني في ترك المحارم لاقترانه بقوله : (إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) وهو كالوعيد على المعاصي.

(وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ) نسوا حقه. (فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ) فجعلهم ناسين لها حتى لم يسمعوا ما ينفعها ولم يفعلوا ما يخلصها ، أو أراهم يوم القيامة من الهول ما أنساهم أنفسهم. (أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) الكاملون في الفسوق.

(لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ) الذين استكملوا نفوسهم فاستأهلوا للجنة والذين استمهنوها فاستحقوا النار ، واحتج به أصحابنا على أن المسلم لا يقتل بالكافر. (أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ) بالنعيم المقيم.

(لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ)(٢٢)

(لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ) تمثيل وتخييل كما مر في قوله : (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ) ولذلك عقبه بقوله : (وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) فإن الإشارة إليه وإلى أمثاله. والمراد توبيخ الإنسان على عدم تخشعه عند تلاوة القرآن لقساوة قلبه وقلة تدبره ، والتصدع التشقق. وقرئ «مصدعا» على الإدغام.

(هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) ما غاب عن الحس من الجواهر القدسية وأحوالها ، وما حضر له من الأجرام وأعراضها ، وتقديم (الْغَيْبِ) لتقدمه في الوجود وتعلق العلم القديم به ، أو المعدوم والموجود ، أو السر والعلانية. وقيل الدنيا والآخرة. (هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ).

(هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(٢٤)

(هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ) البالغ في النزاهة عما يوجب نقصانا. وقرئ بالفتح وهو لغة فيه. (السَّلامُ) ذو السلامة من كل نقص وآفة ، مصدر وصف به للمبالغة. (الْمُؤْمِنُ) واهب الأمن ،

٢٠٢

وقرئ بالفتح بمعنى المؤمن به على حذف الجار. (الْمُهَيْمِنُ) الرقيب الحافظ لكل شيء مفيعل من الأمن قلبت همزته هاء. (الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ) الذي جبر خلقه على ما أراده ، أو جبر حالهم بمعنى أصلحه. (الْمُتَكَبِّرُ) الذي تكبر عن كل ما يوجب حاجة أو نقصانا. (سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) إذ لا يشركه في شيء من ذلك.

(هُوَ اللهُ الْخالِقُ) المقدر للأشياء على مقتضى حكمته. (الْبارِئُ) الموجد لها بريئا من التفاوت. (الْمُصَوِّرُ) الموجد لصورها وكيفياتها كما أراد. (ومن أراد الإطناب في شرح هذه الأسماء وأخواتها فعليه بكتابي المسمى ب «منتهى المنى». (لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) لأنها دالة على محاسن المعاني. (يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) لتنزهه عن النقائص كلها. (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) الجامع للكمالات بأسرها فإنها راجعة إلى الكمال في القدرة والعلم.

عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «من قرأ سورة الحشر غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر».

٢٠٣

(٦٠) سورة الممتحنة

مدينة وآيها ثلاث عشرة آية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ)(١)

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ) نزلت في حاطب بن أبي بلتعة ، فإنه لما علم أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يغزو أهل مكة كتب إليهم أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يريدكم فخذوا حذركم ، وأرسل كتابه مع سارة مولاة بني المطلب ، فنزل جبريل عليه‌السلام فأعلم رسول الله ، فبعث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عليا وعمارا وطلحة والزبير والمقداد وأبا مرثد وقال : انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب حاطب إلى أهل مكة ، فخذوه منها وخلوها فإن أبت فاضربوا عنقها ، فأدركوها ثمة فجحدت فهموا بالرجوع ، فسل علي رضي الله تعالى عنه السيف فأخرجته من عقاصها ، فاستحضر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حاطبا وقال : ما حملك عليه؟ فقال : يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك ولكني كنت امرأ ملصقا في قريش وليس لي فيهم من يحمي أهلي ، فأردت أن آخذ عندهم يدا وقد علمت أن كتابي لا يغني عنهم شيئا ، فصدقه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعذره. (تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) تفضون إليهم المودة بالمكاتبة ، والباء مزيدة أو أخبار رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بسبب المودة ، والجملة حال من فاعل (لا تَتَّخِذُوا) أو صفة لأولياء جرت على غير من هي له ، ولا حاجة فيها إلى إبراز الضمير لأنه مشروط في الاسم دون الفعل. (وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِ) حال من فاعل أحد الفعلين. (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ) أي من مكة وهو حال من (كَفَرُوا) أو استئناف لبيانه. (أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ) بأن تؤمنوا به وفيه تغليب المخاطب والالتفات من التكلم إلى الغيبة للدلالة على ما يوجب الإيمان. (إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ) عن أوطانكم. (جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي) علة للخروج وعمدة للتعليق وجواب الشرط محذوف دل عليه (لا تَتَّخِذُوا). (تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) بدل من (تُلْقُونَ) أو استئناف معناه : أي طائل لكم في إسرار المودة أو الإخبار بسبب المودة. (وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ) أي منكم. وقيل (أَعْلَمُ) مضارع والباء مزيدة و «ما» موصولة أو مصدرية. (وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ) أي من يفعل الاتخاذ. (فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ) أخطأه.

(إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)(٣)

(إِنْ يَثْقَفُوكُمْ) يظفروا بكم. (يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً) ولا ينفعكم إلقاء المودة إليهم. (وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ) ما يسوؤكم كالقتل والشتم. (وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) وتمنوا ارتدادكم ، ومجيء (وَدُّوا) وحده بلفظ الماضي للإشعار بأنهم (وَدُّوا) قبل كل شيء ، وأن ودادتهم حاصلة وإن لم يثقفوكم.

٢٠٤

(لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ) قراباتكم. (وَلا أَوْلادُكُمْ) الذين توالون المشركين لأجلهم. (يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ) يفرق بينكم بما عراكم من الهول فيفر بعضكم من بعض فما لكم ترفضون اليوم حق الله لمن يفر منكم غدا ، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الصاد والتشديد وفتح الفاء ، وقرأ ابن عامر يفصل على البناء للمفعول وهو (بَيْنَكُمْ) ، وقرأ عاصم (يَفْصِلُ). (وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) فيجازيكم عليه.

(قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(٥)

(قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) قدوة. اسم لما يؤتسى به. (فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ) صفة ثانية أو خبر كان و (لَكُمْ) لغو أو حال من المستكن في (حَسَنَةٌ) أو صلة لها لا ل (أُسْوَةٌ) لأنها وصفت. (إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ) ظرف لخبر كان. (إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ) جميع بريء كظريف وظرفاء. (وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكُمْ) أي بدينكم أو بمعبودكم ، أو بكم وبه فلا نعتد بشأنكم وآلهتكم. (وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ) فتنقلب العداوة والبغضاء ألفة ومحبة. (إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) استثناء من قوله (أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) فإن استغفاره لأبيه الكافر ليس مما ينبغي أن يأتسوا به ، فإنه كان قبل النهي أو لموعدة وعدها إياه. (وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ) من تمام قوله المستثنى ولا يلزم من استثناء المجموع استثناء جميع أجزائه. (رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) متصل بما قبل الاستثناء أو أمر من الله للمؤمنين بأن يقولوه تتميما لما وصاهم به من قطع العلائق بينهم وبين الكفار.

(رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) بأن تسلطهم علينا فيفتنونا بعذاب لا نتحمله. (وَاغْفِرْ لَنا) ما فرط منا (رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ومن كان كذلك كان حقيقا بأن يجير المتوكل ويجيب الداعي.

(لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦) عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(٧)

(لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) تكرير لمزيد الحث على التأسي بإبراهيم ولذلك صدر بالقسم وأبدل قوله : (لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) من (لَكُمْ) فإنه يدل على أنه لا ينبغي لمؤمن أن يترك التأسي بهم ، وأن تركه مؤذن بسوء العقيدة ولذلك عقبه بقوله : (وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) فإنه جدير بأن يوعد به الكفرة.

(عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً) لما نزل (لا تَتَّخِذُوا) عادى المؤمنون أقاربهم المشركين وتبرؤوا عنهم ، فوعدهم الله بذلك وأنجز إذ أسلم أكثرهم وصاروا لهم أولياء. (وَاللهُ قَدِيرٌ) على ذلك. (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) لما فرط منكم في موالاتهم من قبل ولما بقي في قلوبكم من ميل الرحم.

(لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(٩)

(لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ) أي لا ينهاكم عن مبرّة

٢٠٥

هؤلاء لأن قوله : (أَنْ تَبَرُّوهُمْ) بدل من (الَّذِينَ). (وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) وتفضوا إليهم بالقسط أي العدل. (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) العادلين ، روي أن قتيلة بنت عبد العزى قدمت مشركة على بنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا ، فلم تقبلها ولم تأذن لها بالدخول فنزلت.

(إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ) كمشركي مكة فإن بعضهم سعوا في إخراج المؤمنين وبعضهم أعانوا المخرجين. (أَنْ تَوَلَّوْهُمْ) بدل من (الَّذِينَ) بدل الاشتمال. (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) لوضعهم الولاية في غير موضعها.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(١٠)

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَ) فاختبروهن بما يغلب على ظنكم موافقة قلوبهم لسانهن في الإيمان. (اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَ) فإنه المطلع على ما في قلوبهن. (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ) العلم الذي يمكنكم تحصيله وهو الظن الغالب بالحلف وظهور الأمارات ، وإنما سماه علما إيذانا بأنه كالعلم في وجوب العمل به. (فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ) أي إلى أزواجهن الكفرة لقوله : (لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَ) والتكرير للمطابقة والمبالغة ، أو الأولى لحصول الفرقة والثانية للمنع عن الاستئناف. (وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا) ما دفعوا إليهن من المهور ، وذلك لأن صلح الحديبية جرى : على أن من جاءنا منكم رددناه. فلما تعذر عليه ردهن لورود النهي عنه لزمه رد مهورهن. إذ روي أنه عليه‌السلام كان بعد الحديبية إذ جاءته سبيعة بنت الحرث الأسلمية مسلمة فأقبل زوجها مسافر المخزومي طالبا لها فنزلت. فاستخلفها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فحلفت فأعطى زوجها ما أنفق وتزوجها عمر رضي الله تعالى عنه. (وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَ) فإن الإسلام حال بينهن وبين أزواجهن الكفار. (إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَ) شرط إيتاء المهر في نكاحهن إيذانا بأن ما أعطى أزواجهن لا يقوم مقام المهر. (وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ) بما يعتصم به الكافرات من عقد وسبب جمع عصمة ، والمراد نهي المؤمنين عن المقام على نكاح المشركات ، وقرأ البصريان (وَلا تُمْسِكُوا) بالتشديد. (وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ) من مهور نسائكم اللاحقات بالكفار. (وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا) من مهور أزواجهم المهاجرات. (ذلِكُمْ حُكْمُ اللهِ) يعني جميع ما ذكر في الآية. (يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ) استئناف أو حال من الحكم على حذف الضمير ، أو جعل الحكم حاكما على المبالغة. (وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) يشرع ما تقتضيه حكمته.

(وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ)(١١)

(وَإِنْ فاتَكُمْ) وإن سبقكم وانفلت منكم. (شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ) أحد من أزواجكم ، وقد قرئ به وإيقاع (شَيْءٌ) موقعه للتحقير والمبالغة في التعميم ، أو (شَيْءٌ) من مهورهن. (إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ) فجاءت عقبتكم أي نوبتكم من أداء المهر ، شبه الحكم بأداء هؤلاء مهور نساء أولئك تارة وأداء أولئك مهور نساء هؤلاء أخرى بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب وغيره. (فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا) من مهر المهاجرة ولا تؤتوه زوجها الكافر. روي أنه لما نزلت الآية المتقدمة أبى المشركون أن يؤدوا مهر الكوافر فنزلت. وقيل معناه إن فاتكم فأصبتم من الكفار عقبى وهي الغنيمة (فَآتُوا) بدل الفائت من الغنيمة. (وَاتَّقُوا

٢٠٦

اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ) فإن الإيمان به يقتضي التقوى منه.

(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(١٢)

(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً) نزلت يوم الفتح فإنه عليه‌السلام لما فرغ من بيعة الرجال أخذ في بيعة النساء. (وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَ) يريد وأد البنات. (وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ) في حسنة تأمرهن بها ، والتقييد بالمعروف مع أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يأمر إلا به تنبيه على أنه لا يجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق. (فَبايِعْهُنَ) إذا بايعنك بضمان الثواب على الوفاء بهذه الأشياء. (وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ)(١٣)

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ) يعني عامة الكفار أو اليهود. إذ روي أنها نزلت في بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود ليصيبوا من ثمارهم. (قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ) لكفرهم بها أو لعلمهم بأنهم لاحظ لهم فيها لعنادهم الرسول المنعوت في التوراة المؤيد بالآيات. (كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ) أن يبعثوا أو يثابوا أو ينالهم خير منهم ، وعلى الأول وضع الظاهر فيه موضع المضمر للدلالة على أن الكفر آيسهم.

عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «من قرأ سورة الممتحنة كان له المؤمنون والمؤمنات شفعاء يوم القيامة».

٢٠٧

(٦١) سورة الصف

مدينة ، وقيل مكية وآيها أربع عشرة آية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ)(٣)

(سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) سبق تفسيره.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ) روي أن المسلمين قالوا : لو علمنا أحب الأعمال إلى الله تعالى لبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا فأنزل الله (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا) فولوا يوم أحد فنزلت. و (لِمَ) مركبة من لام الجر وما الاستفهامية والأكثر على حذف ألفها مع حرف الجر لكثرة استعمالهم معا واعتناقهما في الدلالة على المستفهم عنه.

(كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ) المقت أشد البغض ونصبه على التمييز للدلالة على أن قولهم هذا مقت خالص (كَبُرَ) عند من يحقر دونه كل عظيم ، مبالغة في المنع عنه.

(إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ)(٥)

(إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا) مصطفين مصدر وصف به. (كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ) في تراصهم من غير فرجة ، حال من المستكن في الحال الأولى. والرص اتصال بعض البناء بالبعض واستحكامه.

(وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ) مقدر باذكر أو كان كذا. (يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي) بالعصيان والرمي بالأدرة. (وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ) بما جئتكم من المعجزات ، والجملة حال مقررة للإنكار فإن العلم بنبوته يوجب تعظيمه ويمنع إيذاءه ، (وَقَدْ) لتحقيق العلم. (فَلَمَّا زاغُوا) عن الحق. (أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ) صرفها عن قبول الحق والميل إلى الصواب. (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) هداية موصلة إلى معرفة الحق أو إلى الجنة.

(وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ)(٦)

(وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ) ولعله لم يقل (يا قَوْمِ) كما قال موسى لأنه لا نسب له فيهم. (إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً) في حال تصديقي لما تقدمني من التوراة وتبشيري (بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي). والعامل في الحالين ما في الرسول من معنى الإرسال لا الجار لأنه لغو إذ هو صلة للرسول فلا يعمل. (بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) يعني محمدا عليه الصلاة والسلام ،

٢٠٨

والمعنى أن ديني التصديق بكتب الله وأنبيائه ، فذكر أول الكتب المشهورة الذي حكم به النبيون والنبي الذي هو خاتم المرسلين. (فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ) الإشارة إلى ما جاء به أو إليه ، وتسميته سحر للمبالغة ويؤيده قراءة حمزة والكسائي «هذا ساحر» على أن الإشارة إلى عيسى عليه‌السلام.

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)(٩)

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ) أي لا أحد أظلم ممن يدعى إلى الإسلام الظاهر حقيته المقتضى له خير الدارين فيضع موضع إجابته الافتراء على الله بتكذيب رسوله وتسمية آياته سحرا فإنه يعم إثبات المنفي ونفي الثابت وقرئ «يدعى» يقال دعاه وادعاه كلمسه والتمسه. (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) لا يرشدهم إلى ما فيه فلاحهم.

(يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا) أي يريدون أن يطفئوا ، واللام مزيدة لما فيها من معنى الإرادة تأكيدا لها كما زيدت لما فيها من معنى الاضافة تأكيدا لها في لا أبا لك ، أو (يُرِيدُونَ) الافتراء (لِيُطْفِؤُا). (نُورَ اللهِ) يعني دينه أو كتابه أو حجته. (بِأَفْواهِهِمْ) بطعنهم فيه. (وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ) مبلغ غايته بنشره وإعلائه ، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص بالإضافة. (وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ) إرغاما لهم.

(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى) بالقرآن أو المعجزة. (وَدِينِ الْحَقِ) والملة الحنيفية. (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) ليغلبه على جميع الأديان. (وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) لما فيه من محض التوحيد وإبطال الشرك.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)(١١)

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) وقرأ ابن عامر (تُنْجِيكُمْ) بالتشديد.

(تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) استئناف مبين للتجارة وهو الجمع بين الإيمان والجهاد المؤدي إلى كمال عزهم ، والمراد به الأمر وإنما جيء بلفظ الخبر إيذانا بأن ذلك مما لا يترك .. (ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ) يعني ما ذكر من الإيمان والجهاد. (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) إن كنتم من أهل العلم إذ الجاهل لا يعتد بفعله.

(يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)(١٣)

(يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) جواب للأمر المدلول عليه بلفظ الخير ، أو لشرط أو استفهام دل عليه الكلام تقديره إن تؤمنوا وتجاهدوا ، أو هل تقبلون أن أدلكم يغفر لكم ، ويبعد جعله جوابا لهل أدلكم لأن مجرد دلالته لا توجب المغفرة (وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) الإشارة إلى ما ذكر من المغفرة وإدخال الجنة.

(وَأُخْرى تُحِبُّونَها) ولكم إلى هذه النعمة المذكورة نعمة أخرى عاجلة محبوبة ، وفي (تُحِبُّونَها) تعريض بأنهم يؤثرون العاجل على الآجل ، وقيل (أُخْرى) منصوبة بإضمار يعطيكم ، أو تحبون أو مبتدأ خبره : (نَصْرٌ مِنَ اللهِ) وهو على الأول بدل أو بيان وعلى قول النصب خبر محذوف ، وقد قرئ بما عطف

٢٠٩

عليه بالنصب على البدل ، أو الاختصاص أو المصدر. (وَفَتْحٌ قَرِيبٌ) عاجل. (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) عطف على محذوف مثل : قل يا أيها الذين آمنوا (وَبَشِّرِ) ، أو على (تُؤْمِنُونَ) فإنه في معنى الأمر كأنه قال : آمنوا وجاهدوا أيها المؤمنون وبشرهم يا رسول الله بما وعدتهم عليهما آجلا وعاجلا.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ)(١٤)

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ) وقرأ الحجازيان وأبو عمرو بالتنوين واللام لأن المعنى كونوا بعض أنصار الله. (كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ) أي من جندي متوجها إلى نصرة الله ليطابق قوله تعالى : (قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ) والإضافة الأولى إضافة أحد المتشاركين إلى الآخر لما بينهما من الاختصاص ، والثانية إضافة الفاعل إلى المفعول والتشبيه باعتبار المعنى إذ المراد قل لهم كما قال عيسى ابن مريم ، أو كونوا أنصارا كما قال الحواريون حين قال لهم عيسى (مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ). والحواريون أصفياؤه وهم أول من آمن به وكانوا اثني عشر رجلا من الحور وهو البياض. (فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ) أي بعيسى. (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ) بالحجة وبالحرب وذلك بعد رفع عيسى. (فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ) فصاروا غالبين.

عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «من قرأ سورة الصف كان عيسى مصليا عليه مستغفرا له ما دام في الدنيا وهو يوم القيامة رفيقه».

٢١٠

(٦٢) سورة الجمعة

مدنية وآيها إحدى عشرة آية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)(٢)

(يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) وقد قرئ الصفات الأربع بالرفع على المدح.

(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ) أي في العرب لأن أكثرهم لا يكتبون ولا يقرءون. (رَسُولاً مِنْهُمْ) من جملتهم أميا مثلهم. (يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ) مع كونه أميا مثلهم لم يعهد منه قراءة ولا تعلم. (وَيُزَكِّيهِمْ) من خبائث العقائد والأعمال. (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ) القرآن والشريعة ، أو معالم الدين من المنقول والمعقول ، ولو لم يكن له سواه معجزة لكفاه. (وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) من الشرك وخبث الجاهلية ، وهو بيان لشدة احتياجهم إلى نبي يرشدهم ، وإزاحة لما يتوهم أن الرسول تعلم ذلك من معلم ، و (إِنْ) هي المخففة واللام تدل عليها.

(وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)(٤)

(وَآخَرِينَ مِنْهُمْ) عطف على (الْأُمِّيِّينَ) ، أو المنصوب في (يُعَلِّمُهُمُ) وهم الذين جاءوا بعد الصحابة إلى يوم الدين ، فإن دعوته وتعليمه يعم الجميع. (لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ) لم يلحقوا بهم بعد وسيلحقون. (وَهُوَ الْعَزِيزُ) في تمكينه من هذا الأمر الخارق للعادة. (الْحَكِيمُ) في اختياره وتعليمه.

(ذلِكَ فَضْلُ اللهِ) ذلك الفضل الذي امتاز به عن أقرانه فضله. (يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ) تفضلا وعطية. (وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) الذي يستحقر دونه نعيم الدنيا ، أو نعيم الآخرة أو نعيمهما.

(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)(٥)

(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ) علموها وكلفوا العمل بها. (ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها) لم يعملوا بها أو لم ينتفعوا بما فيها. (كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً) كتبا من العلم يتعب في حملها ولا ينتفع بها ، ويحمل حال والعامل فيه معنى المثل أو صفة إذ ليس المراد من (الْحِمارِ) معينا. (بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ) أي مثل الذين كذبوا وهم اليهود المكذبون بآيات الله الدالة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، ويجوز أن يكون الذين صفة للقوم والمخصوص بالذم محذوفا. (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).

٢١١

(قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ(٦) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(٨)

(قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا) تهودوا. (إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ) إذ كانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه. (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ) فتمنوا من الله أن يميتكم وينقلكم من دار البلية إلى محل الكرامة. (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) في زعمكم.

(وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) بسبب ما قدموا من الكفر والمعاصي. (وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) فيجازيهم على أعمالهم.

(قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ) وتخافون أن تتمنوه بلسانكم مخافة أن يصيبكم فتؤخذوا بأعمالكم.

(فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ) لاحق بكم لا تفوتونه ، والفاء لتضمن الاسم معنى الشرط باعتبار الوصف ، وكأن فرارهم يسرع لحوقه بهم. وقد قرئ بغير فاء ويجوز أن يكون الموصول خبرا والفاء عاطفة. (ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) بأن يجازيكم عليه.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(١٠)

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ) أي إذا أذن لها. (مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) بيان ل (إِذا) وإنما سمي جمعة لاجتماع الناس فيه للصلاة ، وكانت العرب تسميه العروبة. وقيل سماه كعب بن لؤي لاجتماع الناس فيه إليه ، وأول جمعة جمعها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه لما قدم المدينة نزل قباء فأقام بها إلى الجمعة ، ثم دخل المدينة وصلّى الجمعة في واد لبني سالم بن عوف. (فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ) فامضوا إليه مسرعين قصدا فإن السعي دون العدو ، وال (ذِكْرِ) الخطبة ، وقيل الصلاة والأمر بالسعي إليها يدل على وجوبها. (وَذَرُوا الْبَيْعَ) واتركوا المعاملة. (ذلِكُمْ) أي السعي إلى ذكر الله. (خَيْرٌ لَكُمْ) من المعاملة فإن نفع الآخرة خير وأبقى. (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) الخير والشر الحقيقيين ، أو إن كنتم من أهل العلم.

(فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ) أديت وفرغ منها. (فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ) إطلاق لما حظر عليهم ، واحتج به من جعل الأمر بعد الحظر للإباحة. وفي الحديث «ابتغوا من فضل الله ليس بطلب الدنيا وإنما هو عيادة مريض وحضور جنازة وزيادة أخ في الله». (وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً) واذكروه في مجامع أحوالكم ولا تخصوا ذكره بالصلاة. (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) بخير الدارين.

(وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)(١١)

(وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها) روي أنه عليه الصلاة والسلام كان يخطب للجمعة فمرت عليه عير تحمل الطعام ، فخرج الناس إليهم إلا اثني عشر رجلا فنزلت. وإفراد التجارة برد الكناية لأنها المقصودة ، فإن المراد من اللهو الطبل الذي كانوا يستقبلون به العير ، والترديد للدلالة على أن منهم من انفض لمجرد سماع الطبل ورؤيته ، أو للدلالة على أن الانفضاض إلى التجارة مع الحاجة إليها والانتفاع بها إذا كان مذموما

٢١٢

كان الانفضاض إلى اللهو أولى بذلك. وقيل تقديره إذا رأوا تجارة انفضوا إليها وإذا رأوا لهوا انفضوا إليه. (وَتَرَكُوكَ قائِماً) أي على المنبر. (قُلْ ما عِنْدَ اللهِ) من الثواب. (خَيْرٌ مِنَ اللهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ) فإن ذلك محقق مخلد بخلاف ما تتوهمون من نفعهما (وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) فتوكلوا عليه واطلبوا الرزق منه.

عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «من قرأ سورة الجمعة أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من أتى الجمعة ومن لم يأتها في أمصار المسلمين».

٢١٣

(٦٣) سورة المنافقين

مدنية وآيها إحدى عشرة آية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ)(٢)

(إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ) الشهادة إخبار عن علم من الشهود وهو الحضور والاطلاع ، ولذلك صدق المشهور به وكذبهم في الشهادة بقوله : (وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ) لأنهم لم يعتقدوا ذلك.

(اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ) حلفهم الكاذب أو شهادتهم هذه ، فإنها تجري مجرى الحلف في التوكيد ، وقرئ «إيمانهم» (جُنَّةً) وقاية من القتل والسبي. (فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ) صدا أو صدودا. (إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) من نفاقهم وصدهم.

(ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ)(٣)

(ذلِكَ) إشارة إلى الكلام المتقدم أي ذلك القول الشاهد على سوء أعمالهم ، أو إلى الحال المذكورة من النفاق والكذب والاستجنان بالإيمان. (بِأَنَّهُمْ آمَنُوا) بسبب أنهم آمنوا ظاهرا. (ثُمَّ كَفَرُوا) سرا ، أو (آمَنُوا) إذا رأوا آية (ثُمَّ كَفَرُوا) حيثما سمعوا من شياطينهم شبهة. (فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ) حتى تمرنوا على الكفر فاستحكموا فيه. (فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ) حقية الإيمان ولا يعرفون صحته.

(وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)(٤)

(وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ) لضخامتها وصباحتها. (وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) لذلاقتهم وحلاوة كلامهم ، وكان ابن أبيّ جسيما فصيحا يحضر مجلس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في جمع مثله ، فيعجب بهيكلهم ويصغي إلى كلامهم. (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ) حال من الضمير المجرور في (لِقَوْلِهِمْ) أي تسمع لما يقولونه مشبهين بأخشاب منصوبة مسندة إلى الحائط في كونهم أشباحا خالية عن العلم والنظر ، وقيل ال (خُشُبٌ) جمع خشباء وهي الخشبة التي نخر جوفها ، شبهوا بها في حسن المنظر وقبح المخبر ، وقرأ أبو عمرو والكسائي وقنبل عن ابن كثير بسكون الشين على التخفيف ، أو على أنه كبدن في جمع بدنة (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ) أي واقعة عليهم لجبنهم واتهامهم ، ف (عَلَيْهِمْ) ثاني مفعولي (يَحْسَبُونَ) ، ويجوز أن يكون صلته والمفعول : (هُمُ الْعَدُوُّ) وعلى هذا يكون الضمير للكل وجمعه بالنظر إلى الخبر لكن ترتب قوله : (فَاحْذَرْهُمْ) عليه يدل على أن الضمير للمنافقين. (قاتَلَهُمُ اللهُ) دعاء عليهم وهو طلب من ذاته أن يلعنهم ، أو تعليم للمؤمنين أن يدعوا عليهم بذلك. (أَنَّى يُؤْفَكُونَ) كيف يصرفون عن الحق.

٢١٤

(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ)(٦)

(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ) عطفوها إعراضا واستكبارا عن ذلك ، وقرأ نافع بتخفيف الواو. (وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ) يعرضون عن الاستغفار. (وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) عن الاعتذار.

(سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) لرسوخهم في الكفر. (إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) الخارجين عن مظنة الاستصلاح لانهماكهم في الكفر والنفاق.

(هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ)(٨)

(هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ) أي للأنصار. (لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا) يعنون فقراء المهاجرين. (وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) بيده الأرزاق والقسم. (وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ) ذلك لجهلهم بالله.

(يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ) روي أن أعرابيا نازع أنصاريا في بعض الغزوات على ماء ، فضرب الأعرابي رأسه بخشبة ، فشكى إلى ابن أبيّ فقال : لا تنفقوا على من عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى ينفضوا ، وإذا رجعنا إلى المدينة فليخرجن الأعز منها الأذل ، عنى بالأعز نفسه وبالأذل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقرئ «ليخرجن» بفتح الياء و «ليخرجن» على بناء المفعول و «لنخرجن» بالنون ، ونصب «الأعز» و «الأذل» على هذه القراءات مصدر أو حال على تقدير مضاف كخروج أو إخراج أو مثل. (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) ولله الغلبة والقوة ولمن أعزه من رسوله والمؤمنين. (وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) من فرط جهلهم وغرورهم.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ)(١١)

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ) لا يشغلكم تدبيرها والاهتمام بها عن ذكره كالصلوات وسائر العبادات المذكرة للمعبود ، والمراد نهيهم عن اللهو بها. وتوجيه النهي إليها للمبالغة ولذا قال : (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ) أي اللهو بها وهو الشغل. (فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) لأنهم باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني.

(وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ) بعض أموالكم ادخارا للآخرة. (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) أي يرى دلائله (فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي) هلا أمهلتني. (إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ) أمد غير بعيد. (فَأَصَّدَّقَ) فأتصدق. (وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) بالتدارك ، وجزم (أَكُنْ) للعطف على موضع الفاء وما بعده ، وقرأ أبو عمرو «وأكون» منصوبا عطفا على «فأصدق» ، وقرئ بالرفع على وأنا أكون فيكون عدة بالصلاح.

٢١٥

(وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْساً) ولن يمهلها. (إِذا جاءَ أَجَلُها) آخر عمرها. (وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) فمجاز عليه ، وقرأ أبو بكر بالياء ليوافق ما قبله في الغيبة.

عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «من قرأ سورة المنافقين برىء من النفاق».

٢١٦

(٦٤) سورة التغابن

مختلف فيها وآيها ثماني عشرة آية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)(٢)

(يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) بدلالتها على كماله واستغنائه. (لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ) قدم الظرفين للدلالة على اختصاص الأمرين به من حيث الحقيقة. (وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) لأن نسبة ذاته المقتضية للقدرة إلى الكل على سواء ثم شرع فيما ادعاه فقال :

(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ) مقدر كفره موجه إليه ما يحمله عليه. (وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) مقدر إيمانه موفق لما يدعوه إليه. (وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) فيعاملكم بما يناسب أعمالكم.

(خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) (٤)

(خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ) بالحكمة البالغة. (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) فصوركم من جملة ما خلق فيهما بأحسن صورة ، حيث زينكم بصفوة أوصاف الكائنات ، وخصكم بخلاصة خصائص المبدعات ، وجعلكم أنموذج جميع المخلوقات. (وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) فأحسنوا سرائركم حتى لا يمسخ بالعذاب ظواهركم.

(يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) فلا يخفى عليه ما يصح أن يعلم كليا كان أو جزئيا ، لأن نسبة المقتضى لعلمه إلى الكل واحدة ، وتقديم تقرير القدرة على العلم لأن دلالة المخلوقات على قدرته أولا وبالذات وعلى علمه بما فيها من الإتقان والاختصاص ببعض الأنحاء.

(أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٥) ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللهُ وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)(٦)

(أَلَمْ يَأْتِكُمْ) يا أيها الكفار. (نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ) كقوم نوح وهود وصالح عليهم‌السلام. (فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ) ضرر كفرهم في الدنيا ، وأصله الثقل ومنه الوبيل لطعام يثقل على المعدة ، والوابل المطر الثقيل القطار. (وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) في الآخرة.

(ذلِكَ) أي المذكور من الوبال والعذاب. (بِأَنَّهُ) بسبب أن الشأن. (كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ) بالمعجزات. (فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا) أنكروا وتعجبوا من أن يكون الرسل بشرا والبشر يطلق للواحد والجمع. (فَكَفَرُوا) بالرسل (وَتَوَلَّوْا) عن التدبر في البينات. (وَاسْتَغْنَى اللهُ) عن كل شيء فضلا عن طاعتهم. (وَاللهُ غَنِيٌ) عن عبادتهم وغيرها. (حَمِيدٌ) يدل على حمده كل مخلوق.

٢١٧

(زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ(٧) فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)(٨)

(زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا) الزعم ادعاء العلم ولذلك يتعدى إلى مفعولين وقد قام مقامهما أن بما في حيزه. (قُلْ بَلى) أي بلى تبعثون. (وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَ) قسم أكد به الجواب. (ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ) بالمحاسبة والمجازاة. (وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) لقبول المادة وحصول القدرة التامة.

(فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) محمد عليه الصلاة والسلام. (وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا) يعني القرآن فإنه بإعجازه ظاهر بنفسه مظهر لغيره مما فيه شرحه وبيانه. (وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) فمجاز عليه.

(يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)(١٠)

(يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ) ظرف (لَتُنَبَّؤُنَ) أو مقدر باذكر ، وقرأ يعقوب «نجمعكم». (لِيَوْمِ الْجَمْعِ) لأجل ما فيه من الحساب والجزاء والجمع جمع الملائكة والثقلين. (ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ) يغبن فيه بعضهم بعضا لنزول السعداء منازل الأشقياء لو كانوا سعداء وبالعكس ، مستعار من تغابن التجار واللام فيه للدلالة على أن التغابن الحقيقي وهو التغابن في أمور الآخرة لعظمها ودوامها. (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً) أي عملا صالحا. (يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً) وقرأ نافع وابن عامر بالنون فيهما. (ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) الإشارة إلى مجموع الأمرين ، ولذلك جعله الفوز العظيم لأنه جامع للمصالح من دفع المضار وجلب المنافع.

(وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) كأنها والآية المتقدمة بيان ل (التَّغابُنِ) وتفصيل له.

(ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)(١٣)

(ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) إلا بتقديره وإرادته. (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) للثبات والاسترجاع عند حلولها ، وقرئ «يهد قلبه» بالرفع على إقامته مقام الفاعل وبالنصب على طريقة (سَفِهَ نَفْسَهُ) ، و «يهدأ» بالهمزة أي يسكن. (وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) حتى القلوب وأحوالها.

(وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) أي فإن توليتم فلا بأس عليه إذ وظيفته التبليغ وقد بلغ.

(اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) لأن إيمانهم بأن الكل منه يقتضي ذلك.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)(١٥)

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ) يشغلكم عن طاعة الله أو يخاصمكم في أمر

٢١٨

الدين أو الدنيا. (فَاحْذَرُوهُمْ) ولا تأمنوا غوائلهم. (وَإِنْ تَعْفُوا) عن ذنوبهم بترك المعاقبة. (وَتَصْفَحُوا) بالإعراض وترك التثريب عليها. (وَتَغْفِرُوا) بإخفائها وتمهيد معذرتهم فيها. (فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يعاملكم بمثل ما عملتم ويتفضل عليكم.

(إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) اختبار لكم. (وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) لمن آثر محبة الله وطاعته على محبة الأموال والأولاد والسعي لهم.

(فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(١٨)

(فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) أي ابذلوا في تقواه جهدكم وطاقتكم. (وَاسْمَعُوا) مواعظه. (وَأَطِيعُوا) أوامره. (وَأَنْفِقُوا) في وجوه الخير خالصا لوجهه. (خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ) أي افعلوا ما هو خير لها ، وهو تأكيد للحث على امتثال هذه الأوامر ، ويجوز أن يكون صفة مصدر محذوف تقديره : إنفاقا خيرا أو خبرا لكان مقدرا جوابا للأوامر. (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) سبق تفسيره.

(إِنْ تُقْرِضُوا اللهَ) تصرفوا المال فيما أمره. (قَرْضاً حَسَناً) مقرونا بإخلاص وطيب قلب. (يُضاعِفْهُ لَكُمْ). يجعل لكم بالواحد عشرا إلى سبعمائة وأكثر ، وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب «يضعفه لكم». (وَيَغْفِرْ لَكُمْ) ببركة الإنفاق. (وَاللهُ شَكُورٌ) يعطي الجزيل بالقليل. (حَلِيمٌ) لا يعاجل بالعقوبة.

(عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) لا يخفي عليه شيء. (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) تام القدرة والعلم.

عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «من قرأ سورة التغابن دفع عنه موت الفجأة» والله أعلم.

٢١٩

(٦٥) سورة الطلاق

مدنية وآيها اثنتا عشرة أو إحدى عشرة آية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً)(١)

(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ) خص النداء وعم الخطاب بالحكم لأنه أمام أمته فنداؤه كندائهم ، أو لأن الكلام معه والحكم يعمهم. والمعنى إذا أردتم تطليقهن على تنزيل المشارف له منزلة الشارع فيه. (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ) أي في وقتها وهو الطهر ، فإن اللام في الأزمان وما يشبهها للتأقيت ، ومن عدة العدة بالحيض علق اللام بمحذوف مثل مستقبلات ، وظاهره يدل على أن العدة بالأطهار وأن طلاق المعتدة بالأقراء ينبغي أن يكون في الطهر ، وأنه يحرم في الحيض من حيث إن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده ولا يدل على عدم وقوعه ، إذ النهي لا يستلزم الفساد ، كيف وقد صح أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لما طلق امرأته حائضا أمره النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالرجعة وهو سبب نزوله. (وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ) واضبطوها وأكملوها ثلاثة أقراء. (وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ) في تطويل العدة والإضرار بهن. (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَ) من مساكنهن وقت الفراق حتى تنقضي عدتهن. (وَلا يَخْرُجْنَ) باستبدادهن أما لو اتفقا على الانتقال جاز إذ الحق لا يعدوهما ، وفي الجمع بين النهيين دلالة على استحقاقها السكنى ولزومها ملازمة مسكن الفراق وقوله : (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) مستثنى من الأول ، والمعنى إلا أن تبذو على الزوج فإنه كالنشوز في إسقاط حقها ، أو إلا أن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها ، أو من الثاني للمبالغة في النهي والدلالة على أن خروجها فاحشة. (وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ) الإشارة إلى الأحكام المذكورة. (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) بأن عرضها للعقاب. (لا تَدْرِي) أي النفس أو أنت أيها النبي أو المطلق. (لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً) وهو الرغبة في المطلقة برجعة أو استئناف.

(فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً)(٢)

(فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَ) شارفن آخر عدتهن. (فَأَمْسِكُوهُنَ) فراجعوهن. (بِمَعْرُوفٍ) بحسن عشرة وإنفاق مناسب ، (أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) بإيفاء الحق واتقاء الضرار مثل أن يراجعها ثم يطلقها تطويلا لعدتها. (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) على الرجعة أو الفرقة تبريا عن الريبة وقطعا للتنازع ، وهو ندب كقوله : (وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ) وعن الشافعي وجوبه في الرجعة. (وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ) أيها الشهود عند الحاجة. (لِلَّهِ) خالصا لوجهه. (ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ) يريد الحث على الإشهاد والإقامة ، أو على جميع ما في الآية. (مَنْ كانَ

٢٢٠